في الذكرى الثامنة للثورة السورية

0
279

فيكتوريوس بيان شمس


تحلّ الذكرى الثامنة للثورة السورية هذه الأيام بالتزامن مع انطلاق انتفاضتي الشعبين السوداني والجزائري ضد أنظمة الحكم المستفردة بالسلطة منذ عقود، رغم استحضار هذه الأنظمة للمثال السوري بما يعنيه من تدمير شبه كلّي للمجتمع وعمرانه في محاولة لردع هذه الشعوب وإجبارها على القبول بالخضوع والخنوع، والتخلي عن مطالبها بالتغيير، خوفاً من تكرار ذات المصير.
انطلقت الثورة السورية في آذار 2011 متأثرة بالحراك الشعبي الذي بدأ في تونس ليشمل عدة كيانات عربية أخرى كمصر وليبيا واليمن والبحرين، وتوسّع في مراحل لاحقة ليشمل لبنان والأردن والعراق وغيرها، وإن بنسب متفاوتة. رغم تشابه البنى السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية، وتشابه الأنظمة الحاكمة منذ عقود في العالم العربي، كأنظمة شمولية فاسدة تتربع على ثروات طبيعية هائلة، فيما تعاني شعوبها من القمع والفقر والحرمان، كانت الثورة السورية هي الأكثر تميّزاً، لجهة العنف الذي استُخدم ضدها، وحجم التدخّل الدولي والإقليمي لدحرها، إذ يوجد اليوم على الأراضي السورية عدّة جيوش، كالجيش الأميركي والصهيوني والبريطاني والروسي والفرنسي والتركي والإيراني، والعديد من الميليشيات الطائفية الأجنبية التي تورّط أغلبها بارتكابات ومجازر ضد الشعب السوري، مواربة، وهي غالباً ما تعزى لأخطاء تكتيكية غير مقصودة، كقصف “قوات التحالف” وعلى رأسها الطيران الأميركي للقرى والمدن وقتل المئات من المدنيين، بذريعة مواجهة التنظيمات الإسلامية المتطرّفة، أو بشكل واضح كما هو الحال بالنسبة للجيشين الروسي والإيراني والميليشيات المرافقة، أيضاً بذات الذرائع (مواجهة التنظيمات الإسلامية المتطرّفة)، إضافة إلى ذرائع أخرى، كالطلب الرسمي السوري من هذه القوات مساعدته على مواجهة “المؤامرة الكونية” عليه، رغم انكارهم هذه الإرتكابات التي كانت في أحيان كثيرة توثّق بشكل مباشر وعلى مرأى العالم كله عبر وسائل الإعلام. وقد أصبحت سوريا حقلاً لتجريب الأسلحة وتسويقها بالنسبة للبعض، كما هو الحال مع الجيش الروسي، والذي صرّح بذلك أكثر من مرة بشكل علني وواضح. فيما تتردّد أنباء عن تجارب تجرى على المعتقلين.
في العام 2014 أوقفت “المفوضية السامية لحقوق الإنسان” التابعة للأمم المتحدة في جنيف  عمليات إحصاء الشهداء في سوريا، بعد أن بلغ عدد الضحايا حتى أواخر العام 2013 أكثر من مئة ألف شهيد، على اعتبار “أن موظفيها لا يستطيعون الوصول بشكل كافٍ إلى مناطق القتال للحصول بأنفسهم على أرقام دقيقة بشأن أعداد ضحايا الحرب في سوريا”. وهو ما يعني أن الأرقام قد تكون أكبر من ذلك بكثير. بينما نشرت “هيومن رايتس ووتش” مستندة إلى إحصاء نشره “المركز السوري لبحوث السياسات” تقريراً أكّدت فيه، أن أعداد القتلى حتى شباط 2016 وصلت إلى 470,000. إضافة إلى أكثر من (90,000) معتقلاً، وحوالي (60,000) مختفي قسرياً (قد تكون الأرقام أعلى بكثير)، من بين هذا الرقم الضخم، هنالك أكثر من (8,000) سيّدة، وحوالي (300) طفلة معتقلة حتى أواسط العام 2018، قسم كبير منهنّ أخذ كرهائن، حتى يسلّم ذويهم من الذكور أنفسهم لقوات النظام. هذا إضافة إلى أن نصف الكتلة السكانية السورية تم تهجيرها ما بين نزوح داخلي، ولجوء في الخارج، فيما تبلغ التكلفة التقديرية لإعادة الإعمار حوالي نصف ترليون دولار أميركي.
وفي الوقت الذي اعتبر النظام السوري وداعميه، أنّهم حققوا انتصارهم على الشعب السوري بإخماد الثورة بالعنف المفرط الذي أجبر حواضن الثورة على  ما بات يُعرف بـ “المصالحات”، والتي اعتقل وهجّر على اثرها عدد كبير من موقّعيها، وبقيت إدلب بانتظار الحسم النهائي، أي بانتظار تسوية دولية يبدو النظام السوري فيها كأي طرف خارجي وسط قصف روسي متواصل لمناطق غرب الفرات، وتهديدات واجتياحات تركية متكرّرة لعدة مناطق في الشمال. هذا عدا عن قصف صهيوني بات اعتيادياً لقوات النظام وداعميه الإيرانيين بتنسيق “اسرائيلي” – روسي، عاد  النظام مجدداً لنصب تماثيله في المناطق التي انتفضت عليه، كما حصل في الآونة الأخيرة عندما نصب تمثال جديد للرئيس السابق حافظ الأسد مكان التمثال القديم الذي حطمه الثوار في العام 2011 في مدخل مدينة درعا. وبالتزامن مع نصب التمثال، وبما يشبه بالضبط ما حدث في العام 2011 عندما اعتقلت شعبة “الأمن السياسي” التي كان يقودها ابن خالة بشار الأسد الجنرال عاطف نجيب، والذي اعتقل أطفال درعا وقال قوله الشهير الذي أشعل الشرارة: “انسوا الأطفال، أنجبوا غيرهم، أو نقوم نحن بالمهمة نيابة عنكم”، زار رئيس “شعبة المخابرات العامة” اللواء محمد محلا مدينة درعا على رأس وفد أمني بتكليف من بشار الأسد للإجتماع بوجهاء المدينة في أواخر شباط 2019، ليقدم له هؤلاء ورقة مكونة من (13) مطلباً، كان أبرزها معرفة مصير المعتقلين، ليدعوهم إلى نسيان المعتقلين قبل عام 2014، وأطلق وعوداً ببذله جهوداً لإخراج من اعتقلوا بعد ذلك التاريخ و ما زالوا أحياء. مشيراً إلى أن المعتقلين قبل العام 2014 “في وضع حرج وربما يكون معظمهم قد توفي”. وهو ما دفع الناس للخروج مجدّداً في مظاهرات تبدو وكأنها الموجة الثانية للثورة.
فيما كان من المنتظر أن يخضع الشعب السوري ويرتدع ويعود إلى حظيرة الطاعة، وأن يصبح عبرة لغيره من الشعوب التواقة للحرية، أثبت الواقع أن النظام هو من لم يتعلّم من دروس السنوات الثمانية الماضية. لقد أربكت هذه الثورات النظام الرسمي العربي كلّه من المحيط إلى الخليج، فما ان تخمد ثورة حتى تندلع الأخرى، والمطالب هي ذاتها: نظام ديموقراطي تعددي لا مكان للفساد فيه، يضمن كرامة الإنسان في وطنه، ويؤمّن العدالة والمساواة لجميع أبنائه.

ننوّه إلى أن الآراء الواردة في المواد المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن آراء ومواقف “الرابطة الأممية للعمال – الأممية الرابعة”