تاريخ الثورة الروسية (ج2) مقدّمة المؤلّف

0
485

قامت روسيا بثورتها البرجوازية بصورة متأخرة إلى حد جعلها مضطرة لتحويل هذه الثورة إلى ثورة بروليتارية. أي أن روسيا كانت متأخرة عن البلدان الأخرى لدرجة أجبرتها إلى تجاوز هذه البلدان في بعض المجالات على الأقل. وقد يبدو هذا الأمر عجيبًا، ولكن التاريخ مفعم بمثل هذه المفارقات. ولقد سبقت إنكلترا الرأسمالية البلدان الأخرى لدرجة جعلتها مضطرة إلى تعديل خطواتها. ويعتقد المدعون المتبجحون أن الجدلية عبارة عن لعبة ذهنية بلا جدوى. والحقيقة أنها تقدم فقط مسار التطور الذي يعيش ويتحرك وسط التناقضات.

وكان على الجزء الأول من هذا الكتاب أن يشرح، لِمَ تعثّر النظام الديموقراطي، الذي جاء ليحل محل القيصرية بشكل متأخر تاريخيًّا، ولماذا وجد نفسه غير قادر على الحياة. ويبحث الجزء الحالي استيلاء البلاشفة على السلطة. ويتشكل أساس الطرح هنا أيضًا من السرد. وعلى القارئ أن يجد في صلب الأحداث قاعدة كافية للاستنتاجات.

ولا يعني هذا أن المؤلف يود تحاشي التعميمات الاجتماعية. فليس للتاريخ أي معنى إذا لم يعلمنا شيئًا ما. إن تصميم الثورة الروسية القوي، وتعاقب مراحلها، وتمتع اندفاع جماهيرها بقوة لا تقهر، وتشكيل التجمعات السياسية بشكل كامل، ووضوح الشعارات، تساعد كلها على فهم الثورة بصورة عامة، كما تساعد بالتالي على فهم المجتمع البشري. وذلك لأن بوسعنا أن نبرهن بواسطة مسيرة التاريخ كلها، على أن المجتمع الممزق بالصراعات الداخلية، لا يكشف تكوينه الداخلي العضوي فحسب، بل يكشف “روحه” أيضًا، وخاصة خلال الثورة.

ولا بُدَّ أن يساعد الكتاب الحالي بصورة مباشرة على فهم طبيعة الاتحاد السوفييتي. ويتمتع كتابنا بأهمية بالغة، ويشكل كتاب الساعة لا لأن أحداث ثورة أكتوبر (تشرين الأول) جرت تحت أنظار جيل لا يزال حيًّا -مع أن هذا الأمر لا يخلو من الأهمية- بل لأن النظام الذي انبثق عن هذه الثورة قائم، يتطور، ويطرح أمام الإنسانية معضلات جديدة. وتبقى المسألة التي يشكلها وجود بلاد السوفييت مسألة هامة دائمة في العالم أجمع. ولكن من المتعذر فهم هذه البلاد قبل إيضاح مسبق لمعرفة كيف تكوّن كل ما هو قائم الآن. خاصة وأن التقديرات السياسية تتطلب أفقًا تاريخيًّا واسعًا.

ولقد احتجنا إلى جزءين بغية شرح الأحداث التي جرت خلال ثمانية أشهر من فبراير (شباط) إلى أكتوبر (تشرين الأول) 1917. ولم تتهمنا الانتقادات بصورة عامة بالإطالة. ويمكن تفسير ضخامة حجم الكتاب بالشكل الذي يتم به تقييم المواد، فقد يقدم المرء صورة يد فيحتاج ذلك لصفحة واحدة. ولكن تقديم نتائج الفحوص المجهرية لأنسجة هذه اليد، يتطلب كتابًا كاملاً. ولا يدعي المؤلف تكامل البحث الذي قام به وكماله المطلق. ومع ذلك، فقد استخدم في كثير من الحالات أساليب، هي أقرب إلى أساليب المجهر منها إلى أساليب آلة التصوير.

وفي بعض اللحظات، وعندما كنَّا نرى بأننا قد نستنفذ صبر القارئ كنا نلجأ إلى تشطيب واسع النطاق، يشمل شهادات عدد من الشهود واعترافات بعض المشتركين بالأحداث، وعددًا من الروايات الثانوية، ثم لا نلبث بعد ذلك أن نعيد كثيرًا مما شطبناه. وكان دليلنا خلال هذا الصراع في سبيل التفاصيل، هو رغبتنا في أن نقدم مسيرة الثورة نفسها بشكل واقعي إلى أبعد حد ممكن. ومن المستحيل ولا شك عدم العمل على الإفادة من ميزة كبيرة، هي أن هذا التاريخ كُتب على الطبيعة، وقبل تقادم الأحداث.

إن آلاف وآلاف الكتب تغمر السوق كل سنة لتقدم صورة ما لقصة فردية، والتحدث عن شكوك شخص قلق، أو حياة رجل طموح. إن بطلة بروست بحاجة لعدد من الصفحات المنمقة كيما تصل إلى الإحساس بأنها لا تحس بشيء. وإننا نعتقد بأنه يحق لنا أن نهتم بشكل مماثل على الأقل بالمآسي الجماعية التي تنبثق في التاريخ من العدد الذي يمثله مئات ملايين بني البشر، وتبدل طبيعة الأمم، وتدخل إلى الأبد في حياة الإنسانية.

ولم يحتج أي إنسان حتى الآن على صحة الأدلة والاستشهادات، المذكورة في الجزء الأول. ومن المؤكد أن مثل هذا الاحتجاج صعب للغاية. ويكتفي الخصوم غالبًا بالاعتماد على الفكرة القائلة بأن التحيز الشخصي قد يتمثل في اختيار الأحداث والأقوال بشكل مصطنع وحيد الاتجاه. وبالرغم من صحة هذه الفكرة في حد ذاتها، فإنها لا تقول شيئًا عن الكتاب الحالي، أو عن الأساليب العلمية المستخدمة عند وضعه؛ لذا فإننا نسمح لأنفسنا بأن نؤكد بكل شدة، على أن عامل الذاتية محدد، ومحدود، ومراقب من قبل طبيعة المؤرخ نفسه، وطبيعة أسلوبه، وإن يكن تأثير طبيعة الأسلوب أكبر.

إن المدرسة النفسية البحتة، التي تعتبر نسيج الأحداث كتسلسل نشاطات حرة يقوم بها الأفراد أو جماعاتهم، تترك مجالاً كبيرًا للتحيز، حتى ولو تمتع الباحث بأحسن النوايا. ويفرض الأسلوب المادي انضباطًا معينًا عندما يفرض عليك الانطلاق من الأمور الأساسية الخاصة بالبنية الاجتماعية. ونحن نرى أن القوى الجوهرية للتطور التاريخي تتمثل في الطبقات، وتستند الأحزاب السياسية على هذه الطبقات. وتظهر الأفكار والشعارات كالعملة الصغيرة في المصالح الموضوعية. وتقود مسيرة الدراسة كلها من الموضوعي إلى الذاتي، ومن الاجتماعي إلى الفردي، ومن الرئيسي إلى التفصيلي. وهكذا تنتصب أمام تحيز المؤلف حدود شديدة قاسية.

لو أن مهندس مناجم اكتشف عن طريق السبر فلزات حديد مغناطيسية في منطقة غير مستثمرة، لأمكن القول بأن ذلك يرجع إلى الصدفة الحسنة، ولو لم يحدد بعد حفر المنجم. ولكن لو أن المهندس نفسه، اعتمد على دلالات الإبرة المغناطيسية واستنتج بأن أرضًا ما تضم في جوفها حتمًا كمية من الفلزات، ثم اكتشف بعد ذلك في عدد من أرجاء هذه الأرض مناجم للفلزات، لما استطاع أي متحفظ أو مناكف أن يعزو الأمر للصدفة. إن ما يقنع تمامًا، هو الأسلوب الذي يجمع ويوحِّد العام والخاص.

ولا ينبغي البحث عن أدلة الموضوعية العلمية في عيني المؤرخ أو رنة صوته بل في التسلسل المنطقي لحديثه نفسه، فإذا كانت الروايات، والشهادات، والأرقام، والاستشهادات متلائمة مع الدلائل العامة للإبرة المغناطيسية والتحليل الاجتماعي، وصل القارئ إلى أفضل الضمانات الجادة الخاصة بالصلابة العلمية للاستنتاجات. وبصورة أوضح: إن المؤلف مخلص للموضوعية ضمن الحدود التي يكشف فيها هذا الكتاب بصورة أكيدة حتمية انتفاضة أكتوبر (تشرين الأول) وأسباب انتصارها.

ويعرف القارئ، أننا نبحث في الثورة قبل كل شيء آخر عن تدخل الجماهير المباشر في مصير المجتمع. ونبحث خلف الأحداث بغية اكتشاف تحولات الوعي الجماعي. ونستبعد الأوهام الخاطئة المتعلقة بحركة “قوى أولية”؛ إذ لا تفسر هذه الأوهام عادة أي شيء، ولا تقدم لنا أية معلومات. ويتم تنفيذ الثورة وفق عدد من القوانين، ولكن هذا لا يعني بأن الجماهير التي تُنفذ الثورة تعي قوانين الثورة بكل وضوح، ولكنه يعني أن تحولات وعي الجماهير لا تأتي بشكل صُدفي، ولكنها تأتي وفق ضرورة موضوعية خاصة لشرح نظري، وتخلق بذلك قاعدة للتوقعات والقيادة.

ومن المستغرب أن بعض المؤرخين الرسميين السوفييت حاولوا نقد وجهة نظرنا على اعتبارها مثالية. ولقد أكبر البروفسور بوكروفسكي مثلاً على أننا بخسنا قيمة العوامل الموضوعية للثورة: “وتم بين فبراير (شباط) وأكتوبر (تشرين الأول) اضطراب اقتصادي كبير”، “وخلال هذه الفترة ثار الفلاحون… ضد الحكومة المؤقتة”، ونحن نرى بأن علينا أن نرى القوى المحركة للثورة في هذه “التحركات الموضوعية” لا في التطورات النفسية المتبدلة. ويطرح بوكروفسكي الأسئلة بوضوح يستحق الثناء، كاشفًا بذلك ضعف التفسير الاقتصادي العام الخاطئ للتاريخ، ذلك التفسير الذي حاول الكثيرون غالبًا اعتباره ماركسية.

ولا تنجم التحولات الجذرية التي تتم خلال الثورة عن الهزات المتناوبة التي تصيب الاقتصاد خلال الأحداث نفسها، ولكنها تنجم عن التحولات الرئيسية التي تراكمت في قواعد المجتمع نفسها خلال الحقبة السابقة كلها. من المؤكد أن الاضطراب الاقتصادي تزايد باستمرار عشية قلب الملكية، وفي الفترة الواقعة بين فبراير (شباط) وأكتوبر (تشرين الأول)، مؤديًا إلى زيادة حدة تذمر الجماهير. وهذا أمر لا جدال فيه، ولم يغب عن انتباهنا لحظة واحدة. ولكن من الخطأ الفاحش أن نعتقد بأن الثورة الثانية تمت بعد الثورة الأولى بثمانية أشهر، نظرًا لأن حصة الخبز نقصت خلال هذه الفترة، وانخفضت من ليبرة ونصف إلى ثلاثة أرباع الليبرة.

لقد تزايدت حالة الجماهير من الناحية التموينية سوءًا في السنوات التي تلت انتفاضة أكتوبر (تشرين الأول) مباشرة. ومع هذا فإن آمال سياسيي الثورة المضادة المتعلقة بانتفاضة جديدة انتهت كل مرة إلى الفشل. وقد يبدو الأمر غريبًا لكل من يتصور انتفاضة الجماهير كحركة “قوى أولية”، أي كعصيان قطيع بشري يحسن الموجهون استخدامه. والحقيقة أن الحرمان لا يكفي لتفسير الانتفاضة، وإلا لكانت الجماهير في ثورة لا تنقطع. ولا بُدَّ أن يبدو عجز النظام الاجتماعي واضحًا بشكل يجعل الحرمان غير محتمل، وأن تظهر ظروف جديدة وأفكار جديدة تفتح السبيل أمام أفق مخرج ثوري. وما أن تعي الجماهير سعة المخطط المرسوم أمامها حتى تصبح قادرة على تحمل حرمان مضاعف أو مثلث.

وتكشف الإشارة إلى انتفاضة الطبقة الفلاحية “كعامل موضوعي” ثان عن سوء تفاهم أخطر من سابقه. لقد كانت الحرب بالنسبة للبروليتاريا، وهذا أمر مفهوم، ظرفًا موضوعيًّا ضمن الحدود التي تجعل أعمال طبقة ما الحوافز الخارجية لتشكيل وعي طبقة أخرى. ولكن السبب المباشر للانتفاضة الفلاحية نفسها كان كامنًا في تحولات حالة الريف الفكرية. ولقد خصصنا فصلاً كاملاً في هذا الكتاب لبحث طبيعة هذه التحولات. وعلينا أن لا ننسى بأن الثروات تتم من قبل الرجال، وغالبًا ما يكون هؤلاء الرجال من المجهولين. ولا تنكر المادية دور الإنسان الذي يحس، ويفكر، ويعمل، ولكنها تفسره. وماذا يمكن أن يكون دور المؤرخ غير ذلك(1)؟

وتميل بعض انتقادات المعسكر الديمقراطي إلى العمل بواسطة براهين غير مباشرة. ولقد وجدت هذه الانتقادات في موقف المؤلف “الساخر” من الزعماء التوفيقيين تعبيرًا عن ذاتية غير مقبولة، تسيء إلى طبيعة الطرح العلمية. وإننا نعتقد بأن هذا المقياس غير مقنع. إن مبدأ سبينوزا “عدم البكاء، وعدم الضحك، والاكتفاء بالفهم” يحذرنا فقط من إطلاق ضحكة في غير محلها، أو ذرف الدموع بلا معنى. ولكن هذا المبدأ لا يجرد الإنسان، حتى ولو كان مؤرخًا، من حقه ببعض الضحكات والدموع، عندما تكون مبررة بفهم صحيح لهدفها نفسه. إن السخرية الفردية البحتة، التي تنتشر على شكل غيمة خفيفة من اللا مبالاة فوق كل أعمال البشرية وأفكارها، تقدم أسوأ أشكال التبجح الأجوف، وهي خاطئة في كتاب فني مثل خطئها في عمل تاريخي. ولكن هناك سخرية تكمن في قاعدة العلاقات الحيوية. وعلى المؤرخ والفنان أن يعبرا عنها.

انقطاع التوافق بين الذاتي والموضوعي هو بصورة عامة المصدر الأساسي للهزلي والمأساوي في الحياة والفن. ولا ينجو مجال السياسة من تأثير هذا القانون ولا يتسم الأشخاص  والأحزاب بالبطولة أو السخف بناء على وصفهم الذاتي، ولكنهم يأخذون هذه الصفة أو تلك بناء على موقفهم أمام الظروف. عندما دخلت الثورة الفرنسية مرحلتها الحاسمة، بدا أشهر الجيرونديين بائسًا سخيفًا أمام أي يعقوبي بسيط. ولقد كان جان – ماري رولاند شخصية مشهورة كمفتش لمصانع ليون، ولكنه بدا صورة حية للشخص المضحك في عام 1792. وكان اليعاقبة على العكس على مستوى الظروف. وقد يثيرون لدى الآخرين العداء، والحقد، والغيظ، ولكنهم لا يثيرون السخرية أبدًا.

إن بطلة ديكنز التي تحاول أن تمنع بمكنستها صعود المد، أنموذج واضح للإنسان المضحك، نظرًا لعدم تلاؤم الوسيلة مع الهدف. فإذا قلنا بأن هذه الشخصية ترمز إلى سياسة الأحزاب التوفيقية في الثورة بدا في قولنا شيء من المبالغة. ولكن تسيريتلي” المحرك الحقيقي لنظام ازدواجية السلطة، اعترف بعد ثورة أكتوبر (تشرين الأول) للزعيم الليبرالي نابوكوف بما يلي: “لم يكن كل ما عملناه آنذاك سوى محاولة بلا جدوى” لاستخدام بعض نشارة الخشب لإيقاف السيل المدمر للعناصر المنطلقة من عقالها”، وإننا نلحظ هنا رنة نقد ساخر سيئ. وهذه هي أصدق الأقوال التي تحدث بها التوفيقيون عن أنفسهم. إن الامتناع عن السخرية عند وصف “الثوريين” الذين يحاولون إيقاف الثورة بواسطة نشارة الخشب، عبارة عن عمل يرضي المتبجحين، ولكنه يظلم الحقيقة ويبتعد عن الموضوعية.

وفي المهجر كتب الفوضوي بيير ستروفيه الذي كان من قبل ماركسيًّا، ما يلي: “لم يكن في الثورة شيء منطقي، مخلص لجوهره سوى البلشفية؛ ولذا انتصرت البلشفية في الثورة”. ويتحدث زعيم الليبرالية ميليوكوف عن البلاشفة باللهجة نفسها تقريبًا: “كانوا يعرفون أين يذهبون، ويسيرون باتجاه واحد بعد تحديده بصورة نهائية، ويتحركون نحو الهدف الذي كان يزداد اقترابًا كلما قام التوفيقيون بمحاولة فاشلة جديدة”، وأخيرًا فإن أحد المهاجرين البيض المغمورين حاول فهم الثورة على طريقته فكتب ما يلي: “وكان السير على هذا السبيل بحاجة لرجال من حديد… ثوريين “محترفين” لا يخشون إيقاظ روح الثورة الجارفة”. ويمكن إعطاء البلاشفة وصفًا ينطبق عليهم أكثر من انطباقه على اليعاقبة إذا قلنا: بأنهم ملائمون للعصر ومهماته. ولقد وجهت لهم الاتهامات بكمية كافية، ولكن السخرية لم تصل إليهم، ولم يكن لديهم ما يتمسكون به.

ولقد طرح المؤلف في مقدمة الجزء الأول السبب الذي دفعه إلى الحديث عن نفسه بصيغة المفرد الغائب لا بصيغة المفرد المتكلم، مع أنه اشترك بالأحداث بصورة فعلية، ومن المؤكد أن الحفاظ على هذا الأسلوب الأدبي في هذا الجزء لا يقدم في حد ذاته ضمانة من الوقوع في الذاتية، ولكنه لا يجعل الذاتية على الأقل أمرًا مفروضًا. بالإضافة إلى أنه يدعو لتحاشيها.

ولقد توقفنا في كثير من الحالات مترددين، أمام ضرورة أو عدم ضرورة ذكر حكم هذا المعاصر أو ذاك على دور مؤلف هذا الكتاب خلال مسيرة الأحداث. وكان من السهل تجاوز بعض الاستشهادات لو لم تكن تتعلق بشيء أكبر بكثير من القواعد المعهودة التي يقبلها الذوق العام. ولكن مؤلف الكتاب كان رئيس سوفييت بتروغراد بعد أن حصل البلاشفة على الأغلبية في هذا السوفييت. ثم كان رئيسًا للجنة العسكرية الثورية التي نظمت انتفاضة أكتوبر (تشرين الأول). وهو لا يستطيع مسح مثل هذه الحقائق من التاريخ، كما أنه لا يود ذلك. وقد وجدت المجموعة الحاكمة الآن في الاتحاد السوفييتي، الوقت  الكافي في السنوات الأخيرة لتخصيص العديد من المقالات، وعدد لا بأس به من الكتب للتحدث عن مؤلف هذا الكتاب. وكان هدف كل هذه المقالات والكتب، البرهنة على أن نشاطه كان موجهًا ضد مصالح الثورة بشكل دائم. وهنا يبقى على المرء أن يجيب على السؤال التالي: “لِمَ وضع الحزب البلشفي “عدوًا” شرسًا إلى هذا الحد، في مراكز هامة كبيرة المسئوليات، خلال السنوات الحرجة العصبية. إن الصمت عن المناقشات السابقة، يعني التخلي إلى حد ما عن وصف مسيرة الأحداث على حقيقتها. فما الهدف من ذلك؟ ولا يحاول أن يتظاهر بعدم الاهتمام سوى ذلك الذي ينوي أن يدس للقارئ استنتاجات لا تنبثق من الأحداث. ولكننا نفضل تسمية الأشياء بأسمائها، وفق أدق التعابير.

ولن نخفي أبدًا بأن هذا العمل لا يتعلق بالماضي وحده. وكما أن الخصوم يهاجمون الشخص في محاولة لضرب البرنامج، فإن النضال من أجل برنامج محدد يفرض على الشخص أن يؤكد مكانه الحقيقي وسط الأحداث. وإذا ما تاه أحدهم خلال الصراع في سبيل أهداف كبرى، وفي سبيل مكانه تحت الراية، ولم يعد يرى سوى قيمته الفردية، فإن علينا أن نأسف له، ولكننا لن نعمل على مجادلته وإقناعه. ولقد اتخذنا على كل حال كافة التدابير اللازمة لكيلا تشغل المسائل “الشخصية” في هذا الكتاب مكانًا أكبر مما تستحقه فعلاً.

إن بعض أصدقاء الاتحاد السوفييتي -وهم غالبًا أصدقاء السلطات السوفييتية الحالية، الذين سيبقون على صداقتهم طوال مدة بقاء هذه السلطات فقط- انتقدوا المؤلف لموقفه النقدي إزاء الحزب البلشفي، أو إزاء بعض زعمائه. ولكنني لم أجد واحدًا منهم يعمل على تصحيح اللوحة التي قدمناها ووصفنا بها حالة الحزب خلال الأحداث. وليعلم هؤلاء “الأشخاص” الذين يعتقدون أنهم مدعوون للوقوف ضدنا دفاعًا عن دور البلاشفة في انتفاضة أكتوبر (تشرين الأول)، بأن كتابنا لا يستهدف تعليم الآخرين كيف يمكنهم أن يحبوا -بعد النصر- الثورة الظافرة، والوجه البيروقراطي الذي أخذته، ولكنه يستهدف إيضاح الطريقة التي تُعد بها الثورة، وتتطور وتحقق النصر. وليس الحزب بالنسبة لنا جهازًا معصومًا تحمي عمليات القمع الحكومي عصمته، ولكنه جهاز معقد يتطور وسط التناقضات ككل شيء حي. وإننا نعتقد بأن اكتشاف التناقضات، وهذا العدد من ترددات القيادة وأخطائها، لا يؤدي أبدًا إلى إضعاف أهمية العمل التاريخي الضخم الذي حمل الحزب البلشفي أعباءه لأول مرة في التاريخ العالمي.

ل. تروتسكي

برينكيبو، 13 مايو (آيار) 1933

الهوامش

  • إن نبأ وفاة م. ن. بوكروفسكي الذي جادلناه أكثر من مرة في هذا الكتاب، قد جاءنا بصورة متأخرة بعد أن كان كتابنا منتهيًّا. ولقد جاء هذا المؤرخ إلى الماركسية من المعسكر الليبرالي، بعد أن غدا عالمًا كامل التكوين. ومن المؤكد أنه أثرَى الأدبيات التاريخية المعاصرة بأعمال مفعمة بالمبادهة الثمينة، ولكنه لم يمتلك كلية أسلوب المادة الجدلية. ومن العدل أن نضيف بأن بوكروفسكي لم يكن رجلاً يتمتع بثقافة راقية استثنائية ومواهب كبيرة فحسب، بل كان يخلص بعمق للقضية التي يخدمها. (ل. ت.).

لقراءة الفصل الأخير من الجزءء الأول يمكن مراجعة الرابط التالي:

تاريخ الثورة الروسية: الإستنتاج