جدل تروتسكي- ريزي واختبار الحقائق

0
514

 

بعد خمسين عاما مضت على الجدال بين تروتسكي وبرونو ريزي، حدث الكثير خلال تلك الفترة. من بين ما حدث مسألتان تستحقان الذكر لأنهما سلطا الضوء على الجدل. إننا نشير هنا إلى الحرب العالمية الثانية، والاستعادة الراهنة للرأسمالية في الاتحاد السوفياتي السابق.

القول بأن الحرب العالمية الثانية عكست تماثلا بين البيروقراطية النازية- الفاشيةوتلك الاستالينية من قبل ريزي ليس صحيحا. النازية- الفاشية تمت هزيمتها، وكذلك نظرية ريزي حول الجمعية البيروقراطية، حيث كانت بالنسبة له كل بيروقراطيات العالم جزء من كل.

من جهة أخرى عكست استعادة الرأسمالية في الاتحاد السوفياتي السابق أن تلك الحقيقة ممكنه، وأنه، كما قال تروتسكي، لا يمكن تجنبها، نظرا لأن هذه البيروقراطية مستمرة في قيادة الدولة. ولكن عملية استعادة الرأسمالية بينت أن ريزي خلص إلى الاستنتاج الخاطئ. كما بينت أيضا سبب الخطأ، الفرضية التي استند إليها (وجود نظام اجتماعي جديد).

بما أن هذا الموضوع جدلي، يمكن لأحدهم الإجابة بأن ريزي كان على صواب حين قال إن هناك نظاما اجتماعيا جديدا (الدولة البيروقراطية) في الاتحاد السوفياتي، ولكن مشكلته أنه خلص إلى الاستنتاج الخاطئ. نعتقد أن رصيد ريزي يكمن في ترابط استنتاجاته مع فرضيته. تروتسكي أدرك هذا في منتصف الجدال.

“… برونو ر. في كل الأحوالامتلك ميزة السعي لنقل المسألة من الدائرة الساحرةلتمارين نسخة الكتاب الإصطلاحية إلى فضاء التعميم الإصطلاحي”. (تروتسكي، ليون، الاتحاد السوفياتي في حرب، دفاعا عن الماركسية، أيلول 25، 1939).

إذا كانت فرضية برونو ريزي حول وجود “الدولة البيروقراطية” صحيحة، سيكون استنتاجه أيضا صحيحا بشكل عام.

إذا كان الاتحاد السوفياتي مجتمع استغلال جديد، سيكون موقف ريزي مترابطا. ستكون البيروقراطية طبقة اجتماعية استغلالية جديدة، وفي هذا، كما قلنا من قبل، كان قد اتفق مع تروتسكي.

وكذلك الأمر، أن ترابط ريزي في فرضيته حول وجود نظام اجتماعي جديد ( رغم عدم ضرورة أن يرغمه هذا على مساواة البيروقراطية الاستالينية بالفاشية)، سيطرح الامتداد العالمي للصيغة الاجتماعية الجديدة بقيادة طبقة استغلال جديدة.

هذه المعضلة لا تعني الاعتقاد بأن هذه الصيغة الجديدة سيتم تطويرها عالميا أو مناطقيا. سيكون هذا مناقضا لوجود العلاقة المتبادلة في الاقتصاد تحت هيمنة الإمبريالية.

بالمقاييس الماركسية وبالاستناد إلى الواقع الراهن (استعادة الرأسمالية في الاتحاد السوفياتي)، نعتقد أن تروتسكي هو الذي كان على صواب وليس ريزي. البيروقراطية لم تولد نظاما اجتماعيا جديدا، بل تصرفت ككائن طفيلي (لدولة العمال) يتغذى عليها ويضعف جسدها، في مرض متفاقم، حتى يقتلها.

كما تنبأ تروتسكي، “… التحلل سيقود حتما إلى الدمار”. غير هذا، عن ماذا تعبراستعادة الرأسمالية في الاتحاد السوفياتي السابق؟

في بداية هذا الجزء من النص، اقتبسنا من تروتسكي، “البديل التاريخي، مضيا إلى النهاية، هو كالتالي: إما أن يكون نظام استالين انتكاسة بغيضة في عملية تحول المجتمع البرجوازي إلى مجتمع اشتراكي، أو أن نظام استالين هو المرحلة الأولى لمجتمع استغلال جديد”. (تروتسكي، ليون، الاتحاد السوفياتي في حرب، دفاعا عن الماركسية، أيلول 1939).

استعادة الرأسمالية في الاتحاد السوفياتي  بينت أن الاستالينية لم تكن “المرحلة الأولى لنظام استغلال جديد”، بل على العكس، بين الواقع أنها كانت “نكسة بغيضة في عملية تحول المجتمع البرجوازي إلى مجتمع اشتراكي”.

بهذا المعنى، حتى وإن لم يبدو الأمر صحيحا، فإننا نجد أن أفضل تعريف للاتحاد السوفياتي (منذ منتصف 1920 حتى استعادة الرأسمالية) هو التعريف التقليدي للأممية الرابعة، “دولة عمال متحللة”، وبقول هذا نتذكر تروتسكي مجددا،

“الاعتراف بالاتحاد السوفياتي كدولة عمال -ليس كنمط وإنما كحالة مشوهة- لا يدل أبدا على التسامح مع البيروقراطية السوفياتية، بل على العكس، فإن سمتها الرجعية لا تظهر تماما إلا في ضوء التناقض بين سياساتها المعادية للبروليتاريا واحتياجات دولة العمال. (تروتسكي، ليون، ليست دولة عمال ولا دولة برجوازية، تشرين الثاني 25، 1937).

فيما يتعلق بالسياسة، التي يتعارض فيها تروتسكي وريزي، انتقلت هذه القضية إلى اختبار الحقائق.

بالنسبة لتروتسكي كان الدفاع غير المشروط عن الاتحاد السوفياتي يعني الدفاع عن استمرار تأميم الملكية والاقتصاد المخطط.

دافع عن هذا الاستمرار رغم قيادة البيروقراطية لأنه اعتقد أن عودة النظام الرأسمالي ستولد “تراجعا كارثيا للاقتصاد والثقافة”. (تروتسكي، 1991، ص 213).

بعد خمس سنوات من هذه النقاشات، غادر النقاش الأوراق إلى المستوى الواقعي. على نقيض ما قاله ريزي، لم تتم استعادة الرأسمالية فحسب، بل ولد هذا الواقع في الاتحاد السوفياتي “تراجعا كارثيا للاقتصاد والثقافة”. حقيقة أدركها حتى أكثر المعلقين رجعية.

ومن ثم يمكن إدراك المخاوف التي دفعت تروتسكي والأممية الرابعة إلى تبني سياسة “الدفاع غير المشروط عن الاتحاد السوفياتي” في مواجهة الهجمة الإمبريالية.

وحول هذا يقول تروتسكي، بعكس ريزي، انطلاقا من أسس أن الاتحاد السوفياتي كان مهددا على الدوام من قبل الإمبريالية:

“بالنسبة للبرجوازية -الفاشية كما الديمقراطية-ثورة مضادة معزولة يستغلها استالين لا تكفي، فالأمر يحتاج لثورة مضادة كاملة في علاقات الملكية وانفتاح السوق الروسي. وبما أن الحالة ليست كذلك حتى الآن، تعتبر البرجوازية أن الدولة السوفياتية معادية لها، وهذا صحيح. (تروتسكي، ليون، ليست دولة عمال ولا برجوازية، دفاعا عن الاتحاد السوفياتي، تشرين الثاني 25، 1937).

البيانات التي يقدمها الواقع تبين أن تروتسكي كان على حق، وليس ريزي.البرجوازية الفاشية و”الديمقراطية” حاولت، بكل الطرق، إعادة تأسيس الملكية الرأسمالية وفتح السوق السوفياتي. النازية الألمانية سعت إلى تحقيق ذلك بالغزو. الجماهير الروسية أوقفت الأمر. القوى الإمبريالية التي انتصرت في الحرب العالمية الثانية، فكرت في إنجاز المهام التي فشل فيها هتلر. مخاوف الجماهير حول العالم جعلتهم يتخلون عن الفكرة.

ستالين لم يتوقف عن لعب دور بطولة الثورة المضادة. انحلال الأممية الثالثة كان في عام 1943. وبعد الحرب جاءت اتفافيات يالطا وبوتسدام. تبسمت الإمبريالية، ولكنها استمرت في معاملة الدولةالسوفياتية على أنها معادية. ما يدعى ب “الحرب الباردة”، والعقوبات، والمقاطعة، والضغوطات.

مؤخرا، في السنوات الأخيرة،تغيرت الإمبريالية. حتى أنه كان هنالك تاريخ لإعلان هذا التغيير على الملأ. في منتصف العام 1995، عند الاحتفال بمرور 50 عاما على انتصار الحلفاء على هتلر. أقيمت المراسم الرئيسية في موسكو، بحضور قادة كل القوى الإمبريالية العظمى. وبدأت روسيا تعد “أمة صديقة”. الإمبريالية لم تتذكر فجأة أن عشرين مليون سوفييتيا قضوا في ساحات المعارك. ما حدث كان انفتاح السوق الروسي وإعادة تأسيس علاقات الملكية الرأسمالية. الإمبريالية سيطرت على هذه ال

أرضية.

هذه الحقائق راسخة وتبين أن الرأسمالية لم تسترح منذ الحرب الأهلية عام 1918 إلى أن تمكنت من إعادة بناء علاقات ملكيمالية. قبل هذا كان هنالك احتمالان، حماية علاقات الملكية التي حققها الثوريون أو لا. وقد قاموا بما ينبغي مواجين الإمبريالية. لا نستطيع قول ما يقوله ريزي و”مناهضي الدفاع” في حزب العمال الاشتراكيين.

يقول تروتسكي:

“ينبغي تناول دولة العمال على أنها برزت من مختبر تاريخي لا يرحم، وليس كما يتخيلها بروفيسور “اشتراكي” يستكشف أنفه بأصبعه متأملا. من واجب الثوريينحماية كل مكتسب للطبقة العاملة حتى وإن كا من الممكن تدميره بضغوط قوى معادية. أولئك الذين لا يستطيعون الدفاع عن مواقع قديمة لن يستطيعون أبد غزو أخرى جديدة”. (تروتسكي، ليون، ورقة توازن للأحداث المنتهية، دفاعا عن الماركسية، ابريل 25، 1940.

“مناهضة الدفاع” في الثلاثينيات قالت إنه لم يعد هنالك منجزات في الاتحاد السوفياتي لحمايتها. و”مناهضوا الدفاع” الحاليين يقولون الشيء ذاته.

مواقف مناهضوا الدفاع القدماء أظهرت وجههم التراجيدي عندما قام جيش هتلر باحتلال الاتحاد السوفياتي، لينتهوا إلى “عدم وجود” إنجازات للثورة.

مواقف أتباعهم الحاليين تبدو تراجيدية عندما تقوم الإمبريالية، إلى جانب البيروقراطية، بوضع خطة استعادة الرأسمالية قيد التنفيذ.

عندما تحضرت جحافل هتلر لاحتلال الاتحاد السوفياتي، رفع مناهضوا الدفاع شعار “عدم ملاءمة” الدفاع غير المشروط عن الاتحاد السوفياتي.

حاليا، عند قيام الرأسمالية والبيروقراطية بتفكيك ما تبقى من التأميم، ارتفعت أصوات أخرى (ومازالت) بين مناهضي الدفاع الجدد، ضد “كل أشكال التأميم”. (برنامج الاشتراكيين الثوريين، إيطاليا).

راهنا، استعادة الرأسمالية باتت واقعا، لكن أهمية هذا النقاش ليست للتاريخ فحسب. كثير من المنجزات لم يتم تدميرها بعد، لكن استعادة الرأسمالية تتطلب إنجاز تلك المهام في المرحلة المقبلة. معارك عديدة في الدفاع عن هذه المنجزات مازالت تدور وأخرى جديدة ستندلع.إذا ما أراد الثوريون أن يصبحوا هم القيادة البديلة، عليهم أن يكونوا جزء فاعلا، وسيحتاجون لفهم طبيعتهم للتمكن من تطويرها. ومن الواضح أنهم لن يستطيعون فعل هذا عندما يرددون أنه “لا توجد منجزات للدفاع عنها”. أو “إننا لا ندافع عن التأميم الذي أجرته الاستالينية”. إذا ما تصرفوا على هذا النحو، سيصبحون، عوضا عن مقاتلي الثورة القادمة، أشبه بالبروفيسور “الاشتراكي” الذي ذكره تروتسكي.

يمكن مراجعة الجزء السادس عشر من خلال الرابط التالي:

 

الجدال في تحديث دائم