تاريخ الثورة الروسية (ج2): “أيام يوليو” الإعداد والبداية

0
509

في عام 1915 بلغت تكاليف الحرب بالنسبة لروسيا 10 مليارات من الروبلات، وارتفعت تكاليف عام 1916 الحربية إلى 19 مليارًا، ووصلت تكاليف النصف الأول من 1917 إلى 10 مليارات و500 مليون من الروبلات. وكان من المنتظر ارتفاع الدَين العام في عام 1918 إلى 60 مليارًا، أي ما يعادل تقريبًا مجموع الثروة القومية المقدرة آنذاك بـ70 مليارًا. وأعدت اللجنة التنفيذية مشروع الدعوة لقرض حربي تحت اسم جذَّاب هو “قرض الحرية”، على حين وصلت الحكومة إلى استنتاج مبسط يقول بأنه إذا لم تحصل على قرض خارجي ضخم، فإنها لن تعجز عن تسديد ثمن طلباتها من الخارج فحسب، بل ستقف عاجزة عن مجابهة مطالبها الداخلية أيضًا. وتزايد عجز ميزان المدفوعات التجاري بصورة مستمرة. وكان الحلفاء ولا شك مستعدين للتخلي عن الروبل نهائيًّا، وتركه ليواجه مصيره. وفي اليوم الذي احتلت فيه الدعوة “لقرض الحرية” الصفحة الأولى لصحيفة الأزفستيا السوفييتية، أعلنت صحيفة فيستنيك برافيتلستفا (أنباء الحكومة) هبوطًا مفاجئًا بسعر الروبل. ولم تعد مطابع الأوراق النقدية كافية لمتابعة وتيرة التضخم. وبعد العملة القديمة القوية التي حافظت على بعض قوتها الشرائية القديمة، بدأ الناس يستعدون لقبول الأوراق الحمراء، التي لا تصلح إلا لإلصاقها على الزجاجات، والتي أطلقت عليها عامة الشعب اسم “الكرنسكيات”. وكان البورجوازي والعامل يتحدث عن هذه العملة بشيء من الازدراء، ولكن كل على طريقته.

وقبلت الحكومة من الناحية اللفظية برنامج تنظيم الاقتصاد العام عن طريق الدولة، وخلقت لهذا الغرض في أواخر أيام يونيو “حزيران” أجهزة ضخمة معقدة. ولكن القول والفعل في ظل نظام فبراير (شباط) كانا في صراع دائم كالصراع القائم بين روح مسيحي متدين وجسده. وكانت أجهزة التنظيم المختارة حسب الطلب تهتم بحماية أصحاب الأعمال ضد أهواء سلطة حكومية مهتزة مضطربة، بدلاً من أن تعمل على كبح جماح المصالح الخاصة. وكان الأشخاص الإداريون والتقنيون في الصناعة على أشكال متعددة. ولكن قمة هؤلاء الأشخاص، كانت تحس بالضيق من ميول العمال نحو المساواة، وتنتقل إلى جانب أصحاب الأعمال بشكل ملحوظ. وكان العمال ينظرون باستياء إلى الطلبات الحربية التي تعهدت المصانع المضطربة بتقديمها خلال سنة أو سنتين.

وفقد أصحاب العمل أنفسهم الرغبة بالعمل المنتج الذي يسبب متاعب تفوق ما يقدمه من مكاسب. وأخذ توقيف المصانع المتعمد من قبل أصحاب العمل طابعًا منهجيًّا. وانخفض إنتاج المعادن بمقدار 40٪، كما انخفض إنتاج المنسوجات بنسبة 20٪. وبدأ نقصان الحاجيات الضرورية للحياة. وارتفعت الأسعار مع تزايد التضخم النقدي، وازدياد حدة التدهور الاقتصادي. وناضل العمال لتحقيق المراقبة على آلية العمل الإداري والتجاري التي كان المسئولون يخفونها عنهم، رغم أن مصيرهم متعلق بها. وأصدر وزير العمل سكوبوليف بيانات مطولة ليفهم العمال بأن التدخل في إدارة المصانع أمر غير مقبول. وفي 24 يونيو (حزيران) أعلنت الأزفستيا بأن هناك اتجاهًا لإغلاق العديد من المصانع وجاءت أنباء مماثلة من المحافظات.

وتأثر النقل بالسكك الحديدية بشكل أكبر من تأثر الصناعة. وكان نصف القاطرات بحاجة لإصلاحات أساسية، وكان جزء كبير من العربات ووسائط النقل في الجبهة، وتناقصت المحروقات إلى حد بعيد. ولم تكن وزارة المواصلات قادرة على إيجاد حل لصراعاتها مع عمال ومستخدمي السكك الحديدية. وغدا التموين سيئًا بصورة مستمرة. ولم يعد مخزون بتروغراد من القمح يكفي لأكثر من 10 – 15 يومًا. ولم تكن الأمور تجري بصورة أفضل في المراكز الأخرى. وكان الشلل النصفي الذي أصاب وسائط النقل، واحتمال إضراب عمال السكك الحديدية؛ يعنيان أن خطر المجاعة قائم باستمرار. ولم يكن أمام الحكومة أي أفق مضيء. ولم يكن هذا هو الوضع الذي انتظره العمال من الثورة.

وكان الوضع في مجال السياسة أسوأ من ذلك. إن التردد وعدم التصميم يمثل أسوأ الحالات في حياة الحكومات، والأمم، والطبقات، والأفراد. والثورة هي أفضل الوسائل المتوفرة لحل المسائل التاريخية. والتهرب في الثورة سياسة من أسوأ السياسات وأكثرها ضررًا. وعلى حزب الثورة أن لا يتردد لحظة واحدة أكثر مما يتردد الجراح بعد أن يبدأ استخدام مبضعه لفتح جسم المريض. ولكن نظام ازدواجية السلطة الناجم عن انتفاضة فبراير (شباط) كان عبارة عن تردد منظم. ودارت الأمور كلها ضد الحكومة. وانقلب الأصدقاء المشروطون إلى خصوم، وتحول الخصوم إلى أعداء، وتسلح الأعداء بمختلف الأسلحة. وعبأت الثورة المضادة قواها بشكل مكشوف تمامًا، وأخذت تعمل وفق تعليمات اللجنة المركزية لحزب الكاديت، والقيادة السياسية لكل من كان لديهم ما يفقدونه.

وكانت اللجنة الرئيسية لاتحاد الضباط في مقر القيادة العليا في موهيليف والتي تمثل حوالي مائة ألف ضابط متذمر، تشكل مع سوفييت اتحاد قطعات القوزاق في بتروغراد رافعتين عسكريتين بيد الثورة المضادة. وبالرغم من القرار الذي اتخذه مؤتمر السوفييتات في يونيو (حزيران)، فقد قرر مجلس الدوما متابعة عقد “الجلسات الخاصة”. وكانت لجنته المؤقتة تشكل غطاءً شرعيًّا لنشاط الثورة المضادة الذي تموله البنوك وسفارات دول الحلفاء. وكان التوفيقيون يتلقون التهديد من اليمين واليسار. ونظرت الحكومة إلى ما حولها بقلق، وقررت بصورة رسمية تخصيص مبالغ من المال لتنظيم مكافحة التجسس الاجتماعي، أي لتنظيم شرطة سياسية سرية.

وفي هذه الفترة تقريبًا، أي في منتصف يونيو (حزيران)، حددت الحكومة يوم 27 سبتمبر لإجراء انتخابات المجلس التأسيسي. وشنت الصحافة الليبرالية، رغم اشتراك الكاديت بالحكومة، حملة شعواء ضد التاريخ المحدد بصورة رسمية. ولم يكن يؤمن بهذا التاريخ أحد ولا يدافع عنه أحد بصورة جادة. وبهتت واختفت صورة المجلس التأسيسي التي كانت زاهية إلى حد بعيد في أوائل أيام مارس (آذار). ودارت الأمور كلها ضد الحكومة، حتى نواياها الحسنة النادرة الفقيرة. وفي 30 يونيو (حزيران) وجدت الحكومة أخيرًا الشجاعة لإلغاء مهمة الأوصياء النبلاء في الريف “رؤساء مراقبي الأراضي” الذين كانوا يستقطبون الكراهية في مختلف أرجاء البلاد منذ أوجدهم الكسندر الثالث. وألقى هذا الإصلاح الجزئي، الإجباري، المتأخر على الحكومة المؤقتة ظلاً من الجبن المخجل.

واستعادت طبقة النبلاء في هذه الفترة شجاعتها، وبدأ ملاك الأراضي يتجمعون ويقومون بالهجوم. وطلبت لجنة مجلس الدوما المؤقتة من الحكومة في نهاية يونيو (حزيران) اتخاذ تدابير حازمة لحماية الملاكين من الفلاحين الخاضعين لتحريض “عناصر مجرمة”.

وفي 1 يوليو (تموز) افتتح في موسكو مؤتمر عموم روسيا للملاكين الزراعيين، وكانت غالبية الحضور من النبلاء. وأخذت الحكومة تتناقض، لأنها كانت تحاول استخدام الجمل لتخدير الموجيك تارة والملاك الزراعيين تارة أخرى. ولكن الأمور في الجبهة سارت بشكل سيء. لأن الهجوم الذي راهن كرنسكي عليه في سبيل حل الصراع الداخلي لم يؤد إلا إلى حركات متشنجة. ولم يعد الجندي راغبًا بمتابعة الحرب. ولم يعد دبلوماسيو لفوف قادرين على مجابهة دبلوماسي الحلفاء. وكانت البلاد بحاجة ماسة للقرض. وشاءت الحكومة العاجزة التي حكم عليها بشكل مسبق إظهار قوتها، فشنت هجومًا على فنلندا، ونفذت ذلك، كما نفذت كافة الأعمال القذرة، بأيدي الاشتراكيين.

وفي الوقت نفسه تفاقم الصراع مع أوكرانيا، وأدى إلى قطيعة صريحة. وكم بدت بعيدة تلك الأيام التي امتدح ألبرت توماس فيها الثورة المشعة، وكرنسكي. وفي مطلع يوليو (تموز)، استبدل سفير فرنسا باليولوغ المتأثر بأجواء الصالونات الراسبوتينية بدبلوماسي “راديكالي” هو السفير نولان. وقدم الصحفي كلود آني للسفير الجديد تقريرًا عن بتروغراد. وأمام السفارة الفرنسية، وعلى الطرف الآخر من نهر نييفا يمتد حي فيبورغ “إنها منطقة المصانع الكبيرة التي تسير بأسرها وراء البلاشفة. ويتصرف فيها لينين وتروتسكي كسادة حقيقيين”. وفي المنطقة نفسها توجد ثكنات فوج الرشاشات، وهي تضم حوالي 10 آلاف رجل، وأكثر من ألف رشاش. وليس للاشتراكيين – الثوريين أو المناشفة نفوذ في ثكنات هذا الفوج. والأفواج الأخرى بلشفية أو محايدة. “فمن سيمنع لينين وتروتسكي إذا أرادا الاستيلاء على بتروغراد؟” وأصغى نولان بكل دهشة. “كيف تقبل الحكومة إذن هذا الوضع؟” فرد الصحفي “ولكن ماذا بقي بوسعها أن تفعل؟”. “علينا أن نفهم بأن الحكومة لا تملك سوى قوة معنوية، وتبدو لي حتى هذه القوة ضعيفة جدًا…”.

ولما لم تجد قدرة الجماهير المستيقظة مخرجًا، انقسمت إلى حركات عفوية، وأعمال أنصار، واستيلاء تعسفي على الممتلكات. وحاول العمال والجنود والفلاحون أن يحلوا جزئيًّا ما رفضت الحكومة التي خلقوها بأنفسهم حله. إن تردد الزعماء يضعف الجماهير أكثر من أي شيء آخر. ويدفعها الانتظار العقيم إلى قرع الأبواب الموصدة بإصرار متزايد، أو يجبرها أحيانًا على الانفجار الحقيقي من اليأس. وفي خلال مؤتمر السوفييتات، وبعد أن أوقف سكان المقاطعات إلى حد ما يَدَ زعمائهم المرفوعة على بتروغراد، كان العمال والجنود قد لاحظوا بشكل كاف ما هي مشاعر ونوايا زعماء السوفييت إزاءهم. وتحول تسيريتلي بعد كرنسكي، ولم يصبح مجرد شخص غريب، بل غدا منفرًا مكروهًا من غالبية عمال بتروغراد وجنودها. وتزايد تأثير الفوضويين على أطراف الثورة. وكان هؤلاء الفوضويون يلعبون الدور الأساسي في اللجنة الثورية التي خلقت بشكل متحيز اعتباطي في إدارة دورنوفو. ولكن حتى أكثر شرائح الطبقة العمالية انضباطًا، وحتى غالبية أوساط الحزب البلشفي، فقد ابتدأت تفقد الصبر أو تلقى أذنًا صاغية لمن نفذ صبرهم. وكشفت مظاهرة 18 يونيو (حزيران) للجميع بأن الحكومة لا تملك أي مستند، وتساءل العمال والجنود “ماذا ينتظر إذن أولئك القابعون في الأعلى؟” ولم يعد سؤالهم متعلقًا بزعماء التوفيقيين فحسب، بل بالمؤسسات القيادية البلشفية أيضًا.

وأدى النضال من أجل الأجور، التي لم تعد تتلاءم مع أسعار التضخم، إلى هيجان العمال وإنهاكهم. وطرحت هذه المسألة نفسها بحدة خاصة خلال يونيو (حزيران) في مصنع بوتيلوف الضخم؛ حيث يعمل 36 ألف رجل. وفي 21 يونيو (حزيران) انفجر الإضراب في عدد من ورشات المصنع. وكان عقم هذه الانفجارات الجزئية وعدم جدواها ظاهرين بوضوح أمام عيني الحزب. وفي اليوم التالي نظم البلاشفة اجتماعًا ضم ممثلين عن التنظيمات العمال الأساسية، ومندوبين من 70 مصنعًا، وأعلن المجتمعون أن “موضوع عمال بوتيلوف هو قضية بروليتاريا بتروغراد كلها” وطلبوا من عمال بوتيلوف أن “يكتموا غيظهم المشروع”. وأُجِّل الإضراب. ومع هذا لم تقدم الأيام الـ12 التي تلت ذلك أي تبديل. وكانت جماهير المصانع العمالية تعيش حالة تخمُّر عميق، وتبحث عن مخرج. وكان في كل مصنع صراع، وكانت كافة هذه الصراعات تصعد إلى أعلى، وتتجه نحو الحكومة. ورفعت نقابة سائقي القطارات (ألوية مرتبطة بالقاطرات) إلى وزير المواصلات تقريرًا قالت فيه: “إننا نعلن لآخر مرة، أن صبرنا وصل إلى منتهاه. ولم تعد لدينا القوة للعيش في مثل هذا الوضع…”، ولم يكن هذا التقرير شكوى من البؤس والمجاعة فحسب، بل من الخداع، وانعدام الشخصية، والغش أيضًا. وكانت المذكرة تحتج بشدة على “النداءات المستمرة للتمسك بالواجب الوطني، وكبت رغبات البطون الخاوية”.

في مارس (آذار) سلمت اللجنة التنفيذية السلطة للحكومة المؤقتة، شريطة أن لا تخرج القطعات الثورية من العاصمة. ولكن هذه الأيام غدت من الماضي السحيق. وتطورت قوات الموقع نحو اليسار، على حين تطورت أوساط السوفييت القيادية نحو اليمين. وكان النضال لاكتساب الموقع عملاً من الأعمال اليومية الدائمة. ولم تبعد الحكومة كافة القطعات عن العاصمة، ولكنها لجأت إلى إضعاف أكثر القطعات ثورية بصورة منهجية، وذلك بأن لجأت إلى الحجج الإستراتيجية، ونقلت سرايا من هذه القطعات إلى الجبهة. وتناهت إلى العاصمة أخبار التعديلات المستمرة في قطعات الجبهة، بسبب عدم الطاعة، أو رفض تنفيذ أوامر القتال. فلقد حلت القيادة فرقتين سيبريتين مستخدمة العنف وقوة السلاح -ألم يكن القناصة السيبيريون من قبل أفضل العناصر؟- وفي قضية الجيش الخامس وحدها، وهو أقرب الجيوش إلى العاصمة، أحيل 87 ضابطًا، و12 ألف جندي إلى القضاء بعد أن رفضت قطعات هذا الجيش بأسرها إطاعة أوامر القتال. وكان موقع بتروغراد الذي يجمع كل تذمر الجبهة والقرية والأحياء العمالية والثكنات يغلي بلا انقطاع.

وأخذ رجال ملتحون في العقد الرابع من عمرهم، يطالبون بإلحاح متزايد بضرورة العودة إلى بيوتهم للقيام بأعمال الحقول. وكانت الأفواج المعسكرة في حي فيبورغ وهي: فوج الرشاشات الأول، وفوج الحرس الأول(*)، وفوج موسكوفسكي، وفوج المشاة 180 تتعرض بلا انقطاع لتأثيرات جيرانها البروليتاريين اللاهبة. وكان آلاف العمال يمرون أمام الثكنات، ومن بينهم عدد كبير من المهيجين البلاشفة الدءوبين. وكانت الاجتماعات تعقد بصورة دائمة تحت الجدران القذرة، التي غدت منفرة مقززة. وفي 22 يونيو (حزيران) لم تكن المظاهرات الوطنية التي أثارها الهجوم قد هدأت بعد، عندما تجرأت سيارة من سيارات اللجنة التنفيذية على السير في شارع سامبسونيفسكي حاملة لافتات كتب عليها: “إلى الأمام من أجل كرنسكي!” فقام جنود فوج موسكوفسكي باعتقال المحرضين، وتمزيق اللافتات، وأرسلوا سيارة الوطنيين إلى فوج الرشاشات.

وكان الجنود بصورة عامة أقل صبرًا من العمال؛ ويرجع السبب في ذلك إلى أنهم كانوا يعيشون تحت تهديد الإرسال إلى الجبهة، كما كانوا يجدون صعوبة أكبر في تقبل مبررات الإستراتيجية السياسية. بالإضافة إلى أن كل واحد منهم كان يحمل بندقيته. وكان الجندي بعد فبراير (شباط) ميَّالاً إلى المغالاة في تقدير القيمة النوعية لهذا السلاح. ولقد تحدث العامل البلشفي العجوز ليزدين فيما بعد عن أن جنديًّا من الفوج الاحتياطي 180 قال له: “وماذا بعد؟ هل ينام جماعتنا هناك، في قصر كشيسينسكايا؟.. هيا بنا نطرد كرنسكي!…”.

وفي اجتماعات الأفواج، كان التصويت يجري غالبًا على اقتراحات تتعلق بضرورة العمل أخيرًا ضد الحكومة. وكانت وفود بعض المصانع تأتي إلى الثكنات، وتسأل الجنود فيما إذا كانوا على استعداد للنزول إلى الشارع. وأرسل رماة الرشاشات مندوبيهم إلى قطعات المواقع الأخرى لحضها على العصيان والتمرد ضد إطالة مدة الحرب. وكان بعض المندوبين ممن نفذ صبرهم يقولون: إن فوج بافلوفسكي، وفوج موسكوفسكي و40 ألف عامل من عمال بوتيلوف سيسيرون “غدًا”. ولم يعد للملاحظات الرسمية الصادرة عن اللجنة التنفيذية أي تأثير، وظهر رويدًا رويدًا خطر تعرض بتروغراد لهزيمة منفردة بعد أن يتوقف دعم الجبهة والمقاطعات لها.

وفي 21 يونيو (حزيران) كتب لينين في البرافدا مقالاً يدعو عمال بتروغراد وجنودها إلى انتظار اليوم الذي تجتذب فيه الأحداث جزءًا كبيرًا من القوى الاحتياطية الكبيرة، وتضعها في صف قضية العاصمة. “إننا نفهم المرارة، ونفهم غليان عمال بيتر(*). ولكننا نقول لهم: أيها الرفاق، إن العمل المباشر غير ملائم في هذه اللحظة”. وفي اليوم التالي، عقد اجتماع خاص لزعماء البلاشفة الذين كان موقفهم الظاهري “إلى يسار” لينين، وقرر المجتمعون أنه بالرغم من الحالة الفكرية للجنود وجماهير العمال، فإن الوقت لم يحن بعد لقبول المعركة. “ومن الأفضل الانتظار حتى تتجلل الأحزاب الحاكمة نهائيًّا بالعار، بسبب البدء بالهجوم. عندها سنربح الجولة”. هذا هو ما كتبه لاتسيس، منظم المقاطعة، وواحد من أكثر المتعجلين في تلك الأيام. ورأت اللجنة نفسها مضطرة لإرسال المهيجين إلى الثكنات والمصانع، لتحذير الجنود والعمال من القيام بعمل سابق لأوانه.

وهزَّ بلاشفة فيبورغ رءوسهم من الحيرة، وأخذوا يشتكون فيما بينهم: “إن علينا أن نستخدم خراطيم رجال الإطفاء (لإطفاء حدة المظاهرات). ولم تتوقف الدعوة للنزول إلى الشارع، بل تزايدت يومًا بعد يوم. وكان هناك ولا شك دعوات تحريضية مشبوهة. ووجد تنظيم البلاشفة العسكري نفسه مضطرًا إلى إصدار بيان موجه للعمال والجنود قال فيه: “لا تصدقوا أي نداء للنزول إلى الشارع باسم التنظيم العسكري. إن التنظيم العسكري لا يدعوكم للتظاهر”. وأكد البيان بعد ذلك بإلحاح أكبر “اطلبوا من كل مهيج أو خطيب يدعوكم إلى العمل باسم اللجنة العسكرية أن يبرز لكم شهادة موقعة من الرئيس والأمين العام”.

وأخذ الفوضويون يرفعون صوتهم بجرأة متزايدة في ساحة لانكر في كرونشتادت، وبدأت الإنذارات النهائية تنطلق من هذه الساحة الشهيرة. وفي 23 يونيو (حزيران)، قام مندوبو ساحة لانكر، دون موافقة سوفييت كرونشتادت، بمطالبة وزارة العدل بإطلاق سراح مجموعة من فوضويي بتروغراد، وإلا شن بحارة كرونشتادت هجومًا على السجن لإنقاذهم. وفي اليوم التالي أعلم مندوبو أورانينبوم وزير العدل أن موقعهم ثائر بسبب الاعتقالات التي تمت في دارة دورنوفو وكرونشتادت، وأن جنود الموقع “يمسحون الرشاشات”. والتقطت الصحافة البرجوازية هذه التهديدات، ولوَّحت بها أمام أنظار حلفائها من التوفيقيين. وفي 26 يونيو (حزيران) جاء من الجبهة مندوبون من فوج الحرس إلى كتيبتهم الاحتياطية ومعهم التصريح التالي: إن الفوج يقف ضد الحكومة المؤقتة، ويطالب بانتقال السلطة إلى السوفييتات. ويرفض الانتقال إلى الهجوم الذي بدأه كرنسكي، ويتساءل بقلق عما إذا كان أعضاء اللجنة التنفيذية والوزراء الاشتراكيون قد انتقلوا إلى صف البورجوازيين. ونشرت صحيفة اللجنة التنفيذية حول هذه الزيارة تقريرًا مفعمًا بالملاحظات والانتقادات.

ولم يكن الغليان كبيرًا في كرونشتادت وحدها، بل شمل مجمل أسطول البلطيق الذي كانت هلسنغفورز قاعدته الأساسية. ولا شك في أن أنطونوف – أوفسينكو كان أنشط البلاشفة داخل الأسطول وأكثرهم فاعلية بلا منازع. ولقد اشترك أنطونوف – أوفسينكو كضابط شاب في انتفاضة سيباستوبول في عام 1905، وكان منشفيًّا في سنوات الردة الرجعية، ثم أصبح مهاجرًا أمميًّا خلال الحرب، وساعد تروتسكي في إصدار صحيفة ناشي سلوفا (كلمتنا) في باريس، والتحق بالبلاشفة بعد عودته من الخارج. ولم يكن قويًّا في مجال السياسة، ولكنه كان يتمتع بشجاعة شخصية، ويتسم بالاندفاع والفوضى، والقدرة على المبادهة والإبداع. ولم يكن أنطونوف – أوفسينكو معروفًا آنذاك، ولكنه أخذ في أحداث الثورة بعد ذلك مكانة هامة جدًا. ويقول أنطونوف  أوفسينكو في مذكراته: “وفهمنا في لجنة الحزب في هلنسغوفورز، ضرورة التحلي بالصبر، وإعداد أنفسنا بجدية. وجاءتنا تعليمات مشابهة بهذا الصدد من اللجنة المركزية. ولكننا كنا نعي حتمية وقوع الانفجار، وننظر نحو بيتر بقلق”.

وفي هذه الجهة، كانت العناصر المتفجرة تتراكم يومًا بعد يوم. وصوّت فوج الرشاشات الثاني، وهو أكثر تخلفًا من فوج الرشاشات الأول، على قرار يقضي بنقل السلطة إلى السوفييتات. ورفض فوج المشاة الثالث السماح لـ14 سرية بالذهاب إلى الجبهة. وتزايد هيجان الاجتماعات داخل الثكنات بصورة مستمرة. وأدَّى اجتماع فوج الحرس في 1 يوليو (تموز) إلى اعتقال رئيس اللجنة، ومقاطعة خطباء المناشفة: فليسقط الهجوم! فليسقط كرنسكي! ووقف رماة الرشاشات في وسط الموقع، وفتحوا السدود أمام سيل يوليو (تموز) الجارف.

إننا نذكر بأن اسم فوج الرشاشات الأول قد ورد أمامنا خلال أحداث الأشهر الأولى للثورة. فلقد بادر بعد الانتفاضة وحضر من أورانينبوم إلى بتروغراد “للدفاع عن الثورة”. واصطدم هذا الفوج منذ قدومه بمقاومة اللجنة التنفيذية التي اتخذت القرار التالي: تقديم الشكر للفوج، وإعادته إلى أورانينبوم. ورفض رماة الرشاشات الخروج من العاصمة رفضًا باتًا؛ “فقد تنقض قوى الثورة المضادة على السوفييت وتعيد النظام القديم”. ورضخت اللجنة التنفيذية، وبقي عدة آلاف من رماة الرشاشات في بتروغراد مع رشاشاتهم. وتمركز هذا الفوج في بيت الشعب، ولم يكن جنوده يعرفون ماذا تقرر بشأنهم. وكان بين صفوفهم عدد كبير من عمال بتروغراد، وليس من قبيل الصدفة أن لجنة البلاشفة اهتمت بهم. ولقد أدى تدخل الفوج إلى تأمين تموين أفضل لقلعة بطرس وبولص. وبدأت الصداقة بشكل ملحوظ، ثم لم تلبث أن غدت قوية لا تفصم عراها.

وفي 21 يونيو (حزيران) عقد الفوج اجتماعًا عامًا نجم عنه القرار التالي: “عدم إرسال أية قطعات إلى الجبهة في المستقبل، إلا إذا أخذت الحرب طابعًا ثوريًّا”. وفي 2 يوليو (تموز) نظم الفوج في بيت الشعب اجتماعًا خاصًا لوداع “آخر” سرية تتجه نحو الجبهة. وتحدث لوناتشارسكي وتروتسكي في هذا الاجتماع، وحاولت السلطات فيما بعد إعطاء هذا الحادث العارض أهمية استثنائية. وتحدث الجندي جيلين، والبلشفي القديم ضابط الصف لاشوفيتش باسم الفوج. وكان الهيجان كبيرًا جدًا، وتحدث الحاضرون عن كرنسكي، وأقسموا على الإخلاص للثورة. دون أن يطرح أي امرئ مقررات عملية تتعلق بالمستقبل القريب. وفي هذا الوقت، كان الناس في المدينة يأملون منذ أيام وقوع أحداث. وكانت “أيام يوليو” تلقي ظلالها بشكل مسبق. ويقول سوخانوف في مذكراته “وفي كل مكان، وفي كل ركن، وفي مقر السوفييت، وقصر ماري، والساحات، والشوارع، والثكنات، والمصانع، كان الجميع يتحدثون عن مظاهرات متوقعة ما بين يوم وآخر… ولم يكن أحد يعرف من سيتظاهر، وكيف وأين؟؟. ولكن المدينة كانت تحس بأنها على عتبة انفجار ما”. وانفجرت المظاهرات بصورة فعلية. وجاء الدفع من الأعلى، من الأوساط القيادية.

وفي اليوم الذي تحدث به تروتسكي ولوناتشارسكي أمام رماة الرشاشات عن عجز الائتلاف، خرج أربعة وزراء من الحكومة لتحطيم هذا الائتلاف، وفسر هؤلاء الوزراء انسحابهم، بأنه يتعذر عليهم أن يقبلوا كوزراء في دولة كبيرة تصرف زملائهم التوفيقيين الذين قبلوا الحل الوسط خلال تفاوضهم مع أوكرانيا. ولكن السبب الحقيقي الكامن وراء هذا الانسحاب التظاهري هو أن التوفيقيين تأخروا في كبح جماح الجماهير. وتحدد اختيار لحظة القطيعة بلحظة فشل الهجوم، الذي لم يُعلن بعد بصورة رسمية، رغم قناعة جميع المسئولين به. ورأى الليبراليون أن من الأفضل ترك حلفائهم اليساريين ليواجهوا وحدهم الهزيمة والبلاشفة. وانتشر نبأ استقالة وزراء الكاديت بسرعة بالغة في العاصمة. وأعطى تعميمًا سياسيًّا لكافة الصراعات القائمة، ولخص ذلك بشعار آلي، أو بصرخة يأس تقول: لا بُدَّ من التخلص من كل تفاهات هذا الائتلاف.

وكان الجنود والعمال يرون بأن حل معضلة السلطة، وهل ستكون البلاد خاضعة لسلطة البرجوازية أو سلطة سوفييتاتهم الخاصة، هو الذي سيحدد حل كافة المسائل الأخرى: كالأجور، وسعر الخبز، والذهاب للموت في الجبهة في سبيل هدف مجهول. وكان في هذه التوقعات نسبة لا بأس بها من الوهم، ولقد جاء هذا الوهم من اعتقاد الجماهير بأن حل مسألة السلطة سيؤدي إلى حل فوري لكافة المعضلات التي ترهقها. ولكن الجماهير كانت في نهاية المطاف محقة على المدى البعيد؛ لأن مسألة السلطة تحدد اتجاه الثورة كله، وتعين بالتالي مصير كل فرد على حده. والاعتقاد بأن الكاديت كانوا لا يتوقعون انعكاسات عملهم التخريبي المكشوف إزاء السوفييت، اعتقاد خاطئ يعني تجاهل قيمة ميليو كوف وإمكاناته. ولقد كان زعيم الليبرالية ولا شك يعمل ما في وسعه لجذب التوفيقيين إلى وضع حرج لا حل له سوى استخدام الحراب، وكان يعتقد في هذه الأيام اعتقادًا جازمًا، بأن عملية دموية جريئة قادرة على إنقاذ الموقف.

وفي صبيحة 3 يوليو (تموز)، قطع آلاف رماة الرشاشات فجأة الاجتماع الذي تعقده لجان سراياهم وفوجهم، وانتخبوا رئيسًا للجان، وأصروا على أن تتم مناقشة مسألة المظاهرة المسلحة فورًا. وأخذ الاجتماع عند ذلك شكلاً مضطربًا. وتشابكت مسألة الذهاب إلى الجبهة مع الأزمة الوزارية. وحاول رئيس المجلس، البلشفي غولوفين إيقاف الاندفاع، واقترح إجراء اتفاق مع الوحدات العسكرية الأخرى، ومع التنظيم العسكري. ولكن كل إشارة إلى تأجيل المظاهرة كانت تثير غضب الجنود. وظهر في هذا الاجتماع الفوضوي بليخمان، وهو شخصية صغيرة، ولكنه كان كبير الأهمية في أجواء عام 1917. ولم يكن يملك سوى قسط صغير من الأفكار، ولكن إحساسه أمام الجماهير قوي جدًا، كما أنه مخلص لفكره المحدود، وحماسه متَّقد دائمًا. ولاقى بليخمان بقميصه المفتوح، وصدره العاري، وشعره المتماوج المتناثر، عددًا لا بأس به من المؤيدين نصف الساخرين في الاجتماعات. وكان العمال ينظرون إليه في الحقيقة بشيء من التخطيط وانعدام الصبر، وخاصة عمال التعدين. ولكن الجنود كانوا يبتسمون بمرح عند سماع خطاباته، ويتبادلون الإشارات ولكزات المرافق، ويستثيرون الخطيب بكلمات حادة. وكان ولا شك يستفيد من مظهره الغريب، ورنة صوته كرجل يحاكم الأمور بشكل قليل، ولكنته اليهودية – الأمريكية الحادة كالخل.

وفي نهاية يونيو (حزيران) كان بليخمان يسبح كالسمك داخل الماء في مختلف أنواع الاجتماعات المفاجئة. وكان يحمل دائمًا القرار معه وهو: حمل السلاح والنزول إلى الشارع. والتنظيم؟ “إن الشارع سينظمنا”. والمهمة؟ “قلب الحكومة المؤقتة كما قلبنا القيصر من قبل”، رغم أنه لم يكن أي حزب قد نادى آنذاك إلى العمل بهذا الاتجاه. وكانت مثل هذه الأقوال تتلاءم كل التلاؤم مع ظروف اللحظة، ومواقف رماة الرشاشات، وغيرهم من الجنود. وكان عدد من البلاشفة لا يخفون رضاهم من رؤية القاعدة تسير دون الاهتمام بالملاحظات والانتقادات الرسمية. وتذكر العمال الطليعيون أن الزعماء استعدوا في فبراير (شباط) لإعطاء إشارة التراجع في عشية تحقيق النصر. وأن الحصول على يوم العمل المؤلف من 8 ساعات تم في مارس (آذار) بفضل مبادهة القاعدة، وأن ميليوكوف قُلب في إبريل (نيسان) على يَد أفواج نزلت إلى الشارع بصورة عفوية. وكان تذكُّر هذه الأحداث يذهب إلى مدى أبعد من رأي الجماهير المتوترة المتعجلة التي عيل صبرها.

وعلم تنظيم البلاشفة العسكري فورًا بالغليان السائد في اجتماع رماة الرشاشات. فأخذ يرسل إلى الاجتماع محرضًا تلو الآخر. ولم تمض فترة قصيرة حتى جاء نفسكي نفسه، وهو زعيم التنظيم العسكري الذي يقدره الجنود حق التقدير. ويبدو أن الحاضرين استمعوا له. ولكن استمرار الاجتماع بشكل لا نهاية له بدّل تركيب المستمعين وعدّل مواقفهم. ويتحدث زعيم آخر من زعماء التنظيم العسكري قائلاً: “لقد فوجئنا إلى حد بعيد، عندما جاءنا في الساعة السابعة مساء مراسل يعدو، وأعلمنا بأن… رماة الرشاشات قرروا من جديد القيام بالمظاهرة”. وانتخب رماة الرشاشات لجنة ثورية مؤقتة بدل لجنة الفوج القديمة. وكانت اللجنة الجديدة برئاسة الملازم الثاني سيماشكو، وتضم ممثلين عن كل سرية. وعينت اللجنة مندوبين خاصين للذهاب إلى الأفواج والمصانع، وطلب دعمها. ولم ينس رماة الرشاشات ولا شك إرسال المبعوثين إلى كرونشتادت.

وهكذا، وعلى نسق أدنى من نسق التنظيمات الرسمية، وتحت تغطية هذه التنظيمات، امتدت روابط جديدة مؤقتة بين أكثر الأفواج والمصانع ضيقًا وتحفزًا. ولم تكن الجماهير تنوي قطع علاقتها مع السوفييت، بل كانت ترغب على العكس أن يستولي السوفييت على السلطة. وكان استعدادها لقطع العلاقة مع الحزب البلشفي أقل من ذلك أيضًا. ولكن بدا لها هذا الحزب مترددًا غير مصمم. لقد كانت تود التحرش باللجنة التنفيذية، وتهديدها، ودفع البلاشفة إلى الأمام. وبدأ تشكيل الوفود، وخلق نقاط اتصال جديدة غير دائمة، ولكنها تتلاءم مع الحالة الراهنة. وكانت الظروف وحالة الرأي العام تتبدل بسرعة وبشكل مفاجئ لدرجة تجعل أي تنظيم، ولو كان مرِنا كالسوفييت يتخلف عن متابعة حركتها، وتجبر الجماهير في كل مرة على خلق أجهزة مساعدة لتأمين متطلبات اللحظة.

ويتسلل في مثل هذه الحالات غالبًا عناصر صدفية، وغير موثوقة دائمًا. وألقى الفوضويون الزيت على النار. وتصرف بعض البلاشفة الجدد المتعجلين بشكل مماثل. ومما لا شك فيه أن عددًا من المحرضين تسللوا إلى داخل العمل، ومن المحتمل أن تكون ألمانيا قد دفعت ببعض عملائها إلى المنظمات. ولكن من المؤكد أن الأجهزة الرجعية الروسية المضادة للتجسس بعثت عددًا من العملاء للعمل في صفوف الثورة. فكيف يمكن حل نسيج الحركات الجماهيرية المعقدة خيطًا أثر الآخر؟ ومع هذا، فقد ارتسم طابع الأحداث العام بكل وضوح. وأحست بتروغراد بقوتها، وأخذت اندفاعها، ولم تلق أية نظرة خلفها سواء على المقاطعات أو على الجبهة. وكان الحزب البلشفي نفسه عاجزًا عن تخفيف حدة العاصمة. وهنا كانت التجربة وحدها قادرة على تقديم المساعدة.

ولم ينس مندوبو رماة الرشاشات عندما دعوا الأفواج والعمال للنزول إلى الشارع، أن يضيفوا إلى دعوتهم، إن المظاهرة ستكون مسلحة. نعم، وكيف يمكن التظاهر بشكل آخر؟ ولا ينبغي التعرض لرصاص الخصوم دون حمل السلاح. وبالإضافة إلى ذلك -وقد يكون هذا هو المهم- فإن على المتظاهرين أن يعرضوا قوتهم، ولا يشكل الجندي المجرد من السلاح قوة. وكانت كافة الأفواج والمصانع متفقة بالنسبة لهذه النقطة: إذا تم التظاهر، فإن من الضروري عدم القيام به إلا مع ذخر كافٍ من الرصاص.

ولم يُضِع رماة الرشاشات أي وقت: لقد بدءوا جولة كبيرة، وعليهم السير بها حتى النهاية، وبأسرع وقت ممكن وتصف محاضر التحقيق فيما بعد أعمال الملازم الثاني سيماشكو، وهو واحد من أهم قادة الفوج. وتقول المحاضر ما يلي: “… لقد طلب السيارات من المصانع، وسلحها بالرشاشات، وأرسلها إلى قصر توريد وأماكن أخرى، محددًا لها مسالكها وطرقها، وأخرج بنفسه الفوج من الثكنة وسار به نحو المدينة. وذهب إلى كتيبة الاحتياط التابعة لفوج موسكوفسكي بغية إقناعها بضرورة التظاهر وتوصل إلى مبتغاه. ووعد جنود فوج الرشاشات بدعم أفواج التنظيم العسكري. وبقي على اتصال دائم مع هذا التنظيم المتمركز في قصر كشيسينسكايا، ومع زعيم البلاشفة لينين. وأرسل جماعات من الجنود لحراسة مقر التنظيم المذكور” وكان الاتهام المذكور هنا ضد لينين معدًا لإكمال اللوحة؛ إذ لم يكن لينين في ذلك اليوم أو في الأيام السابقة في بتروغراد. فلقد أصابه المرض منذ 29 يونيو (حزيران)، واضطر للبقاء في داره في فنلندا. وإذا تابعنا المحاضر وجدنا أن الأسلوب الدقيق الموجز الذي استخدمه موظف العدلية العسكرية يترجم بشكل جيد الحمى التي أصابت رماة الرشاشات خلال إعدادات المظاهرة. وكان العمل في ساحة الثكنة يتم بحماس كبير، وبدأ توزيع البنادق والقنابل على الجنود العُزل. ووُضع على كل عربة نقل قدمتها المصانع ثلاثة رشاشات مع سدنتها. وكان على الفوج أن يخرج إلى الشارع بتشكيلة القتال.

وجرت الأمور داخل المصانع بشكل مشابه؛ إذ كان المبعوثون يأتون من ثكنة رماة الرشاشات، أو من المصانع المجاورة، ويدعون العمال للتظاهر. وبدا وكأن العمال ينتظرونهم منذ أمد بعيد؛ إذ كانوا يبدءون الحركة فورًا. ويتحدث أحد عمال مصنع رينو قائلاً: “وبعد تناول طعام الغذاء جاءنا عدد من رماة الرشاشات، وطلبوا منا أن نسلمهم سيارات نقل. وكان علينا أن نعطيهم هذه السيارات بالرغم من احتجاجات لجنتنا (البلشفية)… وبسرعة بالغة، نصب الجنود على السيارات رشاشات “مكسيم”، واتجهوا نحو شارع نييفسكي. عندها أصبح من المستحيل إيقاف عمالنا… الذين تركوا الآلات وخرجوا من الورشات ببذات العمل…” وهنا يجدر بنا أن نشير إلى أن احتجاجات البلاشفة في المصانع لم تكن شديدة أو مصممة. وطال الصراع في مصنع بوتيلوف أكثر من أي مكان آخر. ففي الساعة الثانية من بعد الظهر، سرت في ورشات المصنع أنباء تقول بأن وفدًا من رماة الرشاشات جاء إلى المصنع يدعو إلى عقد اجتماع، فاجتمع أمام مباني الإدارة حوالي 10 آلاف عامل. وأعلن رماة الرشاشات وسط تأييد العمال أنهم تلقوا أمرًا بالذهاب إلى الجبهة في يوم 4 يوليو (تموز). وأنهم قرروا عدم السير نحو الجبهة الألمانية لمقاتلة البروليتاريا الألمانية، بل السير ضد الوزراء الرأسماليين الروس”. وتصاعد الحماس. وصاح العمال “إلى الأمام! إلى الأمام!” واعترض أمين سر لجنة المصنع وهو عامل بلشفي، واقترح ضرورة سؤال الحزب ومعرفة رأيه. فانطلقت الاحتجاجات من كل مكان “فليسقط! فليسقط! إنكم أيضًا تريدون إطالة المسألة!… إننا عاجزون عن الاستمرار بالعيش بهذا الشكل!”… وحوالي الساعة السادسة، حضر مندوبون عن اللجنة التنفيذية، ولكنهم لم يستطيعوا التأثير على العمال.

واستمر الاجتماع طويلاً، وكان الهياج فيه واضحًا. ولم يكن سوى اجتماع آلاف الرجال الذين يبحثون عن مخرج، ولا يقبلون أن يُقال لهم بأن هذا المخرج غير موجود. واقتُرح إرسال وفد إلى اللجنة التنفيذية، وكانت النتيجة التردد أمام هذا الاقتراح أيضًا. وظل الاجتماع منعقدًا. وفي هذه الأثناء جاءت مجموعة من العمال والجنود لتعلن بأن حي فيبورغ سار متجهًا نحو قصر توريد. وهنا أصبح من المستحيل إيقاف العمال دقيقة واحدة إضافية. واتخذ المجتمعون قرارًا بالسير. وهرع شخص يدعى إيفيموف إلى لجنة الحزب في الحي ليسألها “عما ينبغي عمله” فأجابته اللجنة “سوف لا نتظاهر. ولكننا لا نستطيع ترك العمال لمصيرهم، ولذا فإننا سنسير معهم”. وفي هذه اللحظة ظهر تشودين، أحد أعضاء لجنة الحي، وأعلن بأن العمال في كافة الأحياء ساروا نحو القصر، وأن على مناضلي الحزب “أن يحافظوا على النظام”. وهكذا اجتذبت الحركة البلاشفة وجرتهم فساروا معها، وهم يحاولون تبرير أعمالهم المتعارضة مع القرار الرسمي للحزب.

وفي الساعة السابعة مساءً توقفت الحياة الصناعية في العاصمة بصورة كاملة. وانتفضت المصانع واحدًا تلو الآخر. وأخذت تضم الصفوف، وتسلحت مفارز الحرس الأحمر. ويتحدث ميتيليف -أحد مناضلي فيبورغ- عن ذلك بقوله: “ووسط جمهرة تضم العمال، كان مئات من شباب الحرس، يذهبون ويغدون، ويقرقعون بمغاليق بنادقهم. وكان البعض يدخلون أمشاط الرصاص في أسلحتهم. ويتمنطق الآخرون بأشرطة الرصاص، ويعلق البعض بأحزمتهم المزاود وجعب الذخيرة، أو يركبون الحراب على البنادق. وكان العمال العُزَّل يساعدون رجال الحرس على تجهيز أنفسهم…” وغص شارع سامبسونيفسكي، أكبر شوارع حي فيبورغ، بالجماهير المحتشدة. وسارت إلى يمين الشارع ويساره أرتال متراصة من العمال، على حين سار في منتصف الشارع فوج للرشاشات، الذي يشكل العمود الفقري للموكب كله. وسارت في مقدمة كل سرية سيارات النقل المسلحة برشاشات “مكسيم”. وسار العمال وراء فوج الرشاشات، وسارت وحدات فوج موسكوفسكي في مؤخرة الموكب لحمايته. ورفرفت فوق كل مفرزة راية كتب عليها “كل السلطة للسوفييتات!”. ولا شك في أن موكب دفن ضحايا الثورة الذي جرى في مارس (آذار)، وموكب مظاهرة الأول من مايو (آيار) كانا أضخم من موكب يوليو (تموز)، ولكن استعراض يوليو (تموز) كان أشد جموحًا، وأكثر تهديدًا، ويتمتع بتجانس داخلي أكبر. وكتب أحد المشتركين بالمظاهرة المسلحة ما يلي: “ويسير العمال والجنود تحت الرايات الحمر. ولا يلاحظ المرء شارات الموظفين، أو أزرار الطلاب اللامعة، أو قبعات “السيدات المتعاطفات” -وكانت هذه الأشياء مألوفة قبل 4 شهور في فبراير (شباط)- ولكن حركة هذا اليوم لا تضم أي شيء من ذلك. ولا يسير إليهم سوى حشد قاتم من عبيد رأس المال”.

وانطلقت في مختلف الاتجاهات سيارات محملة بالعمال والجنود المسلحين، إنهم مبعوثون، ومحرضون، وكشافون، ورجال ارتباط، وقوات مكلفة بتحريض العمال والأفواج. وكان الجميع يشرعون بنادقهم. وكانت سيارات النقل التي تغطيها حراب البنادق تعيد إلى الأذهان لوحة أيام فبراير (شباط) فتشجع البعض، وتخيف البعض الآخر. وكتب الكاديت نابوكوف عن ذلك: “أنها نفس الوجوه المهووسة، المخدرة، الحيوانية التي نذكرها جميعًا منذ أيام فبراير (شباط)” أي منذ أيام الثورة التي أسماها الليبراليون رسميًّا ثورة ظافرة غير دموية. وما أن دقت الساعة التاسعة حتى كانت سبعة أفواج تتجه نحو قصر توريد. وانضمت إلى الموكب خلال الطريق أرتال العمال القادمين من المصانع، وعدد من الوحدات العسكرية الجديدة. وكان لحركة فوج الرشاشات قدرة هائلة على العدوى. وهكذا ابتدأت “أيام يوليو”.

وعُقدت الاجتماعات الطارئة هنا وهناك. وسُمع صوت الطلقات المنبعث من كل مكان. ويقول العامل كوروتكوف: “وأخرج المتظاهرون من أحد الأقبية في شارع ليتييني ضابطًا ورشاشًا، وقتلوا الضابط فورًا”. وسبقت الإشاعات من كل نوع مسيرة المظاهرة، ونشرت حولها الرعب في كل الاتجاهات. ولم تنتقل الإشاعات عن طريق هواتف أحياء المراكز الهلعة فقط! وجاءت الأنباء تقول، بأن سيارة مسلحة جاءت في الساعة الثامنة مسرعة إلى محطة وارسو، بغية اعتقال كرنسكي، الذي ذهب في هذا اليوم بالذات إلى الجبهة. ولكنها وصلت متأخرة، وسافر القطار قبل أن يتم الاعتقال. ولقد ذكرت هذه الرواية فيما بعد أكثر من مرة كدليل على وجود مؤامرة. ولكن من كان في السيارة؟ ومن ذا الذي اكتشف النوايا السرية لشاغليها؟ إننا لم نعرف ذلك أبدًا. وفي هذا المساء كانت السيارات المحملة بالرجال المسلحين تسير في كافة الاتجاهات، ومن المؤكد أن بعضها تحرك على مقربة من محطة وارسو. وكانت الشتائم الفجة الموجهة إلى كرنسكي تتردد في أرجاء عديدة. وكان هذا على ما يبدو أصل الأسطورة، إن لم تكن الأسطورة برمتها مختلفة.

ورسمت صحيفة الأزفستيا المخطط التالي لأحداث 23 يوليو (تموز): “في الساعة الخامسة من بعد الظهيرة خرج إلى الشارع كل من فوج الرشاشات الأول، ووحدة من فوج موسكوفسكي، ووحدة من فوج الحرس، ووحدة من فوج بافلوفسكي، وكان رجال هذه الوحدات يحملون سلاحهم الكامل. وانضم إليهم عدد غفير من العمال… وفي الساعة الثامنة، تجمع حول قصر كشيسينسكايا وحدات من الأفواج المسلحة من الرأس حتى أخمص القدمين، تحمل الرايات الحمراء، واللافتات المنادبة بنقل السلطة للسوفييتات. وألقيت الخطب من شرفة القصر… وفي الساعة العاشرة عُقد اجتماع في الساحة الواقعة أمام قصر توريد… وانتخبت الوحدات وفدًا للذهاب إلى المجلس التنفيذي المركزي لعموم روسيا. وأعد الوفد نيابة عن الجنود المطالب التالية: ليسقط الوزراء البورجوازيون العشر! كل السلطة للسوفييت! أوقفوا الهجوم! مطاردة مطابع الصحف البرجوازية! تأميم الأرض! الإشراف على الإنتاج!”. فإذا ما أسقطنا من حسابنا بعض التعديلات الطفيفة مثل “وحدات من الأفواج” بدلاً من “الأفواج”، و”عدد غفير من العمال” بدلاً من “عمال مصانع بأسرها” أمكننا القول بأن الصحيفة الرسمية لتسيريتلي – دان لم تخطئ في وصف ما حدث، بل حددت بدقة خاصة بؤرتي المظاهرة: قصر كشيسينسكايا، وقصر توريد؛ إذ كانت الحركة تدور ماديًّا ومعنويًّا حول هذين المركزين المتصارعين، وكان المتظاهرون يأتون إلى قصر كشيسينسكايا طلبًا للتعليمات، وبحثًا عن الاتجاه والإيحاءات، على حين كانوا يذهبون إلى قصر توريد لتقديم المطالب، والتهديد بالقوة الموجودة.

 

لقراءة الفصل السابق يمكن مراجعة الرابط التالي:

تاريخ الثورة الروسية (ج2) مقدّمة المؤلّف