بدنا نعيش

0
180

الياس خوري

يبدو أن خطة إعادة الإعمار في سوريا بدأت في درعا! النظام الذي «نَصَره» حلفاؤه ونجح في هندسة فكرة المعارضة على شكل أصولية وحشية، قرر أن يبدأ في مهد الثورة الشعبية. في مدينة الطفل الشهيد حمزة الخطيب بدأت عملية إعادة الإعمار. وكي يثبت النظام جديته الكاملة قرر أن الإعمار يبدأ من خلال إعادة نصب تمثال مؤسس السلالة الأسدية!
بدأوا بالرمز كأن الثورة لم تكن، وعندها فوجئوا بمظاهرة صغيرة خرجت من وسط الركام معلنة أن الحرية لا تموت، وأن هول المجزرة السورية ليس قادرا على إطفاء النار التي اشتعلت في القلوب.
فوجئ النظام بأن الموت لم ينتصر في سوريا بشكل كامل، مثلما فوجئت الطغمة الحاكمة في الجزائر بأن عشرين سنة من الاستبداد فشلت في محو حلم الحرية، فالمستبدون يفاجَأون بالحياة لأنهم لا يعرفون سوى لغة الموت.
والمثير أن المفاجأتين الكبريين اللتين جاءتا من الجزائر والسودان كانتا أشبه بشرارة بداية جديدة لا يستطيع أحد التنبؤ باحتمالاتها. فحين تصل الشرارة إلى غزة، ويصرخ الناس في وجه السلطتين «بدنا نعيش»، وتقوم شرطة «حماس» بقمع المتظاهرين السلميين، وملاحقة الصحافيين بتهمة تغطية المظاهرات، فهذا يعني أن صرخة الخبز والحرية التي أشعلت العالم العربي عام 2011، لا تزال قادرة على التوالد.
تلتقي الجزائر وفلسطين في طلب الحرية، ويتم اللقاء في الشوارع، وخارج خطاب التضامن القديم والمحنّط، فهذه العاصفة التي يحاول الاستبداد والاحتلال سحقها بالدم هي الموعد الذي طال انتظاره.
تصرخ غزة «بدنا نعيش»، ويلتقي صوتها بصدى صرخة باسل الأعرج وهو يقاوم وحيدا في ظل أعلام الخيانة.
نحن في العالم العربي من الجزائر إلى غزة ومن اليمن إلى سوريا ومصر، ومن الخليج إلى الخليج، نعيش لحظة كبرى مليئة بالاحتمالات التي تسمح لنا بالقول بأن ما كان منذ خمسين عاما، أي منذ تسلط المستبدين بشكل سافر بعد الهزيمة الحزيرانية المروّعة، لم يعد صالحا للاستمرار.
لقد تعفّنت السلطة بالاستبداد، وتعفّن الاستبداد بالهزيمة، لذلك فحين يصرخ الجزائريون طلبا لحريتهم تجيبهم غزة بصراخ الإصرار على البقاء.
«بدنا نعيش»، نعم، نريد أن تكون لنا حياة تليق بنا، لأننا نليق بالحياة.
ما يجري اليوم وسيجري غدا بعيد عن أحلام/أوهام البدايات، لن يسقط الاستبداد دفعة واحدة، ولن ينزاح كابوس الاحتلال عبر اللجوء إلى وهم السلام أو عبر جعل فلسطين رهينة.
المسألة أكثر تعقيدا، ولعل واقع عجز الثقافة العربية عن بلورة رؤى جديدة انطلاقا من هذا الانفجار الكبير هو التعبير الصارخ عن عجز البلاغة القديمة والحاجة إلى بلاغة جديدة تتغلغل في ثنايا الواقع بتعقيداته المختلفة، وتسمّي الأشياء، وتبني أفقا لعلاقة الحرية بالعدالة الاجتماعية، ومعنى مقاومة الاستبداد والاحتلال في الآن نفسه.
العجز يجب أن لا يقود إلى الاستسلام أو الانحناء أمام الفكر السائد الذي يرى في الثورة مؤامرة، ويبني موقفه العاجز عن قراءة تعقيدات التغيير عبر الاستسلام لفكر سائد، لا يرى في العالم العربي سوى ظلال باهتة لتهويمات المستشرقين أو خرافات الأصوليين.
ولعل بداية استعادة الوعي لا تبدأ إلّا من القعر، وفي القعر حيث السجون -المقابر نبدأ، فهناك تلتمع الكلمات بالمعنى اللصيق بالحياة.
تعالوا معي نقرأ قليلا في هذا القعر، هناك سنلتقي شاعرا فلسطينيا اسمه أشرف فياض، يعيش اليوم بين سياط الجلادين وقمع الحراس في سجنه في السعودية.
أشرف فياض صدر له ديوان شعري جديد في تونس بعنوان «سيرة مرضية»، وهو كناية عن قصائد مهربة من سجنه يروي فيها عن حياته المصادرة.
جريمة هذا الفلسطيني الشاب، مواليد 1980 في السعودية، أنه شاعر. ديوانه الأول «التعليمات بالداخل»، الصادر عن دار الفارابي في بيروت 2008، قاده إلى السجن السعودي بتهمة التعدي على الذات الإلهية ونشر الإلحاد. حُكم عليه بالإعدام عام 2015، ثم خُفض الحكم إلى ثمانية أعوام سجنا وثمانمئة جلدة عام 2016.
أمس عاد أشرف فياض بديوانه الجديد ليذكّرنا بعارنا الثقافي، وهنا يقع السؤال الذي لا يطرحه أحد؛ كيف نستطيع ككتاب ومثقفين أن نكتب في داخل هذا الانفجار الاجتماعي والسياسي الذي يعصف بمجتمعاتنا العربية حين نرتضي السكوت، أو نتجاهل واقعا مروعا عنوانه الأول هو الشاعر السجين، قبل أن تأتي جريمة الخاشقجي لتصوّر حقيقة الاستبداد العربي ووحشيته المطلقة.
حرية الكلمة تبدأ بحرية هذا الشاب الفلسطيني-السعودي، وصوتنا لا يستعاد إلا حين يكسر جدران هذا السجن العربي، كي يلتحم بصرخة الحياة التي يعلنها كتاب ومناضلون ومناضلات يعيشون في السجون والمنافي.
من الجزائر إلى غزة، ومن سجون القهر في الخليج إلى سجون الموت في سوريا، ومن السجن الإسرائيلي إلى السجن العربي.
هذه هي جغرافية «الربيع العربي» المغدور، أمكنة مبقّعة بالدم، وحكايات تبحث عن كلماتها.
نصرخ مع الناس «بدنا نعيش»، وكي يكون لصراخنا صدى، علينا أن نحمي معنى الكلمات ونعيد تأسيسها كروح لا تنحني أو تهادن. فالكلمة التي انطلقت في شوارع هذا المدى العربي هي احتمالنا الأخير وهو يقاوم التنين المتعدد الرأس الذي يقتلنا.

ننوّه إلى أن الآراء الواردة في المواد المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن آراء ومواقف “الرابطة الأممية للعمال – الأممية الرابعة”