تاريخ الثورة الروسية (ج2): “أيام يوليو” الإعداد والبداية جـ 2

0
90

 

وفي الساعة الثالثة من بعد الظهيرة، وخلال انعقاد مؤتمر بلاشفة العاصمة العام في قصر كشيسينسكايا، حضر مندوبان من رماة الرشاشات وأعلموا البلاشفة بقرار التظاهر الذي اتخذه فوجهم. ولم يكن أحد ينتظر ذلك أو يرغب به. وأعلن تومسكي: “لم تتصرف الأفواج التي تحركت بروح رفاقية جيدة، نظرًا لأنها لم تدع لجنة حزبنا لمناقشة هذه المسألة. وتقترح اللجنة المركزية على المؤتمر ما يلي: 1- إصدار بيان لضبط اندفاع الجماهير، 2- كتابة مذكرة إلى اللجنة التنفيذية تحثها على أخذ السلطة بين يديها. ولا يمكن التحدث الآن عن المظاهرة دون الرغبة بثورة جديدة”. وكان تومسكي العامل العجوز البلشفي، الذي أثبت إخلاصه للحزب بسنوات السجن الطويلة، والذي غدا فيما بعد زعيمًا للنقابات، يميل بطبعه إلى الحد من المظاهرات بدلاً من إثارتها. ولكنه كان في هذه المرة يشرح فكرة لينين: لا يمكن التحدث الآن عن مظاهرة، إذا كنا نود في المستقبل القيام بثورة جديدة. لأن التوفيقيين اعتبروا حتى محاولة التظاهر السلمية في 10 يونيو (حزيران) وكأنها مؤامرة!

وأيَّدت غالبية المؤتمر فكرة تومسكي. وكان من الضروري تأجيل حل العقدة. إن الهجوم على الجبهة ينهك البلاد كلها. وفشل هذا الهجوم محتمل تمامًا، كما أن من المحتمل أن تلقى الحكومة مسئولية الفشل على البلاشفة. ولا بُدَّ من إعطاء التوفيقيين وقتًا للتورط نهائيًّا. ورد فولودارسكي على رماة الرشاشات باسم المؤتمر، وقال بأن على الفوج أن يخضع لقرار الحزب. وخرج رماة الرشاشات وهم يحتجون. وفي الساعة الرابعة، أكَّدت اللجنة المركزية قرار المؤتمر. واتجه أعضاؤها إلى الأحياء والمصانع لمنع المظاهرات الجماهيرية. وأرسل بيان بهذا الصدد إلى البرافدا كيما تنشره في الصفحة الأولى لعدد اليوم التالي. وكُلف ستالين بنقل قرار الحزب إلى المجلس الموحد للجان التنفيذية. وهكذا لم تدع نوايا البلاشفة أي مجال للشك. ووجهت اللجنة التنفيذية بيانًا إلى العمال والجنود قالت فيه: “إن بعض المجهولين… يدعونكم للنزول إلى الشارع”، وكان قولها هذا شهادة أكيدة بأن أي حزب من الأحزاب السوفييتية لم يشترك في هذه الدعوة. ولكن اللجان المركزية للأحزاب والسوفييت كانت تطرح وتقترح على حين كانت الجماهير تنفذ وتتصرف.

وفي حوالي الساعة الثامنة مساء، اقترب فوج الرشاشات وخلفه فوج موسكوفسكي من قصر كشيسينسكايا. وخرج بلاشفة شعبيون من أمثال نيفسكي، ولاشوفيتش، وبودفويسكي إلى الشرفة، وحاولوا إقناع الجنود بالعودة إلى ثكناتهم. ورد عليهم الجنود من الشارع “فليسقط!”. ولم يكن البلاشفة الواقفون في الشرفة قد سمعوا الجنود يهتفون ضدهم من قبل بهذا الشكل. وكان هذا الموقف دليلاً سيئًا. ووراء الأفواج، ظهرت أمام عمال المصانع لافتات كتب عليها “كل السلطة للسوفييتات!” “فليسقط الوزراء الرأسماليون العشر!” إنها أعلام 18 يونيو (حزيران). ولكنها محاطة اليوم بالحراب. لقد غدت المظاهرة أمرًا له وزنه. فما العمل؟ هل يمكن أن يبقى البلاشفة بعيدين عن الوضع كله؟ وقرر أعضاء لجنة بتروغراد، ومندوبو المؤتمر، وممثلو الأفواج والمصانع ما يلي: مراجعة المسألة، ووضع حد لهذا التجاذب العقيم، وتوجيه الحركة التي بدأت باتجاه يجد للأزمة الحكومية حلاً يؤمن مصالح الشعب. وهذا يعني دعوة العمال والجنود للقيام بمسيرة سلمية نحو قصر توريد، وانتخاب مندوبين، وتقديم المطالب إلى اللجنة التنفيذية عن طريق هؤلاء المندوبين. ويتعهد أعضاء اللجنة المركزية الحاضرون بتعديل التكتيك.

وما أن أعلن القرار الجديد من شرفة القصر، حتى استقبله المتظاهرون بالهتاف والحماس، وأخذوا ينشدون المارسيليز. لقد أسبغ الحزب على الحركة صفة الشرعية، وبوسع رماة الرشاشات الآن أن يتنفسوا الصعداء. ودخل جزء من الفوج فورًا على قلعة بطرس وبولص للتأثير على حاميتها، وحماية قصر كشيسينسكايا عند اللزوم من ضربة توجه إليه من القلعة التي لا يفصلها عنه سوى قناة كرونفيرك الضيقة.

وسارت عناصر مقدمة المظاهرة في شارع نييفسكي، شارع البرجوازية، والبيروقراطية، والضباط، وكأنها في بلد أجنبي. وكانت آلاف النظرات السيئة تنصب عليها من الأرصفة والنوافذ والشرفات. وكان هذا الفوج يؤثر على هذا المصنع، وذاك المصنع يؤثر على هذا الفوج. وتدفقت جماهير جديدة باستمرار للاشتراك في المظاهرة وكانت كافة الرايات الحمراء ذات الكتابة المذهبة تحمل شعارًا واحدًا “كل السلطة للسوفييتات!”. واحتلت المظاهرة شارع نييفسكي، واتجهت على شكل تيار جارف نحو قصر توريد. وأثارت لافتات “فلتسقط الحرب!” حنق الضباط وسخطهم. وكان من بينهم عدد من مشوهي الحرب. وتحدث الطالب والطالبة والموظف ولوحوا بأيديهم، وبحوا أصواتهم في محاولة لإقناع الجنود بأن عملاء ألمانيا الذين يقفون وراء ظهورهم، ودون فتح الطريق إلى بتروغراد أمام قطعات غليوم المتلهفة على خنق الحرية. وكان الخطباء يعتبرون حججهم دامغة لا تُنقض. وكان الموظفون يقولون عن العمال “لقد خدعهم الجواسيس!” ويحتج العمال بصوت أجش هادر. ويتابع الموظفون أقوالهم “لقد جرهم المهووسون!”، “إنهم جهلة” وكان الطرفان متفقين على هذه النقطة فقط.

ولكن للعمال أسلوبهم في قياس الأشياء. إنهم لم يتعلموا من الجواسيس الألمان الأفكار التي تدفعهم اليوم للتظاهر في الشارع. وأبعد المتظاهرون من طريقهم هؤلاء المتحدثين الطارئين، وتابعوا مسيرتهم إلى الأمام وأزعج هذا الأمر وطنيي شارع نييفسكي. وانقضت مجموعات صدمة وطنية، تحت قيادة مشوهي الحرب، أو فرسان القديس جورج على بعض مفارز المتظاهرين لانتزاع راياتها. ووقع العراك هنا وهناك، وارتفعت حرارة الموقف، وانطلقت الرصاصات من الجانبين ولم يكن أحد يدري هل انطلقت من نافذة أم من قصر أنيتشكين. ورد المتظاهرون السائرون على قارعة الطريق برشقة في الهواء دون أن يسددوا بأي اتجاه. وسادت الفوضى الشارع خلال فترة من الزمن. ويتحدث أحد عمال مصنع فولكان، عن أنه في حوالي منتصف الليل، وبينما كان فوج الحرس يسير في شارع نييفسكي قرب المكتبة العامة، انطلقت النيران من مكان مجهول، واستمرت عدة دقائق، فساد الهلع وتبعثر العمال في الشوارع الفرعية، وانبطح الجنود تحت النار؛ فلقد علمتهم مدرسة الحرب الشيء الكثير. وكان شارع نييفسكي في منتصف الليل، والجنود رماة القنابل منبطحون فيه على بطونهم تحت النار يقدم مشهدًا على غاية من الغرابة. إن بوشكين، وغوغول اللذين وصفا شارع نييفسكي، لم يتصوراه أبدًا بهذا الشكل! ومع هذا فقد كانت الصورة العجيبة المذهلة حقيقة واقعة، وسقط على أرض الشارع عدد من القتلى والجرحى.

لقراءة الفصل السابق يمكن مراجعة الرابط التالي:

تاريخ الثورة الروسية (ج2): “أيام يوليو” الإعداد والبداية