تاريخ الثورة الروسية (ج2): “أيام يوليو” الإعداد والبداية جـ 3

0
343

 

وعاش قصر توريد حياته الخاصة. فبعد أن استقال الكاديت من الحكومة اجتمعت اللجنتان التنفيذيتان: لجنة العمال والجنود ولجنة الفلاحين، ودرستا تقرير تسيريتلي حول مسألة معرفة كيف يمكن تنظيف معطف التآلف دون تعريضه للبلل. وكان من المحتمل انكشاف سر هذه العملية لو لم تمنع الضواحي المضطربة ذلك. وجاءت المكالمات الهاتفية معلنة بدء استعداد فوج الرشاشات للمسير، ونجم عن ذلك غضب الزعماء ونقمتهم. فهل يعقل أن العمال لم يعودوا قادرين على انتظار القرار المنقذ الذي ستأتي به الصحف. ونظرت الغالبية شذرًا إلى البلاشفة. واقترح كامنييف وعدد من ممثلي الحزب الموجودين الذهاب بعد اجتماع ذلك اليوم إلى المصانع والثكنات لكبح جماح الجماهير. ولقد اعتبر التوفيقيون هذا الاقتراح فيما بعد فخًا مقصودًا. وأقرت اللجنتان التنفيذيتان على جناح السرعة بيانًا يعلن كالمعتاد بأن كافة المظاهرات تعتبر خيانة للثورة، ولكن كيف يمكن الخلاص من أزمة السلطة؟ ووُجد المخرج بعد قليل: الحفاظ على الوزارة كما هي رغم انسحاب الكاديت، وتأجيل النظر في المسألة كلها، حتى تتم دعوة أعضاء اللجنة التنفيذية من المقاطعات. أفليس التأجيل، واكتساب الوقت، للخروج من التردد، يمثلان أعقل السياسات وأكثرها حكمة؟

ولكن التوفيقيين كانوا يعتبرون أن ضياع الوقت غير مقبول في حالة واحدة هي الصراع ضد الجماهير. وابتدأ الجهاز الرسمي العمل فورًا ضد الانتفاضة؛ ذلك لأنهم أطلقوا على المظاهرة هذا اللقب منذ البداية. وبحث الزعماء في كل مكان عن قوة مسلحة لحماية الحكومة واللجنة التنفيذية. ووقع تشخيدزه وعدد من أعضاء البريزيديوم أوامر بعثت إلى مختلف المؤسسات العسكرية كيما تُرسل إلى قصر توريد سيارات مصفحة، ومدافع عيار 3 عقدة، وذخائر. وتلقت كافة الأفواج في الوقت نفسه أمرًا بإرسال مفارز مسلحة للدفاع عن القصر. ولم يقف الأمر عند هذا الحد. بل أسرع المكتب، وأبرق إلى الجبهة، إلى الجيش الخامس المتمركز قريبًا من العاصمة، “كيما يرسل إلى بتروغراد فرقة من الخيالة، ولواءً من المشاة، وعددًا من السيارات المصفحة”، وبعد فترة طويلة من الزمن اعترف المنشفي فويتنسكي الذي كان آنذاك مكلفًا بحماية أمن اللجنة التنفيذية، بأن “يوم 3 يوليو (تموز) استخدم بأكمله لتجميع القطعات اللازمة لتدعيم قصر توريد… وكانت مهمتنا جمع عدة سرايا على الأقل… ومرت لحظات أحسسنا فيها بأن القطعات تنقصنا تمامًا. وكان عند مدخل القصر مخفر يضم 6 رجال. ولم يكن هذا المخفر قادرًا على منع اندفاع الجماهير…” ثم قال: “ولم يكن تحت تصرفنا في اليوم الأول للمظاهرة سوى مائة رجل، ولم يكن عندنا أية قوة أخرى. فبعثنا المفوضين إلى كافة الأفواج، وطلبنا منها أن ترسل الجنود لحراسة القصر… ولكن كل فوج كان ينظر إلى الأفواج الأخرى ليرى كيف ستتصرف. وكان علينا أن ننتهي من هذه الفضيحة بأي ثمن. فاستدعينا القوات من الجبهة”، ويصعب على المرء أن يخترع عامدًا متعمدًا نقدًا أسوأ من هذه الأقوال ضد التوفيقيين. لقد طالب مئات الآلاف من المتظاهرين بانتقال السلطة للسوفييت. على حين عمل تشخيدزه القابع على رأي السوفييت، والمؤهل لدور رئيس الحكومة، إلى البحث عن قوة مسلحة ضد المتظاهرين. وهكذا اعتبر الزعماء الحركة الرائعة في سبيل سلطة الديمقراطية هجومًا تقوم به عصابات مسلحة ضد الديمقراطية.

وبعد تأخير طويل، اجتمع في قصر توريد نفسه الفرع العمالي للسوفييت، الذي شهد في الشهرين الأخيرين انتخابات جزئية في المصانع أدَّت إلى تجديد أعضائه بشكل جعل اللجنة التنفيذية تخشى سيطرة البلاشفة عليه. وكان تأخير الاجتماع مقصودًا، ثم حدد التوفيقيون أنفسهم موعده قبل عدة أيام، وجاء الموعد متطابقًا بالصدفة مع موعد المظاهرة المسلحة، وهنا أيضًا اتهمت الصحف البرجوازية البلاشفة، واعتبرتهم مسئولين عن هذا التطابق. وقدم زينوفييف إلى الفرع العمالي تقريرًا شرح فيه بشكل مقنع أن التوفيقيين حلفاء البرجوازية لا يودون الصراع ضد الثورة المضادة، ولا يستطيعون ذلك، لأنهم يرون أن نشاط الثورة المضادة محصور ببعض مظاهر العنف التي يمارسها رجال المائة السود، لا في التلاحم السياسي للطبقات المالكة الرامية إلى سحق السوفييتات، على اعتبارها مراكز مقاومة كافة الكادحين.

ووقع التقرير وقعًا حسنًا، وأحس المناشفة لأول مرة بأنهم يمثلون الأقلية على أرض سوفييتية، فاقترحوا عدم اتخاذ أي قرار، والتوزع في الأحياء لحفظ النظام. ولكن مثل هذا العمل متأخر لا يجدي فتيلاً! وأدى انتشار نبأ وصول عمال مسلحين وجنود من فوج الرشاشات إلى قصر توريد، إلى وقوع هيجان كبير داخل القاعة. وصعد كامنييف إلى المنصة ليقول: “إننا لم ندع إلى أية مظاهرة ولكن الجماهير الشعبية نزلت إلى الشارع بنفسها… وبما أن الجماهير قد خرجت، فإن مكاننا وسطها… وإن مهمتنا الآن هي أن نعطي الحركة طابعًا منظمًا”. وأنهى كامنييف كلامه، بأن اقترح انتخاب لجنة تضم 25 شخصًا لقيادة الحركة. ودعم تروتسكي هذا الاقتراح. وتشكك تشخيدزه أمام اللجنة البلشفية، وأصر على إحالة المسألة كلها إلى اللجنة التنفيذية، ولكن إصراره ذهب أدراج الرياح. وأخذت المناقشات شكلاً مضطربًا. ولما اقتنع المناشفة والاشتراكيون الثوريون بأنه لن يكون لهم معًا أكثر من ثلث أصوات المجتمعين على أبعد تقدير، انسحبوا من القاعة.

وغدا هذا التصرف تكتيك الديموقراطيين المفضل؛ فلقد بدءوا يقاطعون السوفييتات منذ أن فقدوا الغالبية فيها. ووافق على القرار القاضي بدعوة اللجنة التنفيذية المركزية لاستلام السلطة 276 صوتًا بعد غياب المعارضة. وحصل البلاشفة بالانتخاب على 15 عضوًا في اللجنة وتركت 10 مقاعد للأقلية، وستبقى هذه المقاعد شاغرة. وكان انتخاب لجنة بلشفية يعني بالنسبة للأصدقاء والأعداء أن الفرع العمالي في سوفييت بتروغراد غدا منذ تلك اللحظة قاعدة من قواعد البلشفية. إنها خطوة كبيرة إلى الأمام. ففي إبريل (نيسان) كان البلاشفة يؤثرون على ثلث عمال بتروغراد فقط، وكان مكانهم في السوففيت آنذاك محدودًا جدًا. أما الآن، وفي مطلع يوليو (تموز)، فقد أعطى البلاشفة للفرع العمالي حوالي ثلثي المندوبين، وهذا يعني أن تأثيرهم وسط الجماهير غدًا حاسمًا.

وسارت أرتال العمال، والعاملات، والجنود في الشوارع المؤدية إلى قصر توريد وسط الرايات والأناشيد والموسيقى. وظهرت المدفعية الخفيفة التي ألهبت قيادتها الحماس عندما أعلنت أن كافة بطاريات فرقتها تؤيد قضية العمال. وامتلأ الشارع الواسع والساحة الفسيحة أمام قصر توريد بالناس. وكان الجميع يحاولون الاقتراب من منصة الخطابة القائمة أمام المدخل الرئيسي للقصر. وظهر تشخيدزه أمام المتظاهرين بوجهه القاتم المكفهر، الذي يشبه وجه رجل أزعجه أن يترك أعماله بلا جدوى. واستُقبل رئيس السوفييت الشعبي المشهور بصمت عدائي. وكرر صوت تشخيدزه المتعب الصدئ أقوالاً مألوفة، وأغانٍ قديمة. وجاء فويتنسكي لنجدته، ولكنه لم يحظ بتأييد أفضل. ويتحدث ميليوكوف عن هذا الاجتماع فيقول: “وعلى العكس، فما أن أعلن تروتسكي بأن اللحظة قد جاءت لأن تنتقل السلطة إلى السوفييتات، حتى استقبل بموجة حادة من التصفيق..”. إن هذه الجملة غامضة بصورة مقصودة؛ إذ لم يقل أحد من البلاشفة أن “اللحظة قد جاءت”. ويروي صانع أقفال من مصنع دوفلون الصغير في بتروغراد ما جرى في الاجتماع قرب جدران قصر توريد فيقول: “إنني لأذكر خطاب تروتسكي، الذي قال بأن الوقت لم يحن بعد للاستيلاء على السلطة”. ويقدم صانع الأقفال معنى الخطاب بشكل أفضل من أستاذ التاريخ. وعلم المتظاهرون من شفاه الخطباء البلاشفة بالنصر الجديد الذي تحقق منذ هنيهة في الفرع العمالي، وأعطاهم هذا الأمر إحساسًا ملموسًا بالرضى، وكأنه مدخل لعصر السلطة السوفييتية.

وعقد الاجتماع الموحد للجنتين التنفيذيتين قبل منتصف الليل، وفي هذه اللحظة، كان رماة القنابل ينبطحون على أرض شارع نييفسكي. وتقرر بناء على اقتراح دان أن لا يبقى في المجلس إلا كل من يتعهد مسبقًا بالدفاع عن المقررات المتخذة ويعمل على تنفيذها. إنه أسلوب جديد للحديث! لقد كان المناشفة يسمون السوفييت من قبل باسم برلمان العمال والجنود، ولكن ها هم يحاولون تحويله إلى جهاز إداري بِيد الأكثرية التوفيقية. وعندما سيصبح التوفيقيون أقلية -وليس علينا أن ننتظر سوى شهرين- فإنهم سيدافعون عن الديمقراطية السوفييتية بحماس واندفاع. أما اليوم، فقد كانت البرجوازية مركونة على الرف كما هي الحالة عادة في جميع اللحظات الحاسمة للحياة الاجتماعية. وانسحب بعض أعضاء منظمة المناطق من الاجتماع احتجاجًا، وكان كافة البلاشفة غائبين؛ إذ كانوا يناقشون في قصر كشيسينسكايا طابع التصرف المطلوب في اليوم التالي. واستمر الاجتماع، وظهر مندوبو منظمة المناطق في القاعة ليعلنوا بأنه ليس هناك من يستطيع تجريدهم من موقعهم الذي وضعهم فيه الناخبون. وصمتت الغالبية، ونسي الجميع اقتراح دان دون أن يلحظ أحد ذلك. وطال الاجتماع وكأنه لحظات النزع الأخير، وكان التوفيقيون يتحدثون بأصوات منهكة، ويحاولون إقناع بعضهم بأنهم على حق. واشتكى تسيريتلي بصفته وزير البريد والبرق بقوله: “لقد علمت الآن بإضراب عمال البريد والبرق… أما فيما يتعلق بمطالبهم السياسية، فإنهم يرفعون الشعار نفسه: كل السلطة للسوفييتات!”…

وأصر مندوبو المتظاهرين المحيطين بقصر توريد من كل جانب على حضور الاجتماع. فسُمح لهم بالدخول، ولكنهم استُقبلوا بشيء من القلق والعداء. مع أن المندوبين كانوا يعتقدون بأن التوفيقيين مضطرون هذه المرة للقائهم. خاصة وأن صحف المناشفة والاشتراكيين الثوريين الصادرة في ذلك اليوم، والمتأثرة إلى حد بعيد باستقالة وزراء الكاديت، أشارت إلى مؤامرات الحلفاء البورجوازيين وتخريبهم. وبالإضافة إلى ذلك، فقد أيَّد الفرع العمالي فكرة انتقال السلطة إلى السوفييت. فماذا ينظر أكثر من ذلك؟ ولكن النداءات الحماسية، التي يختلط فيها الضجر بالأمل سقطت عاجزة بلا جدوى وسط خمول البرلمان التوفيقي وذهوله.

ولم يهتم الزعماء إلا بشيء واحد: كيف يتخلصون من هؤلاء المتطفلين بأسرع ما يمكن؟ وطُلب من المندوبين الخروج مؤقتًا إلى ممرات القصر؛ لأن في إخراجهم إلى الشارع خطرًا ومغامرة لا تحمد عقباها. وسمع رماة الرشاشات من الشرفة بكل دهشة خلاصة المناقشات الجارية، والتي لا تستهدف سوى كسب الوقت؛ فلقد كان التوفيقيون ينتظرون قوات مضمونة. وأعلن دان: “إن في الشارع شعبًا ثوريًّا، ولكن هذا الشعب يقوم بعمل مضاد للثورة…” وتحدث ابراموفيتش أحد زعماء البوند، والرجعي المتبجح المتضايق من الثورة، ودعم دان، وأكد رغم كل الدلائل المعاكسة: “إننا نشهد الآن مؤامرة”، ودعا البلاشفة إلى الاعتراف صراحة “بأنهم صنّاع هذه المؤامرة”. وعمَّق تسيريتلي بحث المسألة: “هل يمكن أن نعتبر أن النزول إلى الشارع، والمطالبة بكل السلطة للسوفييتات يعنيان دعم السوفييتات؟ لو شاءت السوفييتات أن تستسلم السلطة لانتقلت هذه السلطة إليها. فليس أمام إرادة السوفييتات أية حواجز في أية جهة… إن مثل هذه المظاهرات لا تسير باتجاه الثورة، بل باتجاه الثورة المضادة”. ولم يستطع مندوبو العمال فهم هذا المنطق. وبدا لهم أن الزعماء الكبار مصابون بلوثة أكيدة. وفي نهاية المطاف أكد المجلس مرة أخرى بالإجماع تقريبًا ضد 11 صوتًا أن المظاهرة المسلحة عبارة عن طعنة مسددة إلى ظهر الجيش الثوري… إلخ. وانتهى الاجتماع في الساعة الخامسة صباحًا.

وبدأت الجماهير تختفي رويدًا رويدًا داخل أحيائها. وتجولت السيارات المسلحة طوال الليل لتؤمن الاتصال بين الأفواج، والمصانع، ومراكز الأحياء. وتمامًا مثلما حصل في نهاية فبراير (شباط) اجتمعت الجماهير في الليل لتقييم المعركة التي وقعت خلال النهار. ولكنها تقوم الآن بهذا العمل بمشاركة جهاز معقد من التنظيمات: هي تنظيمات المصانع، والحزب، والقطعات العسكرية، المجتمعة باستمرار، واقتنعت مراكز الأحياء بأن أفضل الأمور أن لا تتوقف الحركة في منتصف الطريق. وأجلت اللجنة التنفيذية قرارها حول استلام السلطة. وفسرت الجماهير ذلك بأنه تردد ومماطلة. وكان الاستنتاج واضحًا، أن من الضروري القيام بضغط جديد. واجتمع البلاشفة ومندوبو منظمة المناطق ليلاً في قصر توريد بصورة متوازية مع اجتماع اللجنتين التنفيذيتين ولخصوا نتائج اليوم السابق، وحاولوا توقع ما سيحمله الغد من أحداث. وجاءت التقارير من المناطق تقول بأن مظاهرة النهار هزت الجماهير، وطرحت أمامها ولأول مرة مسألة السلطة بكل حرارتها. غدًا ستطالب المصانع والأفواج بجواب شاف، ولن تستطيع أية قوة ضبطها في الضواحي. ولم تدر المناقشات حول مسألة ضرورة الدعوة، وعدم الدعوة إلى الاستيلاء على السلطة -كما أكد الخصوم ذلك فيما بعد- بل دارت حول ضرورة حل المظاهرة أو السير على رأسها منذ صبيحة الغد.

وفي الساعة الرابعة صباحًا اجتمع مصنع بوتيلوف أمام قصر توريد. وضمت الجماهير المحتشدة زهاء 30 ألف شخص من بينهم عدد كبير من النساء والأطفال. وكان موكب المصنع قد تحرك في الساعة 11.00 مساء، وانضم إليه خلال الطريق عمال مصانع أخرى، وتجمع الناس عند أبواب نارفا رغم الساعة المبكرة. وكأنه لن يبقى في الحي (فيبورغ) أي شخص. وكانت النساء تصرخ: “ينبغي على الجميع أن يذهبوا… إننا سنقوم بحراسة المنازل…”. وما أن قرع ناقوس كنيسة المنقذ (سباس)، حتى انطلقت عدة طلقات، وكأنها صادرة عن رشاش. وأطلق المسلحون في الشارع رشقة باتجاه برج الناقوس. ويصف العامل إيفيموف المشهد بقوله: “وعند الغوستيني دفور (ممر التجار) انقضت عصابة من اليونكرز والطلاب على المتظاهرين، وانتزعت لافتتهم. وقاوم العمال الهجوم، وتدافع الرجال، وأطلق أحدهم النار، وشجَّ رأس كاتب هذه السطور، وداست الأقدام صدره وضلوعه بعنف”. واجتاز عمال بوتيلوف المدينة الصامتة، وبلغوا أخيرًا قصر توريد. وقبلت اللجنتان التنفيذيتان حضور وفد عن عمال المصنع بفضل تدخل ريازانوف الذي كان يرتبط آنذاك مع النقابات برباط وثيق. وتمددت جماهير العمال الجائعة المنهكة في الشارع وداخل الحديقة. واستلقى معظم المتظاهرين في أماكنهم بانتظار جواب ملائم. لقد كان مصنع بوتيلوف ينام على الأرض في الساعة الثالثة صباحًا حول قصر توريد، الذي ينتظر الزعماء الديموقراطيون فيه وصول قوات من الجبهة. هذه صورة من أكثر صور الثورة تأثيرًا في النفس، في هذه النقطة التي تحدد مسيرة الثورة بين فبراير (شباط) وأكتوبر (تشرين الأول). وقبل 12 عامًا، شارك عدد من هؤلاء العمال أنفسهم في مظاهرة يناير (كانون الثاني) التي اتجهت إلى قصر الشتاء تحمل الأيقونات ورايات الكنيسة. وانقضت قرون منذ ذلك الأحد(1) وستمر قرون جديدة خلال الشهور الأربعة المقبلة.

وضغط ظل مصنع بوتيلوف النائم في الشارع ضغطًا قويًّا على اجتماع الزعماء والمنظمين البلاشفة الذين كانوا يناقشون توقعات الغد. إن عمال بوتيلوف سيمتنعون عن الذهاب إلى العمل غدًا، وما هو العمل الذي سيقومون به بعد هذا السهر الطويل؟ ودُعي زينوفييف خلال ذلك إلى الهاتف للتحدث مع كرونشتادت. وأعلمه راسكولنيكوف من هناك بأن حامية الحصن ستتحرك منذ الصباح الباكر نحو بتروغراد، وليس هناك من يستطيع منعها أو الحد من اندفاعها. وبقي راسكولنيكوف معلقًا على الطرف الآخر من الخط الهاتفي: فهل يحتمل أن تأمره اللجنة المركزية للحزب بالتخلي عن البحارة، وسقوطه بنظرهم؟ وإلى صورة مصنع بوتيلوف المجتمع كله أمام القصر، أضيفت صورة جديدة لا تقل عنها أهمية: إنها صورة جزيرة البحارة التي تستعد في هذه الساعات لدعم عمال بتروغراد وجنودها. كلا، لم يعد هناك أي مجال للتردد، فالوضع واضح كل الوضوح. وسأل تروتسكي لآخر مرة: هل يمكن القيام بمحاولة ما لجعل المظاهرة مظاهرة غير مسلحة؟ كلا، إن من المستحيل بحث مثل هذا الأمر. لأن جماعة واحدة من اليونكرز قادرة على طرد عشرات آلاف الرجال العُزل، وكأنهم قطيع من الخرفان. وسينظر العمال والجنود بازدراء لهذه الدعوة، وسيعتبرونها فخًا للإيقاع بهم. وجاء الجواب حاسمًا ومقنعًا. وقرر الحاضرون بالإجماع القيام بدعوة المتظاهرين في اليوم التالي لمتابعة مظاهرتهم باسم الحزب. وبدد زينوفييف قلق راسكولنيكوف المتعلق بالهاتف. وبُدئ في الحال وضع نداء موجه إلى العمال والجنود: إلى الشارع!

وألغي نداء اللجنة المركزية لإيقاف المظاهرة، ولكن الوقت متأخر للاستعاضة عنه بنص جديد. وكانت الصفحة البيضاء التي ظهرت في البرافدا في اليوم التالي دليلاً ضد البلاشفة. وبدأت التفسير والتساؤلات: هل خافوا في آخر لحظة، فسحبوا نداءهم لشن الانتفاضة؟ أم أنهم تراجعوا عن ندائهم الأول الرامي إلى السير بمظاهرة سلمية بغية تصعيد الأمور ودفعها نحو الانتفاضة؟ وجاءت كل هذه التكهنات المغرضة رغم ظهور قرار البلاشفة الحقيقي بمنشور خاص. وكان المنشور يدعو العمال والجنود “إلى القيام بمظاهرة سلمية منظمة تستهدف اللجنتين التنفيذيتين المجتمعتين عن إرادتهم” ولم يكن في هذا أية دعوة للانتفاضة!”.

الهوامش

(*) Réginent de Grenadiers.

(*) بتروغراد.

  1. “الأحد الدامي”.

    لقراءة الفصل السابق يمكن مراجعة الرابط التالي:

    تاريخ الثورة الروسية (ج2): “أيام يوليو” الإعداد والبداية جـ 2