تاريخ الثورة الروسية (ج2): “أيام يوليو” نقطة الذُروة، وسحق المظاهرة

0
382

ومنذ هذه اللحظة انتقلت القيادة المباشرة للحركة نهائيًّا إلى يدي لجنة الحزب في بتروغراد، والتي كان فولودارسكي محركها الأساسي. وألقيت مهمة تعبئة الموقع على عاتق التنظيم العسكري. وكان على رأس هذا التنظيم بلشفيان قديمان، قدَّما جهودًا كبيرة لتطويره فيما بعد، وهما: بودفويسكي؛ وجه بارز من وجوه البلشفية، يتمتع بتقاطيع ثوري روسي من الطراز القديم، متخرج من المدارس الدينية، ويعمل بنشاط واسع المدى، رغم أن نشاطه غير منضبط، ويتمتع بخيال خلاق، كثيرًا ما يتحول إلى نزوة أو هوى. وكان لينين فيما بعد يقول بتحبب ساخر حذر: “هذا عمل من أعمال بودفويسكي”. ولكن سلبيات هذه الطبيعة المضطرمة لم تظهر بصورة خاصة إلا بعد الاستيلاء على السلطة. عندما أعطت الوسائل والإمكانات الضخمة دفعات كبيرة جدًا لقدرة بودفويسكي الهائلة، وميله للمشروعات المظهرية. أما في فترة الصراع الثوري للاستيلاء على السلطة، فإن تصميمه المتفائل، وتضحيته، وقدرته على العمل بلا كلل، جعلت منه قائدًا لا مثيل له بين صفوف جماهير الجنود الواعية.

وكان البلشفي الثاني هو نفسكي، الذي كان في الماضي مدرسًا خصوصيًّا. ويتمتع نفسكي بتكوين أقل تفوقًا من بودفويسكي، ولكنه لا يقل عنه إخلاصًا للحزب. وهو منظم سيئ جدًا، ولقد شاءت مساوئ الصدف أن يصبح بعد سنة، ولفترة محدودة، وزيرًا للمواصلات. وكان يجتذب الجنود إليه ببساطته، ودماثته، وميوله المرهفة. والتفت حول هذين القائدين مجموعة من المساعدين المقربين، تضم جنودًا وضباطًا صغار، لعب عدد كبير منهم فيما بعد دورًا هامًا. وفي ليلة 3 – 4 يوليو (تموز)، تقدم التنظيم العسكري فجأة ليحتل الصف الأول. واستلم بودفويسكي بلا عناء وظائف القائد، وتشكلت حوله هيئة أركان مؤقتة. وأرسلت إلى كافة قطعات الموقع نداءات قصيرة وتعليمات موجزة. ولحماية المتظاهرين من الهجمات، أصدر التنظيم العسكري أمرًا بوضع السيارات المصفحة قرب الجسور التي تصل الضواحي بمركز العاصمة، وعند تقاطع الشوارع الرئيسية. وكان رماة الرشاشات قد مركزوا وحدة الحراسة منذ الليل أمام قلعة بطرس وبولص. واستُخدم الهاتف والمراسلون لنقل أنباء مظاهرة الغد إلى حاميات أورانينبوم، وبيترهوف، وكراسنويه – سيلا، وعدد من المواقع المجاورة للعاصمة. وبقيت القيادة السياسية العامة ولا شك بِيد اللجنة المركزية.

ولم يعد رماة الرشاشات إلى ثكناتهم إلا عند الصباح، وكانوا منهكين مقرورين رغم أننا كنا في يوليو (تموز). وأدى هطول المطر في الليل إلى ابتلال العمال حتى عظامهم. ولم يجتمع المتظاهرون إلا في الساعة الحادية عشرة صباحًا. وخرجت القطعات متأخرة عن ذلك أيضًا. ونزل فوج الرشاشات الأول برمته إلى الشارع في هذا اليوم أيضًا. ولكنه لم يلعب كالأمس دور المحرض الأساسي. واحتلت المصانع مكان الصدارة. وانضم إلى المظاهرة عمال بعض المصانع التي لم نتشترك بالأمس. وفي كل مكان تردد فيه الزعماء أو أبدوا معارضة ما، كان العمال الشبان يجبرون العضو المناوب في لجنة المصنع على إطلاق الصفارة إيذانًا بإيقاف العمل. وسار مع المظاهرة أربعة آلاف عامل من مجموع عمال مصنع البلطيق وعددهم خمسة آلاف عامل يسود فيهم المناشفة والاشتراكيون – الثوريون. وتبدلت الحالة الفكرية بسرعة في مصنع الأحذية سكورخود، الذي اعتبر خلال فترة طويلة قلعة من قلاع الاشتراكيين – الثوريين. وكان التبدل كبيرًا لدرجة جعلت مندوب المصنع، وهو اشتراكي – ثوري، يحجم عن الظهور أمام العمال خلال عدة أيام.

وأضربت كافة المصانع، وعُقدت الاجتماعات، وجرى انتخاب قادة المظاهرة، وانتخاب المندوبين المكلفين بعرض المطالب على اللجنة التنفيذية. واجتمع من جديد آلاف الرجال، واتجهوا نحو قصر توريد. وانحرف آلاف الرجال خلال الطريق واتجهوا نحو قصر كشيسينسكايا. وبدت حركة هذا اليوم أضخم من حركة اليوم السابق وأكثر منها فخامة وتنظيمًا، ولوحظت يد الحزب الذي يقودها. ولكن المناخ كان في هذا اليوم أشد حرارة؛ إذ أخذ الجنود والعمال يبحثون عن حل للأزمة. وبقيت الحكومة تعيش خوفها. وكان عجزها في اليوم الثاني للمظاهرة  أوضح من عجزها بالأمس. وكانت اللجنة التنفيذية تنتظر قدوم قوات “مضمونة”، وتتلقى من كل مكان تقارير تؤكد بأن قوات معارضة تتجه نحو العاصمة. فمن كرونشتادت، ونوفي – بترهوف، وكراسنويه – سيلا، وقلعة كراسنايا غوركا، ومن كافة النقاط المحيطة، يتحرك البحارة والجنود المسلحون برًا وبحرًا تتقدمهم الموسيقى، والأسوأ من ذلك كله أنهم يحملون لافتات بلشفية. وسارت بعض الأفواج مصطحبة معها ضباطها، تمامًا كما حصل في فبراير (شباط)، متظاهرة بأنها تشترك بالمظاهرة تحت أوامرهم.

ويتحدث ميليوكوف عن هذه الفترة فيقول: “لم يكن اجتماع مجلس الوزراء قد انتهى، عندما جاءت الأنباء من هيئة الأركان العامة بأن شارع نييفسكي شهد تبادل إطلاق النار. واتخذ المجتمعون قرارًا بنقل الاجتماع إلى هيئة الأركان. فهنا كان يوجد الأمير لفوف، وتسيريتلي، ووزير العدل بيريفيرسيف، وأمينا سر الدولة لوزارة الحربية. وجاءت لحظة بدا فيها موقف الحكومة يائسًا. وتلقت الحكومة من أفواج بريوبراجينسكي، وسيمينوفسكي، وإسماعيلوفسكي، التي لم تنضم لصف البلاشفة إعلانًا يؤكد أنها ستحافظ على “الحياد”. ولم يكن في ساحة القصر قوة تدافع عن هيئة الأركان سوى مشوهي الحرب، وبضع مئات من القوزاق”. وعلق الجنرال بولوفتسيف في صبيحة 4 يوليو (تموز) على الجدران إنذارًا يقول بأنه سيتم تطهير بتروغراد من العصابات المسلحة، ويؤكد الإنذار بشدة أن على السكان أن يغلقوا الأبواب الرئيسية للمباني، وأن يبقوا في منازلهم، فلا يخرجون منها إلا عند الضرورة القصوى.

وظهر هذا الإنذار التهديدي وكأنه طلقة خلبية تُطلق في الهواء. إذ لم تستطع قيادة الفيلق أن تدفع ضد المتظاهرين سوى مفارز صغيرة من القوزاق واليونكرز. ولقد أثارت هذه المفارز خلال اليوم رمايات خرقاء، ومناوشات دامية. ويقول أحد ضباط فوج الدون الأول، الذي كان يحرس قصر الشتاء، في تقرير قدمه للجنة التحقيق ما يلي: “صدرت الأوامر بنزع سلاح المجموعات الصغيرة التي تمر أمامنا، مهما كان تركيبها، ونزع سلاح السيارات المسلحة. ولتنفيذ هذا الأمر كنا نخرج ما بين آونة وأخرى من القصر بتشكيلة القتال ونحن نعدو بسرعة، ونقوم بعملية نزع سلاح المتظاهرين…”، ويرسم حديث ضابط القوزاق البسيط بكل دقة موازين القوى، وصورة الصراع. لقد خرجت القطعات “المتمردة” من الثكنات بسرايا وكتائب، واحتلت الشوارع والساحات، على حين عملت القوات الحكومية بأسلوب الكمائن والإغارات، وشنت هجماتها بمفارز صغيرة، أي أنها استخدمت الأسلوب الذي تستخدمه عادة القوات غير النظامية والعصابات. ويمكن تفسير تبادل الأدوار بأن كافة قوات الحكومة تقريبًا كانت معادية لهذه الحكومة، أو أنها بقيت في أفضل الحالات محايدة. وكانت الحكومة تعيش على ثقة اللجنة التنفيذية، وكان مصير اللجنة التنفيذية نفسها مرتبطًا بأمل الجماهير في أن تحزم هذه اللجنة أخيرًا أمرها، وتستلم زمام السلطة.

ووصلت المظاهرات إلى ذروتها عندما ظهر بحارة كرونشتادت على أرض بتروغراد. وكان مبعوثو رماة الرشاشات قد عملوا داخل القلعة البحرية منذ العشية، وعُقد في ساحة لانكر وبمبادهة فوضويين قادمين من بتروغراد اجتماع مفاجئ لم تكن التنظيمات المحلية تتوقعه. ونادى الخطباء بنجدة بتروغراد. وتقدم طالب الطب روشال، وهو أحد أبطال كرونشتادت الشبان المشهورين في ساحة لانكر، وحاول إلقاء خطاب مهدئ. فانطلقت آلاف الأصوات لتقاطع كلامه. فتضايق روشال، المعتاد على أن تستقبله بشكل آخر، واضطر لترك منصة الخطابة. ولم تصل أنباء نداء البلاشفة في بتروغراد للنزول إلى الشارع إلا في الليل. وحسم وصول هذه الأنباء المسألة. وأعلن الاشتراكيون – الثوريون اليساريون؛ إذ لم يكن في كرونشتادت اشتراكيون – ثوريون يمينيون، وكان من المستحيل وجودهم، إنهم ينوون المشاركة في المظاهرة. وكان هؤلاء الأشخاص ينتمون إلى نفس حزب كرنسكي الذي كان يجمع في ذلك الوقت القوات من الجبهة لسحق المتظاهرين.

وساد الاجتماع الليلي لمنظمي كرونشتادت وضع نفسي متوتر دفع حتى مفوض الحكومة المؤقتة الخجول بارتشيفسكي إلى التصويت على ضرورة السير نحو بتروغراد. ووُضعت الخطة، وعُبئ أسطول صغير للقيام بإنزال ذي طابع سياسي، وقدمت مستودعات الذخيرة طنًا كاملاً من الذخيرة. وعند الظهيرة، دخل خليج النييفا مقطورات بحرية ومراكب ركاب بخارية وهي تحمل حوالي 10 آلاف بحار وعامل مسلح. ونزلت هذه القوة على ضفتي النهر، واجتمعت بموكب واحد، وسارت معلقة السلاح على الكتف، تتقدمها الموسيقى العسكرية. وسارت وراء مفارز البحارة والجنود أرتال تضم عمال أحياء بتروغراد وفاسيلي – أوستروف المختلطين مع سرايا الحرس الأحمر القتالية. وحمى مجنبات الموكب سيارات مصفحة. ورفرف فوق الرءوس عدد لا يحصى من الرايات واللافتات.

إن قصر كشيسينسكايا على بعد عدة خطوات. ووقف على شرفة القصر سفردلوف الرجل النحيل الأسمر الذي يشبه الأسفلت، والذي دخل اللجنة المركزية منذ مؤتمر إبريل (نيسان). وبدا عليه الانشغال كعادته، وأعطى من الشرفة أوامره بصوت جهوري: “ليتقدم رأس المظاهرة، ضموا الصفوف، اجمعوا المتأخرين”. وتلقى المتظاهرون من شرفة القصر تحيات لوناتشارسكي المستعد دائمًا للتأثر بالجو العام المحيط به، والذي يعرف كيف يفرض نفسه على هذا الجو بتصرفه، وصوته، وبلاغته اللفظية التي لا تتمتع بالثقة دائمًا، ولكنها شيء لا غنى عنه. واستقبلته الجماهير من الشارع بعاصفة من التصفيق. ولكن المتظاهرين كانوا يودون سماع لينين قبل أي شخص آخر -وكان الحزب قد استدعى لينين في صبيحة هذا اليوم من ملجئه المؤقت في فنلندا- وأصَّر البحارة لدرجة أرغمت لينين على الحديث رغم سوء صحته. وما أن ظهر القائد في الشرفة، حتى انطلق في الشارع هدير جارف، هدير كرونشتادت المتحمسة.

وانتظر لينين باضطراب وبصبر فارغ انتهاء التصفيق، وبدأ الحديث قبل أن تهدأ كافة الأصوات تمامًا. وكان خطابه الذي حاولت صحافة الخصوم فيما بعد النظر إليه من كل الوجوه خلال عدة أسابيع، يتضمن بضعة جمل بسيطة: تحية للمتظاهرين، والتعبير عن الثقة بأن شعار “كل السلطة للسوفييتات” سينتصر أخيرًا، والدعوة إلى المثابرة والحزم. وتابعت المظاهرة مسيرتها على صوت الموسيقى وسط هتافات جديدة. وبين بداية الحفل هذه، والمرحلة القريبة التالية التي سالت فيها الدماء، دخلت حادثة غريبة. ذلك أن زعماء كرونشتادت من الاشتراكيين – الثوريين، لاحظوا في ساحة مارس (ساحة الاستعراضات) أن لافتة اللجنة المركزية للبلاشفة تسير على رأس المظاهرة، وأن هذه اللافتة ظهرت بعد التوقف أمام قصر كشيسينسكايا، فأكلت الغيرة الحزبية قلوبهم، وطالبوا بإخفاء هذه اللافتة. ورفض البلاشفة ذلك. فأعلن الاشتراكيون – الثوريون أنهم سيتركون المظاهرة كلية. ومع هذا فلم يتبع الزعماء الاشتراكيون – الثوريون أي جندي أو بحار. وكانت جميع سياسة الاشتراكيين – الثوريين اليساريين تتمثل في هذه الترددات المتقلبة الهزلية حينًا، والمأساوية حينًا آخر.

وعند تقاطع شارع نييفسكي مع شارع ليتييني، تلقت مؤخرة المتظاهرين فجأة سيلاً من الرصاص. وسقط عدد من الضحايا. وكان تبادل إطلاق النيران أشد عند تقاطع شارع ليتييني مع شارع بانتيليئمونوفسكايا. ويذكر راسكولنيكوف الذي قاد رجال كرونشتادت الانطباع القوي الذي أصاب المتظاهرين أمام “المجهول: أين يقع العدو؟ ومن أين يطلق النار” وتشبث البحارة ببنادقهم، وبدأت الرماية منذ تلك اللحظة في جميع الاتجاهات. وسقط عدد من القتلى والجرحى. ولم يستتب شيء من النظام إلا بعد جهد جهيد. وتابع الموكب مسيرته على أنغام الموسيقى. ولكنه فقد كل حماسة المرح السابق. “وكان المتظاهرون يظنون أنهم يرون العدو مختبئًا في كل مكان. ولم تعد البنادق محمولة على الكتف الأيسر بشكل سلمي، ولكنها غدت مشرعة”.

ووقع خلال النهار عدد كبير من المناوشات الدامية في كافة أرجاء المدينة. وكان جزء من هذه المناوشات ناجمًا عن سوء التفاهم، والفوضى، والهلع، وطلقات الرصاص المنطلقة بلا معنى، وتدخل هذه الأحداث الدامية في المصروفات الإضافية المحتومة في مسيرة الثورة التي تشكل بحد ذاتها مصروفات إضافية خلال التطور التاريخي. وبالإضافة إلى ذلك، فإن عامل التحريض الإجرامي في أحداث يوليو (تموز) كان مؤكدًا. ولقد ظهر في هذه الأيام نفسها، ثم تأكد فيما بعد. ويتحدث بودفويسكي عن ذلك بقوله: “… وعندما بدأ الجنود المتظاهرون سيرهم في شارع نييفسكي والشوارع المجاورة التي يقطنها البورجوازيون بصورة خاصة، بدت بوادر مشئومة للصدامات، وانطلقت الطلقات النارية من أماكن مجهولة، ومن قبل أشخاص لم يتمكن أحد من تحديدهم… وأحست الأرتال في بادئ الأمر بالاضطراب. ولم تمض لحظات حتى فتح أقل المتظاهرين حزمًا واعتدالاً النار بشكل غير منتظم”.

وكتب المنشفي كانتوروفيتش في صحيفة الأزفستيا وصفًا للرمايات التي انصبت على أحد الأرتال العمالية فقال: “وسار في شارع سادوفايا حشد هائل يضم ستين ألف عامل، ينتمون إلى مختلف المصانع. وفي لحظة مرور المتظاهرين أمام الكنيسة، قُرعت الأجراس، وكأن ذلك كان إشارة متفق عليها؛ إذ انطلقت من الأسطح نيران البنادق والرشاشات. وعندما  اندفعت جماهير العمال نحو الطرف الآخر من الشارع، انطلقت من الأسطح المجاورة طلقات نارية”. إن السقائف والأسطحة التي ركز فراعنة بروتوبوبوف فيها الرشاشات خلال انتفاضة فبراير (شباط)، تستخدم الآن من قبل أعضاء تنظيمات الضباط. وكانت رمايتهم على المتظاهرين تستهدف إلقاء الذعر بين صفوفهم، وإثارة اصطدامات بين وحدات الجيش، ويبدو أنهم حققوا بعض النجاح في ذلك. وجرى تفتيش المنازل التي انطلقت منها الرمايات، وأدى ذلك إلى اكتشاف أعشاش الرشاشات وعدد من الرشاشات أيضًا.

وكان مسببو سفك الدماء الأساسيين هم جنود قوات الحكومة، العاجزة عن السيطرة على الحركة، والقادرة مع ذلك على الاستفزاز. وفي الساعة الثامنة مساء، وعندما كانت المظاهرات في أوجهها، تحركت سريتان من القوزاق، مع عدد من المدافع الخفيفة، لحماية قصر توريد. ورفض القوزاق بشدة التحدث مع المتظاهرين خلال الطريق، وكان هذا التصرف بادرة سيئة. واستولى القوزاق خلال مسيرتهم على عدد من السيارات المسلحة، وكانوا يجردون المفارز الصغيرة من سلاحها عندما يجدون ذلك ممكنًا. وكان ظهور مدافع القوزاق في الشوارع الغاصة بالعمال والجنود يمثل في حد ذاته استفزازًا لا يُحتمل. وبدا كل شيء منذرًا بحدوث اشتباكات. وقرب باب ليتييني جاء القوزاق مع جماهير متراصة من الخصوم الذين نصبوا على الطريق المؤدية إلى قصر توريد عددًا من المتاريس. وسادت لحظة من الصمت المشئوم، ثم اخترق الصمت صوت إطلاق النار من المنازل المجاورة. وكتب العامل ميتيليف عن هذا الصدام. “وأفرغ القوزاق أشرطة ذخيرة كاملة، وتبعثر العمال والجنود وراء المساتر، أو اكتفوا بالانبطاح أرضًا، وردوا على الرماية بالمثل. واضطر القوزاق إلى الانسحاب تحت نار الجنود. وحقق القوزاق خرقًا على ضفة نهر النييفا، وفتحوا نار المدفعية -ولقد أشارت الأزفستيا إلى أنهم أطلقوا ثلاث رشقات- ولكن الرمايات لاحقتهم وأجبرتهم على التراجع نحو قصر توريد. وصادفهم رتل عمالي فسدد إليهم ضربة قاضية. وترك القوزاق مدافعهم وخيولهم وبنادقهم، واختفوا في مداخل المنازل البرجوازية، وتبعثروا في كل صوب وحدب”.

وكان اشتباك شارع ليتييني معركة حقيقية صغيرة، كما كان أكبر الأحداث القتالية في أيام يوليو (تموز)، ولقد وصفه عدد كبير من المتظاهرين في مذكراتهم. ويتحدث العامل بورسين من مصنع إيريكيسون، والذي كان سائرًا مع رماة الرشاشات بأنهم صادفوا فجأة “القوزاق الذين فتحوا النار بلا انتظار. فسقط عدد من العمال قتلى على الأرض. وأصابتني خلال هذا الاشتباك رصاصة اخترقت ساقي واستقرت في الساق الأخرى… وإنني لأحتفظ من أيام يوليو (تموز) بذكرى حية تتمثل بساق شوهاء وأخرى خشبية”… وقتل في صدام شارع ليتييني سبعة من القوزاق. وجُرح 19. وسقط من المتظاهرين ستة قتلى وحوالي 20 جريحًا. وتناثرت جثث الخيول النافقة هنا وهناك.

ونحن نملك شهادة هامة قادمة من المعسكر الآخر. إنها شهادة ضابط القوزاق آفرين، الذي أخذ منذ الصباح يشن هجمات أنصار مفاجئة على قوات الثوار النظامية. وتقول الشهادة: “وفي الساعة الثامنة مساء تلقينا الأمر من الجنرال بولوفتسيف بإرسال سريتين من القوزاق مع مدفعين سريعي الطلقات إلى قصر توريد… وما أن وصلنا إلى شارع ليتييني، حتى لاحظت عمالاً وجنودًا وبحارة مسلحين.. فاقتربت من هذا الجمع مع مفرزة المقدمة، ورجوتهم أن يسلموا أسلحتهم. ولكن دعوتي ذهبت أدراج الرياح. وهربت هذه العصابة كلها عبر الجسر متجهة نحو شارع فيبورغ. ولم أكن قد بدأت مطاردتهم بعد عندما استدار نحوي جندي قصير القامة لا يحمل أية رتبة، وأطلق عليّ النار دون أن يصيبني. وكان إطلاق هذه الرصاصة إشارة لبدء الرمي، فانصبت علينا النيران المتقطعة من كل جهة. وصرخت الجماهير: “القوزاق يطلقون النار علينا!”. والحقيقة أن الوضع كان كما يلي: لقد ترجل القوزاق، وبدءوا إطلاق النار، وكانت هناك محاولة لاستخدام المدافع، ولكن الجنود صبوا على القوزاق رشقات من بنادقهم ورشاشاتهم، وأجبروهم على التراجع والتبعثر في المدينة”.

وليس من المستغرب أن يكون الجندي قد أطلق النار على القوزاق: وكان على ضابط القوزاق أن ينتظر من جماهير يوليو (تموز) رصاصة لا مديحًا. ولكن الاحتمال الأصح هو الاحتمال الذي يذكره عدد كبير من الشهادات، ويؤكد أن الطلقات الأولى لم تأت من الشارع بل من بعض الكمائن. ويقول أحد جنود القوزاق التابعين لسرية الضابط نفسها بكل ثقة بأن جنود القوزاق تلقوا رصاصات منطلقة من قصر العدل، ومن عدة أبنية في شارع سامورسكي وشارع ليتييني. وذكرت صحيفة السوفييت شبه الرسمية، أن القوزاق تعرضوا قبل الوصول إلى شارع ليتييني لرمايات رشاشات متمركزة في منازل حجرية. ويؤكد الجندي ميتيليف، بأنه عندما فتش الجنود هذا المنزل، وجدوا في شقة أحد الجنرالات ذخيرة، ورشاشين وأشرطة رصاص.

وليس في هذا ما يثير الاستغراب. فقد كان القائد يستخدم كافة الأساليب المشروعة وغير المشروعة في زمن الحرب لجمع الأسلحة من كل نوع. وكان الميل لصب سيل من الرصاص على “الدهماء” كبيرًا جدًا. صحيح أن الطلقات أصابت القوزاق، ولكن من المؤكد أن رجال الثورة المضادة كانوا يطلقون النار بصورة مقصودة على قوات الحكومة خلال أيام يوليو (تموز)، لإجبارها على القيام بأعمال تأديبية قاسية. أما الضباط الذين كانوا يتمتعون بالأمس بسلطة غير محدودة، فقد كانوا يتصرفون خلال الحرب الأهلية بغدر وقسوة لا حدود لهما. وكانت بتروغراد تعج بمنظمات الضباط السرية ونصف السرية، الخاضعة لقيادة قوية، والمدعومة بعدد من الجنرالات. ولقد كشف المنشفي ليبر في حديث خاص قبل أيام يوليو (تموز) بشهر واحد، على أن الضباط المتآمرين كانوا على صلة وثيقة مع بوكانان. والحقيقة أن دبلوماسيي الحلفاء كانوا راغبين بإقامة سلطة قوية في أسرع وقت ممكن.

وفتش الليبراليون والتوفيقيون في كل اتجاه بحثًا عن يد “الفوضويين – البلاشفة”، وعن يد عملاء ألمانيا. وألقى العمال والجنود على عاتق الوطنيين الاستفزازيين بكل ثقة تبعة مناوشات يوليو (تموز)، وما نجم عنها من ضحايا. فما هي الحقيقة؟ إن أحكام الجماهير تحمل ولا شك بعض الأخطاء. ولكن من الخطأ الاعتقاد بأن الجماهير عمياء وحمقاء. فهي على العكس حساسة واعية، وما أن تؤثر عليها الأمور مباشرة حتى تسجل الأحداث والافتراضات بآلاف الأعين والآذان، ثم تتحقق من الإشاعات بالتجربة، وتقبل بعضها، وترفض البعض الآخر. فإذا ما وجدنا عدة روايات متناقضة تتعلق بالحركات الجماهيرية، فإن أقرب الروايات إلى الصحة هي الرواية التي تمثلتها الجماهير نفسها؛ لذا فإن العلم لا يستفيد أي شيء من المخبرين الدوليين من أمثال هيبوليت تين، الذين يدرسون الحركات الشعبية الكبرى وهم يجهلون صوت الشارع، ويلتقطون ثرثرات الصالونات، الناجمة عن العزلة والخوف.

وحاصر المتظاهرون قصر توريد من جديد، وطالبوا بجواب شاف. وفي اللحظة التي حضر بها رجال كرونشتادت، طلبت جماعة ما، من تشيرنوف أن يقوم بمقابلة البحارة. وأحس تشيرنوف بالمناخ السائد وسط الجماهير، فألقى خطابًا قصيرًا، وتجاهل مسألة أزمة السلطة، وأبدى احتقاره للكاديت الذين استقالوا من الحكومة: “رحلة سعيدة!” وقاطعته الجماهير بالأسئلة: “لِم لَم تقولوا لنا هذا من قبل؟” ويؤكد ميليوكوف أن عاملاً طويل القامة لوح بقبضته أمام وجه الوزير صارخًا بغضب: “خذ السلطة يا ابن الكلبة عندما تقدم لك هذه السلطة!”. وحتى لو اعتبرنا أقوال ميليوكوف مجرد حكاية، فإنها حكاية تكشف لنا بدقة قاسية نوعًا ما، جوهر الوضع في يوليو (تموز). وليس لأجوبة تشيرنوف أية قيمة، وعلى أية حال، فإنها لم تكتسب قلوب رجال كرونشتادت…

وبعد دقيقتين أو ثلاث دقائق، دخل أحدهم إلى قاعة اجتماعات اللجنة التنفيذية صارخًا بأن البحارة اعتقلوا تشيرنوف، وأنهم يضمرون له مصيرًا سيئًا. واضطربت اللجنة التنفيذية، وأرسلت لإنقاذ الوزير عددًا من أعضائها المرموقين، أغلبهم من الأمميين والبلاشفة. ولقد قال تشيرنوف فيما بعد أمام اللجنة الحكومية بأنه ما أن نزل من منصة الخطابة، حتى لاحظ وراء الأعمدة قرب المدخل حركة عدائية يقوم بها بعض الأفراد “وأحاطوا بي، ومنعوني من الوصول إلى الباب.. وكان الشخص المريب الذي قاد البحارة الذين قاموا باعتقالي يشير باستمرار لسيارة تقف على مقربة من المكان… وفي هذه اللحظة خرج تروتسكي من قصر توريد واقترب من السيارة التي حُجزت فيها، وصعد فوقها وألقى خطابًا قصيرًا”. واقترح تروتسكي إطلاق سراح تشيرنوف، وطلب ممن لا يوافقون على ذلك أن يرفعوا أيديهم. “ولم ترتفع يد واحدة، عندها ابتعدت الجماعة التي قادتني إلى السيارة وهي غاضبة. وأعتقد أن تروتسكي قال: أيها المواطن تشيرنوف، ليس هناك من يمنعك من أن تعود إلى بيتك بحرية… إن هذه اللوحة العامة تجعلني على ثقة، من أن بعض المشبوهين العاملين من خارج جماهير العمال والبحارة، نظموا هذه المحاولة مسبقًا لاستدراجي واعتقالي”.

وفي الاجتماع الموحد للجنتين التنفيذيتين، قال تروتسكي قبل اعتقاله بأسبوع واحد: ستدخل هذه الأحداث التاريخ. وسنحاول أن نصفها كما كانت… لقد شهدت عند المدخل جماعة من المشبوهين، فقلت للوناتشارسكي وريازانوف أنهم من رجال الأوخرانا الذين يحاولون الدخول إلى قصر توريد. (لوناتشارسكي من مكانه: “هذا صحيح”!)… وكان بوسعي أن أميزهم وسط جمهرة تضم عشرة آلاف شخص”. وفي 24 يوليو (تموز)، كان تروتسكي معتقلاً في غرفته الانفرادية في سجن كرستي (الصلبان) فكتب ما يلي: “… وقررت في بداية الأمر أن أخرج من بين الجماهير المحتشدة بالسيارة نفسها مع تشيرنوف ومن أرادوا اعتقاله كيما أتحاشى الصراعات والهلع بين الجماهير. ولكن الملازم البحار راسكولنيكوف هرع نحوي منفعلاً وقال: “هذا مستحيل… إذا ما ذهبت بالسيارة مع تشيرنوف، أدعى الجميع في الغد بأن بحارة كرونشتادت أرادوا اعتقاله. ولا بُدَّ من إطلاق سراحه فورًا”. وما أن جلجل البوق داعيًا الحضور للصمت، وأعطاني إمكانية إلقاء خطاب موجز، حتى بدأت حديثي. ثم أنهيته بالسؤال التالي: “أن على من يقف إلى جانب العنف أن يرفع يده!”، عندها استطاع تشيرنوف العودة إلى القصر دون عائق”.

وتكشف شهادتا الشاهدين الأساسيين اللذين كانا الشخصين الرئيسيين في الحادث حقيقة ما حدث. ولكن هذا لم يمنع الصحافة المعادية للبلاشفة من أن تطرح مسألة تشيرنوف. و”محاولة” اعتقال كرنسكي، كدليلين أكيدين لا يقبلان النقض على قيام البلاشفة بتنظيم انتفاضة مسلحة. ولم يتردد البعض من الإشارة خلال أحاديثهم وتحريضهم إلى أن تروتسكي كان وراء اعتقال تشيرنوف. ووصلت هذه الرواية إلى قصر توريد. ولقد شرح تشيرنوف نفسه بشكل صحيح تقريبًا تفاصيل توقيفه الذي دام نصف ساعة، وقدم ذلك كوثيقة سرية من وثائق التحقيق، ولكنه رفض إعطاء أي تصريح علني حول هذا الموضوع، حتى لا يحرم حزبه من استغلال الشائعات وإثارة الحقد ضد البلاشفة. وبالإضافة إلى ذلك فقد كان تشيرنوف أحد أعضاء الحكومة التي زجت تروتسكي في سجن كرستي. وكان بوسع التوفيقيين حقًا أن يشيروا إلى أن مجموعة صغيرة من المتآمرين المشبوهين ما كانت لتجرؤ على القيام بمثل هذا العمل الجسور، واعتقال وزير وسط الجماهير، وفي رابعة النهار، لو لم تكن متأكدة من أن عداء الجمع المحتشد إزاء “الضحية” سيكون غطاء وتمويهًا كافيين. وكانت هذه هي الحقيقة إلى حد ما؛ إذ لم يقم أحد ممن كانوا حول السيارة بأية محاولة لتحرير تشيرنوف. ولو أن كرنسكي اعتقل في مكان ما آنذاك، لما حزن العمال أو الجنود لذلك؛ لذا فإن مشاركة الجماهير المعنوية في المحاولات الحقيقية والمختلفة ضد الوزراء الاشتراكيين كانت واقعة فعلاً. وهذا ما جعل الاتهام ينصب على رجال كرونشتادت. ولكي يخرج التوفيقيون هذه الحجة بصراحة، وجدوا أنفسهم محرجين نظرًا لأن عليهم أن ينقذوا شيئًا من سمعتهم الديمقراطية. صحيح أنهم كانوا ينظرون إلى المتظاهرين بعداء، ولكنهم لم يتوقفوا عن معاندة نظام سوفييتات العمال، والجنود والفلاحين في قصر توريد المحاصر.

وفي حوالي الساعة الثامنة مساء، أعطى الجنرال بولوفتسيف عن طريق الهاتف شيئًا من الأمل للجنة التنفيذية؛ إذ كانت سريتان من القوزاق تتحركان مع المدافع نحو قصر توريد. وأخيرًا، وأخيرًا! ولكن الآمال تبددت في هذه المرة أيضًا. وجاءت المكالمات الهاتفية من كل مكان لتزيد الهلع: لقد اختفى القوزاق دون أن يتركوا وراءهم أثرًا، وكأنهم تبخروا مع خيولهم، وسروجهم، ومدافعهم سريعة الطلقات. ويذكر ميليوكوف أن “أولى نتائج النداءات التي وجهتها الحكومة للقطعات “بدأت بالظهور عند المساء؛ إذ تحرك الفوج 176 بسرعة بالغة لإنقاذ قصر توريد. إن هذه الرواية التي تبدو دقيقة جدًا، تمثل بشكل بالغ الغرابة سوء التفاهم الذي يقع دون شك في الحرب الأهلية، عندما يبدأ المعسكران المتنافسان يتقاسمان القوات.

ووصل فوج بالفعل إلى قصر توريد بملابس الميدان: الحقيبة على الظهر، والمعطف مطوي ومحمول على الكتف، والمطرة والمزودة على الجنب. وتبلل الجنود خلال الطريق حتى عظامهم، ووصلوا منهكين فلقد حضروا من كراسنويه – سيلا. وكان الحاضرون هم جنود فوج 176 فعلاً. ولكنه لم يعد مؤهلاً لإنقاذ الحكومة من ورطتها؛ فلقد تحرك الفوج بعد اتصالات مع مندوبي المناطق، وجاء تحت تأثير جنديين بلشفيين هما ليغينسون وميدفيديف، مطالبًا بوضع السلطة بين السوفييتات. وتلقى زعماء اللجنة التنفيذية الذين كانوا ينتظرون على أحر من الجمر نبأ يقول بأن لواءً جاء من بعيد بنظام كامل وتحت قيادة ضباطه يستعد للاستراحة تحت نوافذ القصر بعد الجهد الكبير الذي بذله. وطلب دان، الذي يرتدي لباس رائد – طبيب، من القائد أن يضع مخافر الحراسة لحماية القصر. ولم يمض وقت قصير حتى أخذ الحراس أماكنهم بالفعل. ويبدو أن دان أبدى رضاه أمام البريزيديوم، ومن هنا انتقل الأمر إلى تقارير الصحف. ويذكر سوخانوف في مذكراته، كيف قبل الفوج البلشفي تنفيذ أوامر الزعيم المنشفي بكل طاعة: دليل آخر على “سخف” مظاهرة يوليو (تموز)!

والحقيقة أن الأمر كان أبسط من ذلك وأشد تعقيدًا بآن واحد؛ إذ ما أن تلقى قائد الفوج الطلب بضرورة وضع الحراس حتى استدعى أحد مساعديه المناوبين الملازم الشاب بريغوروفسكي. ومن سوء حظه أن بريغوروفسكي كان بلشفيًّا، وعضوًا في منظمة المناطق، وهذا ما دفعه لأن يأتي طالبًا مشورة تروتسكي الذي كان يشغل مع مجموعة صغيرة من البلاشفة مركز ملاحظة في صالة جانبية من صالات القصر. وقُدمت النصيحة لبريغوروفسكي بأن يضع الحراس فورًا حيث ينبغي أن يوضعوا؛ إذ أن من الأفضل أن يكون عند المداخل والممرات حراس من الأصدقاء لا من الأعداء. وهكذا فإن الفوج 176 الذي جاء للتظاهر ضد السلطة، لم يلبث أن حمى هذه السلطة ضد المتظاهرين. ولو كان الأمر عبارة عن انتفاضة مسلحة، لاستطاع الملازم بريغوروفسكي وأربعة من الجنود فقط اعتقال كافة أعضاء اللجنة التنفيذية دونما صعوبة. ولكن فكرة الاعتقال لم تطرأ على بال أحد. وقام جنود الفوج البلشفي بمهمة الحراسة بكل دقة ووجدان.

وعندما تم تكنيس سرايا الخيالة التي تعتبر الحاجز الوحيد على طريق قصر توريد، اعتقد كثير من المتظاهرين أن النصر قد تحقق. والحقيقة أن الحاجز الرئيسي كان كامنًا داخل قصر توريد نفسه. وحضر الاجتماع الموحد للجنتين التنفيذيتين الذي بدأ في الساعة السادسة مساء 90 مندوبًا عن 540 مصنعًا ومعملاً. وكان عدد المتحدثين في هذا الاجتماع خمسة. وبدأ الخطباء بالاحتجاج لأن نداءات اللجنة التنفيذية اتهمت المتظاهرين بأنهم جزء من الثورة المضادة. وقال أحدهم خلال حديثه: “أنظروا ماذا نقرأ على اللافتات. هذه هي القرارات التي أخذها العمال… إننا نطالب باستقالة الوزراء الرأسماليين العشرة. إننا نثق بالسوفييت، ولكننا لم نعد نثق بمن وضع السوفييت ثقته فيهم… إننا نصر على ضرورة مصادرة الأرض فورًا، وأن تتم مراقبة الإنتاج حالاً. كما نصر على ضرورة النضال ضد المجاعة التي تتهددنا..” وأضاف مندوب آخر: “ليس أمامكم عصيان أو تمرد، بل مظاهرة منظمة كل التنظيم. إننا نطالب بتوزيع الأرض على الفلاحين. كما نصر على ضرورة إلغاء التعليمات الموجهة ضد الجيش الثوري… والآن، وبعد أن رفض الكاديت العمل معكم، فإننا نسألكم مع من ستقومون بمباحثاتكم. ونُصِر على ضرورة انتقال السلطة إلى أيدي السوفييتات”.

لقد غدت شعارات الدعاية في مظاهرة 18 يونيو (حزيران) شعارًا قتاليًّا تستخدمه الجماهير. ولكن التوفيقيين مربوطون الآن بشدة إلى عربة المالكين. وماذا تعني سلطة السوفييتات؟ إنها تعني قبل كل شيء السير بسياسة سلم جريئة، وقطع الصلة مع الحلفاء، وقطع الصلة مع برجوازية البلاد، والوقوع في العزلة التامة، والتعرض للكارثة بعد عدة أسابيع. كلا، إن الديمقراطية الواعية لواجبها لا تسير أبدًا على طريق المغامرات! وقال تسيريتلي “إن الظروف الحاضرة لا تسمح أبدًا باستخدام حلول جديدة في ظروف بتروغراد الحالية” ويبقى إذن ما يلي: “الاعتراف بالحكومة كما هي مشكَّلة… ودعوة مؤتمر استثنائي للسوفييتات بعد 15 يومًا، في مكان يسمح له بالعمل دون معوقات، وتعتبر موسكو أفضل الأماكن لهذا الغرض”.

ولكن الاجتماع تعرض للمقاطعة باستمرار؛ إذ كان عمال مصنع بوتيلوف يقرعون باب قصر توريد بعنف. ولم يتحرك العمال بعنف إلا عند المساء، وبعد أن أنهكوا، وغضبوا، واهتاجوا. “تسيريتلي! اجلبوا تسيريتلي” وأرسلت جماهير تضم 30 ألف رجل مندوبيها إلى القصر. وصرخ أحدهم من بين الجموع، بأنه إذا لم يشأ تسيريتلي الخروج بمحض إرادته، فإننا سنضطر إلى إخراجه بالقوة. وكان بين التهديد والعمل في تلك اللحظة مسافة غير قصيرة، ولكن الأمور بدأت تسير بشكل سيء، وهرع البلاشفة للتدخل بسرعة. ولقد تحدث زينوفييف فيما بعد عن ذلك فقال: “دعاني رفاقي لأن أذهب إلى عمال بوتيلوف… إنه محيط من الرءوس لم أشهد له مثيلاً. إن عشرات آلاف الرجال مكدسون هنا. واستمرت صرخات “تسيريتلي!”… وبدأت قولي: “لقد خرجت أنا بدلاً من تسيريتلي (ضحكات) وأنعش هذا الأمر أفكار الحاضرين. واستطعت إلقاء خطاب طويل نسبيًّا… ورجوت المستمعين في نهاية الخطاب أن يتفرقوا، بصورة سلمية، مع الحفاظ على نظام كامل، دون أن ينساقوا وراء الاستفزازات التي تثيرها تصرفات عدوانية (عاصفة من التصفيق)، عندها اصطف الرجال المجتمعون، وبدءوا يتفرقون، وتكشف هذه الحادثة بشكل واضح عنف غيظ الجماهير، وانعدام الخطة الهجومية عندها، والدور الحقيقي للحزب في أحداث يوليو (تموز).

وعندما كان زينوفييف يتحدث مع عمال بوتيلوف في الخارج، اندفعت إلى قاعة الاجتماع مجموعة كبيرة من مندوبيهم، وكان بعض المندوبين يحملون البنادق معهم. وارتعد أعضاء اللجنة التنفيذية في مقاعدهم. ولقد ترك سوخانوف صورة حية لهذه اللحظة المأساوية بأن كتب: “ولم يُبد بعض أعضاء اللجنة التنفيذية قسطًا كافيًا من الشجاعة وضبط النفس”. ويتابع سوخانوف وصفه، فيقول بأن عاملاً “معدمًا(1) تقليديًّا” يعتمر قبعة العمال، ويرتدي قميصًا قصيرًا أزرق اللون بلا حزام، ويحمل بندقيته بيده” قفز إلى المنصة وهو يرتجف من الانفعال والغضب… “هل سنحتمل نحن العمال الخيانة طويلاً؟ إنكم تتفاهمون مع البرجوازية والملاكين الزراعيين… إننا نحن، عمال مصنع بوتيلوف، نعد هنا 30 ألف شخص وسنحصل على ما نريد…”، وأحس تشخيدزه بأن هناك بندقية موجهة إليه، فعرف كيف يضبط نفسه. ومال بهدوء من مقعده، ودس في يد العامل المضطربة نداء مطبوعًا: “خذ أيها الرفيق، خذ هذا أرجوك، واقرأه. إننا نقول فيه ما ينبغي أن يفعله الرفاق في مصنع بوتيلوف…”. ولم يكن النداء يقول شيئًا سوى أن على المتظاهرين أن يعودوا إلى بيوتهم، وإلا كانوا خونة للثورة. وماذا كان بوسع المناشفة أن يقولوا أكثر من ذلك؟

واحتل زينوفييف مكانة كبيرة في غمرة الاضطراب السائد تحت جدران قصر توريد، كما احتل هذه المكانة بصورة عامة في دوامة الاضطراب التي سادت في تلك الفترة. وكان زينوفييف في الحقيقة خطيبًا يتمتع بقوة نادرة. وكان صوته الواضح الحاد يدهش المستمعين في بادئ الأمر، ثم لا يلبث أن يجتذبهم بموسيقاه العجيبة. إن زينوفييف محرض بدمه. وكان يعرف كيف يحس بإحساس الجماهير، ويتحرك بانفعالاتها، ويجد لمشاعرها وأفكارها تعبيرًا مشوشًا إلى حد ما، ولكنه جذاب أخَّاذ. وكان الخصوم يقولون بأنه أكبر ديماغوجي في صفوف البلاشفة. وكان هذا يجعله يدفع ثمن قدرته على التسلل إلى قلب ديموس، واللعب بأوتاره. وليس بوسعنا أن ننكر أن كون زينوفييف محرضًا فقط دون أن يكون مُنَظِّرًا، أو إستراتيجيًّا ثوريًًّا، كان يدفعه عند غياب الانضباط الخارجي إلى الانزلاق بسهولة نحو الديماغوجية، لا بالمعنى المبتذل للكلمة، بل بمعناها العلمي، أي الميل إلى التضحية بالمصالح البعيدة في سبيل تحقيق نجاحات فورية. وكان امتلاك زينوفييف لحاسة المحرِّض يجعل منه مستشارًا ثمينًا جدًا في اللحظات التي يتطلب فيها الموقف إجراء تقييم سياسي سريع دون التعمق إلى أبعد من ذلك. وكان قادرًا على إقناع رفاقه في اجتماعات الحزب، واكتسابهم إلى جانبه، وسحرهم، وذلك عندما يطرح فكرة معدلة ومنقَّحة في اجتماعات الجماهير، ومشبعة بآمال العمال والجنود وأحقادهم. وبالإضافة إلى ذلك فقد كان زينوفييف قادرًا على التأثير وسط الاجتماعات المعادية، بل ووسط اللجنة التنفيذية آنذاك. وذلك لأنه يعطي لأكثر الأفكار تطرفًا وانفجارًا شكلاً مقبولاً، فيدخلها بذلك إلى أدمغة أولئك الذين ينظرون إليه بحذر مسبق.

ولم يكن يكفيه للوصول إلى هذه النتائج الرائعة أن يعرف بأنه محق، بل كان بحاجة لأن يعرف معرفة أكيدة بأنه معفى من المسئولية السياسية بقبضة متينة صلبة. وكأن هذه الضمانة تأتيه من لينين. وما أن يتسلح زينوفييف بصيغة إستراتيجية جاهزة، ويعرف أعمق أعماق المسألة، حتى يندفع بمهارة وقدرة على الإحساس بالوضع، فيملأ الصيغة بتساؤلات حية، واحتجاجات، ومطالب، ملتقطة في اللحظة نفسها من الشارع أو المصنع أو الثكنة. وكان يشكل في مثل هذه اللحظات جهازًا مثاليًّا لنقل الأفكار من لينين إلى الجماهير، ومن الجماهير إلى لينين جزئيًّا. وكان زينوفييف يتبع أستاذه دائمًا، باستثناء حالات محدودة قليلة العدد. ولكن ساعة الخلافات جاءت في اللحظة التي تقرر فيها مصير الحزب، والطبقة، والبلاد. ولم يكن هذا المحرض الثوري يتمتع بقسط وافر من الشخصية الثورية. وكان يعمل كمناضل دءوب لا يعرف الكلل، طالما أن عمله متعلق باكتساب العقول والنفوس، ولكن ما أن يجد نفسه مضطرًا للعمل الفعَّال حتى يفقد فورًا كل قدرته على التصرف. إنه يتراجع فجأة أمام الجماهير المصممة وأمام لينين، ولا يعرف كيف يتصرف إلا أمام الأصوات المترددة، وتتجمع كل الشكوك في داخله، ولا يرى أمامه سوى الحواجز ويفقده صوته الحاد شبه النسائي قدرته على الإقناع، ويكشف ضعفه الداخلي. ولقد كان زينوفييف خلال أيام يوليو (تموز) فعالاً، خلاقًا، قويًّا إلى حد بعيد تحت جدران قصر توريد؛ إذ كان يدفع هياج الجماهير إلى أعلى درجة ممكنة.. لا لحثها على القيام بأعمال حاسمة، بل لمنعها على العكس من القيام بهذه الأعمال، بشكل يتلاءم مع الظروف وسياسة الحزب. وكان زينوفييف في المكان الملائم له حقًا.

وأدَّت معركة شارع ليتييني إلى خلق انعطاف مفاجئ في تطور المظاهرة. ولم يعد أحد ينظر إلى الموكب من النوافذ أو الشرفات. وتجمع الوجهاء والمرموقون في المحطات، وتركوا المدينة. وتحول الصراع في المدينة إلى مناوشات هنا وهناك دون هدف محدد. ووقعت خلال الليل اشتباكات مباشرة بالأيدي بين المتظاهرين والوطنيين، وكان تجريد الناس من سلاحهم يتم حسب الصدف. وأخذت البنادق تنتقل من يد إلى يد. وكانت جماعات من جنود الأفواج التي حطمت الصف تعمل في هذه الجهة وتلك. ويقول بودفويسكي “إن أشخاصًا مشبوهين ومحرضين مدسوسين تسللوا بين الجنود وأخذوا يدفعونهم للقيام بأعمال فوضوية”. وكانت جماعات البحارة والجنود تقوم بحملات تفتيشية عنيفة خلال البحث عن مسببي الرمايات المنطلقة من المنازل. وقام البعض بالنهب هنا وهناك باسم التفتيش. وبدأت عملية مطاردة اليهود وتعذيبهم. وكان التجار يتجمعون في الأحياء التي يحسون فيها بقوتهم، وينقضون على العمال، ويشبعونهم ضربًا. ويتحدث أفاناسييف العامل في مصنع نوفي – ليسنر عن ذلك فيقول “وانطلقت صرخات: “اضربوا اليهود والبلاشفة، ارموهم في الماء!” فاندفعت الجماهير نحونا، وأخذت تضربنا بعنف” ومات أحد ضحايا هذا العنف في المستشفى. والتقط البحارة أفاناسييف نفسه من قناة إيكاتيرينيتسكي، بعد أن ضربته الجماهير، وأسالت دمه، وألقت به في الماء…

واقتصرت الحركة على صدامات، وضحايا، وصراع بلا نتيجة، يستهدف الوصول إلى هدف عملي لا يمكن تحقيقه. وقررت اللجنة المركزية البلشفية دعوة العمال والجنود إلى إيقاف المظاهرة. ونقل هذا القرار فورًا إلى اللجنة التنفيذية، ولم يلق أية مقاومة تقريبًا في صفوف القاعدة. واتجهت الجماهير نحو الضواحي دون أن يكون لديها الاستعداد لمتابعة الصراع في اليوم التالي. وأحست بأن مسألة سلطة السوفييت أعقد بكثير مما اعتقدته من قبل.

ورفع الحصار عن قصر توريد بصورة نهائية. وبقيت الشوارع المجاورة خالية مهجورة. ولكن اللجان التنفيذية تابعت السهر مع توقيف الاجتماعات، وإلقاء خطابات طويلة بلا معنى أو هدف. ولقد تبين فيما بعد أن التوفيقيين كانوا ينتظرون شيئًا. وقتل الضجر مندوبي المصانع والأفواج وهم ينتظرون في الأبنية المجاورة. ويتحدث ميتيليف: “وكانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل، ونحن ننتظر “حلاً”… وكنا نتألم من التعب والجوع، ونتجول في قاعة الكسندروفسكي… وفي الساعة الرابعة من صباح الخامس من يوليو (تموز) انتهت آمالنا؛ إذ اجتاز عدد كبير من الضباط والجنود المسلحين باب قصر توريد الرئيسي بصخب” وجلجلت في كافة أرجاء المبنى موسيقى المارسيليز النحاسية. وأثار قرع الأحذية وضجيج الآلات الموسيقية في هذه الساعة الصباحية انفعالاً غريبًا داخل قاعة الاجتماعات. ووقف النواب فجأة في أماكنهم. خطر جديد؟ ولكن دان تحدث من المنصة قائلاً: “أيها الرفاق” هدئوا من روعكم! ليس هناك أي خطر! إن الأفواج القادمة مخلصة للثورة”.

نعم، لقد جاءت أخيرًا القوات “المضمونة” التي طال انتظارها. واحتلت الممرات. وانقضت بعنف على بعض العمال الذين بقوا في القصر، وانتزعت سلاح المسلحين منهم، واعتقلتهم، وذهبت بهم إلى السجون. وصعد إلى المنصة الملازم المنشفي المعروف كوتشين بلباس الميدان. وعانقه رئيس الجلسة دان مهنئًا وسط نغمة النصر التي تعزفها الموسيقى، وأحس التوفيقيون بحماس بالغ، فصبوا حمم نظراتهم الظافرة على اليساريين، وأمسكوا بأيدي بعضهم، وأخذوا ينشدون المارسيليز بأعلى أصواتهم. وهمهم مارتوف القادر على مراقبة الأمور وفهمها بسرعة. “هذا هو المشهد التقليدي لبداية ثورة مضادة!”. ويمكن أن نفهم المعنى السياسي للمشهد الذي وصفه سوخانوف بشكل أفضل، إذا تذكرنا أن مارتوف كان من حزب دان، الذي يمثل هذا المشهد بالنسبة له انتصارًا كبيرًا للثورة.

وعندما لاحظ الجناح اليساري السعادة الغامرة التي اجتاحت الغالبية بدأ يفهم إلى أي مدى انعزل الجهاز الأعلى للديمقراطية الرسمية عندما نزلت الديمقراطية الحقيقية إلى الشارع. لقد اختفى هؤلاء الأشخاص في الكواليس خلال 36 ساعة ليتصلوا عن طريق الهاتف بهيئة الأركان، وكرنسكي القابع في الجبهة، وليطالبوا بإرسال القطعات، وليواجهوا النداءات، ويقنعوا الآخرين، ويتوسلوا، ويرسلوا المحرضين، وينتظروا من جديد. لقد زال الخطر، ولكن الخوف لا يزال قائمًا. إن قرع أحذية الجنود “المخلصين” في الساعة الخامسة صباحًا يرن في آذانهم كسيمفونية الخلاص. وانطلقت من منصة الخطابة أخيرًا، خطابات صريحة حول سحق التمرد المسلح، وحول التخلص من البلاشفة في هذه المرة بصورة نهائية.

ولم تأت القوات التي دخلت قصر توريد من الجبهة كما اعتقد الكثيرون لأول وهلة: بل جاءت من قوات حامية بتروغراد. واختير معظم أفرادها من كتائب ثلاثة أفواج تعتبر من أشد أفواج الحرس تخلفًا. وهي أفواج بريوبراجينسكي، وسيمينوفسكي، وإسماعيلوفسكي. وكانت هذه الأفواج قد أعلنت حيادها في 3 يوليو (تموز). وحاولت الحكومة واللجنة المركزية عبثًا إخراجها عن حيادها، ولكن الجنود انتظروا بغيظ داخل ثكناتهم. ولم تكتشف السلطات وسيلة قوية للتأثير عليهم إلا بعد ظهيرة يوم 4 يوليو (تموز)؛ إذ طرحت أمام رجال فوج بريوبراجينسكي وثائق تؤكد بصورة لا تدع مجالاً للشك بأن لينين جاسوس يعمل لحساب ألمانيا. ونجح هذا العمل. وانتشر النبأ في الأفواج. وقام الضباط وأعضاء لجان الأفواج، ومحرضو اللجنة التنفيذية بزيادة الحماس وتوجيهه. وتبدل رأي الأفواج المحايدة بصورة مفاجئة. وعند الفجر، ولما لم تعد السلطة بحاجة لأية قوة عسكرية، اجتمعت الأفواج واتجهت عبر الشوارع الخالية نحو قصر توريد الذي أخلاه المتظاهرون. وعزفت المارسيليز موسيقى فوج إسماعيلوفسكي، (ذلك الفوج الذي كان أكثر الأفواج رجعية من قبل، الأمر الذي دفع الحكومة القيصرية إلى تكليفه في 3 ديسمبر [كانون الأول] 1905 باعتقال أعضاء أول سوفييت لمندوبي العمال الذي كان يجتمع في بتروغراد برئاسة تروتسكي). إن مخرج التاريخ الأعمى يلاقي عند كل خطوة ضربات مسرحية مفاجئة لم يكن يتوقعها، إنه يكتفي بترك الأعنة لمنطق الأشياء.

وعندما أخليت الشوارع من الجماهير، حرَّكت الحكومة الثورية الشابة أعضاءها الكسيحة؛ فاعتقلت مندوبي العمال، وصادرت الأسلحة، وقطعت أحياء المدينة عن بعضها. وفي الساعة السادسة صباحًا، توقفت أمام المبنى الذي تشغله هيئة تحرير البرافدا سيارة مملوءة باليونكرز والجنود، وعلى ظهرها رشاش وجَّهه الرماة فورًا نحو النافذة. وما أن انصرف هؤلاء الزوار المفاجئون، حتى كان منظر إدارة التحرير يوحي بالدمار والخراب. لقد حطم اليونكرز أدراج المكاتب، وتناثرت المخطوطات الممزقة على الأرض، وقُطعت أسلاك الهاتف. وتعرض حراس المكتب ومستخدموه لضرب مبرح قبل اعتقالهم. وتم التخريب والنهب على نطاق أوسع في المطبعة التي جمع العمال التبرعات لتأسيسها في الأشهر الثلاثة الأخيرة، ودُمرت آلات النسخ، وآلات الطبع، ومعدات صف الحروف. حقًا لقد كان البلاشفة مخطئين، عندما اتهموا حكومة كرنسكي بالعجز وانعدام الفاعلية!

ويقول سوخانوف: “وعادت الشوارع بمجملها إلى حالتها الطبيعية. ولم يعد هناك أية تجمعات أو اجتماعات خارجية تقريبًا، وافتتحت معظم المخازن أبوابها” وانتشر منذ الصباح الباكر نداء البلاشفة الذي يدعو إلى إيقاف المظاهرة، وكان هذا آخر ما نشرته المطبعة قبل تدميرها. وأوقف اليونكرز والقوزاق في الشوارع عددًا من الجنود والبحارة والعمال، وأرسلوهم إلى السجن أو مخافر الشرطة. وتحدث الناس في المخازن وعلى الأرصفة عن الأموال الألمانية. وأخذت السلطات تعتقل كل من يجرؤ على ذكر البلاشفة بكلمة طيبة. ويقول سوخانوف: “لم يعد أحد يستطيع التصريح بأن لينين رجل شريف، فإذا ما فعل أحدهم ذلك، سيق إلى المفوضية”، ويبدو سوخانوف هنا كعادته، مراقبًا دقيقًا لما يجري في شوارع البرجوازية، والأنتليجنسيا، والبرجوازية الصغيرة.

ولكن الصورة مختلفة كل الاختلاف في الأحياء العمالية؛ إذ لا تزال المصانع والمعامل متوقفة عن العمل. والأفكار قلقة مشوشة. وتقول الشائعات بأن بعض القوات ستأتي من الجبهة. وتغص شوارع حي فيبورغ بمجموعات تناقش السلوك الواجب إتباعه إذا ما تعرض الحي للهجوم. ويقول ميتيليف: “إن الحرس الأحمر، وشباب المصانع بصورة عامة، أخذوا يستعدون للدخول إلى قلعة بطرس وبولص بغية دعم المفارز المحاصرة فيها. وكانوا يخفون القنابل اليدوية في جيوبهم، وأحذيتهم الطويلة، وعلى صدورهم، ويجتازون النهر بالقوارب أو عبر الجسور”. ويقول عامل المطبعة سميرنوف من حي كولومنا في مذكراته: “ورأيت أن عدة مقطورات نهرية جاءت على النييفا محملة بالحرس البحري قادمة من دودورهوف وأورانينبوم. وفي الساعة الثانية توضَّح الموقف، وأخذ اتجاهًا سيئًا… ورأيت كيف أخذ البحارة يعودون إلى كرونشتادت منعزلين عبر مسالك متباعدة… وترددت إشاعة قوية تقول بأن البلاشفة جواسيس يعملون لحساب ألمانيا. وبدأت عمليات قمع دنيئة…” ويوجز المؤرخ ميليوكوف الصورة بكل رضى عندما يقول: “لقد تبدل الرأي العام وتركيب الجماهير المحتشدة في الشوارع تبدلاً كليًّا. وغدت بتروغراد عند المساء هادة تمامًا”.

وتمكنت هيئة أركان المنطقة بالتعاون مع سياسة التوفيقيين من إخفاء نواياها طالما أن القوات لم تجد الوقت الكافي للقدوم من الجبهة. وفي النهار حضر إلى قصر كشيسينسكايا للتفاوض مع زعماء البلاشفة أعضاء من اللجنة التنفيذية وعلى رأسهم ليبر، وكانت هذه الزيارة دليلاً على توفير النوايا السلمية. وتوصل المجتمعون إلى اتفاق يتعهد البلاشفة بموجبه بإعادة البحارة إلى كرونشتادت، وسحب سرية الرشاشات من قلعة بطرس وبولص، وسحب السيارات المصفحة ومجموعات الحراسة من مواقعها. على أن تقوم الحكومة من جهتها بمنع أية عملية تعسفية ضد اليهود، وعدم الانتقام من البلاشفة، وإطلاق سراح كل من تم اعتقالهم، باستثناء من ارتكبوا جرائم ضد الحق العام. ولكن الاتفاق لم يدم طويلاً؛ فمع انتشار أنباء الأموال الألمانية، وإشاعات قرب وصول القطعات من الجبهة، ظهرت في المواقع وحدات كبيرة وصغيرة تذكرت ولاءها وإخلاصها للديمقراطية وكرنسكي. وأرسلت هذه الوحدات مندوبيها إلى قصر توريد أو إلى هيئة أركان المنطقة. وأخيرًا بدأت مفارز عسكرية تأتي من الجبهة فعلاً.

وازدادت شراسة الحالة الفكرية السائدة بين التوفيقيين ساعة بعد أخرى. واستعدت القوات القادمة من الجبهة لشن صراع دامٍ يطهر العاصمة من عملاء قيصر ألمانيا. ولكن القوات وصلت بعد أن اختفت الضرورات التي استوجبت استدعاءها، وكان لا بُدَّ من تبرير هذا الاستدعاء. وبذل التوفيقيون جهودًا كبيرة كيلا يتعرضوا لشكوك الجيش، وأخذوا يحاولون إقناع القادة العسكريين بأن المناشفة والاشتراكيين – الثوريين كانوا يقفون معهم وفي صفهم. وأن البلاشفة يمثلون العدو المشترك. وعندما حاول كامنييف تذكير أعضاء بريزيديوم اللجنة التنفيذية بالاتفاق المعقود قبل ساعات، رد عليه ليبر بصوت رجل الدولة المهيب: “لقد تبدلت الآن موازين القوى”، ويقول لاسال في محاضراته المبسطة أن ليبر كان يعلم بأن المدفع عنصر أساسي من عناصر الدستور.

واستدعى وفد بحارة كرونشتادت وعلى رأسه راسكولنيكوف أكثر من مرة للمثول أمام اللجنة العسكرية التابعة للجنة التنفيذية؛ حيث كانت المتطلبات تتزايد ساعة بعد أخرى حتى وصلت إلى إنذار نهائي أطلقه ليبر وأكد فيه ضرورة: الموافقة فورًا على تجريد رجال كرونشتادت من سلاحهم. ويتحدث راسكولنيكوف عن ذلك فيقول: “وعند الخروج من اجتماع اللجنة العسكرية تابعنا مشاورتنا مع تروتسكي وكامنييف. ونصحنا ليف دافيدوفيتش (تروتسكي) بأن نرسل بحارة كرونشتادت فورًا وبصورة سرية إلى معسكراتهم. واتخذنا القرار بإرسال الرفاق إلى ثكناتهم، وإعلام البحارة عن النية المتجهة لنزع سلاحهم”. وانصرف معظم رجال كرونشتادت في الوقت الملائم، ولم يبق سوى مفارز صغيرة في كشيسينسكايا وقلعة بطرس وبولص. ومنذ 4 يوليو (تموز)، كان الأمير لفوف قد أعطى إلى الجنرال بولوفتسيف بمعرفة الوزراء الاشتراكيين وموافقتهم، أمرًا خطيًّا “لاعتقال البلاشفة الذين يحتلون قصر كشيسنسكايا، وإخلاء هذا المنزل، ووضع قوات موالية فيه”.

والآن، وبعد نهب المطبعة ومقر هيئة التحرير، أصبحت مسألة مصير مقر قيادة البلاشفة مطروحة بشدة. وعين التنظيم العسكري راسكولنيكوف رئيسًا لمقر القيادة. ففهم مهمته بشكل واسع، على غرار فهم المهمات في كرونشتادت، وطالب بإرسال المدافع، كما طالب بأن يقف عند مصب النييفا مركب حربي صغير. ولقد فسر راسكولنيكوف فيما بعد هذا التصرف بقوله: “لقد قمت من ناحيتي بالطبع بإعدادات عسكرية، ولكنني فعلت ذلك لتأمين الدفاع إذا ما اضطررنا لذلك، خاصة وأنني لم أشم في الجو رائحة البارود فحسب، بل شممت رائحة أعمال قمع واسعة النطاق… واعتبرت، وكنت محقًا في ذلك على ما أعتقد، أن جلب مركب جيد إلى خليج النييفا، سيجعل الحكومة المؤقتة تتراجع حتمًا عن قرارها”، وكل هذا غير دقيق، وغير جاد. ومن الأجدر أن نفترض بأن زعماء التنظيم العسكري بما فيهم راسكولنيكوف، لم يتمكنوا في 5 يوليو (تموز) من أن يقدروا حقيقة انعطاف الموقف. وفي الوقت الذي كان على المظاهرة المسلحة به أن تسرع بالتراجع، كيلا تنقلب إلى عصيان مسلح يفرضه الخصم، قام بعض القادة العسكريين ببضع خطوات تتسم بالمغامرة والتهور.

ولم تكن هذه أول مرة يتجاوز فيها زعماء كرونشتادت الشباب الحدود المعقولة. ولكن هل يمكن القيام بالثورة دون مشاركة رجال يتجاوزون الحدود المعقولة؟ أفليس في الأعمال البشرية الكبيرة بالضرورة قسط معين من الحماقة؟ واقتصر الأمر في هذه الحالة على أوامر لم تلبث أن أُلغيت من قبل راسكولنيكوف نفسه. وجاءت إلى مقر قيادة البلاشفة أخبار مزعجة قتالية؛ فلقد رأى أحدهم في نوافذ منزل يقع على الضفة المقابلة رشاشات مصوبة نحو قصر كشيسينسكايا، ولاحظ شخص آخر أن رتلاً من السيارات المصفحة يسير في الاتجاه نفسه، وأعلن رجل ثالث عن اقتراب دوريات القوزاق. وبعث التنظيم العسكري شخصين للتفاوض مع قيادة المنطقة العسكرية. وأكد بولوفتسيف للمندوبين أن نهب البرافدا تم دون علمه، وأنه لا يعد أية عمليات انتقامية ضد التنظيم العسكري. والحقيقة أنه كان ينتظر قدوم قوات كافية من الجبهة للبدء بالعمل.

وعندما كانت كرونشتادت تتراجع، كان أسطول البلطيق بمجمله في مرحلة إعداد الهجوم. وكانت غالبية مراكب الأسطول تقف في المياه الفنلندية، وتحمل حوالي 70 ألف بحار. وبالإضافة إلى ذلك فقد كان في فنلندا فيلق كامل. وكان مصنع ميناء هلسنغفورز يضم 10 آلاف عامل روسي. لقد كانت قبضة الثورة هناك مخيفة. وكان ضغط البحارة والجنود قويًّا لدرجة جعلت لجنة الاشتراكيين – الثوريين في هلسنغفورز تعارض الائتلاف. كما أن كافة الأجهزة السوفييتية للأسطول والجيش في فنلندا طالبت بالإجماع، أن تستلم اللجنة التنفيذية المركزية السلطة بيدها. وكان رجال البلطيق على استعداد للتحرك في أية لحظة نحو خليج النييفا بغية دعم مطالبهم. ولم يكن هناك ما يمنعهم سوى خوف من إضعاف خط الدفاع البحري، بشكل يسمح للأسطول الألماني بمهاجمة كرونشتادت وبتروغراد.

ولكن جري هنا شيء غير متوقع أبدًا؛ إذ أن اللجنة المركزية لأسطول البلطيق “تسنتروبالت” دعت لجان المراكب في 4 يوليو (تموز) لعقد اجتماع استثنائي قام فيه رئيس اللجنة ديبنكو بعرض أمرين سريين حديثين تلقتهما قيادة الأسطول. وهما يحملان توقيع دوداريف نائب وزير البحرية، وينص الأمر الأول: أن على الأميرال فرديرفسكي أن يرسل إلى بتروغراد أربعة مراكب قاذفة للصواريخ، لتمنع بالقوة إنزال العصاة القادمين من كرونشتادت. ويفرض الأمر الثاني على قائد الأسطول أن لا يسمح لأي مركب بترك هلسنغفورز والتوجه إلى كرونشتادت لأي سبب كان. وأن لا يتأخر استخدام الغواصات لإغراق المراكب التي ترفض الخضوع للأوامر. ووجد الأميرال نفسه بين نارين، ورأى أن عليه أن ينقذ جلده قبل كل شيء، فبادر إلى نقل البرقيتين إلى التسنتروبالت، وأعلن بأنه سيرفض تنفيذ هذين الأمرين حتى ولو أقرتهما التسنتروبالت. وختمتهما بخاتمها.

وأقلقت قراءة البرقيتين البحارة. والحقيقة أنهم كانوا يشتمون كرنسكي والتوفيقيين بشدة في كل مناسبة. ولكن هذا الأمر كان يمثل بنظرهم صراعًا داخليًّا في وسط السوفييتات. لأن الأغلبية في اللجنة التنفيذية المركزية بِيد الأحزاب التي طالب في لجنة فنلندا الإقليمية بنقل السلطة إلى السوفييتات. إن الأمر واضح، ويستحيل أن يأمر المناشفة أو الاشتراكيون – الثوريون بإغراق المراكب المؤيدة لسلطة اللجنة التنفيذية، فكيف استطاع الضابط البحار العجوز دوداريف أن يتدخل في الجدل الداخلي الدائر داخل السوفييتات، ليحوِّل هذا الجدل إلى معركة بحرية؟ لقد كانت المراكب الضخمة بالأمس معتبرة بصورة رسمية كدعم للثورة، على عكس قاذفات الطوربيدات التي يسود فيها فكر متخلف، والغواصات التي لم تؤثر عليها الدعاية السياسية إلا بشكل جد محدود. وهل يمكن أن تكون السلطات مستعدة الآن جديًّا لإغراق المراكب بواسطة الغواصات! إن من الصعب أن تدخل مثل هذه الأفكار في عقول البحارة العنيدة.

ولكن الأمر بدا لهم وكأنه منبعث من كابوس مزعج، لم يكن هذا الأمر في يوليو (تموز)، سوى النبته الناجمة عما بُذر في مارس (آذار). ومنذ إبريل (نيسان) بدأ المناشفة والاشتراكيون – الثوريون يَسْتَعْدُون الأقاليم ضد بتروغراد، ويستثيرون الجنود ضد العمال، ويُعدون الخيَّالة للعمل ضد رماة الرشاشات. وأمَّنوا تمثيل السرايا في السوفييتات بشكل يمتاز عن تمثيل المصانع. ووضعوا في القيادة المصانع الصغيرة المبعثرة لا مصانع التعدين الضخمة. لقد كانوا يمثلون الماضي القريب، وهذا ما جعلهم يبحثون عن الدعم لدى المتخلفين من كل صنف، ولما تعثروا استثاروا المؤخرة ضد الطليعة. إن للسياسة منطقها وخاصة في زمن الثورة. وأحس التوفيقيون أنهم محاصرون من كل جانب، فوجدوا أنفسهم مُكرهين على إجبار الأميرال فرديرفسكي على إغراق المراكب التي يسود فيها فكر أكثر تقدمًا. ومن سوء حظ التوفيقيين أن الأفكار المتخلفة التي أراد التوفيقيون الاستناد إليها كانت تحاول مسايرة الأفكار المتقدمة. وأحس بحارة الغواصات إزاء أمر دوداريف بسخط لا يقل عن سخط بحارة الدارعات.

وكان على رأس التسنتروبالت أشخاص لا يتمتعون بطبع مشابه لطبع هاملت(2)؛ لقد اتفقوا مع أعضاء لجان المراكب، واتخذوا دون أن يضيعوا لحظة واحدة القرار التالي: على قاذف الطوربيدات أورفي المحدد لإغراق رجال كرونشتادت أن يذهب إلى بتروغراد لسببين: أولهما: جمع المعلومات عما يجري هناك، وثانيهما: “اعتقال نائب وزير البحرية دوداريف”، ومهما بدا هذا القرار مفاجئًا وغير متوقع، فإنه يؤكد بقوة واضحة إلى أي مدى كان بحارة البلطيق ميَّالين إلى اعتبار التوفيقيين كخصوم داخليين، وكيف كانوا يعتبرون أن دوداريف عدو مشترك. ودخل أورفي خليج النييفا بعد وصول 10 آلاف من بحارة كرونشتادت المسلحين بأربع وعشرين ساعة. ولكن “موازين القوى كانت قد تبدلت”. ومُنع البحارة من النزول إلى الشاطئ طوال النهار. وفي المساء فقط سُمح لوفد يضم 67 بحارًا من التسنتروبالت ومن بحارة الأسطول بحضور الاجتماع الموحد للجنتين التنفيذيتين، الذي كان يقيّم النتائج الأولى لأيام يوليو (تموز). وكان الظافرون يعيشون وسط مرح انتصارهم الجديد. ولقد وصف فويتسنكي في تقريره بكل رضًى ساعات الضعف والمذلة، ليجسم فيما بعد بكل وضوح الانتصار الذي تلى ذلك. وهو يقول في تقريره: “كانت السيارات المصفحة أول وحدة جاءت لنجدتنا. وكنا قد قررنا بشدة أن نفتح النار إذا ما لجأت العصابة المسلحة إلى استخدام القوة ضدنا… ولما رأينا فداحة الخطر الذي يهدد الثورة، أصدرنا الأوامر لبعض القطعات (من الجبهة) كيما تركب القطارات، وتحضر إلينا…”، وكانت غالبية المجلس الأعلى تغلي حقدًا على البلاشفة عامة، والبحارة بصورة خاصة.

وفي هذا الجو النفسي وصل مندوبو البلطيق، يحملون مذكرة توقيف بحق دوداريف. واستقبل المنتصرون قرار أسطول البلطيق عند قراءته بصرخات وحشية، وبضجيج من ضرب القبضات على الطاولات، وقرع الأرض بالأقدام: توقيف دوداريف؟ ولكن القائد الرائع لم يفعل شيئًا سوى أنه قام بواجبه إزاء الثورة التي كان هؤلاء البحارة، المتمردون، المضادون للثورة يسددون لها طعنة في الظهر. واتخذ المجتمعون قرارًا خاصًا أبدوا فيه تضامنهم مع دوداريف. وفتح البحارة عيونهم باستغراب، وهم ينظرون إلى الخطباء، وأخذوا يتبادلون النظرات فيما بينهم. لقد بدءوا الآن فقط يفهمون حقيقة ما يجري أمامهم. وتم اعتقال الوفد كله في اليوم التالي. وأتم هذا الوفد توعيته السياسية في السجن. ثم تم اعتقال رئيس التسنتروبالت ديبنكو الذي جاء بعد سماع أخبار اعتقال زملائه. واستُدعى الأمير فرديرفسكي إلى العاصمة لتقديم بعض الإيضاحات.

وفي صبيحة 6 يوليو (تموز) عاد العمال إلى أعمالهم. ولم يعد في الشوارع سوى القوات القادمة من الجبهة. وأخذت مفارز مكافحة التجسس تدقق البطاقات الشخصية، وتعتقل المواطنين ذات اليمين وذات اليسار. ولقد قتل العامل الشاب فوينوف في الشارع عندما كان يوزع صحيفة ليستوك برافدي التي ظهرت محل صحيفة البرافدا، بعد نهب إدارتها وتدمير مطابعها. ويُعتقد أن القتلة من جماعة مكافحة التجسس. ووجدت العناصر الرجعية من المائة السود فرصتها المنشودة بسحق العصيان. وبدأت عمليات النهب والعنف، واستمر تبادل إطلاق النار هنا وهناك في كافة أرجاء المدينة. ووصلت خلال النهار أنساق عسكرية متتابعة: فرقة خيالة، وفوج قوزاق الدون، وفرقة أوهلانس، وفوج أيزبورسكي، وفوج الروسي الصغير، وفوج خيالة خفيفة، ووحدات متعددة أخرى. وذكرت صحيفة غوركي “بأن موقف قطعات القوزاق التي وصلت بأعداد غفيرة كان عدائيًّا”. وفُتحت نيران الرشاشات على فوج ايزبورسكي فور وصوله في نقطتين من المدينة. واكتُشف في الحالتين بأن الرشاشات مربَّصة في السقائف. ولكن مسببي الرمايات بقوا مجهولين. وأُطلقت النار على القوات خلال إنزالها في أماكن أخرى أيضًا. وضايقت هذه الرمايات الحمقاء المقصودة العمال إلى حد بعيد. وكان من الواضح أن عددًا من المحرضين المحنكين المدسوسين يستقبلون الجنود بالرصاص لاستشارتهم ضد البلاشفة. وبذل العمال قصارى جهودهم بغية شرح ذلك للجنود القادمين، ولكنهم مُنعوا من الاقتراب، ولأول مرة منذ فبراير (شباط) وقف اليونكرز أو الضابط بين العامل والجندي.

واستقبل التوفيقيون الأفواج القادمة بمرح ظاهر. وفي اجتماع مندوبي القطعات، وبحضور عدد كبير من الضباط واليونكرز، تحدث فويتنسكي بصوت مؤثر: “والآن، تسير القطعات والسيارات المصفحة في شارع ميليونايا، متجهة نحو ساحة القصر، لتضع نفسها تحت تصرف الجنرال بولوفتسيف. هذه هي القوة الحقيقية التي نعتمد عليها”. وألحق بقيادة المنطقة أربعة اشتراكيين للعمل كتغطية سياسية وهم: أفكسانتييف، وغوتز من اللجنة التنفيذية، وسكوبوليف وتشيرنوف من الحكومة المؤقتة. ولكن هذا لم ينقذ القائد؛ فلقد تبجح كرنسكي فيما بعد أمام الحرس الأبيض بأنه ما أن عاد من الجبهة خلال أيام يوليو (تموز)، حتى سرح الجنرال بولوفتسيف “لقلة حزمه”.

والآن أصبح من الممكن حل المعضلة التي أجلت طويلاً: تدمير عش البلاشفة القائم في قصر كشيسنسكايا. إن في الحياة الاجتماعية بصورة عامة، وفي زمن الثورة بصورة خاصة، أعمالاً من الدرجة الثانية تحتل أهمية كبيرة، نظرًا لأنها تؤثر على الأفكار بطابعها الرمزي. وهذا ما جعل الكثيرين يبالغون خلال الصراع ضد البلاشفة بأهمية “استيلاء” لينين على قصر كشيسنسكايا، راقصة البلاط، التي يرجع الفضل في شهرتها إلى علاقاتها مع رجال أسرة رومانوف أكثر مما يرجع لفنها وإبداعها. وكان مسكنها جزءًا من المكاسب التي أمنتها لها هذه العلاقات. التي بدأت على ما يبدو من قبل نيقولا الثاني، منذ أن كان وليًا للعهد. وكانت البرجوازية الصغيرة قبل الحرب تتحدث كثيرًا عن هذا البيت القائم في مقابلة قصر الشتاء، وتذكر المقابلات الراقية الفخمة، وأحذية ضباط الحرس ذات المهاميز، والمجوهرات المتلألئة. ولكن حديثها كان مشوبًا باحترام حاسد. ثم أخذ الناس يقولون خلال الحرب: “إن هذه لسرقة”. وكان الجنود يتحدثون عن ذلك بشكل أكثر حدة أيضًا. وما أن غدت راقصة الباليه متوسطة السن، حتى أقلعت عن الرقص، والتجأت إلى العمل السياسي. ويتحدث رودزيانكو عن ذلك بقوله: “يشير القائد الأعلى (عم القيصر نيقولا نيقولا ييفيتش) إلى أنه يعرف تأثير راقصة الباليه كشيسينسكايا على شئون سلاح المدفعية. وتدخلها للسماح لبعض المؤسسات بتحقيق عدد من الصفقات”. وليس من المستغرب أن قصر كشيسنسكايا المهجور لم يحظ بمحبة الشعب بعد الانتفاضة. وفي الوقت الذي بدأت فيه الثورة تتطلب الأبنية وتطالب بها بلا انقطاع، عجزت الحكومة عن التعرض لأي مسكن شخصي. إن مصادرة خيول الفلاحين في سبيل الحرب  أمر يختلف كل الاختلاف عن قيام الثورة بمصادرة المساكن الشخصية الخالية من السكان. ولكن الجماهير الشعبية كانت تحاكم الأمور بشكل مختلف تمامًا.

وعند البحث عن بناء ملائم، وقعت فرقة السيارات المصفحة الاحتياطية في مطلع مارس (آذار) على قصر كشيسينسكايا؛ فاحتلته؛ إذ كان لدى راقصة الباليه مرآب جيد. وتخلت الفرقة بمحض إرادتها عن الطابق العلوي من البناء كيما تشغله لجنة بلاشفة بتروغراد. وتدعمت صداقة البلاشفة مع جنود السيارات المصفحة بصداقتهم الوطيدة مع رماة الرشاشات. ومر احتلال القصر في بداية الأمر، وقبل قدوم لينين بعدة أسابيع، دون أن يلفت انتباه أي إنسان. ولكن النقمة على شاغلي القصر تزايدت يومًا بعد يوم، مع تزايد تأثير البلاشفة. وبدأت الصحف تتحدث عن أن لينين ينام في غرفة راقصة الباليه، وأن أثاث القصر قد دُمر ونُهب. ولم يكن ذلك سوى دسائس وأكاذيب؛ إذ كان لينين يقطن في منزل أخته المتواضع. كما أن قيادة المبنى جمَّعت الأثاث وجردته ووضعته في حرز أمين. ولقد زار سوخانوف القصر يوم وصول لينين، ووصف المكان بشكل يستحق الاهتمام: “كان لغرف راقصة الباليه الشهيرة مظهر غريب يثير العجب؛ إذ لم تكن السقوف والجدران الساحرة متلائمة مع الأثاث البسيط، أو الطاولات والكراسي والمقاعد البدائية، الموضوعة كيفما اتفق، شريطة أن تحقق الفائدة المطلوبة منها. والغرف قليلة الأثاث، فلقد رُفع أثاث كشيسنسكايا الخاص من مكانه…”.

وتجاهلت الصحف مسألة فرقة السيارات المصفحة بحذر، وأظهرت لينين وكأنه المسئول الأول عن استخدام القوة لمصادرة منزل راهبة مسالمة من راهبات الفن. وشغلت هذه الفكرة عددًا من الخطب والمقالات. إن العمال والجنود الموحلين القذرين يعيشون بين المخمل، والحرير، والسجاد! وأبدت كل أوكار العاصمة تذمرها وضيقها من هذا الموقف. وكما حمَّل الجيرونديون في الماضي اليعاقبة مسئولية مذابح سبتمبر (أيلول)، واختفاء المرتبات من ثكنة عسكرية، والدعاية لصالح القانون الزراعي؛ فإن الكاديت والديموقراطيين يتهمون البلاشفة بخرق قواعد الأخلاق الإنسانية، والبصاق على الأرضية الخشبية لقصر كشيسينسكايا. وغدت راقصة البلاط رمزًا لثقافة تداس بالأقدام، وبأحذية البرابرة ذات المسامير الغليظة. وأعطى كل هذا النصر لصاحبة القصر جناحين، الأمر الذي شجَّعها على رفع الأمر للقضاء، وقررت المحكمة طرد البلاشفة من القصر.

ولكن الأمر لم يكن يمثل هذه السهولة. ويذكر جاليجسكي أحد أعضاء لجنة بتروغراد آنذاك في مذكراته: “إن السيارات المصفحة المتمركزة في باحة القصر تتمتع بمظهر مهيب مرهب”. وبالإضافة إلى ذلك، فقد كان فوج الرشاشات، وعدد من الوحدات الأخرى على استعداد لدعم جنود السيارات المصفحة عند الضرورة. وفي 25 مايو (آيار)، أعلن مجلس اللجنة التنفيذية بناء على شكوى رفعها محامي راقصة الباليه بأن “مصالح الثورة تفرض احترام الأحكام الصادرة عن المحاكم”. ولم يذهب التوفيقيون إلى أبعد من هذه الحكمة الأفلاطونية. ولم يُرضِ هذا بالطبع راقصة الباليه التي كانت بعيدة كل البعد عن الميل إلى الأفلاطونية.

وتابعت اللجنة المركزية، ولجنة بتروغراد، والتنظيم العسكري العمل معًا في القصر. ويقول راسكولنيكوف: “كان في قصر كشيسنسكايا دائمًا جمع غفير. وكان البعض يزورون أمانة السر هذه أو تلك في سبيل تسيير الأعمال، ويذهب الآخرون إلى مستودعات المكتبة… ويتجه البعض الآخر إلى مكاتب تحرير سولداتسكايا برافدا (برافدا الجنود) أو إلى اجتماع ما. وكانت الاجتماعات تُعقد في القصر، وتستمر أحيانًا بلا انقطاع؛ سواء في القاعة الكبرى، الواقعة في الأسفل، أو في غرفة علوية حول طاولة مستطيلة، ويبدو أن هذه الغرفة كانت من قبل غرفة طعام راقصة الباليه”. ومن شرفة القصر التي يرفرف عليها علم اللجنة المركزية كان الخطباء يتحدثون إلى الجموع المحتشدة، لا في النهار فحسب، بل في الليل أيضًا. وغالبًا ما كانت قطعة عسكرية أو جماهير عمالية تتقدم وسط الظلمة الشاملة نحو المبنى، وتطالب بسماع خطاب. وكان البورجوازيون الصغار يقفون أحيانًا أمام الشرفة وقد جذبهم حب الإطلاع الناجم عن إشاعات الصحف وأحاديثها. ولقد اقتربت من القصر في الأيام الحاسمة مظاهرات معادية تطالب باعتقال لينين، وطرد البلاشفة، ولكنها لم تدم سوى فترة قصيرة. ويحس المرء بأعماق الثورة تغلي تحت سيول الأشخاص السائرين قرب جدران القصر. ووصلت قضية قصر كشيسنسكايا إلى أوجها خلال أيام يوليو (تموز). ويقول ميليوكوف: “لم تكن القيادة العليا للحركة في قصر توريد، بل في قلعة لينين، في قصر كشيسينسكايا ذي الشرفة التقليدية”، وكان سحق المظاهرة يعني بصورة محتومة تدمير مقر قيادة البلاشفة.

وفي الساعة الثالثة صباحًا، تحرك نحو قصر كشيسينسكايا وقلعة بطرس وبولص، المنفصلين عن بعضهما بمجرى مائي صغير، القطعات التالية: الكتيبة الاحتياطية في فوج بتروغراد. ووحدة من فوج الرشاشات، وسرية من فوج سيمينوفسكي، وسرية من فوج بريوبراجينسكي، ومجموعة الطلاب الضباط التابعة لفوج فولهينسكي، ومدفعان، ومفرزة تضم 8 سيارات مصفحة. وفي الساعة السابعة، أصرَّ الاشتراكي – الثوري كوزمين، مساعد قائد قطعات الموقع، على إخلاء منزل راقصة الباليه. ولم يشأ بحارة كرونشتادت المتمركزين في القصر، وعددهم 120 بحارًا، تسليم سلاحهم، فاتجهوا نحو قلعة بطرس وبولص عدوًا. وعندما احتلت القوات الحكومية القصر، لم تجد فيه أحدًا باستثناء بعض المستخدمين… وبقيت مسألة القلعة. وتحركت من حي فيبورغ كما ذكرنا مفارز الحرس الأحمر لنجدة البحارة المتمركزية في القلعة عند الضرورة. ويقول أحد هؤلاء الحرس ما يلي: “وعلى جدران القصر انتصبت بعض المدافع التي وجهها البحارة في كل اتجاه… وظهرت رائحة الدم في الجو…” ولكن المفاوضات الدبلوماسية أدَّت إلى حل سلمي. وتقدم ستالين، بناء على تكليف من اللجنة المركزية البلشفية باقتراح طرحه على زعماء التوفيقيين لأخذ تدابير مشتركة تستهدف تسوية مظاهرة رجال كرونشتادت دون سفك دماء. وذهب ستالين مع المنشفي بوغدانوف إلى القلعة، وأقنعا البحارة دونما صعوبة بالخضوع للإنذار الذي وجهه ليبر في العشية. وعندما اقتربت السيارات المصفحة الحكومية من القلعة، خرج وفد من البوابة الكبيرة ليعلن بأن الحامية قررت الخضوع لتعليمات اللجنة التنفيذية. ونقلت سيارات النقل الجنود والأسلحة التي سلموها. وعاد البحارة إلى بوارجهم بغية التوجه إلى كرونشتادت. ويمكن اعتبار استسلام حامية كرونشتادت الحدث النهائي في حركة يوليو (تموز). واحتلت وحدات السيارات المصفحة القادمة من الجبهة القلعة وقصر كشيسينسكايا يعد أن أخلاهما البلاشفة. ثم انتقلت هذه الوحدات في عشية انتفاضة أكتوبر (تشرين الأول) إلى صف البلاشفة من جديد.

الهوامش

  • Sans-Culotte بالمعنى المعروف لهذا التعبير قبل الثورة الفرنسية.
  • هناك تفسيرات أدبية ترى بأن هاملت، بطل رواية هاملت لشكسبير، كان يتمتع بطبع متردد يخشى اتخاذ القرارات الحاسمة.

 

لقراءة الفصل السابق يمكن مراجعة الرابط التالي:

 

تاريخ الثورة الروسية (ج2): “أيام يوليو” الإعداد والبداية جـ 3