تاريخ الثورة الروسية (ج2): كرنسكي وكورنيلوف/ 1

0
458

 

عناصر البونابارتية في الثورة الروسية:

تحدثت كثير من الكتابات عن أن السوء الذي جاء من بعد، بما في ذلك مجيء البلاشفة، كان من الممكن تلافيه، لو كان على رأس السلطة رجل يتمتع بفكر واضح وإرادة حازمة بدلاً من كرنسكي. ومن المؤكد أن كرنسكي كان محرومًا من هاتين الصفتين. فلِمَ اضطرت بعض الطبقات إذن إلى رفع كرنسكي بالذات إلى منصة الرئاسة؟

إن أحداث أسبانيا تجدد بعض ذكرياتنا التاريخية، وتؤكد من جديد كيف أن الثورة التي تزيل الحدود السياسية الطبيعية، تُخفي كل شيء في بداية الأمر وراء غمامة وردية. حتى أن أعداءها يحاولون في هذه الفترة استعارة لونها؛ وهذا ما يفسر ميل الطبقات المحافظة نصف الغريزي للتلاؤم مع التحولات المهددة، كيما يكون تأثير هذه التحولات عليها منخفضًا إلى أدنى حد ممكن. إن تضامن الأمة المبني على لفظية غير متماسكة، يحول النشاط التوفيقي إلى وظيفة سياسية لا يُستغنى عنها. ويبدو أن المثاليين البورجوازيين الصغار، الذين ينظرون من فوق الطبقات، ويفكرون بجمل جاهزة مسبقة، ولا يعرفون ما يريدون، ويطرحون على الجميع أفضل رغباتهم، يكونون في هذه الفترة الزعماء الوحيدين المقبولين من قبل الغالبية. ولو كان كرنسكي يتمتع بفكر واضح وإرادة حازمة لما كان ملائمًا أبدًا لدوره التاريخي. وليس هذا تقديرًا منا للأمور بعد وقوعها، ولكنه الحكم الذي تبناه البلاشفة بالنسبة لكرنسكي وسط نار الأحداث. ولقد كتب تروتسكي في السجن بعد أيام يوليو (تموز) ما يلي: “إن كرنسكي محام في القضايا السياسية، واشتراكي – ثوري وجد نفسه على رأس الكادحين، وراديكالي محروم من أية عقيدة اشتراكية، وهذا ما جعله يعكس بشكل كامل المرحلة الأولى للثورة، وخمولها “الوطني”، والمثالية الملتهبة لآمالها وتطلعاتها. وكان كرنسكي يتحدث عن الأرض، والحرية، والنظام، وسلام الشعوب، والدفاع عن الوطن، وبطولة ليبكنخت، ويقول بأن الثورة الروسية أدهشت العالم بتسامحها، ويلوح بهذه المناسبة بمنديل حرير أحمر. وكان البورجوازي الصغير نصف المستيقظ يستمع مثل هذه الخطب بكل حماس، وكان يبدو له وكأنه هو الذي يتكلم من منصة الخطابة. وكان الجيش يستقبل كرنسكي كشخص أنقذه من غوتشكوف. وكان الفلاحون يسمعون بأنه كادح ونائب عن الموجيك. وكان الليبراليون يحسون بجاذبية خاصة نحو اعتدال أفكاره الكامن وراء راديكالية جمله…”.

ولكن فترة العناق والتصافي لا تدوم طويلاً. ولا يختفي الصراع الطبقي في بداية الثورة إلا ليظهر بعد ذلك على شكل حرب أهلية. وفي صعود الحركة التوفيقية السحري يكون مسبقًا انهيارها المحتوم. ويعيد الصحفي الفرنسي كلود آني سبب فقدان كرنسكي لشعبيته بسرعة، إلى أن عدم تمتعه بالذوق، دفع هذا السياسي الاشتراكي إلى ارتكاب أفعال “لا تنسجم كل الانسجام” مع دوره. “إنه يتردد إلى المقصورات الإمبراطورية، ويقطن قصر الشتاء أو قصر تساركويه، وينام في سرير قياصرة روسيا. إنه يملك قسطًا زائدًا من الغرور الذي أخذ يتراكم، وهذا أمر يصدم الناس في بلد يتسم بالبسطة التامة”، (كلود آني؛ الثورة الروسية، [يونيو – نوفمبر 1917، ص 15 – 16]). ويتطلب الذوق في الأمور كبيرها وصغيرها قسطًا معينًا من فهم الموقف بأسره، والمكان الذي يشغله المرء في هذا الموقف. ولم يكن كرنسكي يمتلك شيئًا من هذا كله. لقد رفعته ثقة الجماهير، ولكنه كان غريبًا عنها، ولا يستطيع فهمها، ولا يهتم أبدًا بمعرفة كيف تفهم هذه الجماهير الثورة، وما هي الاستنتاجات التي تصل إليها من هذه الثورة. وكانت الجماهير تنتظر منه أفعالاً جريئة، ولكنه كان يطلب من الجماهير أن لا تزعجه خلال تسامحه وفصاحته. وعندما قام كرنسكي بزيارة مسرحية لعائلة القيصر المحجوزة، قال بعض الجنود من حراس القصر لقائدهم: “إننا ننام على الأرض، ونتغذى بشكل سيء، ولكن نيقولا يحصل على اللحم رغم أنه معتقل، حتى أنه يرمي بعضه في القمامة”. ولم تكن هذه الأقوال “تسامحًا” ولكنها كانت تعبِّر عما يحس الجنود به.

إن الشعب الذي تخلص من قيوده القديمة التي دامت قرونًا كان يتجاوز الحدود التي يرسمها له الزعماء المثقفون. ولقد تحدث كرنسكي حول هذا الموضوع في نهاية أبريل (نيسان) فقال: “هل يمكن أن تكون الدولة الروسية الحرة دولة عبيد ثائرين؟… إنني نادم على أنني لم أمت قبل شهرين، ولو مت آنذاك لحملت معي حلمًا كبيرًا”، …إلخ. وبمثل هذه الفصاحة السيئة كان يأمل بالتأثير على العمال، والجنود، والبحارة، والفلاحين. ولقد تحدث الأميرال كولتشاك فيما بعد أمام المحكمة السوفييتية، وذكر كيف زار وزير الحربية في مايو (أيار) مراكب أسطول البحر الأسود ليصالح الجنود مع ضباطهم. وكان الخطيب يعتقد بعد كل خطاب أنه حقق هدفه فيقول: “حسنًا، إنكم ترون أيها السيد الأميرال أن كل شيء قد سوي تمامًا…”، ولكن لم يكن هنا أي شيء مسوّى بالفعل، بل كان انهيار الأسطول في بدايته.

ومع تقدم الوقت، بدأ كرنسكي يزعج الجماهير بتصرفاته غير الرصينة، وتبجحه، وجعجعته. وفي إحدى رحلاته إلى الجبهة صرخ لمرافقه من عربته وهو يقصد إسماع الجنرالات: “اطردوا هذه اللجان الملعونة!” وعندما تقدم إلى أسطول البلطيق، طلب من اللجنة المركزية للبحارة أن تحضر إليه في مركب القيادة. وكانت التسنتروبالت جهازًا سوفييتيًّا لا يتبع الوزير؛ لذا فإنها اعتبرت هذا الأمر إهانة لها. ورد رئيس اللجنة البحار ديبنكو: “إذا أراد كرنسكي التباحث مع التسنتروبالت، فما عليه إلا أن يحضر لرؤيتنا”. أفليس في هذا وقاحة لا تحتمل من جانب البحارة؟!

وسارت الأمور بشكل سيء في المراكب التي بدأ كرنسكي أحاديثه السياسية فيها مع البحارة، وخاصة عندما تحدث مع بحارة المركب ريسبوبليكا (الجمهورية) المفعمين، بالمشاعر البلشفية، والذين استجوبوا الوزير نقطة أثر أخرى. لِمَ صوّت في دوما الإمبراطورية لصالح الحرب؟ لِمَ وضع توقيعه على مذكرة ميليوكوف الإمبريالية في 21 أبريل (نيسان)؟ لِمَ أعطى نواب القيصر راتبًا تقاعديًّا سنويًا يعادل 6 آلاف روبل؟ ورفض كرنسكي الإجابة على هذه الأسئلة اللئيمة التي يطرحها رجال “لم يكونوا من أصدقائه”. وأعلن البحارة بلا مواربة بأن تفسيرات الوزير “غير كافية…”، وغادر كرنسكي المركب وسط صمت كصمت المقابر. وقال المحامي الراديكالي وهو يعض النواجذ غيظًا “عبيد ثائرون!” وأحس البحارة بالفخر: “نعم. لقد كنا عبيدًا، ثم ثرنا!”.

وكانت لا مبالاة كرنسكي إزاء الرأي العام الديمقراطي تثير في كل خطوة شبه صراعات مع الزعماء السوفييت السائرين على سبيله نفسه، مع فارق واحد هو التفاهم أكثر منه نحو الجماهير. ومنذ 8 مارس (آذار) أحست اللجنة التنفيذية بالموقف من احتجاجات القاعدة. فأعلمت كرنسكي بأن إطلاق سراح رجال الشرطة الموقوفين أمر غير مقبول. وبعد عدة أيام وجد التوفيقيون أن عليهم أن يحتجوا ضد نية وزير العدل بإرسال العائلة الإمبراطورية إلى إنكلترا، وبعد أسبوعين أو ثلاثة أسابيع، طرحت اللجنة التنفيذية المسألة العامة المتعلقة “بتنظيم العلاقات” مع كرنسكي. ولكن هذه العلاقات لم تنظم، وما كان من الممكن تنظيمها.

وظهرت مسألة الحزب بصورة غير ملائمة بشكل مماثل. ففي مؤتمر الاشتراكيين – الثوريين المنعقد في مطلع يونيو (حزيران)، اضطر كرنسكي لدخول “البالوتاج” في انتخابات اللجنة المركزية، نظرًا لحصوله على 135 صوتًا من أصل 170. وكم تحرك الزعماء، وهم يحاولون أن يشرحوا في كل مكان “بأن الرفيق كرنسكي لم ينجح في كثير من الانتخابات، لأنه كان مثقلاً بالمهمات والمشاغل”. والحقيقة أنه إذا كان الاشتراكيون – الثوريون في مقر القيادة، والوزارات يعبدون كرنسكي كنبع من منابع الإفادة، فإن الاشتراكيين – الثوريين القدامى المرتبطين مع الجماهير كانوا ينظرون إليه بشك، ودونما تقدير. ولكن لم تكن اللجنة التنفيذية أو الحزب الاشتراكي – الثوري قادرين على الاستغناء عن كرنسكي؛ فقد كان ضروريًّا كحلقة اتصال للائتلاف.

وكان الدور القيادي في الكتلة السوفييتية بيد المناشفة: الذين كانوا يصيغون القرارات، أي الوسائل اللازمة لتمييع الأفعال. وكان للشعبيين في الجهاز الحكومي تفوق ملحوظ على المناشفة. وكان هذا التفوق يظهر بكل وضوح بسيطرة كرنسكي. لقد كان كرنسكي نصف كاديت، نصف اشتراكي – ثوري، ولذا فإنه لم يكن في الحكومة ممثلاً عن السوفييت مثل تسيريتلي وتشيرنوف، بل كان رباطًا حيًا بين البرجوازية والديمقراطية. وكان تسيريتلي – تشيرنوف يمثلان أحد مظاهر الائتلاف على حين كان كرنسكي التجسيد الشخصي الكامل للائتلاف نفسه. وكثيرًا ما اشتكى تسيريتلي من زيادة “الدوافع الفردية” عند كرنسكي، دون أن يفهم بأنها لا تنفصل عن وظيفته السياسية. ولقد نشر تسيريتلي عندما كان وزيرًا للداخلية منشورًا حول موضوع المفوض الإقليمي الذي ينبغي عليه أن يستند إلى كافة “القوى الحية” المحلية؛ أي إلى البرجوازية والسوفييتات، وأن يطبق سياسة الحكومة المؤقتة دون الخضوع “لتأثيرات الأحزاب”؛ أي أن على هذا المفوض المثالي أن يعلو فوق الطبقات والأحزاب المعادية ليجد روح مهمته داخل نفسه، وفي كلمات المنشور الرسمي، وهو يشبه في هذه الحالة كرنسكي، ولكن على مستوى الإقليم أو المنطقة. ولتتويج هذا الجهاز كله، كانت الحكومة بحاجة تامة لمفوض عموم روسيا المستقل، القابع في قصر الشتاء. ولو لم يكن هناك كرنسكي، لكان النظام التوفيقي أشبه بقبة كنيسة بلا صليب.

وتاريخ صعود كرنسكي مليء بالدروس والعبر. لقد غدا وزيرًا للعدل بفضل ثورة فبراير (شباط) التي كان يخشاها. وجاءت مظاهرة إبريل (نيسان) التي قام بها “العبيد الثائرون” وجعلت منه وزيرًا للحربية والبحرية. وأدَّت أحداث يوليو (تموز) التي أثارها “عملاء ألمانيا” إلى وضعه على رأس الحكومة. ولما اندلعت حركة الجماهير في بداية سبتمبر (أيلول) غدا رئيس الحكومة قائدًا أعلى للقوات المسلحة. إن جدلية النظام التوفيقي وسخريته الخبيثة تتمثلان في أن ضغط الجماهير رفع كرنسكي إلى أعلى قمة قبل أن يعمل على قلبه.

وأبعد كرنسكي باحتقار الشعب الذي قدم له السلطة، ولم يعد يبحث بشغف إلا عن دلائل الموافقة القادمة من المجتمع المثقف. ومنذ الأيام الأولى للثورة، تحدث الدكتور كيشكين أحد زعماء الكاديت في موسكو، بعد عودته من بتروغراد بقوله: “لو لم يوجد كرنسكي، لما حصلنا على ما نملكه الآن. إن اسمه سيكتب على لوحة التاريخ بحروف من ذهب”، وغدا مديح الليبراليين واحدًا من أهم المقاييس السياسية لكرنسكي، ولكنه لم يكن راغبًا أو قادرًا على وضع كل شهرته تحت قدمي البرجوازية وحدها. بل كان يرغب بصورة متزايدة برؤية كافة الطبقات عند قدميه. ويقول ميليوكوف: “ومنذ بداية الثورة كان كرنسكي يستخدم فكرة مجابهة ممثلي البرجوازية مع ممثلي الديمقراطية، لتأمين التوازن بينهم. وعمل هذا الاتجاه ولا شك طوال مدة وجوده التي قضاها بين المكتب الليبرالي، والحلقات السرية. ولقد أكد كرنسكي لبوكانان بأدب جم بأن “السوفييت سيموت ميتة طبيعية”، على حين كان يخيف زملاءه البورجوازيين في كل لحظة من غضب السوفييت. وعندما يختلف مع زعماء اللجنة التنفيذية، ويتأزم الموقف، كان كرنسكي يهدد الزعماء بكارثة رهيبة: استقالة الليبراليين.

وكثيرًا ما ردد كرنسكي بأنه لا يود أن يكون مارات الثورة الروسية، وكان يعني بذلك أنه يرفض اتخاذ تدابير حازمة ضد الرجعية، ولكنه لن يتردد عن ضرب “الفوضى”. وهذه هي بصورة عامة أخلاقيات أعداء العنف في السياسة: إنهم يرفضونها طالما أنها تتعلق بتعديل ما هو موجود، ولكنهم لا يترددون عن استخدام أشد أنواع العنف عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن النظام.

وفي فترة إعداد الهجوم على الجبهة، غدا كرنسكي الشخص المفضل عند الطبقات المالكة. وكان تيريشتشنكو يتحدث في كل مجال عن تقدير حلفائنا الكبير “لجهود كرنسكي”. وكانت صحيفة الكاديت: الريتش تشير بلا انقطاع إلى تفضيلها لوزير الحربية رغم حملاتها القاسية على التوفيقيين. ويعترف رودزيانكو نفسه “إن هذا الشاب… يعمل كل يوم بجهد مضاعف في سبيل خدمة الوطن، ومن أجل العمل البنَّاء”. وكان الليبراليون يودون تدليل كرنسكي بمثل هذه الأحكام. ولم يكن بوسعهم في النهاية أن لا يروا بأن كرنسكي يعمل من أجلهم. ويتساءل لينين: “… فكروا قليلاً ماذا كان من الممكن أن يحدث لو أن غوتشكوف أصدر الأوامر بالهجوم، وحل الأفواج، واعتقل الجنود، ومنع المؤتمرات، وهاجم الجنود، وعاملهم بازدراء “كجبناء” …إلخ. ولكن بوسع كرنسكي حتى الآن أن يتصرف بهذا الشكل، طالما أنه لم يبدد الثقة التي منحه إياها الشعب، والتي تتدهور في الحقيقة بسرعة مذهلة…”.

وجاء الهجوم الذي رفع سمعة كرنسكي بين صفوف البرجوازية فدمر سمعته نهائيًّا وسط الشعب. وكان سقوط الهجوم سقوطًا مريعًا لكرنسكي في كلا المعسكرين. والغريب في الأمر أن اتهامه من قبل الطرفين جعله منذ تلك اللحظة شخصًا “لا يُستغنى عنه”. ويتحدث ميليوكوف عن دور كرنسكي في خلق الائتلاف الثاني فيقول: “لقد كان الشخص الوحيد الممكن” ولكنه، لم يكن ويا للأسف “الشخص الذي نحتاج إليه…”. والحقيقة أن زعماء السياسة الليبرالية لم يحملوا كرنسكي محمل الجد أكثر مما يستحق. وكانت أوساط البرجوازية العريضة تحمّله بصورة متزايدة مسئولية كافة العثرات. ويرى ميليوكوف أن “فقدان صبر المجموعات المشبعة بالروح الوطنية” كان يدفعها إلى البحث عن رجل قوي. ولقد اختير الجنرال كولتشاك خلال فترة من الزمن للقيام بهذا الدور. ولكن وضع رجل قوي في سدة الحكم “يتم بوسائل أخرى غير المباحثات والاتفاقات”. وبوسعنا أن نعتقد بهذا القول دونما صعوبة. ويكتب ستانكيفيتش عن حزب الكاديت ما يلي: “لقد سقطت آماله المتعلقة بالنظام الديمقراطي، والإرادة الشعبية، والمجلس التأسيسي. أفلم تعطي الانتخابات البلدية في كافة أرجاء روسيا الأكثرية الساحقة للاشتراكيين؟… ولذا فإن البحث جار وسط الخوف والقلق عن سلطة قادرة لا على الإقناع، بل على إعطاء الأوامر فقط” أي عن سلطة تستطيع الإمساك بخناق الثورة.

وإذا ما درسنا حياة كورنيلوف، وخصائص شخصيته، لم نكتشف بسهولة الصفات التي تبرر ترشيحه لدور المنقذ. ويتحدث الجنرال مارتينوف الذي كان في زمن السلم رئيس مصلحة كورنيلوف، وكان خلال الحرب زميله في الأسر داخل قلعة نمساوية، ويصف كورنيلوف بالتعابير التالية: “إنه يمتاز بدأبه وإصراره، وبقسط كبير من الغرور. وكان من الناحية الفكرية رجلاً متوسطًا عاديًّا محرومًا من سعة الأفق”، ويحكم مارتينوف على كورنيلوف ويصفه بصفتين هامتين هما: الشجاعة الشخصية، والنزاهة. وتبدو مثل هاتين الصفتين بكل جلاء في وسط يُنهب الناس فيه بلا ضوابط، ويهتم كل فرد فيه بالأمن الشخصي قبل أي شيء آخر. أما بالنسبة للقدرات الإستراتيجية أي إمكانات تقييم وضع ما بمجمله، وبكافة عناصره المادية والمعنوية، فقد كان كورنيلوف محرومًا منها بشكل كامل. ويقول مارتينوف: “وبالإضافة إلى ذلك فإنه لا يحسن التنظيم، كما أن شخصيته الغاضبة غير المتزنة كانت تجعله غير ملائم للأعمال المعقولة، أما بروسيلوف الذي راقب مجمل النشاط العسكري لمرءوسه خلال الحرب العالمية، فقد تحدث عنه بازدراء أكيد “أنه قائد مفرزة أنصار جسورة، ولا شيء أكثر من ذلك…”.

وجاءت الأسطورة المختلفة حول فرقة كورنيلوف من حاجة الرأي العام الوطني لاكتشاف بقع مضيئة فوق قاع مظلم. ويقول مارتينوف: “تمت إبادة الفرقة 48 بسبب القيادة التافهة… لكورنيلوف نفسه، الذي… لم يعرف كيف ينظم التراجع، والذي بدل قراراته باستمرار، وأضاع وقتًا ثمينًا…”. وفي آخر لحظة، ترك كورنيلوف فرقته التي دفعها إلى الهجوم، وسلَّم أمرها للأقدار، وحاول النجاة بنفسه من الأسر. ومع هذا فقد وقع الجنرال سيئ الحظ أسيرًا بيد النمساويين بعد أن تسكع في المنطقة خلال 4 أيام، ثم فرَّ من الأسر فيما بعد. “وعندما عاد كورنيلوف إلى روسيا، تحدث مع مراسلي عدة صحف، فجمَّل صورة هروبه بزهور حية من وحي الخيال”. ولن نقف هنا عند التصحيحات الملموسة التي أدخلها على هذه الأسطورة شهود مطلعون موثوقون. ويبدو أن كورنيلوف بدأ منذ هذه اللحظة يتذوق الدعاية الصحفية.

وكان كورنيلوف قبل الثورة ملكيًّا رجعيًّا ميَّالاً للمائة السود. وكان يقول بعد قراءة الصحف وهو في الأسر أنه يتمنى “لو يشنق بكل سعادة غوتشكوف وميليوكوف وأمثالهما”. ولم تكن الأفكار السياسية تشغله -أو تشغل هذا النوع من الرجال- إلا ضمن الحدود التي تؤثر بها عليه شخصيًّا. وأعلن كورنيلوف بعد ثورة فبراير (شباط) بكل بساطة أنه جمهوري. ويتحدث مارتينوف عنه فيقول: “كان يميز بصعوبة وبشكل سيئ جدًا المصالح المتشابكة لمختلف شرائح المجتمع الروسي، ولا يعرف التجمعات القائمة أو الأحزاب أو الشخصيات”. وكان المناشفة، والاشتراكيون – الثوريون، والبلاشفة يختلطون لديه داخل كتلة معادية تمنع القيادة من ممارسة دورها القيادي، وتمنع الملاكين من التمتع بأملاكهم، والصناعيين من متابعة الإنتاج، والتجار من البيع والشراء بحرية.

ومنذ 2 مارس (آذار) تعلَّقت لجنة دوما الدولة بالجنرال كورنيلوف، وطالبت القيادة العليا ببرقية وقعها رودزيانكو أن تعين “البطل النبيل، المشهور في روسيا كلها، كقائد أعلى لقوات منطقة بتروغراد العسكرية. وكتب القيصر الذي لم يعد قيصرًا، على برقية رودزيانكو كلمة “موافق”. وهكذا حصلت العاصمة الثورية على جنرالها الأحمر الأول. وتذكر محاضر جلسة اللجنة التنفيذية في يوم 10 مارس (آذار) هذه الجملة حول كورنيلوف: “جنرال من المدرسة القديمة، يود وضع نهاية للثورة”. ولقد حاول الجنرال في الأيام الأولى أن يظهر وجهه الجيد، وفعل ذلك مع شيء من الضجيج، وقام باعتقال القيصرة؛ وسُجل ذلك كنقطة جيدة لصالحه. وتقول مذكرات العقيد كوبيلينسكي الذي عينه كورنيلوف قائدًا لتساركويه – سيلا أن الجنرال كان يلعب ورقتين مختلفتين. ويقول العقيد كوبيلينسكي: وبعد أن قدم إلى القيصرة “قال كورنيلوف لي: اتركنا لوحدنا أيها العقيد، اذهب وابق على الطرف الآخر من الباب؛ فخرجت. وبعد خمس دقائق استدعاني كورنيلوف، فدخلت، ومدت القيصرة لي يدها مصافحة..” والأمر واضح كل الوضوح، لقد قدم كورنيلوف العقيد للقيصرة كصديق. وتشير المذكرات بعد ذلك إلى مشاهد العناق والتقبيل بين القيصر و”سجانه” كوبيلينسكي. وظهر كورنيلوف عاديًّا بل وأقل من عادي في عمله كإداري. ويكتب ستانكيفيتش عن هذا فيقول: “كان مساعدوه المباشرون في بتروغراد يشتكون دائمًا من عدم أهليته للعمل، وإدارة الأعمال”.

ولم يبق كورنيلوف في العاصمة طويلاً. ولقد حاول سفك دماء الثورة بدفع من ميليوكوف خلال أيام أبريل (نيسان)، ولكنه اصطدم بمقاومة اللجنة التنفيذية، فاستقال، وحصل على قيادة أحد الجيوش، ثم وصل إلى منصب قائد الجبهة الجنوبية الغربية. وقبل أن يصدر القانون الذي يعيد عقوبة الإعدام إلى الجيش، أصدر كورنيلوف أمرًا بإعدام الهاربين، وعرض جثثهم على الطريق، مع لوحة تشير إلى جريمتهم، وهدد بإنزال أقصى العقوبات بالفلاحين الذين يعتدون على حقوق الملاكين، وشكل كتائب الصدام، وهدد بتروغراد في كل مناسبة ملائمة. وهكذا ارتسمت حول اسمه في أعين الضباط والطبقات المالكة هالة مضيئة. وبدأ بعض مفوضي كرنسكي يقولون لأنفسهم: لم يعد هناك أي أمل إلا بكورنيلوف. وبعد عدة أسابيع، أصبح الجنرال المقاتل، المتمتع بخبرة قائد كتيبة فاشل، قائدًا أعلى لملايين الرجال، ولجيش متفكك، يريد الحلفاء منه أن يقاتل حتى النصر النهائي.

وفقد كورنيلوف صوابه. وكان جهله السياسي وضيق آفاقه يجعلان منه فريسة سهلة للباحثين عن المغامرات. وكان هذا الرجل عبارة عن “قلب أسد ورأس خروف” كما وصفه الجنرال الكسييف، وفيرخوفسكي من بعده، وكان يدافع بعناد عن امتيازاته الشخصية، ولكنه يخضع بسهولة لتأثير الآخرين، طالما أن هذا التأثير يتلاءم مع تطلعه الشخصي. ويتحدث ميليوكوف عن كورنيلوف الذي يحس نحوه بالمحبة فيقول: “إنه يثق ثقة طفولية بالأشخاص الذين يعرفون كيف يمتدحونه”. وكان أقرب من يوحون بالأفكار للقائد العام، المرافق العسكري زافويكو. وهو شخص مشبوه، وملاك أراضٍ سابق، ومضارب في شئون البترول، ومغامر، ويمتلك ريشة تؤثر على كورنيلوف بشكل خاص، وكان لزافويكو في الحقيقة أسلوب أدبي رشيق حماسي لا يوقفه شيء. وكان الضابط المرافق الوكيل المسئول عن الإعلان، ومؤلف السيرة “الشعبية” لحياة كورنيلوف، ومحرر التقارير، والإنذارات، وكافة الوثائق التي تتطلب، حسب تعبير الجنرال، “أسلوبًا فنيًّا قويًّا”.

وانضم إلى زافويكو باحث آخر عن المغامرات، هو آلادين، النائب السابق في الدوما الأولى، الذي أمضى سنوات طويلة من حياته في المهجر، وكان آلادين يضع الغليون الإنكليزي دائمًا في فمه، ويعتبر أن ذلك يجعل منه إخصائيًّا في المسائل الدولية. وكان هذان الشخصيان يمثلان يد كورنيلوف اليمنى، ويؤمنان اتصاله مع بؤر الثورة المضادة. وكان جناحه الأيسر مغطى بسافينكوف وفيلونينكو؛ اللذين كانا يدعمان بكل الوسائل الرأي المبالغ الذي يحمله الجنرال عن نفسه، ويعملان ما في وسعهما لمنعه من أن يغدو قبل الأوان شخصًا غير مقبول أمام الديمقراطية. ويكتب الجنرال دينيكين في محاولة لإثارة الرأي العام: “وكان يستقبل الكثيرين من الشرفاء وغير الشرفاء والمخلصين والدجالين، والسياسيين والعسكريين والمغامرين ويقولون له بصوت واحد: “كن المنقذ”. وليس من السهل معرفة نسبة الشرفاء وغير الشرفاء. وعلى كل حال فقد كان كورنيلوف يعتقد أنه مدعو “لإنقاذ” البلاد، وهذا ما جعله فيما بعد المنافس المباشر لكرنسكي.

وكان المتنافسان يكرهان بعضهما بشكل جدي. ويرى مارتينوف أن “كرنسكي أخذ يستخدم لهجة مترفعة في حديثه مع الجنرالات. وكان الكسييف المتواضع الدءوب، وبروسيلوف الدبلوماسي يسمحان له بمعاملتهما بأسلوب فوقي. ولكن هذه المعاملة كانت غير قابلة للتطبيق إزاء كورنيلوف المغرور الأنف الحساس الذي… كان ينظر بدوره إلى المحامي نظرة استعلاء” وكان أضعف المتنافسين مضطرًا لتقديم التنازلات، وترك المجال أمام غريمه كيما يسبقه بشكل ملحوظ. وفي نهاية يوليو (تموز) صرح كورنيلوف أمام دينيكين بأن عدة دعوات جاءته من الأوساط الحكومية للدخول في الوزارة؛ فقلت لهم: “آه! كلا! إن هؤلاء السادة مرتبطون بالسوفييت إلى حد بعيد… أعطوني السلطة، وسأقوم عندها بصراع حاسم”.

وكانت الأرض تميد تحت قدمي كرنسكي وكأنها أرض رخوة من مسحوق الفحم. فأخذ يبحث كعادته عن مخرج في مجال البلاغة الخطابية، فيجمع، ويناشد، ويعلن. وجاء انتصار 21 يوليو (تموز) الشخصي فرفع كرنسكي فوق المعسكرين المتخاصمين: الديمقراطية والبرجوازية، وجعل منه شخصًا لا يُستغنى عنه. وهذا ما دفعه إلى التفكير بعقد مؤتمر الدولة في موسكو. إن من الضروري نقل كل ما يجري في قصر الشتاء وسط جو من السرية إلى مجال العلنية المكشوفة. وعلى البلاد أن ترى بعينيها بأن الأمور ستتحطم في كل مجال إذا لم يمسك كرنسكي الأعنة والسوط بيديه.

لقراءة الفصل السابق يمكن مراجعة الرابط التالي:

تاريخ الثورة الروسية (ج2): “أيام يوليو” نقطة الذُروة، وسحق المظاهرة