تاريخ الثورة الروسية (ج2): كرنسكي وكورنيلوف/ 2

0
792

ودُعي إلى مؤتمر الدولة حسب اللائحة الرسمية “ممثلو التنظيمات السياسية، والاجتماعية، والديمقراطية، والوطنية، والتجارية، والصناعية، والتعاونية، وزعماء أجهزة الديمقراطية، وكبار ممثلي الجيش، والمؤسسات العلمية، والجامعات، وأعضاء مجلس دوما الدولة”. وكان من المتوقع أن يكون عدد الحاضرين 1500 شخص. ولكن عدد الحاضرين الفعلي وصل إلى 2500 شخص. وتم التوسع وزيادة العدد لصالح الجناح اليميني. وكتبت صحيفة الاشتراكيين – الثوريين الصادرة في موسكو ملاحظة موجهة إلى حكومتها “مقابل 150 ممثلاً عن العمل ظهر 120 ممثلاً عن الطبقة التجارية والصناعية. ومقابل 100 مندوب عن الفلاحين دُعي 100 مندوب عن ملاكي الأراضي، ومقابل 100 مندوب عن السوفييت، كان هناك 300 مندوب عن دوما الدولة…” وشكَّكَت صحيفة حزب كرنسكي بأن يقدِّم مثل هذا المؤتمر للحكومة “الدعم الذي تبحث عنه”.

وجاء التوفيقيون إلى المؤتمر بدون حماس. وكانوا يقولون فيما بينهم في محاولة لإقناع بعضهم بعضًا، بأن من الضروري إجراء محاولة شريفة للوصول إلى اتفاق. ولكن كيف ينبغي التصرف إزاء البلاشفة؟ إن من الضروري منعهم بأي ثمن من الدخول في الحوار الدائر بين الديمقراطية والطبقات المالكة. وبناء على قرار خاص من اللجنة التنفيذية، حُرمت المجموعات الحزبية من حق إبداء رأيها دون موافقة بريزيديوم اللجنة. وقرر البلاشفة أن يقرءوا بيانًا باسم الحزب، وأن يتركوا المؤتمر بعد ذلك. ولكن البريزيديوم الذي كان يراقب عن كثب كل حركة من حركاتهم، طلب منهم أن يبتعدوا عن مثل هذا العمل الإجرامي. عندها سلَّم البلاشفة بلا تردد بطاقات الدخول إلى المؤتمر، وقرروا الرد بشكل آخر أكثر إقناعًا، وكان الكلام في هذه المرة لموسكو البروليتارية.

ومنذ الأيام الأولى للثورة تقريبًا، كان أنصار النظام يضعون “البلاد” الهادئة في كل مناسبة في مجابهة بتروغراد المضطرمة. وكانت دعوة المجلس التشريعي في موسكو شعارًا من شعارات البرجوازية. وكان “الماركسي” بوتريسوف، الوطني – الليبرالي ينشر الشائعات المغرضة حول بتروغراد، التي تتصور نفسها وكأنها غدت “باريس جديدة”. وكأن الجيرونديين لم يهددوا باريس القديمة بصواعقهم، ولم يفرضوا عليها أن تخفض دورها إلى 1/83 فقط! وفي يونيو (حزيران) تحدث أحد المناشفة القادمين من المناطق أمام مؤتمر السوفييتات فقال: “إن أية مدينة مثل نوفوتشيركاسك تعكس أوضاع الحياة في كافة أرجاء روسيا بشكل أفضل مما تعكسه بتروغراد”، والحقيقة أن التوفيقيين والبورجوازيين كانوا يبحثون عن الدعم لا في الأوضاع الفكرية الحقيقية “للبلاد” بل في الأوهام المطمئنة التي كانوا يخلقونها بأنفسهم. وسيصاب منظمو المؤتمر بخيبة أمل مريرة، عندما تأتي اللحظة التي يقيسون فيها نبض الرأي العام في موسكو.

إن مؤتمرات الثورة المضادة التي تتابعت منذ أول أيام شهر أغسطس (آب)، بدءًا من مؤتمر ملاكي الأراضي، وانتهاءً بالمجلس الكنسي، لم تعبئ الأوساط المالكة في موسكو فحسب، بل عبَّأت في الوقت نفسه العمال والجنود. فلقد تمت تهديدات ريابوشينسكي، ونداءات رودزيانكو، وتآخي الكاديت مع جنرالات القوزاق، تحت أنظار الطبقات الدنيا في موسكو. وتابع المحرضون البلاشفة كل هذا من خلال تقارير الصحف الساخنة. وأخذ خطر الثورة المضادة، هذه المرة، أشكالاً ملموسة، بل وشخصية. وسادت موجة من السخط في المصانع والمعامل، وكتبت صحيفة البلاشفة في موسكو: “إذا كانت السوفييتات عاجزة، فإن على البروليتاريا أن تضم صفوفها حول التنظيمات القادرة على الحياة”، وكانت في الصف الأول من هذه التنظيمات النقابات التي سيطرت على معظمها قيادة مؤيدة للبلشفية. وكان الرأي العام في المصانع معاديًا لمؤتمر الدولة لدرجة دفعت القواعد إلى التفكير بتنظيم إضراب عام، تمت الموافقة عليه دون أية معارضة تقريبًا في اجتماع ممثلي كافة خلايا تنظيم موسكو البلشفي.

وأخذت النقابات المبادهة. ورفض سوفييت موسكو الإضراب بـ364 صوتًا ضد 304 أصوات. ولكن العمال المناشفة والاشتراكيين – الثوريين، كانوا قد قرروا الإضراب في الاجتماعات الخاصة بالمجموعات الحزبية، وهم لا يطيعون سوى الانضباط الحزبي؛ لذا فإن قرار السوفييت، الذي لم يكن أعضاؤه قد تجددوا منذ مدة طويلة، كان عبارة عن قرار مأخوذ ضد رأي الغالبية الحقيقية، ولم يكن قادرًا على إيقاف عمال موسكو. وقرر مجلس قيادات 41 نقابة دعوة العمال إلى شن إضراب احتجاجي لمدة يوم واحد. ووجدت سوفييتات الأحياء نفسها إلى جانب الحزب والنقابات. وطالبت المصانع بإجراء انتخابات جديدة لسوفييت موسكو، الذي لم يتخلف عن الجماهير فحسب، بل دخل في صراع معها. وفي سوفييت منطقة زاموسكفورييش (ضاحية تقع جنوبي موسكو) طالب المندوبون بالتضامن مع لجان المصنع استبدال مندوبي سوفييت موسكو الذين ساروا “ضد إرادة الطبقة العمالية” وتمت الموافقة على هذه الفكرة بـ175 صوتًا ضد 4 أصوات، وامتناع 19 مندوبًا عن التصويت!

ومع هذا فقد كانت الليلة السابقة للإضراب مفعمة ببذور الخطر بالنسبة لبلاشفة موسكو؛ إذ كانت البلاد تسير على خطى بتروغراد، ولكن بتأخر ملحوظ. ولقد فشلت مظاهرة يوليو (تموز) من قبل في موسكو، ولم تجرؤ غالبية الحامية وغالبية العمال آنذاك على النزول إلى الشارع ومخالفة إرادة السوفييت. تُرى ماذا سيقع هذه المرة؟ وجاء الجواب مع الصباح. ولم تستطع معارضة التوفيقيين منع الإضراب من أن يكون مظاهرة عدائية قوية موجهة ضد التآلف والحكومة. وكانت صحيفة صناعيي موسكو قد كتبت قبل يومين بكل ثقة وتبجح: “على حكومة بتروغراد أن تأتي بسرعة إلى موسكو، وأن تعير أذنًا صاغيةً لصوت الأماكن المقدسة، والكنائس، وأبراج الكرملين المقدسة”، ولكن صوت الأماكن المقدسة اليوم خافت مكتوم بالصمت الذي يسبق العاصفة.

ولقد كتب بياتنتسكي أحد أعضاء لجنة موسكو البلشفية فيما بعد ما يلي: “ومرَّ الإضراب بشكل رائع. ولم يكن في المدينة أنوار أو حافلات ترام، وتوقفت المصانع، والمعامل، وورشات السكك الحديدية ومستودعاتها عن العمل. وشارك الجميع في الإضراب حتى ندل المطاعم الذين توقفوا عن العمل”، وأضاف ميليوكوف لهذه الصورة خطوطًا مأخوذة من الواقع الحي عندما كتب: “ولم يكن المندوبون المجتمعون في المؤتمر… يستطيعون ركوب حافلات الترام أو تناول الطعام في المطاعم”؛ وهذا ما ساعدهم -حسب اعتراف المؤرخ الليبرالي- على إجراء تقدير جيد لقوة البلاشفة الذين لم يشتركوا في المؤتمر. وعرفت أزفستيا موسكو أهمية مظاهرة 12 أغسطس (آب) كما يلي: “وتبعت الجماهير البلاشفة… بالرغم من قرارات السوفييتات”. وأضرب 400 ألف عامل في موسكو وضواحيها بناء على نداء وجهه الحزب الذي تلقى منذ خمسة أسابيع أشد الضربات، وتعرض زعماؤه للاعتقال، أو اضطروا للاختفاء والبدء بالعمل السري. وطرحت صحيفة البلاشفة الجديدة في بتروغراد “بروليتاري” على التوفيقيين السؤال التالي قبل أن تتعرض للمنع: “من بتروغراد إلى موسكو، ولكن أين ستذهبون بعد موسكو؟”.

وكان على سادة الوضع أنفسهم أن يطرحوا على أنفسهم هذا السؤال. فلقد اندلعت في كييف، وكوستروما، وتساريتزين إضرابات احتجاجية عامة أو جزئية لمدة يوم واحد. وساد الهياج البلاد كلها. وفي كل مكان، وفي المناطق القريبة والنائية، أعلن البلاشفة أن مؤتمر الدولة عبارة عن مؤامرة مضادة للثورة. وفي نهاية أغسطس (آب)، اكتشف الشعب بأسره محتوى هذه الصيغة.

وانتظر أعضاء المؤتمر، كما انتظرت برجوازية موسكو اندلاع مظاهرة جماهيرية مسلحة، ومناوشات، ومعارك، و”أيام أغسطس”(1) ولكن النزول إلى الشارع كان يعني بالنسبة للعمال التعرض لضربات فرسان القديس جورج، ومفارز الضباط، واليونكرز، وبعض وحدات الخيالة المتحرقة شوقًا للانتقام من المضربين. ودعوة الحامية للنزول إلى الشارع، تعني إيجاد شرخ بين صفوفها، وتسهيل عمل الثورة المضادة التي كانت تضع يدها على الزناد. ولم يطلب الحزب النزول إلى الشارع، كما أن العمال تصرفوا وفق إحساسهم الدقيق، وتجنبوا أي صدام مكشوف. وكان إضراب يوم واحد يتلاءم مع الموقف أكثر من أي شيء آخر؛ إذ لم يكن من السهل إخفاؤه كما أخفى المؤتمر بيان البلاشفة، وألقاه في سلة المهملات. وعندما غرقت المدينة في الظلام، لاحظت روسيا كلها أن اليد البلشفية تمسك بمفتاح النور. كلا، إن بتروغراد غير معزولة! ولقد حدد سوخانوف أهمية هذا اليوم بقوله: “وفي موسكو، ووسط الروح الدينية، والخضوع اللذين بُنيت عليهما آمال جسام، كشَّرت الأحياء العمالية فجأة عن أنيابها”. وهكذا عقد مؤتمر الائتلاف جلساته مع غياب البلاشفة، ووسط ثورة بروليتارية تكشر عن أنيابها.

وسخَر أهالي موسكو من كرنسكي الذي جاء إليها “لتتويج نفسه”. ولكن ما أن جاء اليوم التالي حتى حضر كورنيلوف من مقر القيادة العامة للغرض نفسه، واستُقبل الجنرال من قبل وفود عديدة، ومن بينها المجلس الكنسي. وعلى الرصيف الذي سيقف القطار عنده، قفز قوزاق التيك بأرديتهم الحمراء الفاقعة، وسيوفهم المحدودبة المشرعة، وشكلوا سياجًا من الجانبين لتأمين مروره. وألقت نسوة من المتحمسات الزهور على البطل الذي استعرض الحرس والوفود. وأنهى الكاديت روديتشيف خطاب الترحاب بقوله: “انقذوا روسيا، وسيتوجكم الشعب عرفانًا بالجميل”، وأجهش بعض الوطنيين بالبكاء. وركعت المليونيرة موروزوفا على ركبتيها. وحمل الضباط كورنيلوف على أيديهم واتجهوا به نحو الشعب.

وعندما كان القائد الأعلى يستعرض فرسان القديس جورج، واليونكرز، ومدرسة الملازمين وسرية القوزاق التي اصطفت في الساحة أمام المحطة، كان كرنسكي -وزير الحربية ومنافس كورنيلوف- يستعرض قوات موقع موسكو. وانتقل كورنيلوف من المحطة، وسار على الطريق التقليدي للقياصرة نحو كنيسة العذراء إيفيرسكايا؛ حيث قام ببعض الصلوات بحضور حاشية من التيك المسلمين المعممين بقبعات كبيرة من الفرو. وكتب القوزاق غريكوف عن ذلك بأن “هذا التصرف أكسب كورنيلوف تعاطف كافة المؤمنين في موسكو”، وكانت الثورة المضادة في هذه الفترة تحاول اكتساب الشارع. وأخذت السيارات توزع على نطاق واسع نبذة عن حياة كورنيلوف، مع صور مكبرة له. وامتلأت جدران الشوارع بإعلانات تدعو الشعب إلى تأييد البطل. وتصرف كورنيلوف وكأنه يمتلك السلطة، فاستقبل في عربته السياسيين، والصناعيين، ورجال المال. وقدَّم لهم ممثلو المصارف تقريرًا عن الحالة المالية في البلاد. ويشير الأكتوبري شيدلوفسكي إلى أمر له دلالته فيقول: “ولم يذهب إلى كورنيلوف في عربته من كافة أعضاء مجلس الدوما سوى ميليوكوف، الذي أجرته معه محادثة لا أعرف مضمونها، وسيحدثنا ميليوكوف عن نفسه فيما بعد عما دار في هذا الاجتماع، ولكنه لن يقول إلا ما يرى أنَّ من المفيد قوله.

وهكذا كان الإعداد لانقلاب عسكري يجري على قدم وساق. وكان كورنيلوف قد تعلل بدعم ريغا وأمر قبل المؤتمر بعدة أيام بتسيير أربع فوق من الخيالة باتجاه بتروغراد. وأرسلت القيادة العليا فوج قوزاق أورينبورغ إلى موسكو “لحفظ النظام”. ولكن كرنسكي تدخَّل بشكل أوقف الفوج أثناء الطريق. لقد تحدث كرنسكي بعد ذلك في شهادته أمام لجنة التحقيق الخاصة بقضية كورنيلوف، فقال: “لقد علمنا بأن الديكتاتورية ستُعلن خلال مؤتمر موسكو”. وهكذا كان القائد الأعلى ووزير الدفاع يعملان خلال احتفالات أيام الاتحاد الوطني المهيبة، على موازنة قواهما الإستراتيجية. ولكن تم الحفاظ على المظاهر إلى أبعد حد ممكن. وكانت العلاقات بين المعسكرين تتراوح بين التأكيدات الرسمية المفعمة بالود، والإعداد للحرب الأهلية.

وفي بتروغراد، ورغم تحفظ الجماهير، إذ لم تمض أيام يوليو (تموز) دون أن تترك آثارًا، جاءت من الأعلى، ومن مقرات القيادة، وهيئات التحرير، إشاعات تؤكد بدأب مسعور، الأخبار التي تتحدث عن انتفاضة فورية يعدها البلاشفة. وأصدرت تنظيمات الحزب في بتروغراد بيانًا عامًا، لفتت فيه نظر الجماهير إلى احتمال صدور دعوات تحريضية من قبل الأعداء. واتخذ سوفييت موسكو في تلك الفترة تدابيره. وخُلقت لجنة ثورية غير معترف بها بصورة رسمية عددها ستة أشخاص، وتضم مندوبين عن كل حزب سوفييتي، بما في ذلك البلاشفة. وصدر أمر سري بمنع فرسان القديس جورج والضباط واليونكرز من تشكيل السياج على جانبي الطريق الذي سيمر منه كورنيلوف. ووزع سوفييت موسكو على البلاشفة بسرعة تصاريح مرور للدخول إلى الثكنات، بعد أن حرموا من هذا الحق رسميًّا منذ أيام يوليو (تموز)؛ إذ كان هذا السوفييت يعلم بأن من المستحيل اكتساب الجنود دون مؤازرة البلاشفة.

وفي الوقت الذي كان المناشفة والاشتراكيون – الثوريون يتشاورون به مع البرجوازية حول خلق سلطة قوية ضد الجماهير الخاضعة لتوجيهات البلاشفة، كان المناشفة والاشتراكيون – الثوريون أنفسهم يتعاونون في الكواليس مع البلاشفة الذين لم يُقبلوا في المؤتمر، ويعدون الجماهير للصراع ضد مؤامرة البرجوازية. لقد عارض التوفيقيون بالأمس إجراء إضراب تظاهري، وهَا هُم اليوم ينادون العمال والجنود ويطالبونهم بالاستعداد للقتال. ولكن سخط الجماهير على التوفيقيين واحتقارها لهم لم يمنعها من الرد على النداء بتدابير قتالية أخافت التوفيقيين أكثر مما أثلجت صدورهم. وأخذت هذه الخيانة الصارخة، شكل خيانة شبه مكشوفة إزاء الحزبين، ولم يكن من الممكن قبولها، لو أن التوفيقيين تابعوا تنفيذ سياستهم بكل وعي، والحقيقة أنهم تلقوا نتائجها فقط.

وظهر دون أي شك، أن هناك أحداثًا معلقة في الجو. ولكن لم يبد أن هناك من يود القيام بانقلابه خلال أيام المؤتمر. وعلى كل حال، فإننا لا نملك أي تأكيد على الإشاعات التي ذكرها كرنسكي فيما بعد، ولا نجد لها دليلاً في وثائق التوفيقيين، أو أدبياتهم، أو ذكريات الجناح الأيمن. إذن فقد كانت الأمور تدور حول الإعدادات فقط. ويؤكد ميليوكوف -وتتطابق شهادته هنا مع تطور الأحداث فيما بعد- على أن كورنيلوف حدد لنفسه قبل انعقاد المؤتمر موعدًا لبدء العمل هو: 27 أغسطس (آب). ولم يطلع على هذا الموعد بلا ريب سوى عدد صغير من الأشخاص. واستبق أنصاف المشتركين يوم الحدث الكبير، كما هي الحالة في المواقف المماثلة. وسبقت الأقاويل كورنيلوف من كل جانب، واتجهت نحو السلطات، وبدا وكأن الضربة ستتم بين ساعة وأخرى.

ولكن الحماس الذي ساد الأوساط البرجوازية ومجموعات الضباط كان قادرًا على أن يسبب في موسكو محاولة انقلابية، أو مظاهرة مضادة للثورة تستهدف قياس القوى على الأقل. وكان الاحتمال الأكثر توقعًا هو العمل وسط عناصر المؤتمر لفصل بعض مراكز خلاص الوطن القادرة على منافسة السوفييتات، وتحدثت صحافة اليمين عن هذا الاحتمال بشكل مكشوف. ولكن الأمر لم يصل إلى هذا الحد؛ فلقد عرقلت الجماهير ذلك. ولو خطر على بال أحدهم أن يقرب ساعة الأعمال الحاسمة، لقال أمام قوة الإضراب: لن ننجح بمفاجأة الثورة وأخذها على حين غرة؛ إذ يقف العمال والجنود على أهبة الاستعداد، ولا بُدَّ من التأجيل. وهكذا ألغت الثورة المضادة كل شيء، حتى المسيرة الشعبية نحو أيقونة أيفيرسكايا، والتي أعدها رجال الدين والليبراليون بالاتفاق مع كورنيلوف.

ومنذ أن بدا للعيان بوضوح انعدام الخطر المباشر، ادعى المناشفة والاشتراكيون – الثوريون بأنه لم يحدث أي شيء خطير، ورفضوا حتى تجديد تصاريح الدخول إلى الثكنات التي منحوها من قبل للبلاشفة، رغم أن الثكنات نفسها كانت تلح وتطالب بإرسال خطباء بلاشفة. ولا شك أن تسيريتلي ودان وخينتشوك، الذي كان يرأس سوفييت موسكو آنذاك، كانوا يقولون فيما بينهم بلهجة فيها كثير من المكر: “لقد قام المور (2) بعمله”. ولكن البلاشفة كانوا يرفضون القيام بدور المور. وكانوا يستعدون لتنفيذ مهمتهم الخاصة.

لقراءة الفصل السابق يمكن مراجعة الرابط التالي:

تاريخ الثورة الروسية (ج2): كرنسكي وكورنيلوف/ 1