تاريخ الثورة الروسية (ج2): كرنسكي وكورنيلوف/ 3

0
844

يحتاج كل مجتمع طبقي لوحدة في الإدارة الحكومية. وما ازدواجية السلطة في جوهرها سوى نظام أزمة اجتماعية: إنها تحدد تجزئة الأمة وعدم تماسكها إلى حد بعيد، وتحمل في طياتها الحرب الأهلية بشكل كامن أو مكشوف. ولم يعد هناك من يود استمرار ازدواجية السلطة. بل كان الكل على العكس راغبًا بإقامة سلطة قوية، واحدة، وإرادة “من حديد”، وفي يوليو (تموز) كانت حكومة كرنسكي تمتلك سلطات غير محدودة. وكانت الفكرة آنذاك وضع سلطة “حقيقية” فوق الديمقراطية والبرجوازية المتنافستين، اللتين تضعف كل واحدة منهما الأخرى. وليست فكرة السيد الذي يرتفع فوق الطبقات شيئًا آخر سوى البروليتارية.

إذا ما غرسنا شوكتين بصورة متناظرة في سدادة، فإن السدادة تهتز بشدة لتصل في النهاية إلى التوازن ولو على رأس دبوس، ولدينا هنا الأنموذج الميكانيكي للحكم البونابارتي الأعلى. فإذا ما استثنينا الظروف الدولية، وجدنا أن درجة قوة مثل هذه السلطة محددة بثبات توازن الطبقات المتصارعة داخل البلاد. وفي منتصف مايو (أيار)، أشار تروتسكي في اجتماع سوفييت بتروغراد إلى أن كرنسكي يمثل “النقطة الرياضية للبونابارتية الروسية”. ويكشف تجريد التعريف وعدم ماديته على أن الأمر يتعلق بالوظيفة بالشخص. وفي بداية يوليو (تموز)، استقال الوزراء بناء على توجيهات أحزابهم، وتركوا لكرنسكي مهمة تشكيل سلطة جديدة. وتجددت هذه المحاولة في 21 يوليو (تموز) بشكل أشد وضوحًا. واتجهت الأحزاب المتخاصمة كلها نحو كرنسكي. وكان كل حزب منها يرى أن في كرنسكي بعض صفاته. وأقسم الحزبان على الإخلاص له. وكتب تروتسكي من السجن: “أن السوفييت الخاضع لقيادة سياسيين يخشون كل شيء لم يجرؤ على استلام السلطة. ولم يستطع حزب الكاديت الممثل لكافة شلل الملاكين الاستيلاء على السلطة أيضًا. ولم يبق إلا البحث عن توفيقي، وسيط، حَكَم”.

ويعلن كرنسكي أمام الشعب في البيان الذي أصدره باسمه ما يلي: “إنني كرئيس للحكومة… لا أجد أن من حقي الوقوف أمام فكرة أن التعديلات (في بنية السلطة)… ستزيد مسئوليتي في شئون التوجيه الأعلى”، ويقدم هذا القول بكل وضوح مثالاً عن لفظية البونابارتية. ومع هذا، وبالرغم من دعم اليمين واليسار، فإن الأمور لم تتجاوز حد اللفظية. فما هو السبب؟

لكي يرتفع الكورسيكي القصير(3) فوق الأمة الفتية البرجوازية كان لا بُدَّ أن تسوي الثورة مسبقًا معضلتها الأساسية: توزيع الأراضي على الفلاحين، وأن يتشكل من الطبقة الاجتماعية الجديدة جيش ظافر. ولم تكن الثورة في القرن الثامن عشر قادرة على السير أبعد من ذلك، ولم يكن أمامها إلا أن تتراجع. ولكن مكتسباتها تعرضت للخطر خلال هذه التراجعات، وكان لا بُدَّ من الحفاظ عليها بأي ثمن. وكان الصراع العميق الذي لم يصل بعد إلى النضج الكامل بين البرجوازية والبروليتاريا، يضع الأمة المهزوزة حتى أعماق مرتكزاتها، في وضع جد متوتر. وكان “الحَكَم” الوطني في هذه الظروف ضروريًّا. وضمن نابليون لكبار البورجوازيين إمكانية تحقيق الأرباح، وضمن للفلاحين الحفاظ على قطع الأرض التي أخذوها، وضمن لأبناء الفلاحين والمعدمين الحفاة إمكانية النهب خلال الحرب. وكان القاضي يحمل السيف بيده. ويقوم بنفسه بوظيفة المسئول عن المصادرات. وكانت بونابارتية أول بونابارت مرتكزة إلى أسس قوية.

ولم يعط انقلاب 1848 الأراضي للفلاحين، ولم يكن بمقدوره أن يفعل ذلك، ولم يكن الأمر ثورة كبيرة تستبدل نظامًا اجتماعيًّا بنظام آخر، ولكنه كان تعديلاً سياسيًّا على قواعد النظام الاجتماعي نفسه. ولم يكن وراء نابليون الثالث جيش ظافر. وكان العاملان الرئيسيان للبونابرتية مفقودين. بَيْد أنه كان هناك ظروف ملائمة أخرى، لا تقل عن هذين العاملين أهمية. إن البروليتاريا التي نمت خلال خمسين عامًا، أظهرت في يونيو (حزيران) قوتها المهددة، ولكنها ظهرت مع ذلك عاجزة عن الاستيلاء على السلطة. وكانت البرجوازية تخشى البروليتاريا كما تخشى الانتصار الدامي الذي حققته ضد هذه الطبقة. وخاف الفلاح المالك أمام انتفاضة يونيو (حزيران)، وأراد أن تحميه الدولة من هؤلاء الراغبين باقتسام أملاك الآخرين. وأخيرًا، فإن المد الصناعي الذي دام خلال عشرين سنة، تخللتها بعض التوقفات القصيرة، فتح أمام البرجوازية مصادر لا تقدر للإثراء. وكانت هذه الظروف كافية لظهور بونابارتية الخَلَف.

ولقد أشرنا من قبل أكثر من مرة إلى أن سياسة بسمارك الذي رفع نفسه “فوق الطبقات”، تتسم بملامح أكيدة من البونابارتية، تختفي تحت مظاهر الشرعية. وكان ثبات نظام بسمارك ناجمًا عن أنه جاء بعد ثورة كسيحة، وأعطى حلاً أو نصف حل للمعضلة القومية الكبيرة المتمثلة بالوحدة الألمانية، وحقق النصر في ثلاث حروب، وأعطى دفعًا لرأسمالية قوية مزدهرة. وكان هذا كافيًا للبقاء عشرات السنين.

ولم يأت سوء حظ الروس الذين رشحوا أنفسهم للعب دور بونابارت من أنهم لم يكونوا يشبهون نابليون الأول أو بسمارك، فالتاريخ يعرف كيف يستخدم البديل. ولكن حظهم السيئ جاء من أنهم وجدوا ضدهم ثورة كبيرة لم تحل بعد معضلاتها، ولم تستنفذ قواها. وكان الفلاح الذي لم يحصل على الأرض بعد يضطر تحت ضغط البرجوازية للمشاركة في حرب يدافع خلالها عن ممتلكات النبلاء. ولم تأت الحرب إلا بالهزائم. ولم يكن هناك أي أمل بانطلاقة اقتصادية، بل كان الاضطراب يسبب على العكس تخريبات دائمة. وكان تراجع البروليتاريا يستهدف ضم صفوفها. واهتزت الطبقة الفلاحية استعدادًا للقيام بآخر دفعة ضد السادة الملاكين. وانتقلت القوميات المضطهدة إلى الهجوم ضد طغيان الترويس(4). وكان الجيش الباحث عن السلام يرتبط بشكل متزايد مع العمال وحزبهم. وتدعمت الصفوف في الأسفل، على حين ساد التفتت في الأعلى. ولم يعد هناك أي توازن. وبقيت الثورة في عنفوانها، ولذا فليس من المستغرب أن تكون البونابارتية ضعيفة خائرة القوى.

لقد قارن ماركس وانجلس دور النظام البونابارتي في الصراع بين البرجوازية والبروليتاريا بدور الملكية المطلقة القديمة خلال الصراع بين الإقطاعيين والبرجوازية. وتبدو مظاهر المقارنة واضحة لا شك فيها. ولكنها لم تعد موجودة في المكان الذي يظهر فيه المحتوى الاجتماعي للسلطة. وكان دور الحَكَم بين عناصر المجتمعين القديم والجديد ممكنًا في فترة ما، طالما أن نظامي الاستغلال كانا بحاجة للدفاع عن النفس ضد المستغلين. ولكنه لم يكن من الممكن وجود وسيط “إمبراطوري” بين الإقطاعيين والأقنان. ولقد قامت البيروقراطية القيصرية بدور توفيقي لتأمين مصالح ملاكي الأرض النبلاء مع مصالح الرأسمالية الجديدة. ولكنها لم تتصرف إزاء الفلاحين آنذاك كوسيط، بل كوكيل لسلطة الطبقات المستغِلة.

ولم تكن البونابارتية حَكَمًا بين البروليتاريا والبرجوازية، بل كانت في الحقيقة سلطة البرجوازية المركزة على البروليتاريا. إن أي بونابرت يضع حذاءه العسكري على عنق الأمة، لا يستطيع إلا ممارسة سياسة حماية الملكية، والدخل، والربح. ولا تذهب خصائص النظام إلى أبعد من وسائل الحماية. ولا يقف الحارس أمام الباب، إنه جالس على السدة العالية، ولكن مهمته تبقى كما هي. وهكذا فإن استقلال البونابارتية أمر ظاهري مزيف تزييني إلى حد بعيد، وهو يأخذ المعطف الإمبراطوري رمزًا له.

لقد استغل بسمارك خوف البرجوازية من العامل، ولكنه بقي في كل إصلاحاته السياسية والاجتماعية وكيل سلطة الطبقات المالكة التي لم يخنها أبدًا. ولكن ضغط البروليتاريا المتزايد سمح له بالسمو فوق اليونكرز والرأسماليين، والقيام بدور الحَكم البيروقراطي، وكانت هذه وظيفته.

ويقبل النظام السوفييتي استقلالاً كبيرًا في السلطة بالنسبة للبروليتاريا والفلاحين. كما أنه يقبل “الحَكَمية” بين هاتين الطبقتين طالما أن مصالحهما قابلة للتوافق في نهاية المطاف، رغم أنها تخلق عددًا من الصراعات والاحتكاكات. ولكن ليس من السهل إيجاد حَكَم “إمبراطوري” بين الدولة السوفييتية والدولة البرجوازية، وخاصة في مجال مصالح الطرفين الجوهرية. إن الأسباب الدولية التي تمنع الاتحاد السوفييتي من الانضمام إلى عصبة الأمم، هي نفس الأسباب التي تستبعد في المجال الوطني إمكانية اتسام السلطة “بنزاهة” حقيقية غير مصطنعة بين البرجوازية والبروليتاريا…

ولم تكن الكرنسكية تملك قوة البونابارتية، ولكنها كانت تحمل كافة عيوبها. إنها لم ترتفع فوق الأمة إلا لتفسدها بعجزها الداخلي الخاص. صحيح إن زعماء البرجوازية والديمقراطية تعهدوا لفظًا “بإطاعة” كرنسكي، ولكن الحَكَم القوي كان يطيع في الحقيقة ميليوكوف، ويخضع بصورة خاصة لبوكانان. لقد تابع كرنسكي الحرب الإمبريالية، وحمى ممتلكات النبلاء ضد كل المحاولات، وأجَّل الإصلاحات الاجتماعية إلى وقت أفضل. ويرجع السبب في ضعف حكومته إلى أن البرجوازية كانت عاجزة عن وضع رجالها في السلطة. ومهما كانت تفاهة “حكومة الخلاص”، فإن طبيعتها: الرجعية – الرأسمالية كانت تتزايد بتزايد “استقلالها”.

ولكن فهم السياسيين البورجوازيين بأن نظام كرنسكي كان شكلاً لا يمكن الاستغناء عنه من أشكال سيطرة البرجوازية في مرحلة محددة، لم يمنع هؤلاء السياسيين من إبداء سخطهم على كرنسكي، والإعداد للتخلص منه بأسرع وقت ممكن. ولم يكن في وسط الطبقات المالكة أي خلاف حول ضرورة معارضة الحكم الوطني الذي رفعته الديمقراطية البرجوازية الصغيرة بشخص تختاره الطبقات المالكة من بين صفوفها. ولكن لِمَ اختِير كورنيلوف بالذات؟ لقد كان على المرشح القيام بدور بونابارت أن يلائم شخصية البرجوازية الروسية، المتخلفة، المعزولة عن الشعب، المتدهورة، العاجزة. ولم يكن من السهل إيجاد جنرال يتمتع بالشعبية في جيش لم يعرف سوى الهزائم. ولقد تم اختيار كورنيلوف، من بين مرشحين أقل منه صلاحية.

وهكذا لم يكن التوفيقيون قادرين على التآلف مع الليبراليين، أو الاتفاق معهم على مرشح لدور المنقذ، وكان المانع أمام كل هذا كامنًا في معضلات الثورة التي لم تجد حلاً. ولم يكن الليبراليون يثقون بالديموقراطيين، كما لم يكن الديموقراطيون يثقون بالليبراليين. ولقد فتح كرنسكي ذراعيه في الحقيقة للبرجوازية، ولكن كورنيلوف أفهم الجميع بلا تردد بأنه سيدق عنق الديمقراطية عند أول فرصة ملائمة. ولقد جاء الصراع بين كورنيلوف وكرنسكي من التطور السابق، وكان عبارة عن ترجمة عدم إمكانية تعايش ازدواجية السلطة، إلى لغة الطموحات الشخصية المتفجرة.

وكما تشكَّل بين صفوف البروليتاريا والحامية في بتروغراد في مطلع يوليو (تموز) جناح متعجل، متذمر من سياسة البلاشفة الحذرة، فقد تراكم عند الطبقات المالكة في مطلع شهر أغسطس (آب) قسط من انعدام الصبر إزاء سياسة التأجيل التي تمارسها قيادة الكاديت. وظهرت هذه الحالة الفكرية مثلاً في مؤتمر الكاديت الذي طالب البعض فيه بقلب كرنسكي. وكان انعدام الصبر يظهر بشكل أشد عنفًا خارج حزب الكاديت، داخل هيئات الأركان العسكرية؛ حيث كان الضباط يحسون بخوف دائم من الجنود، وداخل المصارف التي جرفها التضخم، وفي الإقطاعيات؛ حيث تحترق الأسقف فوق رءوس السادة الملاكين. وغدت جملة “عاش كورنيلوف” شعار الأمل واليأس، والتعطش للانتقام.

ووافق كرنسكي على برنامج كورنيلوف كله، وأخذ يناقش التفاصيل: “ليس بالإمكان القيام بكل هذا دفعة واحدة”. وأحس ميليوكوف بضرورة الانفصال عن كرنسكي فقال للمتعجلين الذين عيل صبرهم: “يبدو أن الوقت لا يزال مبكرًا”. وكما انبثق عن اندفاع جماهير بتروغراد نصف انتفاضة يوليو (تموز)، فإن فقدان الملاكين لصبرهم أوحى بتمرد كورنيلوف في أغسطس (آب). وكما وجد البلاشفة أنفسهم مضطرين للوقوف على أرض المظاهرة المسلحة لضمان النجاح، إذا كان النجاح ممكنًا، ولحماية المظاهرة على كل حال من السحق الكامل، فقد وجد الكاديت أنهم مجبرون على الوقوف فوق أرض تمرد كورنيلوف. وأننا لنجد ضمن هذه الشروط تناظرًا عجيبًا. ولكنا نجد وسط إطار هذا التناظر تعارضًا كاملاً للأهداف، والوسائل، والنتائج. ولقد كشفت لنا الأحداث ذلك فيما بعد بكل وضوح.

الهوامش

  1. على غرار أيام يوليو (تموز).
  2. Le Maure ويُقصد به عطيل “Le Maure de Venise” في رواية عطيل لشكسبير. (المعربان).
  3. نابليون بونابرت.
  4. Russification، الترويس، على غرار التعريب والتتريك… إلخ. (المعربان)

    لقراءة الفصل السابق يمكن مراجعة الرابط التالي:

    تاريخ الثورة الروسية (ج2): كرنسكي وكورنيلوف/ 2