تاريخ الثورة الروسية (ج2): مؤامرة كرنسكي جـ 1

0
265

لم يؤد مؤتمر موسكو إلا إلى زيادة خطورة موقف الحكومة، بعد أن كشف -حسب التقدير الصحيح لميليوكوف- بأن “البلاد منقسمة إلى معسكرين لا يمكن أن يتم بينهما أي صلح أو اتفاق أساسيِّ، ورفع المؤتمر روح البرجوازية، واستثار تحرّقها وانعدام صبرها. ولكنه أعطى في الوقت نفسه دفعة جديدة لحركة الجماهير. وفتح إضراب موسكو مرحلة تجمع سريع للعمال والجنود نحو اليسار. وتزايدت صفوف البلاشفة منذ هذه اللحظة بشكل لا يقاوم. ولم تعد الجماهير تعترف إلا بالبلاشفة والاشتراكيين – الثوريين اليساريين، بالإضافة إلى اعترافها الجزئي بالمناشفة اليساريين. بالإضافة إلى الاعتراف الجزئي بالمناشفة اليساريين، وأعلن التنظيم المنشفي في بتروغراد عن تطوره السياسي، وذلك عندما استبعد تسيريتلي من لائحة المرشحين لمجلس دوما البلدية. وفي 16 أغسطس (آب) أقر اجتماع الاشتراكيين – الثوريين في بتروغراد بـ22 صوتًا ضد صوت واحد المطالبة بحل اتحاد الضباط المرتبط بالقيادة العامة. وطالب بتدابير حاسمة أخرى لدرء الثورة المضادة. وفي 18 أغسطس (آب) وضع سوفييت بتروغراد مسألة إلغاء عقوبة الإعدام على جدول أعماله رغم معارضة رئيسه تشخيدزه. وقبل التصويت على المقررات سأل تسيريتلي بلهجة استفزازية: “ماذا ستفعلون إذا لم تُلغ عقوبة الإعدام بعد اتخاذكم لقرار الإلغاء. وهل ستدعون الجماهير للنزول إلى الشارع والمطالبة بقلب الحكومة؟”، ورد البلاشفة على سؤاله صارخين “نعم، سندعو الجماهير، وسنحاول قلب الحكومة”. وأجاب تسيريتلي “لقد رفعتم رأسكم الآن عاليًا”. حقًا، لقد رفع البلاشفة رأسهم مع الجماهير. وخفض التوفيقيون رءوسهم عندما رفعت الجماهير رأسها. وتمت الموافقة على إلغاء عقوبة الإعدام بالإجماع تقريبًا؛ إذ صوّت إلى جانب الإلغاء حوالي 900 عضو مقابل 4 أعضاء فقط هم: تسيريتلي، وتشخيدزه، ودان، وليبر! وبعد أربعة أيام، عُقد مؤتمر توحيد المناشفة والمجموعات المجاورة لهم؛ حيث أقرت مقررات تسيريتلي حول المسائل الرئيسية التي عارضها مارتوف. ولكن هذا المؤتمر وافق بلا مناقشة على ضرورة إلغاء عقوبة الإعدام فورًا. وصمت تسيريتلي، بعد أن فقد القدرة على مقاومة الضغط.

وجاءت أحداث الجبهة وسط المناخ السياسي المتوتر بصورة متزايدة؛ إذ خرق الألمان خط القوات الروسية قرب أيكسكول في 19 أغسطس (آب)، واحتلوا ريغا في 21. وكان تحقق نبوءة كورنيلوف، إشارة هجوم البرجوازية السياسي المتفق عليه من قبل. وضاعفت الصحافة حملتها على “العمال الذين لا يعملون أبدًا”، و”الجنود الذين لا يقاتلون البتة”. واعتُبرت الثورة مسئولة عن كل شيء؛ لقد سُلمت ريغا للعدو، وهو يستعد لتسليم بتروغراد. وكانت الحملة ضد الجيش عنيفة كالحملة التي شنتها البرجوازية قبل ستة أسابيع أو شهرين. ولكنها لم تكن هذه المرة مبررة بأي عذر. ففي يونيو (حزيران) رفض الجنود بالفعل شن الهجوم؛ إذ لم يكونوا يودون قلب الجبهة، وانتزاع الألمان من سلبيتهم، وبدء المعارك من جديد. ولكن مهاجمة ريغا تمت بمبادهة العدو، وكانت حالة الجنود الفكرية مختلفة. وظهر أن وحدات الجيش الثاني عشر المتأثرة بالدعاية الثورية أكثر من غيرها، كانت أقل الوحدات تعرضًا للهلع أمام الخطر.

ويفاخر قائد أحد الجيوش، الجنرال بارسكي، بأنه شهد تنفيذ التراجع بشكل “أنموذجي”، يختلف كل الاختلاف عن الانسحاب في غاليسيا أو بروسيا الشرقية. وقال المفوض فويتنسكي في أحد تقاريره: “تنفذ وحداتنا في قطاع خرق الجبهة مهماتها بلا تردد وبكفاءة تامة. ولكنها لا تتمتع بقوة تسمح لها بمقاومة ضغط العدو طويلاً. وهي تتراجع ببطء خطوة أثر أخرى. وتتعرض لخسائر فادحة وإنني أرى أن من الضروري الإشارة إلى كفاءة الرماة الليتونين، الذين تجمع الأحياء منهم رغم حالة الإنهاك التي يعيشونها، وعادوا إلى القتال…”.

وكانت لهجة تقرير المنشفي كوتشين رئيس لجنة الجيش أشد حماسًا: “إن حالة الجنود النفسية تثير الدهشة. وتقول شهادات أعضاء اللجنة، وضباط الوحدات، بأن قدرة المقاومة كبيرة لدرجة لم تعرف من قبل”. وبعد عدة أيام، رفع أحد مندوبي هذا الجيش نفسه تقريرًا إلى اجتماع مكتب اللجنة التنفيذية قال فيه: “ولم يكن في مؤخرة الجبهة المخروقة سوى لواء ليتوني، يتألف كله تقريبًا من البلاشفة. وما أن تلقى (اللواء) أمر الحركة، حتى تقدم بأبواقه وراياته الحمراء، وقاتل بشجاعة بالغة”. وكتب ستانكيفيتش فيما بعد بالروح نفسها، ولكن مع شيء من التحفظ فقال: “وحتى في هيئة أركان الجيش، التي تضم أشخاصًا يعملون ما في وسعهم ويعلم الجميع، لإلقاء الخطيئة على عاتق الجنود، فإنني لم أجد حالة واحدة ملموسة تؤكد عدم تنفيذ أوامر القتال، أو عدم تنفيذ أي أمر من أي نوع”. وتشير الوثائق الرسمية إلى أن بحارة الأسطول أبدوا حزمًا كبيرًا خلال عملية الإنزال عند مونسوند.

وكان يكفي لرفع معنويات القطعات، وخاصة قطعات الرماة الليتونيين وبحارة الأسطول أن يعرف الجنود والبحارة في هذه المرة بأن الأمر يتعلق مباشرة بالدفاع عن مركزين من مراكز الثورة هما: ريغا وبتروغراد. وكانت القطعات الأكثر تطورًا قد تشبعت بالفكرة البلشفية القائلة بأن “غرس الحربة بالأرض” لا يعني حل مسألة الحرب، وأن الصراع في سبيل السلم لا ينفصل عن الصراع للاستيلاء على السلطة، أي أنه لا ينفصل عن شن ثورة جديدة.

وإذا كان بعض المفوضين الخاضعين لضغط الجنرالات قد بالغوا في تقدير مقاومة الجيش، فإن من المؤكد أن الجنود والبحارة كانوا ينفذون الأوامر ويذهبون إلى الموت. ولم يكن بوسعهم أن يفعلوا أكثر من ذلك. ولكن الدفاع بمجمله لم يعد مع ذلك موجودًا. ومهما بدا لنا الأمر غريبًا، فإن الجيش الثاني عشر تعرض للمفاجأة الكاملة. وظهر النقص في كل مجال: الرجال، والمدافع، والذخائر، وأقنعة الغاز. وظهر تنظيم مصلحة الإشارة ضعيفًا بشكل كارثوي. ولقد تأجلت الهجمات نظرًا لأن الجنود المزودين ببنادق روسية كانوا يتلقون الذخيرة المخصصة لبنادق يابانية. ولم يكن الأمر يتعلق بحادث عرضي في قطاع واحد من الجبهة.

ولم يكن مغزى سقوط ريغا سرًا بالنسبة للقيادة العليا. فكيف يمكن تفسير الوضع البائس لقوى وإمكانات الدفاع في الجيش الثاني عشر؟ ويكتب ستانكيفيتش بهذا الصدد: “… عمل البلاشفة على نشر إشاعة تقول بأن المدينة سُلمت للألمان وفق مخطط مقصود؛ نظرًا لأن القيادة أرادت التخلص من هذا العش، وهذه البؤرة البلشفية. ولاقت هذه الإشاعة قبولاً داخل جيش كان أفراده يعرفون بأنه لم يكن هناك بصورة عامة أو مقاومة”، والحقيقة أن الجنرالين روسكي وبروسيلوف اشتكيا منذ ديسمبر (كانون الأول) 1916 من أن ريغا تمثل “جرح الجبهة الشمالية” و”عشًًًًًًّّّّّّا سيطرت عليه الدعاية”، وأن النضال ضد هذا الخطر لا يمكن أن يتم إلا عن طريق الإعدامات. ولا شك في أن التخلي عن عمال ريغا وجنودها لمدرسة الاحتلال العسكري الألماني، كان حلمًا داعب عددًا كبيرًا من جنرالات الجبهة الشمالية.

ولم يخطر على بال أي إنسان أن القائد الأعلى أصدر الأمر بتسليم ريغا. ولكن كافة القيادات العليا سمعت خطاب كورنيلوف، والحديث الصحفي الذي أدلى به رئيس أركانه لوكومسكي. وكان هذا كله بمثابة الأمر. وكان كليمبوفسكي قائد قوات الجبهة الشمالية، تابعًا لشلة ضيقة من شلل المتآمرين، وكان ينتظر استسلام ريغا كإشارة البدء بعمليات إنقاذ. ولو كانت الظروف طبيعية، لفضّل الجنرالات الروس فتح المواقع والقيام بقتال تراجعي. أما الآن، فقد خففت القيادة العليا مسئولياتهم، وحملت هذه المسئوليات على عاتقها. كما أن المصلحة السياسية دفعتهم على طريق الانهزامية، فلم يقوموا حتى بمحاولة دفاعية. بَيْد أن قيام هذا الجنرال أو ذاك بإضافة نشاط ضار إلى التخريب السلبي للدفاع عبارة عن مسألة ثانوية. ويصعب حلها بسبب جوهرها نفسه. ولكن من السذاجة الاعتقاد بأن الجنرالات أحجموا عن إعطاء دفعة للمصير المحدد في كل مناسبة يضمنون فيها مرور خيانتهم بلا عقاب.

ولقد أكد الصحفي الأمريكي جون ريد، الذي كان يعرف كيف يرى ويسمع، والذي ترك كتابًا خالدًا حول أيام ثورة أكتوبر، إن جزءًا كبيرًا من الطبقات المالكة الروسية، كان يفضل انتصار الألمان على انتصار الثورة. ولا يتردد في الحديث عن ذلك بشكل مكشوف. ويقدم جون ريد هذا المثل من بين أمثلة عديدة أخرى: “خلال سهرة قضيتها عند أحد تجار موسكو، سئل الحاضرون الأحد عشر عند تقديم الشاي، هل يفضلون غليوم أم البلاشفة. فأعلن عشرة منهم أنهم يفضلون غليوم” (عشرة أيام هزت العالم، الطبعة الفرنسية، ص 33). ولقد تحدث الكاتب الأمريكي نفسه عن الجبهة الشمالية مع عدد من الضباط “الذين كانوا يفضلون بصراحة الكارثة العسكرية على التعاون مع لجان الجنود” (ص 33).

أما من أجل الاتهام السياسي الذي أطلقه البلاشفة، ولم يكونوا الوحيدين الذين أطلقوه. فقد كان يكفي أن يدخل استسلام ريغا في خطة المتآمرين، وأن يأخذ موعدًا محددًا في تقويمهم. وكان من الممكن قراءة هذا بكل وضوح بين أسطر خطاب كورنيلوف في موسكو. ثم أوضحت الأحداث التي تلت ذلك هذا الجزء من القضية. ولكننا نملك بالإضافة إلى ذلك شهادة مباشرة. تتمتع بصحة كبيرة ناجمة عن شخصية صاحبها ميليوكوف الذي يقول في تاريخه: “وفي موسكو نفسها، حدد كورنيلوف في خطابه اللحظة التي لا يود بعدها تأجيل التدابير الحازمة. “لإنقاذ البلاد من الضياع، والجيش من الانحلال”. وكانت هذه اللحظة هي سقوط ريغا الذي تنبأ به… وكان يعتقد بأن هذا الحدث سيسبب ولا شك انتفاضة وطنية… ولقد صرح لي كورنيلوف شخصيًّا خلال حديثي معه في 13 أغسطس (آب) في موسكو، بأنه لا ينوي إضاعة هذه الفرصة. وكانت لحظة الصراع المكشوف مع حكومة كرنسكي ماثلة في ذهنه، بكل دقة بما في ذلك تاريخها المحدد مسبقًا في 27 أغسطس (آب). فهل يمكن التحدث بشكل أكثر صراحة؟ لقد كانت مسيرة كورنيلوف نحو بتروغراد بحاجة لسقوط ريغا بِيَد الأعداء قبل تاريخ عمليته المحددة بعدة أيام. على حين كان تدعيم مواقع ريغا، واتخاذ تدابير دفاعية جادة، يعني إلغاء خطة حملة أخرى تتمتع بالنسبة لكورنيلوف بأهمية أكبر. وإذا كانت باريس تستحق القيام بصلاة(1)،  فإن الوصول إلى السلطة يستحق التضحية بريغا.

وخلال الأسبوع الذي انقضى بين استسلام ريغا، وعصيان كورنيلوف، غدا مقر القيادة العليا مركزًا أساسيًّا لتوجيه الاتهامات ضد الجيش. ووجدت معلومات هيئة الأركان الروسية، والصحافة الروسية صداها المباشر في صحافة الحلفاء. ونقلت الصحف الوطنية الروسية بدورها وبكل سرور سخريات وإهانات التايمز، والتام، والماتان الموجهة إلى الجيش الروسي. وامتلأت جبهة الجنود بالكدر، والسخط، والغضب. وأحس المفوضون وأعضاء اللجان، وجلهم من التوفيقيين والوطنيين بأن الضربة أصابتهم في الصميم. وجاءت الاحتجاجات من كل حدب وصوب. وكان من أهم هذه الاحتجاجات الرسالة القادمة من اللجنة التنفيذية للجبهة الرومانية، ومنطقة أوديسا، وأسطول البحر الأسود. (وهي مجموعة يرمز إليها بكلمة رومتشيرود)، وطالبت هذه الرسالة اللجنة التنفيذية المركزية “أن تظهر لروسيا كلها عزة جنود الجبهة الرومانية وشجاعتهم التي لا مثيل لها، وأن توقف الحملة الصحفية ضد الجنود الذين يسقطون يوميُّا بالآلاف، في معارك ضارية، دفاعًا عن روسيا الثورية…”، وخرج القادة التوفيقيون من سلبيتهم تحت تأثير الاحتجاجات القادمة من الأسفل. وكتبت الأزفستيا عن حلفائها داخل التكتل ما يلي: “يبدو أنه ليس هناك وحلٌ لم تُلق به الصحف البرجوازية على الجيش الثوري”. ولكن كل هذا لم يعط أي تأثير. لأن محاصرة الجيش ومطاردته جزء أساسي من المؤامرة التي تقف القيادة العليا في مركزها.

وبعد سقوط ريغا مباشرة، أصدر كورنيلوف أمرًا برقيُّا بإعدام عدد من الجنود على الطريق، وتحت أنظار الجنود الآخرين، لإرهابهم وإعطائهم المثل. ورد المفوض فويتنسكي والجنرال بارسكي بأنهما يريان أن تصرفات الجنود لا تبرر مثل هذه التدابير. فثار كورنيلوف وخرج عن طوره، وأعلن في اجتماع ممثلي اللجان الموجودين آنذاك في مقر القيادة العليا، بأنه سيحيل فويتنسكي وبارسكي إلى المحاكمة، لأنهما قدما تقارير خاطئة حول الوضع داخل الجيش. أي لأنهما رفضا حسب رأي ستانكيفيتش “القاء تبعة الأخطاء على عاتق الجنود”. ولتكملة الصورة لا بُدَّ لنا أن نضيف بأن كورنيلوف أصدر لهيئات أركان الجيش في اليوم نفسه، أمرًا يقضي بوضع لوائح تتضمن أسماء الضباط البلاشفة، وتقديمها للجنة اتحاد الضباط الرئيسية، أي للتنظيم المضاد للثورة، العامل تحت رئاسة الكاديت نوفوسيلتسيف، والذي كان أهم رافعة في المؤامرة. هكذا تصرف القائد الأعلى “جندي الثورة الأول!”.

وقررت الأزفستيا كشف جزء من الستارة فكتبت: “أن ثلَّة غامضة، مقربة من الأوساط العليا إلى حد بعيد، تقوم الآن بعمل استفزازي رهيب”، وكان المقصود “بالثلة الغامضة” كورنيلوف وهيئة أركانه. وألقى برق الحرب الأهلية القادمة ضوءًا جديدًا لا على اليوم فحسب، بل على الأمس أيضًا. ولما قرر التوفيقيون الدفاع عن أنفسهم، عمدوا إلى كشف تصرف القيادة المشبوه خلال هجوم يونيو (حزيران). وتسربت إلى الصحف بصورة متزايدة معلومات تفصيلية عن الفرق والأفواج التي وجهت إليها هيئات الأركان اتهامات باطلة مُغرضة. وكتبت الأزفستيا: “ويحق لروسيا أن تصر على ضرورة كشف الحقيقة كلها حول انسحابنا في يوليو (تموز)، ولا شك في أن هذه السطور انتشرت بين الجنود والبحارة والعمال، وخاصة أولئك الذين اتهمهم الخصوم بأنهم سبب كارثة الجبهة، وزجوا بهم في السجون. وبعد يومين اضطرت الأزفستيا للتصريح بشكل أوضح بأن “القيادة العليا تلعب عن طريق بياناتها دورًا محددًا ضد الحكومة المؤقتة، والديمقراطية الثورية”. وتصور هذه السطور الحكومة المؤقتة كضحية بريئة لمؤامرات القيادة العليا. ولكننا على يقين من أن الحكومة كانت تملك كافة الإمكانات لإعادة الجنرالات إلى صوابهم، ولكنها لم تفعل ذلك، لسبب واحد هو أنها لم تشأ أن تفعل.

وتبدي الـ“رومتشيرود” سخطها البالغ في الاحتجاج المذكور آنفًا ضد عملية القمع المنصبة على الجنود بخسة وغدر فتقول: “إن معلومات هيئة الأركان… تشير إلى تصرف الضابط النبيل، ويبدو أنها تتجاهل عن وعي وتصميم إخلاص الجنود لقضية الثورة”. وظهر احتجاج الـ”رومتشيرود” في الصحافة بتاريخ 22 أغسطس (آب)، ونُشر في اليوم التالي أمر صادر عن كرنسكي مخصص لتجميد الضباط الذين “تحملوا الإقلال من حقوقهم منذ الأيام الأولى للثورة” بالإضافة إلى تعرضهم لإهانات لا يستحقونها، صادرة عن جمهرة الجنود “التي كانت تغطي جبنها تحت شعارات أيديولوجية”، وفي الوقت الذي قام به أقرب مساعدي كرنسكي من أمثال ستانكيفيتش وفويتنسكي بالاحتجاج على حملة القدح الموجهة ضد الجنود، انضم كرنسكي نفسه إلى الحملة بشكل مكشوف، وتوَّجها بأمره الاستفزازي، والذي زاد من أهميته كونه صادرًا عن وزير الحربية ورئيس الحكومة. ولقد اعترف كرنسكي فيما بعد بأنه حصل منذ نهاية يوليو (تموز)، على “معلومات دقيقة” تتعلق بمؤامرة الضباط المتحلقين حول القيادة العليا. ويقول كرنسكي بأن “اللجنة الرئيسية لاتحاد الضباط قدمت من أوساطها متآمرين فعالين. وكان أعضاؤها أنفسهم عملاء المؤامرة في المدن. ولقد حدد هؤلاء الأعضاء اللون المطلوب بالنسبة للمظاهرات الشرعية التي قام بها الاتحاد”. وهذا صحيح كل الصحة. ولكن من الأجدر أن نضيف بأن “اللون المطلوب” كان يعني الاتجاه نحو تحقير الجيش، واللجان، والثورة. وهو نفس اللون الذي اتسم به أمر كرنسكي الصادر في 23 أغسطس (آب).

كيف يمكن تفسير هذا اللغز؟ إن من المؤكد أن كرنسكي لم يمارس سياسة معقولة ومنسجمة مع نفسها. ولكن كان عليه أن يكون معتوهًا حتى يضع عنقه تحت سيف المتآمرين، ويساعدهم في الوقت نفسه على تمويه تصرفاتهم رغم علمه بمؤامرة الضباط. إن تفسير تصرفات كرنسكي هذه، والتي تبدو للوهلة الأولى خاطئة غير معقولة، عبارة عن أمر على غاية من البساطة: لقد كان هو نفسه في تلك الفترة شريكًا في المؤامرة ضد نظام فبراير (شباط) الذي وقع في مأزق لا مخرج له.

وعندما جاءت لحظة الاعترافات، أعلن كرنسكي بأن أوساط القوزاق، والضباط، والسياسيين البورجوازيين اقترحت عليه فكرة الديكتاتورية الفردية أكثر من مرة. “ولكن كل هذا سقط على أرض جدباء…”، ولكن وضع كرنسكي كان يسمح لزعماء الثورة المضادة بأن يتبادلوا معه وجهات النظر حول الانقلاب دون أن يخشوا شيئًا. ويرى دينيكين أن “أول المحادثات حول الديكتاتورية جاءت كعملية سبر بسيطة”، وبدأت في مطلع يونيو (حزيران)، أي في فترة إعداد الهجوم على الجبهة. وكان كرنسكي يحضر هذه المباحثات غالبًا. وفي هذه الحالة، كان من المعروف، وبالنسبة لكرنسكي بصورة خاصة، أنه سيكون في مركز الديكتاتورية في حالة النجاح. ويتحدث سوخانوف عنه بشكل صحيح فيقول: “لقد كان كورنيلوفيًّا، شريطة أن يكون على رأس الكورنيلوفية”. وفي أيام فشل الهجوم، قدم كرنسكي لكورنيلوف ولعدد من الجنرالات وعودًا أكبر من قدراته وإمكاناته. ويقول الجنرال لوكومسكي: “وكان كرنسكي يتحدث خلال جولاته وزيارته إلى الجبهة عن شدة البأس. ولقد ناقش مع رفاق الطريق أكثر من مرة مسألة خلق سلطة قوية حازمة، وإنشاء ديريكتوار (حكم مديرين)، أو نقل السلطة لديكتاتور”. وكانت طبيعة كرنسكي تجعله يدخل في أحاديثه عنصرًا غامضًا من الاستخفاف والهواية. على حين كان الجنرالات يحملون أفكارًا محددة بوضوح.

وأدت مشاركة كرنسكي غير الإجبارية في مباحثات الجنرالات إلى إضفاء صفة الشرعية، إذا شئنا القول، على ديكتاتورية عسكرية غالبًا ما أخذت اسم ديريكتوار على سبيل الحذر من الثورة التي لم تخمد بعد. فإلى أي مدى تم هنا التقليد التاريخي لحكومة فرنسا بعد تيرميدور؟ إن من الصعب الرد على هذا السؤال. ولكن بغض النظر عن التمويه اللفظي البحت، فقد كان الديريكتوار يمثل في البداية تسهيلاً لتقبل الخضوع المشترك للطموحات الفردية. وكان من الممكن أن يوجد داخل الديريكتوار مكان لا لكرنسكي وكورنيلوف فحسب، بل لسافينكوف أيضًا، أو حتى لفيلونينكو، وسيكون هناك بصورة عامة مكان لرجال يتمتعون “بإرادة حديدية” كما عن ذلك المرشحون لهذا الديريكتوار. وكان كل واحد منهم يغذي في أعماقه فكرة الانتقال فيما بعد من الديكتاتورية الجماعية إلى الديكتاتورية الفردية.

ولم يكن كرنسكي بحاجة للقيام بانعطاف كبير للتباحث مع القيادة العليا كمتآمر، ولم يكن عليه إلا أن يطور ويتابع ما بدأ به. وكان يرى أن بوسعه أن يوجه مؤامرة الجنرالات في الاتجاه الصحيح. وأن يجعلها تسقط لا على رأس البلاشفة فحسب، بل على رءوس حلفائه والأوصياء عليه من التوفيقيين أيضًا. وناور كرنسكي بشكل لا يكشف المتآمرين، ولكنه يخيفهم ويدفعهم إلى الدخول في لعبته. ولقد وصل في هذا المجال إلى الحد الذي يؤدي تجاوزه إلى تحويل رئيس الحكومة إلى متآمر غير شرعي. وفي مطلع سبتمبر (أيلول) كتب تروتسكي ما يلي: “كان كرنسكي بحاجة لضغط فعَّال من اليمين، ومن الشِلَل الرأسمالية، وسفارات الحلفاء، والقيادة العليا بصورة خاصة، كيما يأخذ نهائيًّا حريته الكاملة، وكان يود استخدام عصيان الجنرالات لتقوية ديكتاتوريته”.

وجاءت لحظة الانعطاف مع انعقاد مؤتمر الدولة. فلقد عاد كرنسكي من موسكو حاملاً وهم الإمكانيات اللا محدودة، مع الإحساس بالذل الناجم عن الفشل الشخصي. وقرر أخيرًا التخلص من كافة الشكوك، والظهور أمامهم بكل حجمه. أمامهم؟ أمام من؟ أمام الجميع. وخاصة البلاشفة الذين وضعوا تحت التمثيلة الوطنية الفخمة لغمًا يتمثل في الإضراب العام. بالإضافة إلى ضرورة تسديد ضربة تعيد إلى الصواب كل هؤلاء اليمنيين من أمثال غوتشكوف وميليوكوف الذين لا يأخذونه مأخذ الجد، ويسخرون من تصرفاته، ويعتبرون سلطته ظل سلطة لا أكثر. وإعطاء درس قوي “لهؤلاء الآخرين” أساتذة التوفيقية من أمثال تسيريتلي المكروه، الذي تجرأ حتى في مؤتمر الدولة على نقده وتأنيبه، رغم أنه منتخب الأمة. وقرر كرنسكي بشدة وبشكل نهائي أن يبعث للعالم أجمع بأنه ليس “الهيستيري” أو “الممثل”، أو “راقصة الباليه”، كما يصفه القوزاق وضباط الحرس بصورة متزايدة يومًا بعد يوم، ولكنه رجل حديدي، أغلق قلبه بقفل مزدوج، وألقى المفتاح في البحر، رغم توسلات حسناء مجهولة في مقصورة من مقصورات المسرح.

ويشير ستانكيفيتش إلى أن كرنسكي حاول في هذه الأيام “بذل جهد واضح للتحدث بكلام جديد يتلاءم مع قلق البلاد واضطرابها. وقرر كرنسكي… أن ينفذ في الجيش عقوبات انضباطية. ويبدو أنه كان ميَّالاً لأن يطرح على الحكومة تدابير حازمة أخرى”. ولم يكن ستانكيفيتش يعرف من نوايا رئيسه، إلا ما كان هذا الرئيس يجد أن من المفيد إعلامه به. والحقيقة أن خطط كرنسكي وصلت في هذه الفترة إلى أبعد من ذلك. فلقد قرر تسديد ضربة واحدة تدمر الأرض تحت قدمي كورنيلوف، وذلك بأن يطبق برنامج الجنرال بشكل يجعل البرجوازية ترتبط به. لقد عجز غوتشكوف عن شن الهجوم العسكري، ونجح كرنسكي في دفع القطعات إلى الهجوم. ولا يستطيع كورنيلوف تنفيذ برنامجه. ولكن كرنسكي قادر على ذلك. وذكَّره إضراب موسكو بأن كثيرًا من الحواجز ستعترض هذا السبيل، ولكن أيام يوليو (تموز) علمته بأن من الممكن الانتصار في هذا المجال أيضًا. ولكن من الضروري دفع العمل في هذه المرة إلى أبعد مدى، دون السماح للأصدقاء اليساريين بعرقلة الحركة.

وكان عليه قبل كل شيء تعديل وضع حامية بتروغراد بشكل كامل؛ استبدال الأفواج الثورية بقطعات “سليمة” لا تستمع لأوامر السوفييتات. وليس من الممكن التعامل في هذا المجال مع اللجنة التنفيذية. كما أن مثل هذا التعامل عقيم لا جدوى منه. إن الحكومة مستقلة، ولقد تُوِّجت بهذا الشكل في موسكو. والحقيقة أن التوفيقيين يعتبرون هذا الاستقلال أمرًا شكليًّا، ووسيلة لتهدئة خواطر الليبراليين. ولكن كرنسكي سيقلب الصيغة الشكلية إلى حقيقة، وليس من العبث أنه صرح في موسكو بأنه لا يقف مع اليمنيين أو مع اليساريين، وأن قوته تكمن في هذا الموقف. وعليه الآن أن يثبت ذلك بالفعل!

واستمر تباعد خطوط التصرف التي سار عليها كل من اللجنة التنفيذية وكرنسكي بعد المؤتمر؛ فلقد خاف التوفيقيون من مدِّ الطبقات المالكة. وطالبت الجماهير الشعبية بإلغاء عقوبة الإعدام في الجبهة. وأصرَّ كورنيلوف، والكاديت، وسفراء الحلفاء على إقرار هذه العقوبة حتى في المؤخرة.

وفي 19 أغسطس (آب) أبرق كورنيلوف لرئيس الوزراء – وزير الحربية بما يلي: “أصرُّ على ضرورة إخضاع منطقة بتروغراد لأوامري”، إن القيادة العليا تمد يدها إلى العاصمة بصورة مكشوفة. وفي 24 أغسطس (آب) جمعت اللجنة التنفيذية شجاعتها، وطالبت الحكومة بصورة علنية بضرورة وضع حدٍّ “للأعمال المضادة للثورة”، والبدء بتحقيق الإصلاحات الديمقراطية “دون تأخير وبكل فاعلية”. وكان هذا القول لغة جديدة. وكان على كرنسكي أن يختار بين تبني خط ديموقراطي، يؤدي رغم كل ضعفه إلى القطيعة مع الليبراليين والجنرالات، أو السير وفق برنامج كورنيلوف بشكل يدخله في صراع محتوم مع السوفييتات. وقرر كرنسكي أن يمد يده لكورنيلوف، والكاديت، والحلفاء؛ إذ كان يبغي تحاشي الصراع المكشوف مع اليمين بأي ثمن.

وفي 21 أغسطس (آب)، صدر أمر يقضي بإيقاف شقيقي القيصر ميخائيل الكسندروفيتش وبولص الكسندروفيتش في مكان إقامتهما، ووضع عدد من الشخصيات بهذه المناسبة تحت المراقبة. ولكن كل هذه التصرفات كانت لا تتمتع بأية جدية. واضطرت الحكومة فيما بعد إلى إطلاق سراح السجناء. ولقد قال كرنسكي فيما بعد خلال شهادته حول قضية كورنيلوف: “… يبدو أننا وُجِّهنا عن قصد للسير على طريق خاطئة”، وهنا لا بُدَّ من أن نضيف: بمساعدة كرنسكي نفسه؛ إذ كان من الواضح بالنسبة للمتآمرين الجادين، أي بالنسبة للنصف اليميني من أعضاء مؤتمر موسكو، أن الحركة لا تستهدف أبدًا إعادة الملكية، بل تستهدف إقامة ديكتاتورية البرجوازية فوق الشعب. ولذا فقد كان كورنيلوف وكافة أتباعه يرفضون بسخرية كل الاتهامات المتعلقة بمخططات “مضادة للثورة”، أي بمخططات ملكية.

لقراءة الفصل السابق يمكن مراجعة الرابط التالي:

تاريخ الثورة الروسية (ج2): كرنسكي وكورنيلوف/ 3