نصف قرن من الانتصارات التكتيكية والهزائم الاستراتيجية

0
157

 

 

 

كيف يمكن شرح أنه في العام 1993، أو 1994، أو 1995 أظهرت البيانات أنه تمت استعادة الرأسمالية، ولكن في صفوف وملفات الحركة التروتسكية أعلن أن الرأسمالية لم تستعاد؟ علاوة على ذلك، كيف يمكن شرح أنه داخل الحركة التروتسكية، حتى اليوم، مازالت هناك تيارات تقول إن الاتحاد السوفييتي السابق استمر في كونه دولة عمالية؟

محاولة إيجاد إجابة موضوعية لن تكون مثمرة. من الضرورة فهم أن أكثر التحاليل موضوعية سيرزح دوما تحت وطأة الذاتية. وقد ثبت أنه كان من الصعب على التروتسكيين أن يكونوا موضوعيين لتحليل دول العمال السابقة وخاصة الاتحاد السوفييتي السابق.

الستالينية طالما قدمت نفسها كالمدافع الأعظم عن الاتحاد السوفييتي وصورت التروتسكية على أنها ثورة مضادة، وعدوة لدولة العمال، وعميلة.. الخ. ولكن الواقع كان مغايرا تماما. في الوقت الذي دمر فيه الستالينيون دول العمال، قدم التروتسكيون أرواحهم دفاعا عن الاتحاد السوفييتي، وعلقوا كل آمالهم على تجديده الثوري. لذا لم يكن من السهل القبول بأنه لم تعد هناك إنجازات لثورة أوكتوبر.

على أية حال، هذا الجانب العاطفي كان يتغذى جزئيا على إدراك خاطئ للأحداث المتعلقة بالصراع الطبقي للنصف الثاني من القرن العشرين.

مع نويل مورينو قلنا مرارا إننا عشنا ثلاثين عاما من الانتصارات الثورية العظيمة. منذ 1943 مع هزيمة النازية في ستالينغراد، شهدنا أعظم نهضة ثورية على الإطلاق. (مورينو، 1980). بشكل عام، الشيء الوحيد الذي تبقى هو الانتصارات الثورية العظيمة. (مورينو، 1991). إلى جانب هذا قلنا إن دول العمال الموجودة في ذلك الوقت كانت بيروقراطية ولكنها مثلت انتصارات عظيمة للعمال ولحركة الجماهير حول العالم. (مورينو، 1980). كيف يمكن شرح أنه في المرحلة التي لم يبق بها سوى الانتصارات الثورية، ضاعت الانتصارات العظمى للعمال وحركة الجماهير حول العالم؟

هذا كان تناقضا وجعلنا لا شعوريا نحاول تجاوزه عبر تكييف الواقع وفق مخططاتنا التحليلية. أعلنا لسنوات عدة أنه لم تكن هناك استعادة للرأسمالية وأننا نتعامل مع سياسة اقتصادية جديدة، أو أن استعادة الرأسمالية تم إغراقها.

هل كان هناك تناقض فعلي بين النصف الثاني للقرن العشرين وبين استعادة الرأسمالية؟ لا، لم يكن هنالك تناقض. التناقض لم يكن على أرض الواقع، بل كان في تحليلنا.

أصبنا في قولنا إن المرحلة التي بدأت عام 1943 شهدت أعظم صعود ثوري في التاريخ. وحده هذا الصعود العظيم يمكنه تفسير قيام ثلث البشرية بتجريد البرجوازية من أملاكها. كما نجحنا أيضا بشرح أن هذه الدول البيروقراطية كانت انتصارا عظيما للطبقة العاملة حول العالم. ولكننا كنا مخطئين عندما قلنا إن الشيء الوحيد الذي انتصر وبقي كان الإنجازات الثورية.الواقع أثبت العكس برؤية العالم من منظور الثورة الإشتراكية الأممية (كما ينبغي على كل ماركسي)، فإنه منذ 1943 تحققت إنتصارات ثورية عظيمة، ولكن كانت طبيعتها تكتيكية، بينما الهزائم، والتي كانت كثيرة، كان لها طبيعة استراتيجية. برؤية العالم على هذا النحو، لا يوجد تناقض مع مرحلة الصعود العظيم واستعادة الرأسمالية في الاتحاد السوفييتي السابق وبقية دول العمال.

هذه المرحلة في الصراع الطبقي استهلت بنصر عظيم، هزيمة النازية في ستالينغراد عام 1943، ولكنها بدأت أيضا بهزيمة كبرى على البعد الاستراتيجي، تحلل الأممية الثالثة في ذات السنة. ما وجه ضربة قاضية للأممية البروليتارية التي مازالت متبقية في وعي الطبقة العاملة حول العالم، رغم بيروقراطية الأممية الثالثة.

بعد الحرب العالمية الثانية، حدثت انتصارات ثورية هامة. من بينها تجريد الرأسمالية في أوروبا الشرقية، وفيتنام، وكوريا، والصين، الدولة الأكثر كثافة سكانية في العالم. ولكن نتيجة لدور قياداتهم، لم تصبح هذه الانتصارات، بخلاف الثورة الروسية، روافع للثورة العالمية. لذا، كانت انتصارات تكتيكية، وكما قال نويل مورينو (1980)، تجريد البرجوازية وملاك الأرض القوميين مسألة تكتيكية لدكتاتورية البروليتاريا الثورية.

في تلك الفترة، كان هناك هزيمة هامة. ستالين وافق على تقسيم العالم مع الإمبريالية ومن هنا سلم السطة للبرجوازية في البلدان الرئيسية كإيطاليا، واليونان، وفرنسا. في هذا البلد الأخير (الذي تنبأ ماركس بأن الثورة الإشتراكية قد تبدأ فيه) العمال، بقيادة الحزب الشيوعي، قادوا المقاومة ضد الاحتلال النازي. بعد هزيمة النازية، ستالين أرغمهم على تسليم سلاحهم للبرجوازية، وبهذا فقدت فرصة بلوغ الثورة الإشتراكية مركز الإمبريالية والطبقة العاملة للعالم. وبسبب هذه السياسة شهدت الطبقة العاملة الأوروبية ارتدادا عميقا. بلا شك كان هذا هزيمة استراتيجية. تروتسكي وصل إلى استنتاج أنه لا بد من القيام بثورة جديدة في الاتحاد السوفييتي، بسمة سياسية وليست اجتماعية، لنزع البيروقراطية عن السلطة. العملية بدأت عام 1953 في ألمانيا الشرقية بإضراب العمال في برلين، واستمرت في هنغاريا، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا، وبولندا مجددا. كانت سلسلة من المعارك الاستراتيجية حيث كانت قيادة الطبقة العاملة حول العالم على المحك للمعركة الأخيرة ضد الإمبريالية. بهذا المعنى كانت أم المعارك الإستراتيجية، ولكنها انتهت بهزيمة كبرى، لذا تركوا الطبقة العاملة وشعوب تلك البلدان طريحة

الفراش.

في النهاية، من الضرورة تذكّر أن تدمير الأممية الرابعة تم في تلك المرحلة. بالنسبة للكثيرين قد تكون هذه الحقيقة أقل أهمية، ولكنها ليست كذلك. تأسيس الأممية الرابعة كانت المهمة الأكثر أهمية التي تولاها تروتسكي. لذا فإن دمار الأممية الرابعة لا ينبغي أن يعتبر مسألة بسيطة. وهذا قد تم التعبير عنه تراجيديا في الأحداث الأخيرة بأوروبا الشرقية. عندما نهضت جماهير دول العمال السابقة وأسقطت البيروقراطيات الداعمة لاستعادة الرأسمالية، لم يكن لديها بديل قيادي ثوري. كان هذا هو دور الأممية الرابعة، التي تدمرت مع الأسف.

القول بأن مرحلة الصعود الأعظم في التاريخ كانت أيضا مرحلة هزائم استراتيجية قد يبدو بدعة اليوم، ولكن فعليا هذا ما طوره مورينو استنادا إلى أعمال تروتسكي العميقة. منذ الحرب الإمبريالية الأولى، عندما بدأ عهد الأزمة النهائية للإمبريالية والرأسمالية، في عهد الثورة الإشتراكية، تغيرت العلاقات العفوية للأحداث التاريخية. فيما يتعلق بعلاقة العصور التاريخية العظيمة والتطور الطبيعي للمجتمعات، وقعت الماركسية تحت تهديد قدرتها على الإستمرار، ما يفسر الظاهرة بأسرها هي الصيرورات الإقتصادية، ولكن في عهد الثورة والأزمة، كان لهذا القانون انحراف خاص، عكس علاقات عفوية، محولا أكثر العوامل ذاتية – القيادة الثورية – إلى قضية جوهرية لكافة الظواهر الأخرى، بما فيها الإقتصادية. عواقب تاريخية جوهرية لهذا القلب في الخط العفوي للأحداث التاريخية ستنعكس في دياليكتيك الإنتصارات والهزائم لبروليتاريا العالم. يمكننا صياغة هذا القانون كالتالي: طالما لم تتجاوز البروليتاريا أزمتها فيما يتعلق بالقيادة الثورية، لا يمكنها هزيمة الإمبريالية العالمية. لذا فإن كل النضالات ستمتلئ بانتصارات ستقود لا محالة إلى هزائم كارثية. وطالما أن أجهزة الثورة المضادة مازالت تقود حركة الجماهير، سيتحول النصر الثوري حتما إلى هزيمة. (مورينو، 1980).

بتحليل النصف الثاني للقرن العشرين، مع تحليل مورينو (عوضا عن الجزء الأخير الذي سبق وأن أشرنا إليه) كل شيء سيكون أكثر وضوحا، حتى استعادة الرأسمالية.

منذ 1943 كانت هناك انتصارات ثورية كبيرة، ولكن أزمة القيادة الثورية بقيت وتعمقت. وهذا قاد، في عدة مناسبات، إلى هزائم كارثية تحدث عنها مورينو (والتي نسميها اليوم “هزائم استراتيجية”)، وقد خلقت هذه الهزائم تحديدا ظروف استعادة الرأسمالية.

تجريد الرأسمالية من أملاكها في ثلث البشرية قوّت دول العمال. ولكن هذا كان ظرفيا لأنه لم يكرس لخدمة الثورة الإشتراكية العالمية. من جهة أخرى، اتفاقية الثورة المضادة بين ستالين والإمبريالية العالمية، وتحديدا تسليم السلطة في الدول المركزية، ترك دول العمال تلك معزولة، ما أحدث تراجعا اقتصاديا دائما منذ الستينيات. الدول الشرقية كان لديها بديلين قبل أزماتها: كان بإمكانها استعادة طريق الثورة الروسية، بعبارة أخرى الثورة العالمية، أو الذهاب مباشرة إلى استعادة الرأسمالية. الطريق الأول يمكن عبوره فقط على جثة البيروقراطية. هذا الخيار طرح في ثورات ألمانيا الغربية، وهنغاريا، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا. ولكن هذه الثورات سحقتها البيروقراطية، ما مهد الطريق لاستعادة الرأسمالية.

 

ترجمة تامر خورما

يمكن مراجعة الجزء الثاني والعشرون من خلال الرابط التالي:

هل كانت استعادة الرأسمالية سلمية؟