تاريخ الثورة الروسية (ج2): مؤامرة كرنسكي جـ 2

0
196

صحيح أن عددًا من الوجهاء السابقين، والمرافقين، ووصيفات الشرف، ورجال المائة السود المرتبطين بالبلاط، والسحرة، ورجال الدين، وراقصات الباليه كانوا يتهامسون فيما بينهم. ولكنهم كانوا يمثلون كمية لا أهمية لها. ولم يكن بوسع انتصار البرجوازية أن يأتي إلا تحت شكل ديكتاتورية عسكرية. أما مسألة الملكية، فكان طرحها أمرًا مرتبطًا بالمراحل التالية، شريطة أن يتم الطرح على قاعدة الثورة المضادة البرجوازية، لا بمساعدة وصيفات الشرف الراسبوتينيات. وكانت الحقيقة بالنسبة للمرحلة المنتظرة هي صراع البرجوازية تحت لواء كورنيلوف ضد الشعب كله. ولقد أراد كرنسكي التحالف مع هذا المعسكر، ولكنه حاول إخفاء نفسه عن أنظار اليساريين المتشككين، فأوقف أشقاء الملك بشكل مزيف. وكانت آلية نشاطه واضحة لدرجة جعلت صحيفة البلاشفة في موسكو تكتب منذ ذلك الحين: “إن توقيف دميتين لا عقل لهما من شلة رومانوف، وترك الحرية الكاملة لشلة القادة العسكريين وعلى رأسهم كورنيلوف، لا يعني سوى خداع الشعب”، وهكذا غدا البلاشفة مكروهين، لأنهم يرون كل شيء، ويتحدثون عن كل شيء بصوت عالٍ.

وكان سافينكوف روح كرنسكي ودليله في هذه الأيام الحرجة. وهو مغامر من الطراز الأول وثوري من النوع الرياضي، الذي اكتسب احتقار الجماهير من عمله في مدرسة الإرهاب الفردي، ويتمتع سافينكوف بكثير من الصفات الحسنة والإرادة، ولكن هذا لم يمنعه من أن يكون خلال سنوات عديدة أداة بين يدي العميل المحرض المشهور آزيف، إنه متشكك تهكمي بمجون، يعتبر دون كبير خطأ بأن من حقه أن ينظر إلى كرنسكي من علٍ، وأن يؤدي له التحية باليد اليمنى ويقوده بيده اليسرى من أرنبة أنفه باحترام. وكان سافينكوف يفرض نفسه على كرنسكي كرجل عمل، على حين كان يفرض نفسه على كورنيلوف كثوري يتمتع باسم تاريخي.

وينقل ميليوكوف رواية غريبة لأول لقاء بين المفوض والجنرال كما أخبره بها سافينكوف نفسه. وتقول الرواية بأن سافينكوف قال: “إنني أعرف أيها الجنرال بأنه إذا ما جاءت ظروف تفرض عليكم إعدامي فإنكم ستفعلون ذلك”، وبعد وقفة صمت قصيرة أضاف سافينكوف: “ولكن إذا ما جاءت ظروف تفرض علي إعدامكم، فإنني سأفعل ذلك أيضًا”. وكان سافينكوف مولعًا بالأدب ويعرف كورني وهيغو، ويميل إلى الأعمال الأدبية الكبيرة. وكان مستعدًا للتخلص من الثورة دون الاهتمام بالصيغ الكلاسيكية – المزيفة أو الرومانسية… ولم يكن الجنرال غريبًا عن سحر “الأسلوب الفني القوي”: ولا شك أن أقوال الإرهابي القديم دغدغت ما تبقى من أعمال بطولية في العضو القديم لمنظمة المائة السود.

وبعد فترة طويلة ظهر في إحدى الصحف مقال بإيحاء أكيد من سافينكوف، ولعل سافينكوف ساعد على تدبيجه بأسلوبه. وتقول إحدى فقرات هذا المقال “وتوصل سافينكوف منذ أن كان مفوضًا إلى قناعة أكيدة بأن الحكومة المؤقتة لن تكون قادرة على إنقاذ البلاد من الوضع الأليم. هنا لا بُدَّ من أن تعمل قوى أخرى. ومع هذا فإن من المتعذر القيام بكل هذا العمل إلا تحت لواء الحكومة المؤقتة، وتحت قيادة كرنسكي بصورة خاصة. وهذا يعني خلق ديكتاتورية ثورية تقودها يدٌ حديدية. ولقد رأى سافينكوف هذه اليد… إنها يد الجنرال كورنيلوف” وهكذا فقد كان من الضروري وجود كرنسكي كتمويه “ثوري” ووجود كورنيلوف كيَدٍ حديدية.

ولا يتحدث المقال عن الشخص الثالث. ولكن ليس هناك شك في أن سافينكوف سعي لتوفيق القائد الأعلى مع رئيس الوزراء، مع الاحتفاظ بنية تصفيتهما فيما بعد. ولقد ظهرت هذه النية الخافية في فترة ما بشكل ملحوظ دفع كرنسكي إلى الخضوع لضغط كورنيلوف عشية مؤتمر الدولة وإجبار سافينكوف على الاستقالة. ولكن هذه الاستقالة لم تأخذ شكلاً نهائيًّا، وكان مثلها في ذلك كمثل كل ما يجري في هذا الوسط. ويقول فيلونينكو: “في 17 أغسطس (آب) تبين أنني سأحتفظ مع سافينكوف بوظيفتينا، وأن رئيس الوزراء وافق مبدئيًّا على البرنامج المذكور في التقرير الذي قدمه كورنيلوف وسافينكوف وأنا”. ويدور الحديث هنا عن سافينكوف الذي تلقى من كرنسكي في 17 أغسطس (آب) “أمرًا بإعداد مشروع قانون للتدابير التي ينبغي أخذها في المؤخرة”، والذي شكَّل لهذا الغرض لجنة برئاسة الجنرال أبوشكين. وبالرغم من الخوف الذي أحسَّ به كرنسكي إزاء سافينكوف، فقد قرر استخدامه في خطته الكبرى. ولم يحتفظ له بوزارة الحربية فحسب، بل أعطاه بالإضافة إلى ذلك وزارة البحرية. ويرى ميليوكوف أن هذا يعني بأن الحكومة رأت “بأن الوقت قد حان للعمل، حتى ولو مع المجازفة بإنزال البلاشفة إلى الشارع”. وتحدث سافينكوف بهذه المناسبة فقال بشكل مكشوف “بأن فوجَين فقط قادران على سحق تمرد البلاشفة بسهولة وحل تنظيماتهم”.

وكان كرنسكي يفهم جيدًا مثل سافينكوف، وخاصة بعد مؤتمر موسكو، بأن برنامج كورنيلوف لن يحظى بقبول السوفييتات التوفيقية. إن سوفييت بتروغراد الذي طالب بالأمس بإلغاء عقوبة الإعدام في الجبهة، سيقف غدًا بفاعلية مضاعفة ضد إقرار عقوبة الإعدام في المؤخرة! وكان الخطر ناجمًا من أن الحركة ضد الانقلاب الذي يفكر به كرنسكي ستقاد لا من قبل البلاشفة بل من قبل السوفييتات. بَيْد أنه لم يكن من الممكن التوقف أمام هذا الاعتبار، لأن الأمر يتعلق أخيرًا بخلاص البلاد!

ويكتب كرنسكي: “في 22 أغسطس (آب) ذهب سافينكوف إلى مقر القيادة العليا لعدة أعمال (!) منها مطالبة الجنرال كورنيلوف باسمي، أن يضع تحت تصرف الحكومة فيْلقًا من الخيالة”، ويتحدث سافينكوف نفسه عن هذه المهمة وكأنه يبرر تصرفه أمام الرأي العام: “مطالبة الجنرال كورنيلوف بفليق من الخيالة لتطبيق حالة الطوارئ في بتروغراد بصورة فعلية، وحماية الحكومة المؤقتة ضد كافة المحاولات المضادة، وبخاصة (!) ضد محاولات البلاشفة، الذين يعدون هجومهم… حسب معلومات مصلحة مكافحة التجسس في الخارج، بالارتباط مع إنزال ألماني، وعصيان في فنلندا…” وكانت المعلومات العجيبة التي تقدمها مصلحة مكافحة التجسس لا تستهدف سوى إخفاء هذه الحقيقة بأن الحكومة نفسها قد تتحمل حسب تعبير ميليوكوف مسئولية “المجازفة بدعوة البلاشفة للنزول إلى الشارع”؛ أي أنها كانت مستعدة لإثارة عصيان. ولقد حدد زمن إصدار المراسيم الخاصة بالديكتاتورية العسكرية في آخر أيام أغسطس (آب)؛ ولذا حدد سافينكوف أن العصيان المنتظر سيتم في الفترة ذاتها.

وفي 25 أغسطس (آب) عُطلت صحيفة البلاشفة: البروليتاري دون أي سبب واضح. فصدرت صحيفة رابوتش (العامل) لتحل محلها، وكتبت بأن البروليتاري قد عُطلت بعد يوم من قيامها بدعوة العمال والجنود، بمناسبة خرق الجبهة في ريغا، إلى الصمود والحفاظ على الهدوء. فمن هي اليد المهتمة بمنع العمال من سماع صوت الحزب الذي يحذرهم من التحريض المشبوه؟” وكان هذا السؤال يشير إلى كبد المسألة؛ إذ كان مصير الصحافة البلشفية بين يدي سافينكوف. وكان منع الصحيفة يقدم له ميزتين؛ أنه يستثير الجماهير، ويمنع الحزب من العمل على حمايتها ضد التحريض المغرض الذي كان يأتي هذه المرة من أوساط حكومية عليا.

وتقول محاضر اجتماعات القيادة العليا، التي أُدخلت عليها ولا شك بعض التعديلات، ولكنها حافظت مع ذلك على تلاؤمها مع طبيعة الموقف الأشخاص الأساسيين فيه، بأن سافينكوف صرح أمام كورنيلوف: “ستتحقق مطالبكم، لافرجيور جيفيتش (كورنيلوف)، بعد أيام قليلة. ولكن الحكومة تخشى في هذه الحالة أن تقع في بتروغراد تعقيدات جادة… إن نَشْرَ مطالبكم… سيدفع البلاشفة إلى العمل… وليس من المعروف كيف ستتصرف السوفييتات إزاء القانون الجديد. فقد تقف هذه السوفييتات ضد الحكومة… ولذا فإنني أرجوكم إصدار الأوامر كيما يكون فيلق الخيالة الثالث معسكرًا قرب بتروغراد عند نهاية أغسطس (آب)، وأن يوضع تحت تصرف الحكومة المؤقتة. فإذا ما عمل عدد من أعضاء السوفييت مع البلاشفة اضطررنا إلى ردعهم بشدة” وأضاف مبعوث كرنسكي بأن التدابير لا بُدَّ وأن تكون حاسمة شديدة
لا رحمة فيها. وردَّ كورنيلوف على ذلك بأنه “لا يعرف شكلاً آخر للتدابير”. ولقد قام سافينكوف فيما بعد تبرير تصرفه فأضاف: “إذًا كانت السوفييتات بلشفية في لحظة الانتفاضة البلشفية…” ولكن هذا القول خدعة مكشوفة؛ لأنه كان من المنتظر صدور المراسيم التي تعلن انقلاب كرنسكي بعد ثلاثة أو أربعة أيام؛ ولذا فقد كان الموضوع يتعلق بالسوفييتات القائمة في نهاية أغسطس (آب) لا بسوفيتتات المستقبل.

ولتحاشي أي سوء تفاهم، وعدم استثارة عمل البلاشفة “قبل الوقت المحدد” تم التفاهم على ما يلي: البدء بجمع فيلق خيالة في بتروغراد، ثم إعلان حالة الطوارئ في المدينة، والقيام بعد ذلك كله بنشر القوانين الجديدة التي ستؤدي حتمًا إلى انتفاضة البلاشفة. ولقد كُتب هذا المخطط في محاضر اجتماعات القيادة العليا بكل وضوح “كيما تعرف الحكومة المؤقتة بالضبط متى ينبغي إعلان حالة الطوارئ في بتروغراد، ومتى يمكن إصدار القانون الجديد، ينبغي على كورنيلوف أن يبرق لسافينكوف بتاريخ اقتراب فيلق الخيالة من بتروغراد”.

ويرى ستانكيفيتش أن الجنرالات المتآمرين فهموا “أن سافينكوف وكرنسكي… يودان القيام بانقلاب عسكري بمساعدة القيادة العليا. ولم يكونا راغبين بشيء آخر. وكانا يتعجلان الموافقة على كافة المطالب والشروط…” ولكن ستانكيفيتش المخلص لكرنسكي أشار إلى أن أعضاء القيادة العليا كانوا “يجمعون خطأ” كرنسكي وسافينكوف. ولكن كيف يمكن عدم جمعهما، طالما أن سافينكوف جاء بتكليف من كرنسكي، حاملاً طلبه الواضح الصريح؟ كما أن كرنسكي نفسه كتب ما يلي: “في 25 أغسطس (آب) عاد سافينكوف من القيادة العليا، وأعلمني بأن هناك قوات ستوضع تحت تصرف الحكومة المؤقتة حسب الأصول” وحُدد مساء 26 لقيام الحكومة بإقرار القانون الخاص بالتدابير المتعلقة بالمؤخرة، الذي سيكون فاتحة الأعمال الحاسمة لفليق الخيالة. وغدا كل شيء جاهزًا، ولم يبق إلا الضغط على الزر.

وتؤكد الأحداث، والوثائق، وشهادات المشتركين، واعترافات كرنسكي نفسه، بأن رئيس الوزراء كرنسكي تصرف دون علم جزء من حكومته، ومن خلف ظهر السوفييتات التي سلمته السلطة، وبصورة خفية عن الحزب الذي يدعى انتماءه إليه، واتفق مع قادة الجنرالات، على تعديل نظام الدولة تعديلاً جذريًّا بمساعدة القوة المسلحة. فإذا ما استخدمنا مصطلحات القانون الجنائي، وجدنا أن التصرف بهذا الشكل يحمل اسمًا محددًا، وخاصة في الحالة التي يؤدي فيها المشروع إلى النصر. إن التناقض بين الطبيعة “الديمقراطية” لسياسة كرنسكي، وخطة إنقاذ البلاد بقوة السيف، لا يبدو تناقضًا متعذر الحل بالنسبة لمن ينظر إليه بصورة سطحية. والحقيقة أن كل خطة استخدام الخيالة جاءت من السياسة التوفيقية. فإذا اكتشفنا هذا السبب، وجدنا أن بوسعنا أن نتجاهل إلى حد بعيد شخصية كرنسكي، وخصائص الوسط الوطني، وأن نعتبر بأن الأمر كله يتعلق بالمنطق الموضوعي لحركة التوفيق في ظروف الثورة.

إن فريدريك ايبرت، ممثل الشعب الألماني، والتوفيقي الديموقرطي، لم يعمل تحت تصرف جنرالات الهوهنزولرن من وراء ظهر حزبه فحسب، ولكنه وجد نفسه منذ مطلع ديسمبر (كانون الأول) 1918، شريكًا مباشرًا في مؤامرة عسكرية تستهدف اعتقال الجهاز الأعلى للمجالس، وإعلان ايبرت نفسه رئيسًا للجمهورية. وليس من قبيل الصدفة أن كرنسكي قدم ايبرت فيما بعد كمثال يحتذى لرجال الدولة.

وعندما انهارت كافة مخططات كرنسكي، ومخططات سافينكوف، ومخططات كورنيلوف، أكد كرنسكي الذي حمل على عاتقه مهمة محو الآثار ما يلي: “وبدا لي واضحًا بعد مؤتمر موسكو، أن أول محاولة انقلاب ستأتي من اليمين لا من اليسار”. إن من المؤكد أن كرنسكي خاف من القيادة العليا، وتعاطف البرجوازية مع المتآمرين العسكريين. ولكن من المؤكد أيضًا أنه رأى ضرورة النضال ضد القيادة العليا. على أن لا يتم هذا النضال بواسطة فيلق الخيالة، بل عن طريق قيامه بتطبيق برنامج كورنيلوف. إن المندوب الذي بعث فيه رئيس الوزراء لم يقم فقط بمهمة عملية كان من الممكن القيام بها بواسطة برقية مشفرة صادرة من قصر الشتاء إلى موهيليف، ولكنه تصرف كوسيط للتوفيق بين كورنيلوف وكرنسكي، أي لتنسيق خططهما، وإعطاء الانقلاب أقصى حد ممكن من مظاهر الشرعية. وكأنما كان كرنسكي يقول عن طريق سافينكوف: “اعملوا، ولكن ضمن حدود مخططي، لأن ذلك سيجنبكم الخطر، وسيؤمن لكم الوصول إلى كل ما تودونه تقريبًا”. ولقد أعطى سافينكوف من جهته هذا التوجيه: “لا تتجاوزوا قبل الأوان حدود مخططات كرنسكي”، هكذا كانت المعادلة الغربية المعقدة ذات المجاهل الثلاثة. وضمن هذا الأفق فقط يمكننا أن نفهم طلب كرنسكي من القيادة العليا عن طريق سافينكوف لوضع فيلق من الخيالة تحت تصرفه. لقد تلقى المتآمرون طلب القوات من شريك رفيع المنصب، يحافظ على وضعه الشرعي، ويحاول جاهدًا إخضاع المؤامرة كلها لنفوذه.

ومن بين التعليمات المعطاة إلى سافينكوف مهمة واحدة تبدو وكأنها موجهة ضد مؤامرة اليمين. إنها تتعلق باللجنة الرئيسية للضباط التي طالب مؤتمر حزب كرنسكي في بتروغراد بإلغائها. ولكن صيغة هذه المهمة غريبة تسترعي الانتباه: “تصفية اتحاد الضباط ضمن حدود الإمكان”، والأغرب من هذا أيضًا أن سافينكوف لم يكن بعيدًا عن تحقيق هذا العمل فحسب، بل تجاهله ولم يحاول تحقيقه. واكتفى بدفن المسألة على اعتبار أنها غير ملائمة. والحقيقة أن هذه المهمة لم تعط إلا لتتضمن الأوراق والوثائق أثرًا، وتبريرًا أمام اليساريين. وتدل كلمات “ضمن حدود الإمكان” على أن التنفيذ غير إلزامي. وللإشارة بشكل فج لطبيعة اللجنة التزيينية، فقد ذكرت هذه اللجنة في الأسطر الأولى.

وفي محاولة جادة لتخفيف المعنى الخطير لإخلاء العاصمة من الأفواج الثورية، والتوجه إلى كورنيلوف لإرسال قوات، ذكر كرنسكي فيما بعد الشروط الثلاثة المقدسة التي وضعها لاستدعاء فيلق الخيالة. وهكذا ففي الوقت الذي قرر به كرنسكي وضع منطقة بتروغراد العسكرية تحت قيادة كورنيلوف اشترط أن تُفصل عن هذه المنطقة العاصمة وضواحيها، حتى لا تجد الحكومة نفسها تمامًا بين يدي القيادة العليا، ولقد عبر كرنسكي عن ذلك بين أنصاره بضرورة عدم البقاء بين يدي القيادة العليا “وإلا كنا من المأكولين”. ويبرهن هذا الشرط على أن كرنسكي الذي حلم بإخضاع الجنرالات لمخططاته لم يكن يمتلك سوى حجج واهية عاجزة. أما رغبة كرنسكي بأن لا يكون فريسة للجنرالات، فإننا نفهمها دون الحاجة لبراهين.

وكان الشرطان الآخران على المستوى نفسه؛ لقد كان على كورنيلوف أن لا يبعث مع قوات الفيلق المُرسل الفرقة “الوحشية” المؤلفة من جبليي القفقاس، وأن لا يضع الجنرال كريموف على رأس الفيلق. وكان هذان الشرطان يعنيان على مستوى حماية مصالح الديمقراطية ابتلاع الجمل ومحاولة تصفية الناموس بالمنخل. أما إذا نظرنا إليهما من زاوية إخفاء الضربة المسددة إلى الثورة، وجدنا أن لهما معنى أشد عمقًا. إن توجيه الجبليين القفقاسيين الذين لا يتكلمون الروسية ضد عمال بتروغراد أمر على غاية من الطيش، حتى أن القيصر نفسه لم يجرؤ على القيام به خلال أيام حكمه! أما عدم ملاءمة تعيين الجنرال كريموف الذي تملك اللجنة التنفيذية بالنسبة إليه معلومات دقيقة إلى حد بعيد، فقد شُرحت بشكل مقنع من قبل سافينكوف الذي تحدث في القيادة العليا عن مصلحة القضية المشتركة فقال: “سيكون من المؤسف في حالة قيام انتفاضة في بتروغراد، أن يتم سحق الحركة على يَدِ الجنرال كريموف بالذات. فقد يعلق الرأي العام على اسمه آمالاً لا يستطيع تحقيقها…”. وأخيرًا فإن قيام رئيس الحكومة بدعوة مفارز عسكرية إلى العاصمة، مع التحفظ برجاء غريب يدور حول عدم إرسال الفرقة “الوحشية” وعدم تعيين كريموف، يكشف بكل وضوح أن كرنسكي عرف مسبقًا لا الخطة العامة للمؤامرة فحسب، بل عرف أيضًا التشكيل المتوقع للقوات التأديبية، وأسماء المرشحين للعب الأدوار الأولى في التنفيذ.

ومهما يكن من أمر، فإن الظروف الثانوية المذكورة سابقًا تدل بوضوح على تعذر استخدام فيلق خيالة كورنيلوف للدفاع عن “الديمقراطية”، ولكن كرنسكي كان يعلم علم اليقين بأن هذا الفيلق هو أكثر قطعات الجيش “ضمانة”، وأشدها قدرة على لعب دور الإدارة الموثوقة ضد الثورة. والحقيقة أن كرنسكي كان يفضل أن يكون في بتروغراد قطعات مخلصة له شخصيًّا، وتقف فوق اليمين واليسار. وتدل الأحداث التي جرت بعد ذلك أن هذه القوات لم تكن في الحقيقة موجودة. ولم يكن هناك من يود مقاتلة الثورة سوى الكورنيلوفيين، وإلى الكورنيلوفيين توجَّه كرنسكي.

ولم تفعل التدابير العسكرية سوى أنها جاءت مكملة للسياسة. فقد كان السير العام للحكومة المؤقتة خلال الأسبوعين الأخيرين تقريبًا، وفصلها لمؤتمر موسكو عن عصيان كورنيلوف، عبارة عن أدلة كافية على أن كرنسكي لم يكن مستعدًا للصراع ضد اليمنيين، بل كان أقرب إلى التحالف معهم داخل جبهة موحدة مضادة للشعب. وتجاهلت الحكومة المؤقتة احتجاجات اللجنة التنفيذية الخاصة بالسياسة المضادة للثورة التي تمارسها هذه الحكومة. وقامت في 26 أغسطس (آب) بخطوة جريئة لصالح ملاك الأراضي عندما قررت بصورة مفاجئة رفع أسعار الخبز إلى الضعف. ولكن طبيعة هذا التدبير المكروه الذي اتخذته الحكومة بناء على مطالبة رودزيانكو المكشوفة جعلته أشبه ما يكون بالتحدي الواعي للجماهير الجائعة. وحاول كرنسكي ولا شك اكتساب أقصى يمين مؤتمر موسكو بتقديم ثمن كبير لذلك. “إنني رجلكم!” هكذا قال لاتحاد الضباط، في رسالته المتملقة المجاملة التي وقعها في اليوم الذي أرسل به سافينكوف للتباحث مع أعضاء القيادة العليا. وصاح أمام الملاكين النبلاء “إنني رجلكم!” في عشية قيام الخيالة بحملتها التأديبية ضد كل ما تبقى من ثورة فبراير (شباط).

وكانت شهادات كرنسكي أمام لجنة التحقيق التي شكلها بنفس شهادات غير لائقة؛ فلقد ظهر رئيس الحكومة كشاهد، ولكنه أحس في النهاية بأنه المتهم الأساسي الذي قُبض عليه بالجرم المشهود. وتظاهر الموظفون المحنكون القادرون على فهم آلية الأحداث، بأنهم قانعون فعلاً بتفسيرات رئيس الحكومة. أما الشركاء الآخرون من أعضاء حزب كرنسكي، فكانوا يتساءلون بدهشة واضحة، كيف يمكن لفيلق ما أن يكون أهلاً لتنفيذ الانقلاب وسحقه بآنٍ واحد. إن قيام “اشتراكي – ثوري” بفتح أبواب العاصمة أمام قوات مسلحة تنوي خنق هذه العاصمة عمل على غاية من الطيش والإهمال. صحيح أن أهالي طروادة سمحوا في الماضي بدخول مفرزة معادية إلى قلب مدينتهم، ولكنهم كانوا يجهلون كل الجهل ما يحتويه هيكل الحصان الخشبي. وبالإضافة إلى ذلك، فإن أحد مؤرخي العصور القديمة يعارضون رواية الشاعر؛ إذ يرى بوزانياس، بأنه لا يسعنا تصديق هوميروس، إلا إذا اعتبرنا أن أهالي طروادة كانوا “حمقى، محرومين حتى من ظل العقل”. ترى ماذا كان بوسع هذا المؤرخ أن يقول عن شهادات كرنسكي؟

الهوامش

  1.  من أقوال الملك هنري الرابع. (المعربان)

لقراءة الفصل السابق يمكن مراجعة الرابط التالي:

تاريخ الثورة الروسية (ج2): مؤامرة كرنسكي جـ 1