رأس المال: مقدمة الطبعة الألمانية الأولى (1)

0
164

ملاحظة الناشرين

(دار ديتز فيرلاغ – برلين)

تهيئة للطبعة الحالية الجديدة من المجلد الأول لـ رأس المال، قامت فرق العمل التابعة لمعهدي الماركسية – اللينينية في موسكو وبرلين، والتي أنيطت بها مهام التحرير، بمراجعة النص على نحو شامل، وفي المقام الأول ما فيه من مقتبسات وبيانات المراجع التي استقيت منها. وهكذا أزيلت الأخطاء المطبعية الكثيرة التي ظهرت في الطبعات الصادرة على امتداد عشرات السنين، وجرى تصويب العديد من بيانات المراجع طبقاً للمؤلفات الأصلية التي استخدمها ماركس. وتسهيلاً للقراءة ترجمنا إلى الألمانية المقتبسات التي وضعها إنجلز بلغاتها الإنكليزية والفرنسية والإيطالية، إلخ. ولكننا دققنا بعناية الترجمة الواردة في الطبعات السابقة، وصغناها حيثما دعت الضرورة، صياغة أدق. ويجد القارىء في ملحق هذا المجلد المقتبسات بلغتها الأجنبية التي كان ماركس قد أوردها في النص الألماني.

من الناشر العربي

تطابق هذه الترجمة نص المجلد الأول لـ رأس المال الصادر عن دار ديتز فيرلاغ – برلين، 1984، وهذا بدوره بطابق الطبعة الألمانية الرابعة الصادرة في هامبورغ عام .1890 يحوي الكتاب كل الهوامش الأصلية لماركس، فضلاً عن الهوامش التي وضعها فريدريك إنجلز وهذه الأخيرة مذيلة باسمه. ووضع الناشر الألماني شروحاً للمقتبسات والشخصيات الفكرية والأدبية والأسطورية ، أوردنا منها ما نعتقد أنه مفيد للقارئ، وقد ميزناها عن هوامش المؤلف بوضع نجمة ، وتذييلها بـ: ن. برلين، وقد اختصرنا هذه الهوامش قدر الإمكان. كما أضفنا هوامش إيضاحية بعلامة النجمة ذيلناها بتوزيع الناشر : نوع حينما كان ذلك ضرورياً . كل المفردات والعبارات والمقتبسات التي وردت بغير الألمانية، أوردناها بلغتها الأصلية مرفقة بترجمتها العربية أما المفردات والعبارات والمقتبسات التي ترجمها ماركس بنفسه إلى الألمانية، فقد جمعها الناشر في آخر الكتاب بلغتها الأصلية لفائدة القارئ المختص، عدا عن بضعة مقتبسات عمد ماركس إلى إيرادها بترجمته الألمانية، مرفقة، بالأصل الإنكليزي أو الفرنسي أو الإيطالي أو اللاتيني في المتن.

أخيراً، فإن المجلد الأول يقع في سبعة أجزاء مقسمة إلى 24 فصلاً. وقد أضفنا إلى المجلد الأول نصاً يُعرف باسم الجزء المجهول من رأس المال، وهو يؤلف، الجزء الثامن والأخير من هذا المجلد. كما أدرجنا أرقام وصفحات الطبعة الألمانية المعتمدة على يمين وشمال منن الترجمة العربية، لتسهيل رجوع القارئ إلى فهارس الأعلام والمواضيع والكتب والمراجع وغير ذلك. يلي ذلك المجلد الثاني، ثم المجلد الثالث تباعاً.

بيروت

آذار/ مارس 2012

مقدمة الطبعة الألمانية الأولى (1)

المؤلف الذي أقدم للجمهور المجلد الأول منه، بشكل امتداداً لكتابي المعنون مساهمة في نقد الانتصاد السياسي الذي صدر عام 1859. وترجع هذه الوقفة الطويلة بين العمل الأول وتتمته إلى مرض ظل يقطع عليّ العمل، المرة تلو الأخرى، لعدة سنوات. وقد أوجزت مضمون المؤلف السابق في الفصول الثلاثة الأولى من هذا المجلد(2). ولم أكن أتوخى من وراء ذلك الترابط والكمال فحسب، فقد أدخلت تحسينات على اسلوب عرض الموضوع. وبحدود ما تسمح به الظروف، تناولت بشيء من الإسهاب نقاطاً كثيرة أشرت إليها في السابق إشارة وجيزة، بينما توجد نقاط أخرى صيغت من قبل بالتفصيل، فاكتفيت هنا بالإشارة إليها. وبالطبع حذفت مجمل المقاطع التي تتناول تاريخ نظريات القيمة والنقد. بيد أن القارىء المطلع على المؤلف السابق سيجد في حواشي الفصل الأول مصادر إضافية جديدة عن تاريخ هذه النظريات. إن البداية شاقة دوماً، وهذا شانها في كل علم، لذا فإن فهم الفصل الأول، وبالأخص الفقرات المتعلقة بتحليل السلعة، سينطوي على الصعوبة الأكبر، وقد جهدت، قدر المستطاع، أن أجعل تحليل جوهر القيمة رمقدار القيمة يسيراً في متناول جمهور القراء . إن شكل القيمة، الذي يتخذ صورته المتكاملة في الشكل النقدي، هو شيء أولي وبسيط جداً. مع ذلك حاول العقل البشري، عبثاً، منذ أكثر من ألفي عام، أن ينفذ إلى سرّه، في حين أنه توصل إلى أن يحلل بشكل صائب، في الأقل على نحو تقريبي، أشكالاً مركبة أكثر تعقيداً. لماذا؟ لأن دراسة البدن، ككل عضوي، أسهل من دراسة خليّة ذلك البدن. زد على ذلك أن تحليل الأشكال الاقتصادية لا يمكن أن يستعين، لا بمجهر ولا بكشاف كيميائي. فينبغي لقوة التجريد أن تقوم مقامهما. ولكننا نجد، في المجتمع البورجوازي، أن الشكل السلعي الذي يظهر به نتاج العمل (أو شكل القيمة

الذي تظهر به السلعة) هو الشكل الخلوي الاقتصادي. إن تحليل هذه الأشكال، يبدو لنظر من تعوزه المعرفة، إغراقاً في دقائق الجزئيات. وهي حقاً دقائق جزئية، ولكنها على غرار الدقائق التي يدرسها علم التشريح المجهري.

لا يمكن للمرء، إذن، أن يتهم هذا المجلد بأنه عسير على الفهم، باستثناء القسم المتعلق بـ: شكل القيمة. وبالطبع فإنني أفترض سلفاً وجود قرّاء يرغبون في تعلم شيء جديد، ويريدون هم أنفسهم أن يفكروا.

إن عالم الفيزياء إما أن يدرس ظاهرات الطبيعة حيثما تقع في أكثر الأشكال نموذجية وأكثرها خلواً من المؤثرات المشوّشة، أو أن يقوم، حيثما أمكن، بإجراء التجارب في شروط تؤمّن حدوث الظاهرة بصورة لا تشوبها شائبة. إن علي في هذا المؤلف دراسة نمط الإنتاج الرأسمالي وعلاقات الإنتاج والتبادل المطابقة له. وإنكلترا هي الموطن الكلاسيكي لهذا الإنتاج حتى الوقت الحاضر. لهذا السبب أستخدم إنكلترا بمثابة نموذج رئيس لشرح أفكاري النظرية. ولكن، إذا هزّ القارىء الألماني كتفيه دون اكتراث بوضع العمال الإنكليز في الصناعة والزراعة، أو إذا ما علل نفسه بفكرة متفائلة تقول إن الأمور في المانيا ليست بهذا السوء، أجدني مضطراً لأن أهتف بصراحة قائلاً “هذه القصة تتحدث عنك” !(!Du te fabula narratur. (3) فالقضية لا تتعلق، في ذاتها ولذاتها، باشتداد أو خفوت درجة تطور التناحرات الاجتماعية التي تتولد عن القوانين الطبيعية للإنتاج الراسمالي، بل تتعلق بهذه القوانين نفسها، بهذه الميول التي تفعل فعلها وتفرض نفسها بحتمية فولاذية. إن البلد الأكثر تطوراً من الناحية الصناعية لا يقدّم للبلد الأدنى منه في سلم التطور إلا صورة مستقبله هو.

ولكن لنترك هذا جانباً. إن الأوضاع أسوأ بكثير عندنا في ألمانيا، حيث بلغ الإنتاج الرأسمالي درجة النضج، كما هو الحال في المصانع الحقيقية، ومرد ذلك غياب التأثير المخفف لقوانين المصانع الإنكليزية. وفي جميع الميادين الأخرى، لا نعاني من تطور الإنتاج الرأسمالي فحسب، بل من نقص هذا التطور أيضاً، شأننا في ذلك شأن بقية بلدان غرب أوروبا. فبالإضافة إلى شرور العصر الحالي، تبهظنا سلسلة من الشرور الموروثة الناجمة عن بقاء أنماط إنتاج بالية عفا عليها الزمن، مع ما يرافقها بالضرورة من علاقات سياسية واجتماعية تنتمي إلى عصر غابر. إننا لا نعاني من الأحياء بل من الأموات أيضاً. فالميت يمسك بتلابيب الحي (Le mort saisit le vif).

إن الاحصائيات الاجتماعية في المانيا وبقية بلدان أوروبا الغربية مصنفة على نحو بائس إذا قورنت بمثيلاتها في إنكلترا. مع ذلك فإنها تزيح من الحجاب ما يكفي لكي نلمح راس ميدوزا (4) وراءه. ولسوف تُروّع لفظاعة الأحوال في بلادنا، لو أن حكوماتنا وبرلماناتنا عيّنت لجاناً دورية، كما هو الحال في إنكلترا، لدراسة الأوضاع الاقتصادية، ولو أن هذه اللجان كانت مزودة بنفس الصلاحيات غير المحدودة لتقصي الحقيقة، ولو استطعنا أن نجد لهذه المهنة رجالاً يتمتعون بنفس الخبرة والنزاهة والتجرد التي يتمتع بها مفتشو المصانع في إنكلترا، والمراقبون الصحيون في ميدان الصحة العامة (Public Health)، ومفوضو التحقيق في قضايا استغلال النساء والأطفال، وقضايا ظروف السكن والتغذية. لقد كان بيرسيوس (5)  يعتمر طافية إخفاء سحرية كي لا تراه الوحوش التي يطاردها، أما نحن فنحجب بطاقية الإخفاء حتى العيون والآذان لنوهم أنفسنا أن

ليس ثمة وحوش. ينبغي ألا يخدع المرء نفسه حول هذه الأمور. فمثلما أعطت حرب الاستقلال الأميركية، في القرن الثامن عشر، إشارة الهجوم للطبقة الوسطى الأوروبية، فإن الحرب الأهلية الأميركية في القرن التاسع عشر أعطت إشارة الهجوم للطبقة العاملة الأوروبية. إن عملية التحول الاجتماعي في إنكلترا يمكن لمسها لمس اليد. وحين تبلغ نقطة معينة، فلا بد أن تنعكس على القارة. وهناك، سيتخذ سيرها أشكالاً أشد قسوة أو أكثر إنسانية تبعاً لدرجة تطور الطبقة العاملة ذاتها. وبصرف النظر عن الدوافع السامية، فإن المصلحة الخاصة للطبقات الحاكمة حالياً، تملي عليها أن تزيل كل ما تمكن إزالته، بالتشريع، من عقبات تعترض تطور الطبقة العاملة. لهذا ولغيره من الأسباب، خصّصت حيّزاً كبيراً من هذا المجلد لتاريخ ومضامين ونتائج تشريعات المصانع الإنكليزية. وتستطيع أمّة من الأمم، بل ينبغي لها، أن تتعلم من غيرها. ولكن حتى حين يهتدي مجتمع من المجتمعات إلى اكتشاف القوانين الطبيعية التي ترسم حركته. والهدف النهائي لهذا المؤلف أن يكشف القانون الاقتصادي لحركة المجتمع الحديث ـ فإنه لا يستطيع، لا بقفزة جريئة ولا بمراسيم تشريعية، أن يتخطى أو يلغي مراحل تطوره الطبيعي المتعاقبة إلا أن بوسعه اختصار زمن المخاض وتخفيف آلامه. ثمَة كلمة لتجنّب ما قد ينشأ من التباس. إنني لا أصور الرأسمالي والملاك العقاري بألوان زاهية. غير أن الأفراد لا يعنوننا، هنا، إلا بمقدار ما يمثلون من تشخيص المقولات اقتصادية، أي حامل لعلاقات ومصالح طبقية محددة. إن وجهة نظري التي تعتبر تطور التشكيل الاقتصادي للمجتمع بمثابة عملية من عمليات التاريخ الطبيعي لا تحمّل الفرد، أكثر من أي وجهة نظر أخرى، مسؤولية العلاقات التي يظل هو مخلوقها الاجتماعي مهما ارتفع بنفسه، ذانياً ، فوقها.

إن البحث العلمي الحر في ميدان الاقتصاد السياسي، يلاقي من الأعداء أكثر مما يلاقيه في أي ميدان آخر. فالطابع الخاص للمادة التي يعالجها، يستثير ضده ويجر إلى ساحة المعركة اعنف أهواء القلب البشري، وأكثرها دناءة ومقتاً؛ إنها ضراوات المصلحة الخاصة. فالكنيسة الإنكليزية العليا على سبيل المثال، مستعدة لأن تغفر خرق 38 شريعة من شرائعها التسع والثلاثين، ولكنها لن تغفر مسّ 1/39 من دخلها النقدي. والإلحاد ذاته يُعتبر هذه الأيام هفوة تغتفر (culpa levis)، قياساً لنقد علاقات الملكية الموروثة. بيد أن ثمّة تقدماً جليا في هذا الشان. حسبنا أن نشير، مثلاً، إلى الكتاب الأزرق (6) الذي صدر قبل بضعة أسابيع بعنوان مراسلة مع بعثات جلالة الملكة إلى الخارج بخصوص المسائل الصناعية والنقابات العمالية، وفيه يعرب ممثلو التاج البريطاني لدى البلدان الأجنبية، بكلمات لا لبس فيها، أن في المانيا وفرنسا، وكل الدول المتمدنة في قارة أوروبا، إذا توخينا الإيجاز، تشهد العلاقات القائمة بين رأس المال والعمل تحولاً جذرياً واضحاً لا مفر منه، كالذي شهدته في إنكلترا. وفي الوقت نفسه أعلن نائب رئيس الولايات المتحدة الأميركية، السيد وايد، على الجانب الثاني من الأطلسي، في اجتماعات عامة، أن القضية التالية المطروحة على بساط البحث، بعد إلغاء العبودية، هي قضية إجراء تحوّل في علاقات راس المال والملكية العقارية! هذه هي علامات العصر التي لا يمكن للمعاطف القرمزية ولا مسرح الرهبان السوداء أن تخفيها. وبالطبع فإنها لا تعني أن معجزة ما ستقع غداً. إنها تبين أن المجتمع الحالي ليس بلوراً صلباً بل كائن عضوي قابل للتغيّر، وإنه يتغير دون انقطاع، وإن بوادر حدس ذلك اخذت تبزغ حتى في صفوف الطبقات الحاكمة نفسها.
إن المجلد الثاني من هذا المؤلف سوف يعالج عملية تداول راس المال (الكتاب الثاني) والأشكال المختلفة التي يتخذها رأس المال بكليته في مجرى تطوره (الكتاب الثالث) (7) أما المجلد الثالث والأخير (8) (الكتاب الرابع) فيعالج تاريخ النظرية.
إنني أرحب بكل حكم يرتكز على نقد علمي. أما تحيزات ما يدعى بالرأي العام، الذي لم أقدّم له يوماً أدنى تنازل، فشعاري الآن، كما من قبل، حكمة الشاعر الفلورنسي العظيم «سر في طريقك، ودع الناس يقولون ما يشاؤون» (9)

(Segui il tuo corso, e lascia dir le genti!).

لندن 25 تموز/ يوليو 1867

كارل ماركس

___________________________

(1) شروحات هذا الهامش موضوعة في آخر هذه المقدمة من المنحة 23 إلى الصفحة 26. آن. ع)

(2) بشبر ماركس، هنا، إلى الفصل الأول من الطبعة الأولى (1867) الذي كان بعنوان: «السلعة والنقدا، وعند إعداد الطبعة الثانية نفح ماركسي المجلد، وغيّر بثينه، فجزا الفصل الأول السابق إلى ثلاثة فصول مستقلة أصبحت تؤلف الجزء الأول الذي يحمل العنوان نفسه. إن. برلين).

(*) بدا لي هذا ضرورياً، خصوصاً وأن تلك المواضع من مؤلف فرديناند لاسال ضد شولتسه –

دولتش، التي يعلن فيها أنه يقدم اخلاصة فكرية، لتحليلاتي في هذه المواضيع، تنطوي على اخطاء

هامة. وإذا كان فرديناند لاسال قد استعار في مؤلفاته الانتصادية، استعارة حرفية على وجه

التقريب، ومن دون إشارة إلى المصدر، كل الفرضيات النظرية العامة الواردة في مؤلفاني حول

الطابع التاريخي لراس المال، والصلة بين علاقات الإنتاج ونمط الإنتاج ، إلخ إلخ، بل وحتى

المصطلحات التي ابتكرتها، فإن ذلك قد يكون لأغراض الدعاية. ولا أقصد هنا، بالطبع، صياغته

التفصيلية لهذه الفرضيات وتطبيقاته لها، فلا شان لي بذلك كله.

(3) هذه القصة تتحدث عنك، (Du te fabula narratur من كتاب الهجائيات للشاعر الروماني هوراس (65 – 8 قبل الميلاد) – المجلد الأول، الهجائية رقم 1. 12. (12-1 Horas,Satiren)  .آن. برلين).

(4) في الأساطير الإغريقية عيون ميدوزا تحول كل من ينظر إليها إلى حجر. آن .ع .
(5)من أبطال الأساطير الإغريقية. إن .ع.

(6) الكتب الزرقاء، عنوان عام لمنشورات تضم مواد من البرلمان الإنكليزي ووثائق ديبلوماسية من وزارة الخارجية، وتعرف هذه المنشورات بالزرقاء نسبة إلى غلافها الأزرق، وبدأ صدورها منذ القرن السابع عشر وتمثل مصدراً رسمياً هاماً عن التاريخ الاقتصادي والديبلوماسي لبريطانيا. (ن. برلين)

(7) كان في نية ماركس أن بضم المجلد الثاني كتابين هما الكتاب الثاني والكتاب الثالث، ولكنهما صدرا في مجلدين منفصلين هما المجلد الثاني والمجلد الثالث. (ن. ع).

(8) هذا المجلد الثالث صدر على شكل مجلد رابع بعنوان تاريخ نظريات فائض القيمة. (ن. ع).
(9) مقتبس محور عن الشاعر الإيطالي دانتي – الكوميديا الإلهية – المطهر ـ النشيد الخامس .

ملاحظة:
ه) إن رأس المال هو المؤلف الرئيس لكارل ماركس الذي أمضى في إعداده اربعة عقود من حياته

“فبعد أن تبين لماركس أن البنية الاقتصادية هي الأساس الذي يقوم عليه البناء الفوقي السياسي،

وجه اهتمامه، في المقام الأول، إلى دراسة هذه البنية الاقتصادية”، (ف. لينين، المؤلفات، المجلد

19، الطبعة الألمانية برلين، 1962، ص 5).

شرع ماركس بدراسة الاقتصاد السياسي دراسة منتظمة في باريس أواخر عام 1843، وعقد العزم على كتابة مؤلف شامل اراده أن يتضمن نقد النظام القائم والاقتصاد السياسي البورجوازي. وتتجلى أبحاثه الأولى في هذا الميدان بمؤلفات صدرت له من قبيل المخطوطات الاقتصادية – الفلسفية لعام 1844 (1844 konomisch-Philosophische Manuskriple at dem Jahre) والإيديولوجية الألمانية وبؤس الفلسفة والعمل الماجور ورأس المال والبيان الشيوعي وغيرها من المؤلفات. وفي تلك المؤلفات المبكرة أزاح ماركس النقاب عن أسس الاستغلال الرأسمالي، والتناقض التناحري بين مصالح الرأسماليين والعمال، والطابع الزائل للعلاقات الاقتصادية الرأسمالية وبعد انقطاع عن العمل بسبب الأحداث العاصفة لثورة 1848 ـ 1849، واصل ماركس أبحاثه الاقتصادية في لندن، التي اضطر على الهجرة إليها في آب/أغسطس عام 1849. وهناك، درس دراسة عميقة وشاملة تاريخ الاقتصاد، والأوضاع الاقتصادية القائمة حينذاك في بلدان شتى، ولا سيما في إنكلترا، التي كانت يومها الموطن الكلاسيكي للراسمالية. وقد انصب اهتمامه، عهد ذاك، على تاريخ المِلكية العقارية ونظريّة الريع العقاري، وتاريخ نظرية جريان النقد والأسعار، والأزمات الاقتصادية، وتاريخ التقنية والتكنولوجيا، وقضايا الاقتصاد الزراعي والكيمياء الزراعية وكان ماركس يعمل في ظروف بالغة الصعوبة. وقد تعيّن عليه دوماً أن يقارع العوز، وكثيراً ما كان ينقطع عن دراساته ليكسب قوت يومه. فكان لا بد للإجهاد المستمر الذي أصاب قواه، في ظل الحرمان المادي، أن يترك آثاره، فاعتلّت صحته بصورة خطيرة. ومع ذلك استطاع أن يبلغ باعماله التحضيرية الواسعة مرحلة أتاحت له، بحلول عام 1857، الشروع في ترتيب وتعميم ما جمع من مواد .

وخلال الفترة الممتدة بين آب/ أغسطس 1857، وحزيران/يونيو 1858، كتب ماركس مخطوطة من زهاء 50 ملزمة بقطع طباعي تمثل إلى حد ما مشروع رأس المال المقبل. وقد قام معهد الماركسية – اللينينية التابع للجنة المركزية للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي بنشر هذه المخطوطة لأول مرة عام 1939 – 1941 بلغتها الأصلية تحت عنوان: الخطوط العامة لنفد الاقتصاد السياسي الغروندريسة ( Grundrisse der Kritik der Politischen dkonomie) وفي تشرين الثاني/نوفمبر عام 1857 وضع ماركس خطة لمؤلفه، أخضعها بعدئذ لمزيد من التفصيل والدقة. وقد بوّب مؤلفه العلمي ذاك، المكرّس لنقد المقولات الاقتصادية ، في ستة مجلدات هي: 1- راس المال، 2- الملكية العقارية، 3 ـ العمل المأجور، 4 ـ الدولة، 5- التجارة الدولية، 6 ـ السوق العالمية.
وكان ماركس يزمع أن يجعل المجلد الأول في أربعة أجزاء هي: (1) رأس المال بصورة عامة،
(ب) المنافسة او التفاعل بين العديد من الرأسماليين (ج) الأئتمان (د) رأس المال المساهم. وكان المقرر أن يضم الجزء الأول منها ثلاثة فصول مي: 1- القيمة ، 2 ـ النقد، 3- رأس المال.
وكان على الفصل الثالث أن يضم 3 اقسام هي: عملية إنتاج رأس المال، ثم عملية تداول رأس المال، وأخيراً اتحاد القسمين السابقين أي رأس المال والربح والفائدة. وتحول هذا التبويب الأخير، بعد ذلك، إلى التبويب النهائي للمؤلف برمّته في المجلدات الثلاثة من رأس المال. وكان في نيته أن يضع مؤلفاً رابعاً يتناول نقد وتاريخ الاقتصاد السياسي والاشتراكية .

وكان ماركس يبتغي نشر مؤلفه في سلسلة ينبغي أن تكون حلقتها الأولى شاملة نوعاً ما، بحيث
تشكل الأساس الضروري للمؤلف برمته. وكان المفروض أن تضم هذه الحلقة الفصول التالية: 1-

السلعة؛ 2 ـ النقد أو التداول البسيط؛ 3 – رأس المال. ولكن اعتبارات سياسية معينة أملت استبعاد الفصل الثالث من الصيغة النهائية للحلقة الأولى المنشورة، أي نقد الاقتصاد السياسي. وقد اشار ماركس إلى أن هذا الفصل بالذات هو بداية المعركة الحقيقية، وأن وجود الرقابة الحكومية والملاحقات البوليسية وضروب الأحقاد التي تطارد المؤلفين الذين لا يروقون للطبقات الحاكمة، إن وجود ذلك كله يجعل من غير الحكمة نشر مثل هذا الفصل منذ البداية وقبل أن يعرف الرأي العام الواسع شيئاً عن المؤلف. وتمهيداً لنشر الطبعة الأولى كتب ماركس الفصل الأول حول السلعة بصورة خاصة، وأعاد النظر جذرياً بالفصل المتعلق بالنقد والمأخوذ من مخطوطة عام 1857 – 1858.

صدر كتاب مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي في عام 1859. وكان في النية أن تليه، خلال فترة قصيرة، الحلقة الثانية، أي الفصل الخاص برأس المال كما أشرنا، هذا الفصل الذي يشغل المحتوى الأساس لمخطوطة عام 1857 – 1858. فاستأنف ماركس بحوثه المنهجية حول الاقتصاد السياسي في المتحف البريطاني. لكنه سرعان ما اضطر إلى إيقاف هذه البحوث بغية فضح العميل البونابارتي كارل نوغت وتقديم بعض الأعمال العاجلة للنشر. ولم يستأنف ماركس كتابة المخطوطة الكبيرة حتى آب/ أغسطس عام 1861 فأتمها في أواسط عام 1863، وكانت المخطوطة تتألف من 23 كراسة يبلغ مجموع صفحاتها حوالي 200 ملزمة بقطع طباعي، وهي بمثابة مواصلة للكراس الأول الصادر عام 1859 أي مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي وهي تحمل العنوان نفسه. أما بقية المخطوطة (الكراسات 6ـ 15 والكراس 18) فتعالج تأريخ التعاليم الاقتصادية، ولم تر النور في أثناء حياة ماركس وإنجلز. وقد نشرها معهد الماركسية – اللينينية التابع للجنة المركزية للحزب الاشتراكي الألماني الموحّد تحت عنوان نظريات فائض القيمة (المجلد الرابع من راس المال) باجزاء ثلاثة وتعالج الكراسات الثلاثة الأولى وكذلك فقرات من الكراسات 9ـ 18 مواضيع المجلد الأول من رأس المال. ويحلل ماركس فيها تحول النقد إلى رأس مال، ويطور نظرية فائض القيمة، ويتناول عدداً من المسائل الأخرى. وتضع الكراستان 19 و20، على وجه الخصوص، اساساً متيناً للفصل 13 من المجلد الأول، وعنوان الفصل الآلة والصناعة الكبيرة، وهو يحتوي على مادة غنية عن تاريخ التقنية وتحليل اقتصادي عميق لاستخدام الآلات في الصناعة الراسمالية. وتلقي الكراسات 21 – 23 الضوء على بعض القضايا ذات العلاقة بمواضيع مختلفة يعالجها رأس المال، ومنها ما يخص المجلد الثاني، وعلى هذا النحو تتناول مخطوطة 1861 – 1863، إلى هذا الحد او ذاك، المسائل الواردة في جميع الأجزاء الأربعة من رأس المال.
وقرر ماركس، في أثناء عمله اللاحق، أن يضع مؤلفه حسب الخطة التي كان قد اعدّها للجزء
المعنون “رأس المال بوجه عام”، بثلاثة فصول، على أن يُختتم بالقسم النقدي – التاريخي من المخطوطة كفصل رابع. وفي رسالة إلى كوغلمان في 13 تشرين الأول/ أكتوبر عام 1866، ذكر ماركس أن “المؤلف برمّته يتالف من: المجلد الأول بعنوان – عملية إنتاج رأس المال، المجلد الثاني بعنوان – عملية تداول رأس المال، والمجلد الثالث بعنوان – مجرى العملية ككل، والمجلد

الرابع بعنوان – حول تاريخ النظرية”. وتخلى ماركس أيضاً عن خطته السابقة بإصدار المؤلف في سلسلة من الكراسات، وعقد النية على إصدار كل المؤلف دفعة واحدة بعد الفراغ من كتابته وواصل ماركس العمل بتركيز لإعداد المؤلف، لا سيما الأقسام التي لم يطورها بما فيه الكفاية في مخطوطة 1861 – 1863. ندرس المزيد من المؤلفات الاقتصادية والتقنية، بما في ذلك مؤلفات عن الزراعة، وعن مسائل الائتمان وجريان النقد، ودرس تقارير إحصائية، ووثائق برلمانية، وتقارير رسمية عن عمل الأحداث في الصناعة والظروف المعيشية لبروليتاريا زمانه، وهلمجرا. وفي غضون عامين ونصف (بين آب/ أغسطس 1863 ونهاية عام 1865) أنجز مخطوطة ضخمة هي الصيغة الأولى للمجلدات النظرية الثلاثة الأولى من رأس المال. وبعد أن فرغ من كتابة المؤلف برمّته (في كانون الثاني / يناير 1866) شرع بتهيئة المؤلف بصورة نهائية للطباعة، آخذاً بنصيحة إنجلز بإعداد المجلد الأول وليس المؤلف برمّته، ويغية ضمان وحدة المؤلف وشموليته ووضوحه، ارتأى ماركس أن الضرورة تدعو إلى افتتاح المجلد الأول من رأس المال بموجز لمضمون الكتاب الذي نشره عام 1859 بعنوان مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي. أدخل ماركس، في أثناء إعداد الطبعات الجديدة، سواء باللغة الألمانية أو بغيرها من اللغات، تحسينات إضافية على المجلد الأول من رأس المال. وهكذا أجرى على الطبعة الثانية (1872) عدداً من التغييرات. وزود الناشرين الروس بملاحظات جوهرية، لمناسبة الطبعة الروسية الصادرة عام 1872 في بطرسبورغ، وهي أول ترجمة من رأس المال إلى لغة أجنبية، كما تولى صباغة أجزاء غير قليلة من الترجمة الفرنسية التي صدرت خلال الفترة من 1872 إلى 1875 على شكل كراسات متسلسلة.
وبعد صدور المجلد الأول، عمل ماركس بلا كلل على تهيئة المجلدات التالية، عازماً على إتمام المؤلف كله دون إبطاء. ولكنه لم يفلح في ذلك. فقد كان يكرس قسطاً كبيراً من الوقت لنشاطه في المجلس العام لرابطة العمال الأممية، وتزايد انقطاعه عن العمل بسبب سوء اوضاعه الصحية وكان دأبه، بما جُبل عليه من دقة علمية، وضمير حي، وصرامة في النقد الذاتي، أن يعمد، كما قال إنجلز، إلى تمحيص اكتشافاته الاقتصادية العظيمة، التمحيص الأتم قبل النشر، الأمر الذي كان يدفعه، دوماً، إلى المزيد من البحث وهو يعالج أو يعيد النظر في هذه المسالة أو تلك.
وبعد وفاة ماركس تولى إنجلز تهيئة المجلدين التاليين من رأس المال للطباعة، فنشر المجلد الثاني عام 1885، والثالث عام 1894. وبذلك قام إنجلز بمساهمة لا تقدر بثمن في اغناء الذخيرة العلمية للشيوعية العلمية.
وقد دقق إنجلز كذلك ترجمة المجلد الأول من رأس المال إلى اللغة الإنكليزية (صدرت عام 1887)، وهيّأ الطبعة الألمانية الثالثة (1883)، والرابعة (1890) من ذلك المجلد. وفضلاً عن

ذلك فقد صدرت، بعد وفاة ماركس، وخلال حياة إنجلز، الطبعات التالية من المجلد نفسه: ثلاث

طبعات باللغة الإنكليزية في لندن (1888-1889-1891) وثلاث طبعات باللغة الإنكليزية في

نيويورك (1887-1889-1890) والطبعة الفرنسية في باريس (1885) والدانماركية في كوبنهاغن (1885)، والإسبانية في مدريد (1886) والإيطالية في تورين (1886) والبولونية في لايبزيغ (1884ـ 1889) والهولندية في أمستردام (1894) وكذلك جملة من الطبعات الأخرى غير الكاملة. وتولى إنجلز، عند تهيئة الطبعة الرابعة من المجلد الأول من رأس المال (1890)، التحرير النهائي للنص والهوامش بالاستناد إلى الملاحظات التي خلفها ماركس. وقد اعتُمدت صيغة النص تلك في طبعتنا الحالية. (ن. برلين).