الحقيقة من جانب تروتسكي

0
340

 

كثير من “التروتسكيين” بعد استعادة الرأسمالية في الاتحاد السوفييتي السابق، تخلوا عن الحركة التي تجادل بأن تروتسكي كان مخطئا. الأجيال الماركسية القديمة والحديثة عليها إعادة قراءة أعمال تروتسكي، خاصة ” الثورة المغدورة”، وأن تستخلص استنتاجاتها الخاصة حول ما إذا كان تروتسكي مخطئا أو، كما نعتقد نحن، عبقريا فيما طرح.

لتقديم إطار للوقائع الراهنة علينا الانطلاق من الجدال الذي بدأ عام 1924 بين تروتسكي وستالين.

بعد وفاة لينين في خريف 1924 بدأ ستالين في الحديث حول “الاشتراكية في بلد واحد”. اليوم هذا النمط من النظريات لن يفاجئ أحدا، حيث أن معظم اليسار يدافع عن نوع من “الاشتراكية القومية”. ولكن في ذلك الوقت كانت نظرية ستالين بدعة بائسة بالنسبة لكل الماركسيين، الذين يفهمون الماركسية فقط من منظور أممي.

تروتسكي، مسلحا بنظرية الثورة المستمرة، حارب منذ اللحظة الأولى أفكار ستالين. وبسبب هذه الحرب تم اتهامه بأنه عميل للإمبريالية، وبأنه لا يثق بالثورة، ولا بالطبقة العاملة، ولا بالفلاحين.. الخ.. الخ.

واضح أن تروتسكي لم يدافع أبدا عن ثورة لا يمكنها الإنتصار على المستوى القومي (من بين عدة أسباب لأنه كان أحد القادة الرئيسيين للثورة الروسية). لقد دافع عن فكرة أن دولة متخلفة كروسيا لا يمكنها بلوغ الإشتراكية بشكل منعزل، وهذا الأمر مختلف تماما.

وعلى العكس، ستالين لم يدافع فقط عن أن الاتحاد السوفييتي يمكنه، منعزلا، بلوغ الإشتراكية، بل ظن أن الاتحاد السوفييتي كان إشتراكيا أصلا. لذا، فإن نظرية ستالين تصلح فقط لتبرير سياسة التعايش السلمي مع الإمبريالية، ولخلق إرباك هائل في أوساط اليسار والبروليتاريا العالمية فيما يتعلق بأهداف نضالنا. إرباك بقي إلى اليوم، حتى في أوساط التروتسكيين، حط من المثال الإشتراكي. حتى الستالينية كانت الإشتراكية رديفة لنظام متفوق على الرأسمالية، بكافة الأشكال، بالنسبة لكل الماركسيين، وبعد ستالين عرفت الإشتراكية على أنها التنشئة الإجتماعية للبؤس.

بالنسبة لماركس كانت الإشتراكية هي المرحلة الأولى للشيوعية، حيث لا يمكن للعمال بعد الحصول على ما يريدون وفقا لاحتياجاتهم، ولا حتى يمكنهم العمل وفقا لاستطاعتهم، ولكنها كانت متفوقة على الرأسمالية بكافة الأشكال. حكومة ستالين قالت إنها لم تكن شيوعية تماما، ولكنها بلغت الإشتراكية: المرحلة الأولى للشيوعية. (تروتسكي، 1991).

ارتباطا بهذه الفكرة حول أن الإشتراكية مرحلة أعلى من الرأسمالية، لم يتوقع ماركس بأن الثورة الأولى ستنتصر في روسيا المتخلفة، بل في فرنسا المتطورة. ولكن التاريخ قام بمزحة سمجة. التطور غير المتساوي للاقتصاد العالمي جعل الدول المتخلفة غير قادرة على التطور وفقا للقواعد الرأسمالية. إحدى هذه الدول كانت روسيا، حيث انتصرت فيها أولى الثورات الإشتراكية. وهذه الحقيقة التي لم يتنبأ بها ماركس أسست لمسافة شاسعة بين انتصار الثورة الإشتراكية وبين الإشتراكية ذاتها.

بالنسبة لروسيا، لبلوغ الإشتراكية فإنها تحتاج لبلوغ وتجاوز القوى الإمبريالية العظمى، وبالنسبة لتروتسكي فإن هذا كان مستحيلا بسبب الهيمنة الإمبريالية على العالم. لذا فإن المعركة من أجل الإشتراكية في الاتحاد السوفييتي لا يمكن ربحها على أرضية قومية، بل أممية. لذا، فقد اعتبر نظرية ستالين حول “الإشتراكية في بلد واحد” يوتوبيا رجعية.

الأكثر أهمية لفهم عبقرية تروتسكي أن كتاب “الثورة المغدورة” تم تأليفه في العام 1936، بعبارة أخرى عندما ظهر ستالين على أنه محق.

في تلك السنوات كان تطور الاتحاد السوفييتي بقيادة ستالين مثيرا للإعجاب، وقد قال تروتسكي حول هذه المسألة في ” الثورة المغدورة”:

الصناعات الثقيلة ضاعفت إنتاجها خلال العقد الأخير (1925 – 1935) لأكثر من 10 أضعاف.. وخلال السنوات الثلاث الأخيرة تضاعف إنتاج الحديد، وإنتاج الفولاذ. ومعامل تشكيل المعادن تضاعفت نحو 2.5 مرة.. في 1920 عندما رسمت أول خطة للكهرباء كانت هنالك عشر قطاعات لمحطات الطاقة في البلاد، يبلغ حجم إنتاجها الكلي للطاقة 253000 كيلوواط. في 1935 كان هنالك خمس وتسعون من هذه المحطات بطاقة إجمالية تبلغ 4345000 كيلوواط. في 1925 حل الاتحاد السوفييتي في المرتبة الحادية عشر في إنتاج الطاقة الكهربائية. في 1935 كان في المرتبة الثانية بعد ألمانيا والولايات المتحدة. وفيما يتعلق بإنتاج الفحم تقدم الاتحاد السوفييتي من المرتبة العاشرة إلى الرابعة. وفيما يتعلق بالفولاذ من المرتبة السادسة إلى الثالثة. وفيما يتصل بإنتاج الجرارات “التراكتورات” احتل المرتبة الأولى على مستوى العالم. وهذا ينطبق أيضا على إنتاج السكر. (تروتسكي، 1991، ص 7).

النتائج العملية في الاتحاد السوفييتي ولدت اضطرابا هائلا في العالم. المثقفون هللوا “لمرشد الشعوب العبقري”. الأحزاب الشيوعية حول العالم باتت هائلة. حتى أن كثيرا من معارضي ستالين السابقين قاموا بنقد ذاتي وأعلنوا أنهم باتوا أتباعه المخلصين. تروتسكي أولى أهمية كبرى لهذه الأرقام.

إنجازات ضخمة في الصناعة، وبدايات واعدة إلى حد كبير في الزراعة، ونمو غير اعتيادي للمدن الصناعية القديمة وبناء أخرى جديدة، وزيادة متسارعة في أعداد العمال، وارتقاء في المستوى الثقافي والمطالب الثقافية – كالنتائج التي لا سبيل للشك بها لثورة أوكتوبر، التي حاول كهنة العالم القديم رؤية ضريح الحضارة الإنسانية فيها، مع الإقتصاديين البرجوازيين لم يعد لدينا أي شيء للنزاع عليه. الإشتراكية أثبتت حقها بالنصر، ليس في صفحات ” رأس المال“، بل على ميدان اقتصادي يحتضن سدس وجه الأرض – ليس بلغة الديالكتيك، بل بلغة الحديد والإسمنت والكهرباء. حتى لو كان الاتحاد السوفييتي، نتيجة لمصاعبه الداخلية، والضربات الخارجية، وأخطاء قيادته، سيؤول إلى الانهيار – وهو ما نتمنى بشدة عدم حدوثه – سيبقى ماثلا كرهان للمستقبل حول هذه الحقيقة الراسخة، أنه بفضل الثورة البروليتارية فقط، حققت دولة متخلفة، في أقل من عشرين سنة، نجاحا لا مثيل له في التاريخ. (تروتسكي، 1991، ص 8).

ولكن هذه الأرقام لم تخدع تروتسكي “توصيف التقدم الإقتصادي بالمؤشرات الكمية وحدها، دون أخذ النوعية بعين الإعتبار، هو إلى حد ما كوصف بنية إنسان بناء على طوله، بصرف النظر عن عرض صدره”. (تروتسكي، 1991، ص 12).

السبب أنه “على الرغم من ظروفها الراكدة والمتعفنة، مازالت الرأسمالية متقدمة في مسألة التكنيك، والتنظيم، ومهارات العمل”. (تروتسكي، 1991، ص 9). وأضاف إن “الدرجات الديناميكية للصناعة السوفييتية لا مثيل لها، ولكنها مازالت بعيدة عن الحسم. الاتحاد السوفييتي ترك نفسه في مستوى منخفض بشكل مرعب، بينما الدول الرأسمالية تنزلق من مستوى مرتفع للغاية”. (تروتسكي، 1991، ص 8). ولبيان هذا قدم العديد من الأمثلة، من بينها مثال هام للغاية: “استهلاك الورق أحد المؤشرات الرئيسية للثقافة. في 1935 أنتج الاتحاد السوفييتي أقل من أربعة كيلوغرامات للفرد وفي الولايات المتحدة كان الإنتاج أكثر من أربعة وثلاثين (متراجعا من ثمانية وأربعين عام 1928)، وفي ألمانيا أكثر من سبعة وأربعين كيلوغراما.

بعد طرح تلك البيانات قال تروتسكي:

النظام السوفييتي يتجاوز مرحلة إعدادية، يستورد، ويقترض، ويستوعب الفتوحات التقنية والثقافية للغرب. العامل المقارن للإنتاج والاستهلاك يشهد بأن هذه المرحلة التحضيرية بعيدة عن نهايتها. حتى تحت الظروف بعيدة الاحتمال لاستمرار الركود الرأسمالي التام، عليها أن تبقى ضمن مرحلة تاريخية كاملة. هذا أول استنتاج بالغ الأهمية.. (تروتسكي، 1991، ص 17).

ولكن بالنسبة لتروتسكي فإن هذا الفرق الشاسع بين القوى الرأسمالية والاتحاد السوفييتي، الذي أرغم على التسابق إلى المقدمة، جعل دولة العمال تدفع ثمنا باهظا. “طالما بقي الاتحاد السوفييتي ضمن طوق رأسمالي، ستجري بعمق عملية تحلل البنية الاجتماعية. العزلة الطويلة ستؤول حتما ليس إلى شيوعية قومية، بل إلى استعادة الرأسمالية”. (تروتسكي، 1991، ص 257).

بسبب مثل تلك التصريحات، تمت مهاجمة تروتسكي بعنف، وفقا لناقديه كان لا يثق بالإشتراكية، ولكن هذا محض افتراء. تروتسكي لا يثق بالبيروقراطية، لذا طرح شرطا للنصر: “.. الطبقة العاملة ستكون مجبرة في نضالها من أجل الإشتراكية على تفكيك البيروقراطية. سينقش على القبر الأخير: هنا ترقد نظرية الإشتراكية في بلد واحد”. (تروتسكي، 1991، ص 257). الطبقة العاملة للاتحاد السوفييتي لم تتمكن من تجريد البيروقراطية من سلطتها، لذا ما قاله تروتسكي عام 1936 كان لا يمكن تجنبه، وبات واقعا في الثمانينيات. الرأسمالية تمت استعادتها.

تروتسكي، العدو اللدود للبيروقراطية، عرف الفرق بين دولة العمال البيروقراطية، وبين قيادتها. لذا دعا إلى القيام بثورة سياسية، تحافظ على منجزات أوكتوبر (ملكية مؤممة، واقتصاد مركزي مخطط، واحتكار التجارة الخارجية)، ولكن تنتزع البيروقراطية من السلطة. وعلاوة على ذلك أعلن أنه إذا تمت استعادة الرأسمالية، فإن هذا سيولد “تراجعا كارثيا للاقتصاد والثقافة”. (تروتسكي، 1991، ص 213). نبوءة تروتسكي تحققت تماما. أنكرت الاستنتاج الذي بلغه العديد من “التروتسكيين” بعد استعادة الرأسمالية حول أن العمال [كاسبي الأجور] لا يملكون ما يدافعون عنه من دولة العمال البيروقراطية. البيروقراطية تتحمل مباشرة مسؤولية خسارة الطبقة العاملة لآخر إنجازات ثورة أوكتوبر للعام 1917.

رغم كل شيء، علينا أن نرى أن البيروقراطية السوفييتية دفعت ثمنا باهظا لخيانتها. الأجهزة الستالينية أصيبت في مقتل. الطبقة العاملة حول العالم تخلصت من العائق الرئيسي أمام حريتها.

وإننا نعيش اليوم مرحلة جديدة لنهضة عظيمة: العراق، وفنزويلا، والإكوادور، وبوليفيا، وفلسطين، وبلدان أخرى عديدة أثبتت ما قلناه، ولم يعد عليها أن تواجه جلاوزة الأجهزة الستالينية. ولكننا لسنا أمام “سرير من الورود”. كثير من المقاتلين الجدد مازالوا مشوشين للغاية، ومتحيزين كثيرا للصيرورة الشرقية، ما يجعل من الصعب بناء قيادة ثورية. وعلاوة على ذلك هناك منظمات جديدة، بقيادات جديدة، تواجه هذه المواقف، التي باتت عائقا كبيرا للعمل الثوري للجماهير من أجل المضي في التقدم. هل سيكون في مقدور الجماهير تجاوز هذه العوائق؟ لا يمكننا أن نعرف. التاريخ لا يكتب نفسه سلفا. هنالك معركة في الأفق، السؤال هو: ما هي الشروط، بالنسبة لنا، للوصول إلى نتائج هذه المعركة؟ تنبغي الإجابة على هذا السؤال دون لبس. الظروف دون عائق الأجهزة الستالينية هي إلى حد بعيد في صالح الجماهير والطبقة العاملة. وهنا يمكننا القول دون شك إن لدينا الحق في أن نكون متفائلين.

ترجمة تامر خورما
مراجعة وتدقيق فيكتوريوس بيان شمس
يمكن مراجعة الجزء الثاني والعشرون من خلال الرابط التالي:

نصف قرن من الانتصارات التكتيكية والهزائم الاستراتيجية