تاريخ الثورة الروسية (ج2): عصيان كورنيلوف

0
219

 

منذ مطلع شهر أغسطس (آب) أمر كورنيلوف بإرسال الفرقة “الوحشية” وفيلق الخيالة الثالث من الجبهة الجنوبية الغربية إلى المنطقة الواقعة داخل مثلث السكة الحديدية: (نيفل – نوفوسو كولينكي – فيليكي لوكي) الذي يمثل قاعدة جيدة للسير نحو بتروغراد. وادَّعى بأن هذه القوات عبارة عن احتياط مخصص للدفاع عن ريغا. وفي الوقت نفسه قرر القائد الأعلى تجميع فرقة من القوزاق في المنطقة الواقعة بين فيبورغ وبييلوستروف في نقطة تشرف على رأس العاصمة نفسها -وليس بين بييلوستروف وبتروغراد أكثر من 30 كيلو مترًا- وأخذت هذه الفرقة شكل احتياط لعمليات محتملة ضد فنلندا. وهكذا تم قبل مؤتمر موسكو إعداد فرق الخيالة الأربع المعتبرة كأفضل القطعات للعمل ضد البلاشفة. وكانت الأوساط المؤيدة لكورنيلوف تتحدث عن الفرقة القفقاسية بكل بساطة قائلة: “لن يهتم هؤلاء الجبليون بمن يذبحون”، وكان المخطط الإستراتيجي بسيطًا. إن من الضروري استخدام السكك الحديدية لنقل ثلاث فرق قادمة من الجنوب إلى تساركويه – سيلا، وغاتشينا، وكراسنويه – سيلا. ومن هناك تستطيع “في حالة السماع ببدء الاضطرابات في بتروغراد، وفي موعد لا يتجاوز صباح 1 سبتمبر (أيلول)” التحرك بتشكيلة القتال، لاحتلال الجزء الجنوبي من العاصمة، على الضفة اليسرى لنهر النييفا. وكان على الفرقة المعسكرة في فنلندا، أن تعمل في الوقت نفسه على احتلال الجزء الشمالي من العاصمة.

واتصل كورنيلوف عن طريق اتحاد الضباط بالمجتمعات الوطنية في العاصمة، تلك المجتمعات التي أكَّدت أنها تملك ألفي رجل مسلحين أكمل تسليح، ولكن حاجة هؤلاء الرجال لضباط مؤهلين بغية تدريبهم، جعل كورنيلوف يعدهم بإرسال ضباط مدربين من الجبهة بحجة التمتع بإجازاتهم. ولضبط الحالة الفكرية لعمال بتروغراد وجنودها، ومراقبة نشاط الثوريين، تم تشكيل مصلحة لمكافحة التجسس تحت قيادة العقيد هيمان قائد الفرقة “الوحشية”. وتم إعداد كل هذه الأمور ضمن إطار القوانين والأنظمة العسكرية؛ إذ كان المتآمرون يسيطرون على القيادة العليا نفسها.

وجاء مؤتمر موسكو ليساعد كورنيلوف على تنفيذ مخططاته. والحقيقة أن ميليوكوف نصح -حسب أقواله- بتأجيل العملية؛ نظرًا لأن كرنسكي لا يزال يتمتع في المحافظات بشيء من الشعبية. ولكن مثل هذه النصيحة لم تؤثر على الجنرال الجامح؛ إذ لا يتعلق الأمر في نهاية المطاف بكرنسكي بل بالسوفييتات. وبالإضافة إلى ذلك، لم يكن ميليوكوف رجل عمل: فهو مجرد مدني لا أكثر، والأدهى من ذلك أنه بروفسور. وكان رجال المصارف، والصناعيون، وجنرالات القوزاق يضغطون، كما كان رجال الدين يباركون. وأعرب الضابط المرافق زافويكو عن إيمانه بالنجاح. وجاءت برقيات التأييد من كل مكان.

وشاركت دبلوماسية دول الحلفاء مشاركة فعالة في تعبئة القوى المضادة للثورة. وكان السير جورج بوكانان يمسك بين يديه عددًا من خيوط المؤامرة. وقدم الملحقون العسكريون العاملون في القيادة العليا تأكيدات جلية على تعاطفهم. ويقول دينيكين: “وكان ممثل بريطانيا العظمى يفعل ذلك بشكل مؤثر”، ووقفت الحكومات خلف سفاراتها. وفي 23 أغسطس (آب)، أرسل سفاتيكوف مفوض الحكومة المؤقتة في الخارج من باريس برقية يقول فيها بأن وزير الخارجية ريبو تحدث إليه خلال مراسم الوداع “وأبدى رغبة كبيرة بمعرفة من هو الشخص الفعال القوى في الوسط المحيط بكرنسكي. كما طرح رئيس الجمهورية بوانكاريه أسئلة متعددة حول… كورنيلوف”، وكان كل هذا معروفًا في مقر القيادة العليا. ولم يجد كورنيلوف ما يدفعه إلى التأجيل والانتظار. وفي يوم 20 تحركت فرقتان من الخيالة نحو بتروغراد. وفي يوم سقوط ريغا استدعت القيادة العليا 4 ضباط من كل فوج “لدراسة الهاونات الإنكليزية”، وكان عدد الحاضرين حوالي 4000 ضابط. وشُرح للضباط الموثوقين بأن الأمر يتعلق بسحق “بتروغراد البلشفية” إلى الأبد. وفي اليوم نفسه، أصدرت القيادة العليا أوامرها بتسليم فرق الخيالة على جناح السرعة صناديق من القنابل، وكانت هذه القنابل أفضل المعدات لقتال الشوارع. ويكتب رئيس الأركان لوكومسكي: “تم الاتفاق على أن يكون كل شيء جاهزًا في 26 أغسطس (آب)”.

وما أن تقترب قوات كورنيلوف من بتروغراد حتى يكون على التنظيمات الداخلية “أن تعمل في العاصمة، وتحتل معهد سمولني، وتحاول اعتقال الزعماء البلاشفة”. صحيح أن هؤلاء الزعماء لا يظهرون في المعهد إلا خلال الاجتماعات، على حين تجتمع فيه باستمرار اللجنة التنفيذية التي تحدد الوزراء، وتعتبر كرنسكي نائبًا لرئيسها. ولكن لا يمكن في الأعمال الكبيرة الاهتمام بالفروق الطفيفة، وليس هناك حاجة لمثل هذا الاهتمام. وعلى كل حال، لم يكن كورنيلوف يهتم بهذا الأمر أيما اهتمام، ولقد قال لرئيس الأركان لوكومسكي: “لقد آن الأوان لشنق عملاء ألمانيا وجواسيسها، وعلى رأسهم لينين، وطرد سوفييت مندوبي العمال والجنود، بشكل لا يستطيع معه الاجتماع في أي مكان”.

وقرر كورنيلوف تسليم قيادة العملية للجنرال كريموف الذي اشتهر في هذه الأوساط بأنه جنرال جريء مقدام حازم. ويقول دينيكين عن هذا الضابط “كان كريموف آنذاك مرحًا، بشوشًا، وينظر إلى المستقبل بإيمان عميق”، وكانت القيادة العليا تثق بكريموف وتؤمن به. ولقد كتب عنه كورنيلوف ما يلي: “إنني على ثقة من أنه لن يتردد عند الضرورة عن شنق كافة أعضاء سوفييت مندوبي العمال والجنود”. وهكذا تم اختيار جنرال “مرح بشوش” بكل نجاح.

وفي قلب هذه الأعمال والإعدادات التي أنست أصحابها الجبهة الألمانية إلى فترة ما، حضر سافينكوف إلى مقر القيادة العليا، لتدقيق الاتفاق السابق؛ وإدخال بعض التعديلات الثانوية عليه. ولضرب العدو المشترك، ذكر سافينكوف أعضاء القيادة بالموعد الذي حدده كورنيلوف منذ أمد بعيد للعمل ضد كرنسكي؛ فلقد مرت ستة شهور على اندلاع الثورة. وبالرغم من إعداد الانقلاب باتجاهين، فقد حاول الطرفان العمل بنفس عناصر الخطة، وكان كورنيلوف يستهدف التمويه، على حين سعى كرنسكي لتغذية أوهامه. وتلاءم اقتراح سافينكوف مع أفكار القيادة العليا: أن الحكومة نفسها تمد رقبتها، واستعد سافينكوف لشد الأنشوطة حول هذا العنق. وفرك جنرالات القيادة العليا أيديهم جذلاً. وكانوا يقولون فيما بينهم كصيادي سمك سعداء “لقد لقط!”.

وقبل كورنيلوف بكل رحابة صدر التنازلات التي لن تكلفه شيئًا. فما هي أهمية انتزاع حامية بتروغراد من يد القيادة العليا، طالما أن قوات كورنيلوف ستدخل العاصمة، ووافق كورنيلوف على الشرطين الآخرين، ثم لم يلبث أن نقضهما، وعين الفرقة الوحشية كطليعة للقوات المتقدمة، وغدا كريموف قائدًا للعملية. ولم ير كورنيلوف أن عليه أن يحافظ حتى على المظاهر.

وناقش البلاشفة بشكل مكشوف شروط تكتيهم: إن حزب الجماهير لا يعرف أسلوبًا آخر للتصرف. ولم يكن بوسع الحكومة والقيادة العليا أن تنكرا بأن البلاشفة كانوا لا يؤيديون المظاهرات، بل يصل بهم الأمر إلى حد معارضتها. ولكن كما يكون الهوى في بعض الأحيان أبًا للفكرة، فإن الضرورة السياسية تغدو أم الظنون. وكانت كافة الطبقات الحاكمة تتحدث عن الانتفاضة الواسعة، لأنها كانت بحاجة لمثل هذه الانتفاضة بأي ثمن. وكان التاريخ المحتمل لهذه الانتفاضة يقدم تارة ويؤخر أخرى.

وأشارت الصحف إلى أن أوساط وزارة الحربية، أي أوساط سافينكوف تنظر إلى المظاهرة المقبلة “بكثير من الجدية”. وصرحَّت صحيفة ريتش أن المبادرة جاءت من قبل المجموعة البلشفية في سوفييت بتروغراد. وكان ميليوكوف غارقًا كسياسي في مسألة انتفاضة البلاشفة الموهومة إلى درجة جعلته يرى أن من واجبه أن يقدم الصورة التالية كمؤرخ، فكتب: “وتدل وثائق مكافحة التجسس التي نشرت فيما بعد، على أن هذه الفترة بالذات ترافقت مع قيام الألمان بتقديم دفعة جديدة من الأموال، بغية تنفيذ مشروعات تروتسكي”. ولكن هذا العالم المؤرخ ينسى مع مصلحة مكافحة التجسس أن تروتسكي الذي حددت القيادة الألمانية اسمه لتسهيل عمل الوطنيين الروس كان في “هذه الفترة بالذات” -من 23 يوليو (تموز) حتى 4 سبتمبر (أيلول)- بين جدران السجن. إن محور الأرض عبارة عن خط وهمي لا أكثر، ولكن هذا لم يمنع الأرض كما نعلم من أن تدور حول نفسها. وهكذا دارت خطة العملية الكورنيلوفية حول حركة بلشفية موهومة، واعتبرتها محورًا لها. وقد يكون لهذا المحور الموهوم كافيًا من أجل المرحلة التحضيرية. أما حل العقدة، فقد كان بحاجة لشيء أكثر مادية.

ويتحدث أحد قادة المؤامرة العسكرية الضابط وينبرغ، في مذكرات هامة تكشف ما كان يجري في الكواليس، ويؤكد بشكل كامل تعليمات البلاشفة حول العمل الناجم عن الاستفزاز العسكري. فلقد اضطر ميليوكوف تحت ضغط الأحداث والوثائق إلى الاعتراف بأن “شكوك أوساط أقصى اليسار جاءت في محلها؛ إذ كان التحريض المشبوه في المصانع جزءًا لا يتجزأ من المهمات التي كان على تنظيمات الضباط تنفيذها”. ولكن هذا لم يعط نتائج كبيرة؛ فلقد قرر البلاشفة -حسب أقوال المؤرخ نفسه- “أن لا يتورطوا”، ولم تكن الجماهير لتسير بدون البلاشفة. ولكن الخطة أخذت بعين الاعتبار هذا الحاجز الذي تم شلَّه مسبقًا؛ إذ قرر “المركز الجمهوري” -وهذا هو الاسم الذي أطلقته قيادة المتآمرين في بتروغراد على نفسها- أن يحل محل البلاشفة. وكلف عقيد القوزاق دوتوف بإجراء انتفاضة مزيفة وإلقاء تبعتها على عاتق البلاشفة. وفي يناير (كانون الثاني) من عام 1918، سُئل دوتوف من قبل بعض أصدقائه السياسيين “عما كان من الضروري أن يجري في 28 أغسطس (آب) 1917، فأجاب بالحرف الواحد: “لقد كان علي أن أنتحل صفة البلاشفة، وأن أعمل في الفترة الواقعة بين 28 أغسطس (آب) و2 سبتمبر (أيلول)” لقد توقعت الخطة كل شيء. ولم يذهب عبثًا وضع الخطة من قبل ضباط هيئة الأركان العامة.

وما أن عاد سافينكوف من موهيليف حتى اعتقد كرنسكي بأن سوء التفاهم قد زال، وأن القيادة العليا قد دخلت في مخططه بصورة نهائية. ويكتب ستانكيفيتش: “وجاءت لحظات، لم يعتقد فيها كافة المشتركين بأنهم يعملون على اتجاه واحد فحسب، بل تصوروا وسيلة العمل بشكل متماثل أيضًا” ولم تدم هذه اللحظات السعيدة طويلاً؛ إذ تدخلت الصدفة في العملية. وفتحت هذه الصدفة ككل الصدف التاريخية صمام الضرورة، وحضر لزيارة كرنسكي الأكتوبري لفوف، الذي كان أحد أعضاء الحكومة المؤقتة الأولى، والذي تسنم منصب رئيس مجلس الكنيسة الأرثوذكسية الأعلى. ثم وصف أعضاء هذا المجلس بأنهم “حمقى وأنذال”، ويشاء القدر أن يكشف لفوف بأنه تحت مظهر الخطة الواحدة تختفي خطتان، تعمل كل واحدة منهما ضد الأخرى.

وكان لفوف السياسي العاطل عن العمل متحدثًا ماهرًا وهذا ما جعله يشارك في معظم المجادلات الدائرة في مقر القيادة العليا أو في قصر الشتاء حول تحويل السلطة وإنقاذ البلاد. ولقد جاء في هذه المرة ليقترح تعديل الوزارة على أسس وطنية، فحاول أن يخيف كرنسكي بكل رفق عن طريق تهديده بصواعق القيادة العليا الساخطة. وأثار هذا القول قلق رئيس الوزراء، فقرر استخدام لفوف لمراقبة القيادة العليا، والتظاهر بمراقبة شريكه في المؤامرة سافينكوف، وأعلن كرنسكي أنه ميَّال للتيار الذي ينادي بالدكتاتورية، ولم يكن في قوله أي نفاق، وشجع لفوف على متابعة اتصالاته، وكان تشجيعه هذا خدعة حربية.

وعندما عاد لفوف إلى مقر القيادة العليا، مزودًا من كرنسكي بكافة السلطات، اعتبر الجنرالات المهمة كدليل على أن الحكومة مستعدة للاستسلام. فبالأمس فقط، أرسل كرنسكي سافينكوف ليُعلم القيادة العليا بأنه مضطر لقبول برنامج كورنيلوف تحت حماية فيلق من القوزاق، وهو يقترح اليوم على هذه القيادة أن تعيد السلطة بالاشتراك معه. وقرر الجنرالات دفع العجلة. وشرح كورنيلوف أمام لفوف بأنه ما دام هدف انتفاضة البلاشفة المنتظرة “قلب سلطة الحكومة المؤقتة، وعقد الصلح مع ألمانيا، بمساعدة أسطول البلطيق” فإن المخرج الوحيد من هذا الموقف هو “قيام الحكومة بنقل السلطة فورًا، ووضعها بين يدي القائد الأعلى”، ثم أضاف كورنيلوف: “كائنًا من كان هذا القائد الأعلى”. ولكنه لم يكن يود ترك مكانه لأي شخص آخر. وكان ثباته في مكانه مضمونًا سلفًا بقسم الولاء الذي أعلنه فرسان القديس جورج، واتحاد الضباط، وسوفييت قطعات القوزاق. ولتأمين “سلامة” كرنسكي وسافينكوف من خطر البلاشفة، دعا كورنيلوف هذين الرجلين بإلحاح للذهاب إلى مقر القيادة العليا، والبقاء تحت حمايته الشخصية. ولقد شرح الضابط المرافق زافويكو للفوف بدون مواربة طبيعية هذه الحماية وفحواها.

وما أن عاد لفوف إلى موسكو حتى بدأ محاولاته المستمرة “كصديق” لإقناع كرنسكي بقبول اقتراح كورنيلوف “بغية حماية حياة أعضاء الحكومة المؤقتة، وخاصة حياة كرنسكي نفسه”. وفهم كرنسكي أخيرًا أن اللعبة السياسية مع الديكتاتورية أخذت منعطفًا جادًا، وأن من الممكن انتهاؤها بشكل سيئ ضده. ولكنه قرر العمل، فتحدث مع كورنيلوف هاتفيًّا ليتحقق من بعض النقاط: هل نفَّذ لفوف مهمته بشكل جيد؟ ولم يطرح كرنسكي الأسئلة لا باسمه فحسب، بل طرحها أيضًا باسم لفوف الذي لم يكن موجودًا خلال الحديث. ويذكر مارتينوف بأن “مثل هذه الوسيلة التي تصلح لعمل مخبر سري لم تكن ولا شك ملائمة بالنسبة لرئيس الحكومة”. وتحدث كرنسكي عن سفره بعد الغد إلى مقر القيادة العليا بصحبة سافينكوف، وكأن هذا السفر أمر مقرر. وبدا الحديث الهاتفي كله غريبًا لا يصدق؛ إذ كان رئيس الحكومة الديموقراطي والجنرال “الجمهوري” يتحدثان عن تخلي أحدهما عن السلطة للآخر وكأنهما يتحدثان عن التخلي عن مقعد في عربة قطار معدة للنوم!

إن ميليوكوف محق عندما يرى، بأن إصرار كورنيلوف على المطالبة بنقل السلطة إليه ما هو إلا عبارة عن “استمرار لكل هذه المباحثات المستمرة منذ زمن طويل حول الديكتاتورية، وإعادة تنظيم السلطة، …إلخ”. ولكن ميليوكوف يبالغ عندما يستند إلى هذه القاعدة، ويحاول طرح القضية، وكأنه لم يكن هناك أية مؤامرة من جانب القيادة العليا. وما كان كورنيلوف
ولا شك ليفرض مطالبه عن طريق لفوف، لو لم يكن قبل كل شيء شريكًا لكرنسكي. ولكن هذا لا يمنع أن كورنيلوف أخفى تحت المؤامرة المشتركة مؤامرة أخرى، خاصة به. ففي اللحظة التي استعد بها كرنسكي وسافينكوف لتصفية البلاشفة -وتصفية السوفييتات بصورة جزئية- كان كورنيلوف مستعدًا لتصفية الحكومة المؤقتة أيضًا. وهذا ما لم يكن كرنسكي راغبًا به.

وفي مساء 26، كان بوسع القيادة العليا أن تعتقد خلال عدة ساعات بأن الحكومة استسلمت دون قتال. ولم يكن هذا يعني عدم وجود مؤامرة، بل كان يعني بأن المؤامرة على وشك النجاح. وتجد المؤامرة الناجحة دائمًا الوسيلة اللازمة لاكتساب الشرعية. ويقدم الأمير ترويتسكوي، الدبلوماسي، الذي كان يمثل وزارة الخارجية في مقر القيادة العليا، شهادة يقول فيها: “رأيت الجنرال كورنيلوف بعد هذه المحادثة”… “وأفلتت منه زفرة، وتنفس الصعداء عن غير قصد. وعندما سألته عما إذا كانت الحكومة مستعدة لكل شيء، أجاب نعم”، وكان كورنيلوف مخطئًا؛ فاعتبارًا من هذه اللحظة بالذات، ظهرت الحكومة متمثلة بكرنسكي بأنها مستعدة للعمل لصالحها.

وهكذا فلقد كان للقيادة العليا مخططاتها؟ ولم يكن الأمر يتعلق بديكتاتورية ما بصورة عامة، بل بديكتاتورية كورنيلوف؟ واقتُرح على كرنسكي منصب وزير العدل، وكان الاقتراح أقرب إلى السخرية؟ حقًا لقد كان كورنيلوف قليل الحذر عندما أعلم لفوف بكل هذا. واعتبر كرنسكي نفسه ممثلاً للثورة، فقال لوزير المالية نيكراسوف: “لن أسلمهم الثورة!” واعتُقل الصديق المتجرد فورًا، وقضى ليلته أرقًا في قصر الشتاء، تحت حراسة جنديين، وكان يستمع طوال الليل وهو يصر على أسنانه من الغيظ “صوت كرنسكي المنتصر على الطرف الآخر من الجدار في حجرة مجاورة هي حجرة الكسندر الثاني؛ إذ كان كرنسكي مسرورًا من حسن سير مخططاته ويدندن بمقاطع أوبرا لا نهاية لها”. وفي هذه الساعات أحس كرنسكي بفيض عجيب من القدرة.

وعاشت بتروغراد في هذه الأيام قلقًا مزدوجًا. وكان التوتر السياسي الذي زادته الصحافة عن عمد يحمل في طياته بذور الانفجار. وأدَّى سقوط ريغا إلى اقتراب الجبهة. وعادت مسألة إخلاء العاصمة التي كانت مطروحة قبل سقوط القيصرية بزمن بعيد، ولكنها أخذت الآن شكلاً أكثر إلحاحًا. وترك الموسرون المدينة. وكان فرار البرجوازية ناجمًا عن خوفها من انتفاضة جديدة أكثر من خوفها من اجتياح العدو. وفي 26 أغسطس (آب) عادت اللجنة المركزية للحزب البلشفي إلى الهجوم: “إن شخصيات مشبوهة… تقوم بتحريض استفزازي، وتدَّعي أنها تفعل ذلك باسم حزبنا”. وأعلنت الأجهزة القيادية لسوفييت بتروغراد، والنقابات، ولجان المعامل والمصانع في اليوم نفسه: ليس هناك تنظيم عمالي أو حزب سياسي يدعو إلى أية مظاهرة. ومع هذا فإن الإشاعات حول قلب الحكومة في اليوم التالي لم تتوقف ساعة واحدة. وقالت الصحافة: “تشير الأوساط الحكومية إلى قرار أخِذ بالإجماع لسحق كل محاولة للتظاهر” ولكن التدابير الحكومية كانت تستهدف إثارة المظاهرة قبل سحقها.

وفي صبيحة 27، لم تذكر الصحف شيئًا عن نوايا العصيان الكامنة في مقر القيادة العليا، بل ذكرت على العكس تصريحًا صحفيًّا لسافينكوف أكَّد فيه أن “الجنرال كورنيلوف يتمتع بثقة الحكومة بشكل مطلق”. ومر يوم الاحتفال بانقضاء ستة أشهر على اندلاع الثورة وسط هدوء نادر المثال. وتحاشى العمال والجنود كل ما يمكن أن يبدو وكأنه مظاهرة. وقبعت البرجوازية الخائفة من الاضطرابات في بيوتها. وظهرت الشوارع مقفرة. وبدت قبور ضحايا فبراير (شباط) في ساحة مارس (ساحة الاستعراضات)، وكأنها منسية تمامًا.

وفي صبيحة اليوم الذي طال انتظاره، والذي كان من المتوقع أن يحمل الخلاص للبلاد، تلقَّى القائد الأعلى برقية من رئيس الوزراء، تأمره بتسليم وظائفه كلها لرئيس أركانه، والمثول فورًا إلى بتروغراد. وأخذت المسألة برمتها انعطافًا غير منتظر. وفهم الجنرال -حسب تعبيره- “بأن هناك لعبة مزدوجة”. والأصح، أنه كان بوسعه القول بأن لعبته المزدوجة قد انكشفت. وقرر كورنيلوف عدم الإذعان. ولم يؤد رجاء سافينكوف وتوسلاته الهاتفية إلى أية نتيجة. وأصدر القائد الأعلى بيانًا قال فيه: “أعلن أنا الجنرال كورنيلوف أنني مضطر للعمل المشكوف، لأن الحكومة المؤقتة الخاضعة لضغط الأغلبية البلشفية في السوفييتات، تعمل بتوافق تام مع مخططات هيئة الأركان الألمانية، في الوقت الذي سينفذ به العدو إنزالاً على شواطئ ريغا، ويدمر الجيش، ويخلق الاضطرابات داخل البلاد”. وأكَّد بأنه لا يرغب بترك السلطة بين يدي الخونة؛ ولذا فهو “يفضل الموت في ساحة الشرف”. ولقد كتب ميليوكوف فيما بعد عن واضع هذا البيان بشيء من الإعجاب ما يلي: “إنه رجل مصمم حازم، لا يعترف بالدقائق القانونية، ويتجه مباشرة نحو الهدف عندما يرى بأنه صحيح”. إن قائدًا أعلى يسحب قطعات من الجبهة، بغية قلب حكومته، لا يمكن أن يوصف باحترام “الدقائق القانونية”.

وعزل كرنسكي الجنرال كورنيلوف بوحي من سلطته الشخصية؛ إذ لم تكن الحكومة المؤقتة آنذاك موجودة: فقد قدم السادة الوزراء استقالاتهم في يوم 26، وكانت هذه الاستقالات متلائمة بالصدفة مع رغبات كافة الأحزاب. وكان الجنرال لوكومسكي قد حذر لفوف عن طريق آلادين قبل قطيعة القيادة العليا مع الحكومة بعدة أيام وأعلمه “بأن من المستحسن إعلام الكاديت بضرورة الخروج من الحكومة المؤقتة في يوم 27 بغية وضعها في موقف حرج، والتخلص في الوقت نفسه من كافة المتاعب”. وأخذ الكاديت هذا التوجيه بعين الاعتبار. وأعلن كرنسكي من جهة أخرى أمام الحكومة بأنه يرى أن من الممكن مجابهة عصيان كورنيلوف. “شريطة أن تسلم السلطة كلها له”. ولم يكن الوزراء الآخرون ينظرون سوى هذا السبب الملائم كيما يستقيلوا بدورهم. وهكذا تعرض الائتلاف من جديد لتجربة إضافية. وكتب ميليوكوف حول هذا ما يلي: “أعلن وزراء الكاديت، بأنهم استقالوا دون حكم مسبق على اشتراكهم في الحكومة المؤقتة المقبلة”. وسار الكاديت وفق التقاليد التي اعتادوا عليها؛ إذ قرروا الوقوف بعيدًا وانتظار نتئاج أيام الصراع، وأخذ القرار وفق النتيجة. ولم يكن لديهم أدنى شك في أن التوفيقيين سيحفظون لهم أماكنهم. وتخلَّى الكاديت عن أعباء المسئولية واستقالوا مع كافة الوزراء، وشاركوا فيما بعد بعدة اجتماعات حكومية “ذات طابع خاص”، وكان المعسكران خلال استعدادهما للحرب الأهلية، يجتمعان اجتماعات “خاصة” حول رئيس حكومة تتمتع بكافة السلطات التي يمكن تخيلها، ولكنه لا يتمتع بالسلطة الحقيقية.

ونصَّت البرقية التي بعثها كرنسكي إلى مقر القيادة العليا بأن “على كافة القطعات المتجهة إلى بتروغراد وضواحيها أن تتوقف، وتعود إلى مراكزها السابقة”. وعلق كورنيلوف على ذلك: “عدم تنفيذ الأمر، وتوجيه القطعات نحو بتروغراد”. وبهذا وُضع العصيان موضع التنفيذ. وكان من الضروري فهم الأمور بهذا الشكل: إن ثلاث فرق من الخيالة تتجه إلى العاصمة مستخدمة السكك الحديدية.

وأصدر كرنسكي بيانًا موجهًا لقطعات العاصمة يقول فيه: “إن الجنرال كورنيلوف الذي أعلن عن وطنيته وإخلاصه للشعب.. سحب أفواجًا من الجبهة ووجهها ضد بتروغراد”. وصمت كرنسكي عن حذر، ولم يقل بأن سحب القطعات من الجبهة قد تم بعمله وبمشاركته أيضًا، بغية الضغط على حامية الموقع التي يكشف اليوم أمامها خيانة كورنيلوف.

ولم يكن لسان الجنرال المتمرد في جيبه. ولقد قال في برقيته “… ليس الخونة بيننا، ولكنهم هناك، في بتروغراد؛ حيث تآمر العملاء بالاتفاق مع الحكومة، وقبضوا المال من ألمانيا، وباعوا روسيا، ولا يزالون يبيعونها”، وهكذا أخذت الدسائس الموجهة من قبل ضد البلاشفة بلا انقطاع سبلاً جديدة.

ومرَّت حالة الهيجان الليلي التي كان رئيس الوزارة المستقيلة يدندن فيها مقاطع من الأوبرا؛ إذ أن الصراع ضد كورنيلوف يهدد بوقوع عواقب أليمة مهما كانت نتيجته. وكتب كرنسكي: “ففي الليلة الأولى من عصيان القيادة العليا، جرت في أوساط سوفييت العمال والجنود في بطرسبورغ إشاعة تؤكد اتفاق سافينكوف مع حركة الجنرال كورنيلوف”. ولا شك في أن الإشاعة كانت تستهدف كرنسكي مباشرة بعد سافينكوف، ولم يكن في محتواها أي خطأ. وكان كرنسكي يخشى أن تكشف الأيام أشياء أخطر من ذلك بكثير.

ويذكر كرنسكي: “في ساعة متأخرة من ليلة 25 – 26 أغسطس (آب)” دخل إلى مكتبه مدير وزارة الحربية منفعلاً. “وقال لي سافينكوف، وهو يعدل وقفته: سيدي الوزير، أرجوكم اعتقالي فورًا كشريك للجنرال كورنيلوف. ولكن إذا كنتم تثقون بي، فإنني أرجوكم أن تعطوني الفرصة لأثبت للشعب بصورة فعلية بأنه لا علاقة لي البتة بالمتمردين…”، ويتابع كرنسكي حديثه، ويذكر بأنه ما أن سمع هذا القول “حتى عينت سافينكوف حاكمًا عسكريًّا مؤقتة لمدينة بتروغراد، وزودته بسلطات واسعة للدفاع عن بتروغراد ضد قوات كورنيلوف”. وبالإضافة إلى ذلك، فقد استجاب كرنسكي لطلب سافينكوف وعين فيلونينكو مساعدًا له. وهكذا تمت تسوية مسألة العصيان ومسألة قمعه داخل “حكومة المديرين” (الديريكتوار).

وكان تعيين سافينكوف السريع في منصب الحاكم العسكري مدفوعًا برغبة كرنسكي الجامحة بالنضال في سبيل إنقاذ الموقف السياسي؛ فلو كشف كرنسكي حقيقة سافينكوف وأدانه أمام السوفييتات، لقام سافينكوف بكشف لعبة كرنسكي كلها. ولكن حصول سافينكوف بعد شيء من المساومة على إمكانية تبرير وضعه، وإكسابه صفة شرعية، عن طريق المشاركة في المناورات ضد كورنيلوف، سيدفع هذا الشريك إلى القيام بكل ما في وسعه لتبرئة ساحة كرنسكي. وكان “الحاكم العسكري” ضروريًّا لا للقتال ضد الثورة المضادة، بل لمحو آثار المؤامرة. وبدأ العمل المركز للشريكين فورًا في هذا الاتجاه.

ويتحدث سافينكوف عن الموقف فيقول: “في الساعة الرابعة من صبيحة يوم 28 أغسطس (آب)، استدعاني كرنسكي إلى قصر الشتاء حيث وجدت الجنرال الكسييف وتيريشتشنكو، واتفقنا نحن الأربعة على أن الإنذار النهائي الذي حمله لفوف لم يكن أكثر من سوء تفاهم”. إن الحاكم العسكري الجديد يلعب دور المصالحة الجارية قبيل الفجر. وكان ميليوكوف المحرك الأساسي المختفي وراء الكواليس، ثم ظهر خلال النهار على المسرح بشكل مكشوف. وبالرغم من أن الكسييف وصف كورنيلوف بأنه “رأس خروف” فقد كان معه في معسكر واحد. وحاول المتآمرون ومساعدوهم القيام بمحاولة أخيرة لإظهار كل ما جرى وكأنه “سوء تفاهم”، أي لخداع الرأي العام بصورة مشتركة، بغية إنقاذ ما يمكن إنقاذه من المخطط المشترك. إن تحرك الفرقة “الوحشية”، والجنرال كريموف، وقطعات القوزاق، ورفض كورنيلوف لأوامر رئيس الحكومة، والسير باتجاه العاصمة، عبارة عن “سوء تفاهم” لا أكثر! وخاف كرنسكي من تشابك الأحداث المشئوم، فلم يعد يصرخ “لن أسلمهم الثورة!”. وما أن تفاهم مع الكسييف، حتى دخل إلى قاعة استقبال الصحفيين في قصر الشتاء، وطلب منهم أن لا ينشروا في أية صحيفة بيانه الذي يتهم كورنيلوف بالخيانة. ويذكر الصحفيون الذين شهدوا الاجتماع أنه عندما تبين بأن هذه المهمة غير ممكنة من الناحية التقنية العملية، صرخ كرنسكي: “آسف جدًا!” إن هذه الحكاية التي ظهرت في صحف اليوم التالي، تدل بشكل حي لا مثيل له على طبيعة شخصية “الحَكَم الأعلى” للأمة بعد أن تعثر هذا الحَكَم بصورة نهائية. لقد كان كرنسكي يمثل الديمقراطية، تمامًا كما يجسد البرجوازية؛ حيث إنه يحتل أعلى مركز في سلطة الدولة، ويتآمر في الوقت نفسه على هذه السلطة.

وفي صبيحة 28، غدت القطيعة بين الحكومة والقائد الأعلى أمرًا واقعًا بنظر البلاد كلها. وتدخلت البورصة بالأمر فورًا. وإذا كان خطاب كورنيلوف في موسكو حول احتمال سقوط ريغا قد سبب انخفاض قيمة الأسهم الروسية، فإن أخبار عصيان الجنرالات بشكل مكشوف أدت إلى ارتفاع هذه القيمة بشكل عام. وبواسطة خط انخفاض القيمة خلال نظام فبراير (شباط) أعطت البورصة التعبير الأكيد الذي لا ينكر عن الحالة الفكرية للطبقات المالكة وآمال هذه الطبقات التي لم تكن تشك بانتصار كورنيلوف.

ورد الجنرال لوكومسكي الذي أمره كرنسكي بالأمس باستلام القيادة مؤقتًا: “لا أعتقد أن من الممكن استلام وظيفة الجنرال كورنيلوف، لأن ذلك سيؤدي إلى انفجار داخل الجيش يهدد روسيا بالضياع”. فإذا استثنينا القائد الأعلى لبلاد القفقاس، الذي أعلن مع شيء من التأخير إخلاصه للحكومة المؤقتة، وجدنا أن القادة الآخرين أبدوا دعمهم لمطالب كورنيلوف بلهجات متباينة في شدتها. وبوحي من الكاديت، أرسلت اللجنة الرئيسية لاتحاد الضباط إلى كافة هيئات أركان الجيش والأسطول البرقية التالية: “لقد برهنت الحكومة المؤقتة أكثر من مرة على عجزها كدولة، وها هي الآن تلوث شرفها واسمها بالاستفزاز، ولا يمكن أن تبقى مدة أطول من ذلك على رأس روسيا…” وكان رئيس الشرف لاتحاد الضباط هو لوكومسكي نفسه! وفي مقر القيادة العليا أفهم الجنرال كراسنوف بعد تعيينه قائدًا لفيلق الخيالة الثالث بأنه “لن يكون هناك شخص واحد يدافع عن كرنسكي. إنها مجرد نزهة. وكل شيء معد”.

ولدينا بالنسبة للحسابات المتفائلة التي قام بها قادة المؤامرة والمحرضون عليها فكرة صحيحة استقينا بعضها من برقية مشفَّرة بعث بها الأمير تروبتسكوي إلى وزير الخارجية وقال فيها: “لقد درست الوضع بكل نضج، ولذا فإن علي أن أعترف بأن كافة القيادة، والجزء الأكبر من مجموعة الضباط، وخيرة القوات المقاتلة ستسير خلف كورنيلوف، وسينضم إلى صفه في المؤخرة كافة القوزاق، وغالبية المدارس العسكرية، وأحسن القطعات أيضًا. وبالإضافة إلى القوة المادية فإن من المستحسن أن نضيف بأنه يمتلك… موافقة كافة شرائح الشعب غير الاشتراكية. وسيركن الجميع في الطبقات الدنيا إلى اللا مبالاة… عند أول ضربة سوط. وليس من المستبعد أن ينضم عدد كبير من اشتراكي مارس (آذار) إلى صف كورنيلوف إذا ما انتصر”، ولم يكن تروبتسكوي يمثل آمال القيادة العليا فحسب، بل يمثل أيضًا وجهة نظر بعثات الحلفاء. وكان في قوات كورنيلوف المتجهة لاحتلال بتروغراد سيارات مصفحة إنكليزية، مع سدنة إنكليز، وكان هؤلاء الجنود على ما يبدو مضمونين أكبر من جنود أية وحدة أخرى. ولقد انتقد الجنرال كنوكس -رئيس البعثة الإنكليزية في روسيا- العقيد الأمريكي روبينس لأنه لم يدعو كورنيلوف. وقال الجنرال البريطاني “إنني لا أهتم بحكومة كرنسكي، فهي ضعيفة جدًا، ولا بُدَّ من ديكتاتورية عسكرية، ولا بُدَّ من سيطرة القوزاق. إن هذا الشعب بحاجة لسوط لاذع! وهو بأمس الحاجة لديكتاتورية”.

ووصلت كافة هذه الأصوات من جميع الجهات إلى قصر الشتاء. وأثرت بشكل فعال على شاغليه. وبدا انتصار كورنيلوف أمرًا لا جدال فيه. وأعلم الوزير نيكراسوف أصدقاءه بأن الحكومة خسرت الجولة نهائيًّا، ولم يبق أمام أعضائها سوى أن يموتوا بشرف. ويؤكد ميليوكوف بأن “بعض زعماء السوفييت المرموقين، أحسوا بالمصير الذي ينتظرهم إذا ما انتصر كورنيلوف، فعجلوا بإعداد جوازات السفر استعدادًا للرحيل إلى الخارج”.

وكانت الأنباء تترى ساعة بعد أخرى حاملة تهديدًا أثر تهديد، حول اقتراب قوات كرونيلوف. واستقبلت الصحافة البرجوازية هذه الأنباء بنهم، وبالغت بها، وضخمتها، وخلقت جوًا من الهلع.

وفي الساعة الثانية عشرة ونصف من يوم 28 أغسطس (آب) “تجمعت مفرزة مرسلة من قبل الجنرال كورنيلوف على مقربة من لوغا” الواقعة على بعد ساعتين ونصف… “مرت من محطة أوريديج تسعة قطارات جديدة محملة بقطعات كورنيلوف. وكان في القطار الأول كتيبة من عمال السكك الحديدية”، وفي الساعة الثالثة من بعد الظهيرة “استسلمت حامية لوغا لقوات الجنرال كورنيلوف وسلمت كافة أسلحتها. واحتلت قوات كورنيلوف المحطة وكافة المنشآت الحكومية في لوغا”، وفي الساعة السادسة مساءً “قامت قطعتان من قوات كورنيلوف القادمة من نارفا بخرق. ووصلت إلى نقطة تبعد نصف فرست عن غاتشينا. وهناك قطعتان ثانيتان تسيران باتجاه غاتشينا”، وفي الساعة الثانية من صباح يوم 29 أغسطس (آب): “اندلع القتال بين القوات الحكومية وقوات كورنيلوف في محطة أنتروبشينو (على مسافة 33 كيلو مترًا من بتروغراد)، وسقط بعض القتلى والجرحى من الطرفين”. وفي الليلة نفسها، جاء نبأ يقول بأن كاليدين يهدد بقطع مواصلات بتروغراد وموسكو مع الجنوب، اهراء حبوب روسيا.

وكان المجتمعون في قاعة الأعمدة في قصر الشتاء يعتبرون تصرف القيادة العليا، وقيادات الجبهات، والبعثة البريطانية، والضباط، والقطعات، وكتائب السكك الحديدية، والقوزاق، وكاليدين كصوت الصُور في يوم القيامة.

ولقد اعترف كرنسكي بذلك مع شيء من التلطف عندما كتب: “كان يوم 28 أغسطس (آب) بالتحديد يوم أكبر الترددات وأعظم الشكوك حول قوة خصوم كورنيلوف، وأكبر التوترات العصبية في أوساط الديمقراطية نفسها”، وليس من الصعب أن نتصور ماذا يختفي تحت هذه الكلمات. وكان رئيس الحكومة لا يتساءل فقط من هو الطرف الأقوى في هذا النزاع، بل كان يهتم بمعرفة من هو الطرف الأخطر عليه شخصيًّا. “لسنا مع اليمين، ولا مع اليسار”. إن مثل هذا الكلام يبدو رائعًا فوق مسرح موسكو. ولكن ترجمته إلى لغة الحرب الأهلية التي توشك أن تندلع، يعني أن حلقة كرنسكي الصغيرة ستكون غير مجدية بنظر اليمينيين واليساريين على حدٍّ سواء. ويكتب ستانكيفيتش: “كنا جميعًا كالتائهين من اليأس أمام اقتراب مأساة تحطم كل شيء. ويمكن الحكم على درجة اضطرابنا من أنه بالرغم من القطيعة العلنية بين القيادة العليا والحكومة، قامت الحكومة بمحاولات للوصول إلى اتفاق ما…”.

ويقول ميليوكوف: “وولدت فكرة الوساطة… في هذه الظروف من نفسها”. وكان ميليوكوف يفضل التصرف كشخص ثالث. ولقد حضر إلى قصر الشتاء في مساء يوم 28 لكي “ينصح كرنسكي بالتخلي عن وجهة النظر الشكلية البحتة الخاصة بخرق القانون”. وكان الزعيم الليبرالي يفهم بأن على المرء أن يميز لباب ثمرة الجوزة عن قشرتها، وكان في الوقت نفسه أفضل مَن يقوم بدور الوسيط المخلص. ففي 13 أغسطس (آب) علم ميليوكوف من كورنيلوف مباشرة بأن هذا الجنرال حدد لحركته يوم 27، وفي اليوم التالي -14 أغسطس (آب)- أعلن ميليوكوف في خطابه أمام المؤتمر بأن “اتخاذ التدابير المحددة من قبل القائد الأعلى فورًا، لم يثر إطلاقًا أية شكوك، أو تهديدات أو رفض”، وكان من الضروري أن يبقى كورنيلوف حتى يوم 27 بعيدًا عن الشبهات! وفي الوقت نفسه قدم ميليوكوف لكرنسكي وعدًا بدعمه “عن طيب خاطر، ودون أي اعتراض”، وهذا ما يذكرنا بحبل المشنقة الذي يقدم دعمه للمشنوق “دون أي اعتراض”.

ويعترف كرنسكي من جهته بأن ميليوكوف تقدم إليه بعرض الوساطة “واختار لحظة تسمح له بالبرهان على أن القوة الحقيقية كانت إلى جانب كورنيلوف”. وانتهى اللقاء بشكل ملائم لدرجة دفعت ميليوكوف لأن يحدد لأصدقائه السياسيين بعد خروجه من الاجتماع إمكانية استبدال كرنسكي بالجنرال الكسييف الذي سيتعذر على كورنيلوف معارضته. ووافق الكسييف الهمام على ذلك.

وجاء بعد ميليوكوف من هو أكبر منه. ففي ساعة متأخرة من الليل، قدم السفير البريطاني بوكانان لوزير الخارجية الروسية مذكرة يعرض فيها ممثلو دول الحلفاء بالإجماع خدماتهم “لصالح الإنسانية، ورغبة منهم بتلافي وقوع كارثة لا تُحمد عقباها”. ولم تكن الوساطة الرسمية بين الحكومة والجنرال المتمرد سوى دعم وضمانة للعصيان. ورد تيريشتشينكو على المذكرة باسم الحكومة المؤقتة التي تنظر “بدهشة بالغة” إلى عصيان كورنيلوف، الذي وافقت الحكومة على معظم أجزاء برنامجه.

ووجد كرنسكي أن أفضل ما يقوم به في واقع العزلة والأهوال الذي يعيشه، هو أن يتابع حديثًا لا ينتهي مع هؤلاء الوزراء المستقيلين. وما أن انغمس في هذا النشاط العقيم، حتى جاءت أنباء خطرة عن تقدم قطعات العدو. وقدر نيكراسوف أن “من المحتمل وصول قوات كورنيلوف إلى بتروغراد خلال عدة ساعات…”، وبدأ الوزراء السابقون يفكرون: “ما هو السبيل الأمثل في مثل هذه الظروف لتشكيل السلطة الحكومية؟” وظهرت فكرة “حكومة المديرين” على السطح. ونظر اليمين واليسار بعين الرضى إلى إدخال الجنرال الكسييف في “حكومة المديرين”. ورأى الكاديت كوكوشكين أن من الضروري وضع الجنرال الكسييف على رأس الحكومة. وتؤكد بعض شهادات الحاضرين، بأن فكرة التخلي عن السلطة لشخص آخر جاءت من كرنسكي نفسه الذي أشار إلى حديثه السابق مع ميليوكوف. ولم يعترض أحد على هذا الاقتراح؛ إذ كان ترشيح الكسييف يهدئ خواطر الجميع. وبدا مخطط ميليوكوف وكأنه على وشك التنفيذ. ولكن في هذه اللحظة، وكما يقع في لحظات ذروة التوتر، قُرع الباب قرعة درامية؛ ففي القاعة المجاورة وفد من اللجنة جاء لمقاتلة الثورة المضادة. لقد جاء الوفد في الوقت المناسب؛ إذ كان أخطر عش من أعشاش الثورة المضادة هو الاجتماع التعيس الجبان المخادع الذي يضم الكورنيلوفيين، والوسطاء، وأعضاء الحكومة المستسلمين والمجتمعين في قاعة من قاعات قصر الشتاء.

لقد تشكل جهاز سوفييتي جديد في الاجتماع الموحد الذي عُقد في مساء 27 بين اللجنة التنفيذية لسوفييت العمال والجنود، واللجنة التنفيذية لسوفييت الفلاحين. وضم الجهاز الجديد مندوبين خاصين بعثت بهم الأحزاب السوفييتية الثلاثة، واللجنتان التنفيذيتان، ومركز النقابات، وسوفييت بتروغراد. وكان تشكيل لجنة الدفاع “ملائمة” يعني الاعتراف بشكل عام بأن المؤسسات السوفييتية القيادية أحست بأنها عاجزة، وأن قيامها بالمهمات الثورية يتطلب رزقها بدم جديد.

ولما وجد التوفيقيون أنهم مضطرون إلى الاعتماد على الجماهير للصراع ضد الجنرال، دفعوا كتفهم الأيسر إلى الأمام، ونسوا فجأة الأحاديث التي كانت تؤكد بأن من الضروري حل كافة المسائل المبدئية في المجلس التأسيسي. وأعلن المناشفة أنهم سيطالبون الحكومة فورًا بإعلان الجمهورية الديمقراطية، وحل مجلس دوما الدولة، وتطبيق الإصلاح الزراعي؛ ولهذا السبب ظهرت كلمة “الجمهورية” لأول مرة في بيان الحكومة الخاص بخيانة القائد الأعلى.

ورأت اللجنتان التنفيذيتان بالنسبة لمسألة السلطة أن من الضروري في الوقت الحاضر الحفاظ على الحكومة كما كانت، شريطة استبدال الكاديت المستقيلين بوزراء ديموقراطيين، وحل المسألة كلها بشكل نهائي عن طريق الدعوة لمؤتمر يضم كافة التنظيمات التي اتَّحدت في موسكو على أساس برنامج تشخيدزه. وبعد هذه المباحثات الليلية، لوحظ بأن كرنسكي يرفض بإصرار أي إشراف ديموقراطي على الحكومة. وكان إحساس كرنسكي باهتزاز الأرض تحت قدميه من ناحية اليمين واليسار يدفعه إلى التمسك بكل قواه بفكرة “حكومة المديرين”، التي تجمَّعت فيها كافة أحلامه التي لم تتبدد بعد، والخاصة بسلطة قوية. وبعد مناقشات جديدة، مملة، عقيمة في معهد سمولني، اتخذ المجتمعون قرارًا بالتوجه مرة أخرى إلى كرنسكي “الأوحد الذي لا بديل له”، مع رجائه بقبول المشروع الأولي المقدم من قبل اللجنتين التنفيذيتين. وفي الساعة السابعة والنصف صباحًا، عاد تسيريتلي ليعلن بأن كرنسكي يرفض تقديم التنازلات، ويطالب “بدعم غير مشروط”. ولكنه يعد باستخدام “كل قوى الدولة” للقتال ضد الثورة المضادة. وبعد ليلة منهكة من السُهاد، عادت اللجنتان التنفيذيتان أخيرًا إلى فكرة “حكومة المديرين” غير المتماسكة.

ولكن تعهد كرنسكي العلني باستخدام “كل قوة الدولة” للقتال ضد الثورة المضادة لم يمنعه كما نعلم من التفاوض مع ميليوكوف، والكسييف، والوزراء المستقيلين، وإجراء المباحثات حول موضوع الاستسلام السلمي أمام القيادة العليا، تلك المباحثات التي انقطعت في الليل عندما قُرع الباب بعنف. وبعد عدة أيام وقف المنشفي بوغدانوف، وهو أحد العناصر الفعَّالة في لجنة الدفاع، أمام سوفييت بتروغراد وشرح غدر كرنسكي بتعابير حذرة ولكنها واضحة لا لَبْس فيها ولا غموض. وقال في ما قاله: وعندما ترددت الحكومة وتلكأت، ولم يكن أحد يعرف كيف ستنتهي مغامرة كورنيلوف، ظهر الوسطاء مثل ميليوكوف والجنرال الكسييف..”، وهنا تدخلت لجنة الدفاع، وأصرَّت “بكل قوة” على ضرورة البدء بالصراع المكشوف. “واضطرت الحكومة تحت ضغطنا إلى إيقاف المباحثات، ورفض كل مقترحات كورنيلوف…”.

وما أن غدا رئيس الحكومة أسيرًا سياسيًّا لمعسكر اليسار، بعد أن كان بالأمس أحد المتآمرين عليه، حتى تحرَّك وزراء الكاديت الذين استقالوا مؤقتًا في يوم 26 بغية اكتساب فرصة للتفكير، وأعلنوا الآن بأنهم يتركون الحكومة بشكل نهائي، ولا يودون تحمل مسئولية تصرفات كرنسكي الرامية إلى سحق حركة وطنية، مخلصة، تستهدف إنقاذ البلاد. واستقال الوزراء، وترك المستشارون والأصدقاء قصر الشتاء واحدًا تلو الآخر. وجرى حسب تعبير كرنسكي نفسه، “رحيل جماعي عن مكان حُكِم عليه بالضياع”، وفي ليلة 28 – 29 كان كرنسكي “يتجول وحده تقريبًا في قصر الشتاء”، ولم تعد ألحان الشجاعة تتردد في خاطره. “وكانت المسئولية الملقاة على عاتقي في هذه الأيام الطويلة القاتلة مسئولية تفوق طاقة البشر”، ولكنها مسئولية تتعلق أساسًا بمصيره الشخصي؛ إذ كانت الأمور الأخرى تتم بصورة مستقلة عن إرادته.

لقراءة الفصل السابق يمكن مراجعة الرابط التالي:

تاريخ الثورة الروسية (ج2): مؤامرة كرنسكي جـ 2