تاريخ الثورة الروسية: البرجوازية تتجابه مع الديمقراطية/ جـ 1

0
198

في 28 أغسطس (آب)، وعندما كان قصر الشتاء يعيش وسط رعشات حمى الخوف، بعث الأمير باغراسيون قائد الفرقة “الوحشية” إلى كورنيلوف تقريرًا برقيًّا يقول فيه بأن “القفقاسيين سيقومون بواجبهم إزاء الوطن، تنفيذًا لأوامر قائدهم الأعلى… وسيسفكون آخر قطرة من دمائهم إذا دعت الضرورة”، وبعد عدة ساعات، توقفت حركة الفرقة. وفي 31 أغسطس (آب)، شكَّلت الفرقة وفدًا خاصًا يرأسه باغراسيون نفسه، وأكَّد هذا الوفد لكرنسكي بأن الفرقة خاضعة كلية لأوامر الحكومة المؤقتة. ولم يتم كل هذا بدون معارك فحسب، بل تم دون إطلاق رصاصة واحدة. ولم تتطور الأمور حتى آخر نقطة دم، بل إنها لم تصل حتى أول نقطة. ولم يحاول جنود كورنيلوف استخدام السلاح لفتح الطريق إلى بتروغراد. ولم يجرؤ القادة على إصدار الأوامر بذلك. ولم تلجأ القوات الحكومية في أي مكان إلى استخدام القوة لإيقاف اندفاع مفارز كورنيلوف. لقد تفتتت المؤامرة لوحدها، وتبخرت، وتطايرت.

ولتفسير كل هذا، يكفي أن نفحص عن كثب القوى التي دخلت الصراع. وعلينا قبل كل شيء أن نؤكد -ولن يكون هذا الاكتشاف غريبًا علينا- بأن هيئة أركان حرب المتآمرين، كانت عبارة عن هيئة الأركان القيصرية القديمة، وهي عبارة عن ثلة من الأشخاص المحرومين من العقل، والعاجزين عن التفكير مسبقًا بخطوتين أو بثلاث خطوات متتالية في اللعبة الكبيرة التي يشاركون بها. وبالرغم من أن كورنيلوف حدد تاريخ الانقلاب قبل عدة أسابيع، فإن الانقلابيين لم يتوقعوا، أو يعدوا، أو يحسبوا أي شيء. وتمت الإعدادات العسكرية البحتة للعصيان بغير حذق، وبإهمال، وكبير طيش. وأدخلت تعديلات معقدة على التنظيم والقيادة في صبيحة الحركة نفسها، كما أُدخلت مثل هذه التعديلات خلال الطريق. ولم تكن الفرقة “الوحشية” المعدة لتسديد الضربة الأولى إلى الثورة تضم سوى 1350 رجلاً، تنقصهم 600 بندقية، و1000 رمح خيالة، و500 سيف. وقبل بدء العمليات بخمسة أيام، أصدر كورنيلوف أمرًا بتحويل الفرقة إلى فيلق. وكان مثل هذا التصرف الخاطئ الذي لا ينسجم مع أبسط مبادئ التعليم العسكري، ضروريًّا لاجتذاب الضباط عن طريق رفع مراتبهم ورواتبهم. ويقول مارتينوف بأن “باغراسيون لم يستلم البرقية التي تحدد بأن استلام الأسلحة الناقصة سيتم في بسكوف إلا بتاريخ 31 أغسطس (آب) أي بعد الفشل النهائي للمشروع كله”.

ولم تهتم القيادة العليا بمسألة إفراز المدربين وإرسالهم إلى بتروغراد إلا في آخر دقيقة. وزُوِّد الضباط الذين قبلوا هذه المهمة بقسط كبير من المال، وبدأ السفر بعربات خاصة. ولكن أبطال الوطنية لم يكونوا على ما يبدو يتعجلون إنقاذ البلاد. وبعد يومين، قُطعت المواصلات الحديدية بين العاصمة ومقر القيادة العليا، ولم تصل غالبية الضباط المفرزين إلى أمكنة العمل المحددة.

ومع هذا، فقد كان في العاصمة تنظيم موالٍ للكورنيلوفيين يضم حوالي 2000 عضو. وكان هؤلاء المتآمرون مقسَّمين إلى مفارز مكلفة بمهمات خاصة: الاستيلاء على السيارات المصفحة، واعتقال وقتل عدد من مشاهير زعماء السوفييت، واعتقال الحكومة المؤقتة، واحتلال أهم المؤسسات العامة. ويتحدث وينبرغ رئيس اتحاد الواجب العسكري: “كان من الضروري تحطيم القوى الرئيسية للثورة، بإبادتها أو وضعها خارج المعركة، قبل وصول قوات كريموف. بحيث لا يكون أمام كريموف سوى مهمة إعادة النظام في المدينة”. والحقيقة أن القادة العسكريين في موهيليف رأوا بأن خطة العمل هذه تحتوي قسطًا كبيرًا من المبالغة، وهذا ما جعلهم يلقون عبء المهمة الرئيسية على عاتق كريموف، رغم أن القيادة كانت تنتظر من مفارز المركز الجمهوري مساعدة جدية كبيرة.

ومع هذا، لم يقدم متآمرو بتروغراد شيئًا، ولم يرفعوا صوتهم، ولم يحركوا أصبعًا صغيرًا من أصابعهم، وكأنه لا وجود لهم البتة. ويفسر وينبرغ هذا اللغز بكل بساطة. فلقد أمضى العقيد هيمان، قائد مصلحة مكافحة التجسس، أحرج الساعات وأكثرها خطورة في مطعم من مطاعم الضواحي. بالإضافة إلى أن العقيد سيدورين الذي كلفه كورنيلوف مباشرة بتوحيد نشاط كافة التجمعات الوطنية في العاصمة، والعقيد دوسيمانتيير المعين في الفرع العسكري “اختفيا في ذلك اليوم دون أن يُعثر لهما على أثر”. وبعد فترة من الزمن اشتكى عقيد القوزاق دوتوف، الذي كان عليه أن “ينتحل اسم البلاشفة” ويعيث في البلاد فسادًا، فقال: “وهرعت… ادعوهم للنزول إلى الشارع، ولكن أحدًا لم يتبعني”.

ويرى وينبرغ أن المشتركين الأساسيين ابتلعوا الأموال المخصصة للتنظيم، وبددوها. ويؤكد دينيكين بأن العقيد سيدورين “فرَّ إلى فنلندا حاملاً معه ما تبقى من أموال التنظيم، أي ما يعادل 150 ألف روبل”. أما لفوف الذي ذكرنا خبر اعتقاله في قصر الشتاء، فقد تحدث فيما بعد عن أنه كان على أحد الممولين السريين أن يدفع مبلغًا كبيرًا من المال لمساعدة المؤامرة، فلما ذهب إلى المكان المحدد للمدفع، وجد المتآمرين سكارى لدرجة جعلته يحجم عن تسليمهم هذه الأموال. ويرى وينبرغ، أنه لو لم تقع هذه التصرفات “المفاجئة” السيئة حقًا، لتكلل المخطط حتمًا بالنجاح. ولكن هناك سؤالاً واحدًا: لماذا كان معظم من تجمعوا حول هذا المشروع الوطني رجالاً مخمورين، ولصوصًا، وخونة؟ ألا يرجع ذلك إلى أن كل مهمة تاريخية تعبئ الكوادر الملائمة لها؟

ولم يكن تركيب قوات المؤامرة نفسها رائعًا، بدءًا من قياداتها العليا. ويقول أيزغوئيف وهو عضو من يمين الكاديت: “لقد كان كورنيلوف يتمتع بشعبية.. بين أوساط السكان المسالمين، ولكنه لا يتمتع بشعبية مماثلة في القطعات، وخاصة في قطعات المؤخرة التي قُيِّض لي أن أرقبها عن كثب”، ويقصد أيزغوئيف بتعبير “السكان المسالمين” مجمل سكان حي نييفسكي. أما الجماهير الشعبية في الجبهة والمؤخرة، فقد كانت تعتبر كورنيلوف غريبًا، منبوذًا، مكروهًا.

ووضع على رأس فيلق الخيالة الثالث الجنرال كراسنوف، الملكي، الذي حاول فيما بعد أن يعمل في خدمة غليوم الثاني. واستغرب كراسنوف عندما رأى بأن “كورنيلوف الذي رسم خطة كبيرة بعيدة المرامي، بقي في موهيليف، وسط قصر شامخ، يحيط به التركمان وألوية الصدام، وكأنه لا يثق باحتمالات نجاحه”. وعندما سأل الصحفي الفرنسي كلود آني الجنرال كورنيلوف عن السبب الذي دفعه لأن لا يزحف بنفسه في الساعات الحاسمة نحو بتروغراد، أجابه قائد المؤامرة: “لقد كنت مريضًا، ومصابًا بنوبة ملاريا حادة، وفقدت قدرتي العادية على العمل”.

لقد رافق العملية كثير من الحوادث المؤسفة والملابسات السيئة، وهذا أمر معهود عندما يكون المشروع فاشلاً مسبقًا. وكانت الحالة الفكرية التي يتمتع بها المتآمرون تجعلهم يترددون بين نشوة التبجح الذي لا يعرف معنى الحواجز، والذهول الكامل أمام أول حاجز حقيقي. ولا يرجع الأمر لملاريا كورنيلوف، بل لمرض عضال أكثر عمقًا وأشد خطورة، مثل إرادة الطبقات المالكة.

وأنكر الكاديت جديًّا أن يكون كورنيلوف قد خطط لثورة مضادة، أي لإعادة ملكية أسرة رومانوف. وكأن هذا الأمر مطروح على بساط البحث! إن ميول كورنيلوف “الجمهورية” لم تمنع الملكي كومسكي من السير معه جنبًا إلى جنب، كما لم تمنع رئيس اتحاد الشعب الروسي ريمسكي كورساكوف من أن يبرق لكرونيلوف في يوم الانتفاضة قائلاً: “إنني أصلي لله بحرارة، ليساعدكم على إنقاذ روسيا. وأضع نفسي كلية تحت تصرفكم”، ولم يكن أنصار المائة السود يحسون بالضيق من العلم الجمهوري الرخيص الذي رفعه كورنيلوف. وكانوا يعون كل الوعي، بأن برنامج كورنيلوف نابع من طبيعة الجنرال، وماضيه، وحاشيته القوزاقية، واتصالاته، وموارده المالية، واستعداده المخلص لذبح الثورة.

وأطلق كورنيلوف على نفسه في بياناته لقب “ابن الفلاح”، ولكنه بنى خطة انقلابية كلها على القوزاق والجنود الجبليين. ولم يكن في القوات المتجهة إلى بتروغراد أية وحدة من وحدات المشاة (الفلاحية). ولم يكن للجنرال أية صلة بالموجيك، كما لم يقم بأي جهد لإيجاد هذه الصلة. صحيح أنه كان في مقر القيادة العليا “أستاذ” يتحدث عن الإصلاح الزراعي، ويعد كل جندي بقطعة رائعة من الأرض. ولكن البيان المعد بهذا الصدد لم يُنشر؛ فلقد تردد الجنرالات، ولم يجرءوا على القيام بحملة ديماغوجية زراعية، حتى لا يتضايق الملاكون النبلاء وينفضوا من حولهم.

ويحدثنا الفلاح تادوز من موهيليف بأنه راقب الأوساط المحيطة بالقيادة العليا عن كثب خلال هذه الأيام، فوجد أنه لم يكن بين صفوف الجنود، وداخل السرايا من يؤمن ببيان الجنرال: “أنه يود السلطة، وليس هناك كلمة واحدة عن الأرض. كما ليس هناك أية كلمة عن الحرب”، وهكذا تعلمت الجماهير خلال ستة شهور من الثورة كيف تتصرف بشكل أو بآخر إزاء أكثر المسائل حيوية وإلحاحًا. لقد حمل كورنيلوف للشعب الحرب، والدفاع عن امتيازات الجنرالات وملكية النبلاء. ولم يكن بوسعه أن يقدم للشعب أكثر من ذلك، ولم يكن الشعب ينتظر منه شيئًا آخر. لقد كانت استحالة اعتماد المتآمرين على الجندي والفلاح -ناهيك عن العمال- أمرًا مؤكدًا مسبقًا. ونجم عن هذه الاستحالة الإدانة الاجتماعية للشلة الكورنيلوفية.

وكان جدول القوى السياسية الذي وضعه دبلوماسيو القيادة العليا الأمير تروبنسكوي صحيحًا في العديد من النقاط، ولكنه خاطئ في نقطة واحدة؛ إذ لم يعد في الشعب أي أثر لهذه اللامبالاة التي تجعله مستعدًا “لتحمل أية ضربة سوط”، بل كانت الجماهير على العكس تنتظر أن يهددها الخصم بالسوط، حتى تبرهن على مصادر القوة والتضحية الكامنة في أعماقها. وهكذا أدَّت الخطيئة المتعلقة بتقييم حالة الجماهير الفكرية إلى جعل كافة الحسابات الأخرى هباءً منثورًا.

وتمت قيادة المؤامرة من قبل أوساط اعتادت على أن لا تفعل شيئًا. ولم تكن تعرف سبيل التصرف والعمل بدون عناصر القاعدة، والقوة العمالية، والأجساد المقدمة طعامًا للمدافع، والمرافقين، والخدم، والكتبة، والسائقين، والحمالين، والطباخين، وعاملات الغسيل والكوي، وعمال تحويل السكك الحديدية، وعمال اللاسلكي، والسواس، والحوذيين. ولكن كل هذا الجمع البشري، العديد، الدقيق، الذي لا يحس المرء به رغم ضرورته وأهميته، كان يقف مع السوفييتات ضد كورنيلوف. وكانت الثورة موجودة مسيطرة. فلقد تسربت إلى كل مكان، وأحاطت بالمؤامرة. وكانت تملك العين والأذن واليد في كل نقطة من نقاط البلاد.

إن التدريب العسكري المثالي يجعل الجندي يتصرف بعيدًا عن مراقبة رؤسائه وكأنه تحت أنظارهم. ولم يكن الجنود والبحارة الروس في عام 1917، ينفذون الأوامر حتى تحت أنظارهم رؤسائهم. ولكنهم كانوا يلتقطون أوامر الثورة بنهم، بل كانوا ينفذونها في أغلب الأحيان قبل صدورها، معتمدين في ذلك على بداهتهم الشخصية. ولم يكن خدام الثورة، وعملاؤها، ورصادها ومناضلوها بحاجة لحث أو مراقبة.

وكانت تصفية الانتفاضة من الناحية الشكلية بين يدي الحكومة. وشاركت اللجنة التنفيذية في هذا الدور. ولكن النضال تم بأساليب أخرى مختلفة كل الاختلاف. ففي الوقت الذي كان كرنسكي ينوء به تحت ثقل عبء “يفوق طاقة البشر”، ويسير وحيدًا في ممرات قصر الشتاء، كانت لجنة الدفاع المسماة أيضًا باسم “اللجنة العسكرية الثورية” تقوم بنشاط واسع. ومنذ الصباح الباكر. أُرسلت التعليمات البرقية إلى مستخدمي السكك الحديدية، ومراكز البرق، ومفارز الجنود مؤكدة “أن كافة حركات القطعات التي تتم بأمر من الحكومة المؤقتة، لا بُدَّ وأن تحصل على موافقة لجنة الدفاع العام” فإذا ما تجاوزنا التعابير المعهودة للبحث عما وراءها، وجدنا أنها تعني بأن لجنة الدفاع كانت تملك قوات تحركها تحت اسم الحكومة المؤقتة. وبدأت في الوقت نفسه عملية تدمير الأعشاش الكورنيلوفية في بتروغراد نفسها، وجرت حملات التفتيش على نطاق واسع، كما جرت اعتقالات في المدارس العسكرية وتنظيمات الضباط. وأحسَّ الجميع بيد لجنة الدفاع في كل مكان. ولم يعد أحد يهتم بحاكم المدينة العسكري.

ولم تنتظر التنظيمات السوفييتية القاعدية بدورها صدور الأوامر من الأعلى. وتركز العمل الرئيسي في الأحياء. وفي ساعات الترددات الكبيرة التي عاشتها الحكومة، والمباحثات العقيمة التي قامت بها اللجنة التنفيذية مع كرنسكي، ضمت سوفييتات الأحياء صفوفها وتعاونت فيما بينها، وقررت إعلان عقد اجتماع المناطق بصورة دائمة، وإدخال ممثليه في هيئة الأركان التي شكلتها اللجنة التنفيذية، وخلق مليشيا عمالية، وقيام سوفييتات الأحياء بمراقبة مفوضي الحكومة، وتشكيل مجموعات متحركة مهمتها اعتقال المحرضين المضادين للثورة. ولم تكن هذه التدابير بمجملها تعني أن سوفييتات الأحياء قررت القيام بجزء كبير من الوظائف الحكومية فحسب، بل القيام بوظائف سوفييت بتروغراد أيضًا. وكان منطق الموقف يفرض على أعلى الأجهزة السوفييتية أن تضغط نفسها لتترك المكان لأجهزة القاعدة. وما أن دخلت أحياء بتروغراد حلبة الصراع، حتى تبدل اتجاه هذا الصراع وحجمه بصورة مفاجئة. وكشفت التجربة من جديد حيوية التنظيم السوفييتي التي لا تنضب؛ لقد شلت قيادة التوفيقيين هذا التنظيم من الأعلى، فتحرك في اللحظة الحاسمة من الأسفل، بدفع من الجماهير.

وكان البلاشفة المحركون للأحياء يتوقعون عصيان كورنيلوف وينتظرونه. ولقد توقعوا، وأعلموا، وكانوا أول من أخذوا مواقعهم. ومنذ انعقاد الاجتماع الموحد للجنتين التنفيذيتين في 27 أغسطس (آب)، أعلم سوكولنيكوف المجتمعين بأن الحزب البلشفي اتخذ كافة التدابير الخاصة به واللازمة لتحذير الشعب من الخطر، وإعداد الدفاع. وأعلن البلاشفة أنهم على استعداد لتنسيق نشاطهم القتالي مع نشاط أجهزة اللجنة المركزية. وعقد تنظيم البلاشفة العسكري خلال الليل اجتماعًا حضره مندوبون عن عدة قطعات. وأقر المجتمعون ضرورة المطالبة باعتقال كافة المتآمرين، وتسليح العمال، واختيار عدد من الجنود لتدريبهم، وتأمين الدفاع عن العاصمة بعناصر القاعدة، والاستعداد في الوقت نفسه لخلق سلطة ثورية للعمال والجنود. وعقد التنظيم العسكري عدة اجتماعات عامة في كافة أرجاء الموقع. ودعي الجنود إلى الحذر واليقظة، والاحتفاظ بالأسلحة بين أيديهم، والبقاء على استعداد للخروج من الثكنة عند أول إشارة خطر.

ويقول سوخانوف: “بالرغم من أن البلاشفة كانوا أقلية، فقد كان من الواضح أنهم يسيطرون على اللجنة العسكرية الثورية سيطرة تامة”. ويقدم سوخانوف السبب بقوله: “وكان على اللجنة أن تتصرف بصورة ثورية إذا ما شاءت العمل فعلاً بجدية”…، “وكان البلاشفة وحدهم يملكون الوسائل الحقيقية” اللازمة للتصرفات الثورية، نظرًا لأن الجماهير كانت تسير وراءهم. وكان توتر الصراع في كل مكان يدفع إلى أمام أكثر العناصر فعالية وجرأة. وأدَّى هذا الاصطفاء الآلي إلى رفع البلاشفة بشكل لا مندوحة عنه، وتقوية نفوذهم، وجمع المبادهة بين أيديهم، وسلمهم القيادة حتى في التنظيمات التي كانوا فيها قلة. وكلما كان التنظيم يقترب من الحي، والمصنع، والثكنة، كلما ظهرت سيطرة البلاشفة بشكل أوضح وأكثر كمالاً. ووُضعت كافة خلايا الحزب موضع الاستعداد، ونظم البلاشفة في المجموعات النقابية للمصانع الكبرى خدمة مستمرة، وكان ممثلو المشاريع الصغيرة يجتمعون في لجنة الحي الحزبية. وامتدت الاتصالات، قادمة من الأسفل، من الورشة، ووصلت إلى لجنة الحزب المركزية عن طريق الأحياء.

وتحت الضغط المباشر الذي مارسه البلاشفة والتنظيمات الخاضعة لهم، اعترفت لجنة الدفاع، بأن من المستحسن تسليح مجموعات العمال لحماية أحيائهم، ومعاملهم، ومصانعهم. ولم تكن الجماهير تنتظر غير هذا. وتشير الصحافة العمالية في تلك الفترة إلى أن الأحياء شهدت فورًا تشكيل “أرتال هائلة من الرجال الراغبين بالانضمام إلى الحرس الأحمر” وفُتحت الدورات للتدريب على استخدام البندقية والرمي بها. وكان التدريب يتم على أيدي جنود محنكين. ومنذ يوم 29 تشكلت سرايا (دروجيني) في معظم الأحياء. وأعلن الحرس الأحمر عن استعداده لأن يقدم فورًا قوة تضم 40 ألف بندقية. وتجمع العمال العُزَّل من السلاح، وشكلوا دروجيني لحفر الخنادق، وبناء التحصينات، ومد شبكات الأسلاك الشائكة. واضطر الحاكم العسكري الجديد بالتشينسكي -إذ لم يستطع كرنسكي الاحتفاظ بشريكه في المؤامرة أكثر من 3 أيام- إلى الاعتراف بتصريح خاص، بأنه ما أن ظهرت الحاجة للقيام بأعمال الحفر والتحصين للدفاع عن العاصمة “حتى قدَّم آلاف العمال… أنفسهم دون المطالبة بأية مكافأة، ونفذوا في عدة ساعات عملاً كبيرًا، كان تنفيذه يتطلب أولاً مساعدتهم، عملاً يدوم عدة أيام”. ولكن هذا لم يمنع بالتشينسكي من السير على خطى سافينكوف، ويمنع صدور الصحيفة البلشفية التي كان العمال يعتبرونها صحيفتهم الوحيدة.

وغدا مصنع بوتيلوف العملاق مركز المقاومة في منطقة بيترهوف؛ إذ شُكِّلت فيه على عجل دروجيني قتالية. واستمر العمل في المصنع ليلاً ونهارًا، واهتم العمال بتركيب مدافع جديدة لتشكيل فرق مدفعية بروليتارية. ويحدثنا العامل مينيتشيف فيقول: “واستمر العمل في هذه الأيام بمعدل 16 ساعة يوميًّا… وتم تركيب 100 مدفع تقريبًا”.

وتعمدت الفيكجل (اللجنة التنفيذية لعمال السكك الحديدية في عموم روسيا) المشكلة حديثًا تحت النار. وكان لدى عمال السكك الحديدية أسبابًا تجعلهم يخشون أكثر من غيرهم انتصار كورنيلوف الذي ذكر في برنامجه إعلان حالة الطوارئ في السكك الحديدية. وكانت القاعدة هنا أيضًا متقدمة على القيادات. ولجأ عمال السكك الحديدية إلى فك السكك وقطعها بغية إيقاف قوات كورنيلوف؛ لقد أفادتهم تجربة الحرب بشكل، واتخذوا بالإضافة إلى ذلك عدة تدابير لعزل مركز المؤامرة موهيليف، وذلك بأن أوقفوا حركة القطارات المتجهة إلى مقر القيادة العليا أو الخارجة منها. وبدأ مستخدمو البريد والبرق يوقفون البرقيات والأوامر الصادرة من مقر القيادة العليا، ويرسلونها أو يرسلون نسخًا منها إلى لجنة الدفاع. لقد اعتاد الجنرالات خلال سنوات الحرب على اعتبار النقل ومصالح الارتباط والإشارة مسائل تقنية. ولكنهم اضطروا منذ تلك اللحظة إلى الاعتراف بأنها مسائل سياسية.

وكانت النقابات أقل من غيرها استعدادًا للوقوف موقف الحياد السياسي؛ لذا فإننا نجدها تحتل مواقع القتال دون أن تنتظر أية دعوات خاصة. وسلّحت نقابة عمال السكك الحديدية أعضاءها، وكلفتهم بمراقبة الخطوط الحديدية وتدميرها، وحراسة الجسور، …إلخ. ودفع العمال بحماسهم وتصميمهم الفيكجل التي كانت أكثر بيروقراطية واعتدالاً من جماهير العمال. وضعت نقابة عمال التعدين تحت تصرف لجنة الدفاع عددًا كبيرًا من العمال، وقدمت لها مبلغًا كبيرًا من المال لتغطية نفقاتها الطارئة. ووضعت نقابة سائقي السيارات تحت تصرف اللجنة وسائط نقل، وإمكانات تقنية. وأمَّنت نقابة المطابع في عدة ساعات إصدار صحف يوم الاثنين، بغية إعلام الأهالي بالأحداث الجارية، وأمَّنت في الوقت نفسه أفضل مراقبة ممكنة على الصحافة كلها. وهكذا قرع الجنرال المتمرد الأرض بقدمه. فانبثقت الليجيونات من باطن الأرض، ولكنها كانت ليجيونات معادية.

واستمر العمل ليلاً ونهارًا حول بتروغراد، في المواقع المجاورة، وداخل المحطات الكبرى، ووسط صفوف الأسطول، وتم التحقق من القطعات المشكلة حديثًا، وتسلح العمال، وأُرسلت المفارز للحراسة على طول السكك الحديدية، وتم تأمين الاتصال مع النقاط المجاورة ومع معهد سمولني. ووجدت اللجنة أنَّ عليها أنْ تسجل وتقود أكثر من أن تشجع وتحمس وتطلق النداءات؛ إذ كان حماس الجماهير يجعل التنفيذ يتجاوز مخططاتها دائمًا إلى حد بعيد. وتحولت مقاومة عصيان الجنرال إلى شبكة شعبية كبيرة حصرت المتآمرين.

وخلق مجلس التنظيمات السوفييتية العام في هلسنغفورز لجنة ثورية بعثت مفوضيها إلى مقرات الحاكم العسكري، والقيادة العامة، ومصلحة مكافحة التجسس، وعدد من المؤسسات الهامة جدًا. ومنذ تلك اللحظة أصبحت الأوامر التي لا تحمل توقيع هؤلاء المفوضين باطلة لا تُنفذ. ووُضعت الهواتف وأجهزة البرق تحت المراقبة. وحاول الممثلون الرسميون لفوج القوزاق المعسكر في هلسنغفورز ومعظمهم من الضباط إعلان حيادهم؛ إنهم كورنيلوفيون مموهون. وفي اليوم التالي حضر إلى اللجنة جنود من القوزاق وأعلنوا أن الفوج يقف ضد كورنيلوف. وانضم مندوبو القوزاق إلى السوفييت لأول مرة. وفي هذه الحالة، كما في حالات عديدة أخرى، كان الصراع الطبقي يدفع الضباط يمينًا والجنود يسارًا.

وبعث سوفييت كرونشتادت الذي شفته الأيام من جروح يوليو (تموز) برقية تقول بأن “حامية كرونشتادت تقف مستعدة كرجل واحد للدفاع عن الثورة عند أول نداء توجهه اللجنة التنفيذية”. ولم يكن جنود كرونشتادت يعلمون في تلك الأيام إلى أي حد كان الدفاع عن الثورة يحميهم من تدابير الإبادة، ولكنهم كانوا يتوقعون ذلك.

والحقيقة أنه ما أن انقضت أيام يوليو (تموز) حتى قررت الحكومة المؤقتة تفتيت حصن كرونشتادت كيلا يكون بعد ذلك عشًا للبلشفية، وفسر هذا التدبير رسميًّا بالاتفاق مع كورنيلوف كعمل أوحت به “الضرورات الإستراتيجية”. وما أن أحس البحارة بأن الأمور تجري بشكل سيئ، حتى قرروا المقاومة. ولقد كتب كرنسكي فيما بعد، وبعد أن اتهم هو نفسه كورنيلوف بالخيانة ما يلي: “كانت أسطورة وجود خيانة في القيادة العليا مترسخة في كرونشتادت بشكل جعل كل محاولة لرفع المدفعية من الحصن تثير هياجًا حقيقيًّا بين الجماهير”. وكلفت الحكومة كورنيلوف بتصفية كرونشتادت. ووجد الجنرال هذه الوسيلة أن على الجنرال كريموف أن يعمل، بعد سحق العاصمة، على توجيه لواء معزز بالمدفعية نحو أورانينبوم. وأن يستخدم تهديد البطاريات الساحلية ليجبر حامية كرونشتادت على نزع سلاح الحصن، وعودة كافة البحارة إلى الأرض الروسية؛ حيث يتعرضون لعمليات قمع جماعي. ولكن في اللحظة التي قرر كريموف بها تنفيذ خطة الحكومة، وجدت الحكومة نفسها مضطرة لأن تطلب النجدة من رجال كرونشتادت، بغية حمايتها من خطر كريموف.

وأرسلت اللجنة التنفيذية إلى كرونشتادت وفيبورغ برقيات تطالب بإرسال قوات كبيرة إلى بتروغراد. وبدأت القوات بالوصول منذ صباح 29. وكان معظمها مفارز بلشفية، ولم تعط برقيات اللجنة التنفيذية فاعليتها إلا بعد أن وافقت عليها اللجنة المركزية البلشفية. وقبل ذلك بقليل، أي في حوالي منتصف يوم 28، وبناء على أمر من كرنسكي كان أقرب إلى الرجاء والتوسل، تمت حراسة قصر الشتاء ببحارة الطرَّاد أورور الذي كان بعض بحارته لا يزالون في سجن كرستي لمشاركتهم في مظاهرة يوليو (تموز). وكان البحارة يذهبون إلى السجن في ساعات الراحة لزيارة رجال كرونشتادت السجناء إلى جوار تروتسكي، وراسكولنيكوف، وغيرهما. وكان الزوار يتساءلون: “ألم يحن الأوان لاعتقال الحكومة؟” فيتلقون الإجابة التالية “كلا، لم يحن بعد”… “ضعوا البندقية على كتف كرنسكي، وأطلقوا النار على كورنيلوف. وسنسوي الحسابات مع كرنسكي فيما بعد”. ولم يكن هؤلاء البحارة في يونيو ويوليو (حزيران وتموز) مستعدين للاهتمام بمتطلبات الإستراتيجية الثورية وحججها. فلقد تعلموا الكثير في هذين الشهرين اللذين لم ينتهيا بعد. ولم يكونوا يطرحون السؤال الخاص باعتقال الحكومة إلا على سبيل النقد الذاتي، ولتخفيف العبء عن ضمائرهم. وكان البحارة أنفسهم يلتقطون بسرعة تعاقب الأحداث الأكيد. فلقد ضربوا في النصف الأول من يوليو (تموز)، وشتموا، وحكم عليهم بالسجن. وها هم في نهاية أغسطس (آب) يمثلون أفضل حراس قصر الشتاء ضد الكورنيلوفيين. وسيفتحون في نهاية أكتوبر (تشرين الأول) نيران مدافع أورور على قصر الشتاء.

ولكن إذا كان البحارة يقبلون حتى الآن أن يؤجلوا إلى حد ما، التصفية النهائية للحسابات مع نظام فبراير (شباط)، فإنهم لا يودون أن يتحملوا سلطة الضباط الكورنيلوفيين يومًا واحدًا إضافيًّا. فلقد ثبت أن القيادة التي فرضتها الحكومة المؤقتة عليهم بعد أيام يوليو (تموز) عبارة عن قيادة متضامنة مع المتآمرين في كل مكان تقريبًا. وعزل سوفييت كرونشتادت فورًا القيادة التي عينتها الحكومة، وعين قيادة أخرى اختارها بنفسه. ولم يعد التوفيقيون يتحدثون عن انفصال جمهورية كرونشتادت. ولكن الأمر لم يقتصر في كل مكان على عمليات العزل وحدها، بل تجاوزها إلى عمليات الانتقام الدموية في العديد من المناطق.

ويقول سافينكوف: “وبدأ هذا في فيبورغ عندما لجأت مجموعات من البحارة والجنود الذين اتسموا بالوحشية واستبد بهم الهلع إلى ضرب الجنرالات والضباط”. كلا، إن هذه الجموع لم تتسم بالوحشية، ولا يمكن التحدث في هذه الفترة عن الهلع. وفي صبيحة 29 بعثت التسنتروفلوت (اللجنة المركزية للأسطول) إلى الجنرال أورانوفسكي، قائد فيبورغ، برقية حول تمرد القيادة العليا كيما ينقلها إلى حامية الموقع. ولكن الجنرال احتفظ بالبرقية خلال يوم كامل، وأخذ يجيب على الأسئلة الموجهة إليه حول ما يجري، بأنه لم يتلق أية معلومات. ولما فتش البحارة ودققوا وجدوا البرقية لديه. ورأى أورانوفسكي أنه متلبِّس بالجرم المشهود، فأعلن موقفه، وأكد أنه من أنصار كورنيلوف. فأعدمه البحارة رميًا بالرصاص مع ضابطين وقفا إلى جانبه وأخذوا موقفًا مماثلاً لموقفه. وطلب البحارة من ضباط أسطول البلطيق توقيع بيانات تؤكد ولاءهم للثورة. ولما رفض أربعة ضباط من ضباط المركب بتروبافلوفسك وضع توقيعاتهم، وأعلنوا أنهم كورنيلوفيون اجتمع بحارة المركب وقرروا إعدامهم، ونفذ الإعدام رميًا بالرصاص فورًا.

لقراءة الفصل السابق يمكن مراجعة الرابط التالي:

تاريخ الثورة الروسية (ج2): عصيان كورنيلوف