تاريخ الثورة الروسية: البرجوازية تتجابه مع الديمقراطية/ جـ 2

0
157

لقد كان الجنود والبحارة معرضين لخطر الموت؛ لذا كان من المتوقع أن لا تتم التصفيات الدموية في بتروغراد وكرونشتادت فحسب، بل في كل حاميات البلاد. وكان الجنود والبحارة ينظرون بقلق إلى تصرف الضباط الذين استعادوا شجاعتهم، ويرقبون تبدل نبرة أصواتهم، وحدة نظراتهم الشزراء، ويستنتجون من كل ذلك المصير الذي ينتظرهم فيما إذا انتصر عصيان القيادة العليا. وكانوا يقطعون الطريق على الأعداء في المواقع التي يتوتر فيها الوضع بشكل ملحوظ. ويجابهون التصفيات المتوقعة التي يعدها الضباط، بتصفيات دموية يقوم بها البحارة والجنود. إن للحرب الأهلية كما نعرف قوانينها، ولم ينظر أي أمرئ إلى هذه القوانين في يوم من الأيام على أنها إنسانية تتسم بالرأفة.

وبعث تشخيدزه إلى فيبورغ وهلسنغفورز برقية تدين عمليات الإعدام الاعتباطي(1)، وتعتبرها “ضربة قاتلة مسددة إلى الثورة”، وأبرق كرنسكي بدوره إلى هلسنغفورز “أصرَّ على وضع حد لعمليات العنف المنكرة فورًا”، فإذا ما بحثنا عن المسئولية السياسية لبعض عمليات الإعدام الاعتباطي -دون أن ننسى بأن الثورة بمجملها عبارة عن إعدام اعتباطي- وجدنا أن المسئولية تقع هذه المرة كلية على عاتق حكومة التوفيقيين، التي لجأت إلى الجماهير الثورية في لحظة الخطر ثم لم تلبث أن وضعتها تحت قيادة الضباط المضادين للثورة.

وكما لجأ التوفيقيون إلى البلاشفة خلال مؤتمر موسكو عندما كان الجميع ينتظرون وقوع انقلاب مضاد ما بين ساعة وأخرى، فإن كرنسكي الذي قطع صلاته مع القيادة العليا يلجأ الآن إلى البلاشفة، ويرجوهم أن “يمارسوا تأثيرهم على الجنود بغية حثهم للدفاع عن الثورة”، وبالرغم من أن كرنسكي دعا البحارة للدفاع عن قصر الشتاء، فإنه لم يُفرج عن سجناء يوليو (تموز). وكتب سوخانوف بهذا الصدد: “كان الوضع صعبًا لا يحتمل، عندما أخذ الكسييف يتفاوض بغنج مع كرنسكي، على حين بقي تروتسكي في السجن”، وليس من الصعب تصور المناخ الذي ساد آنذاك داخل السجون الغاصة بنزلائها. ويتحدث راسكولنيكوف عن ذلك بقوله: “كنا نغلي من الغيظ والحنق ضد الحكومة المؤقتة، التي تركت ثوريين من أمثال تروتسكي يتعفنون في سجن كرستي في مثل هذه الأيام العصبية…، وكان تروتسكي يقول خلال فترة التنفس(2) وهو يدور معنا في الباحة: كم هم جبناء، آه! كم هم جبناء! لقد كان عليهم أن يعلنوا بأن كورنيلوف خارج عن القانون، حتى يحس كل جندي مخلص للثورة بأن له الحق في الخلاص منه”.

وكان دخول قوات كورنيلوف إلى بتروغراد، يعني في حالة وقوعه إبادة البلاشفة المعتقلين قبل أي شيء آخر. ولم ينس كريموف هذه النقطة في الأمر الذي وجهه إلى الجنرال باغراسيون قائد الطليعة المكلفة بدخول العاصمة. فلقد أشار إليها بصورة خاصة بما يلي: “تأمين حراسة مشددة على السجون والمعتقلات، وعدم الإفراج عن الأشخاص المعتقلين فيها بأي حال من الأحوال”. إن هذا برنامج كامل أوحى به ميليوكوف منذ أيام أبريل (نيسان): “عدم الإفراج بأي حال من الأحوال”. ولم يعقد في هذه الأيام اجتماع عام في بتروغراد لم تذكر فيه ضرورة تحرير سجناء يوليو (تموز)، وذهبت الوفود تترى إلى اللجنة التنفيذية، التي بعثت بدورها عددًا من زعمائها للتباحث دون جدوى في قصر الشتاء! وكان عناد كرنسكي كبيرًا لدرجة جعلته يتمسك بموقفه حتى خلال فترة اليوم أو اليومين التي اعتُبر وضع الحكومة فيها يائسًا، فجعل نفسه بذلك السجان الرئيسي الذي يحرس البلاشفة بغية تسليمهم لمشنقة الجنرال.

وليس من المستغرب أن الجماهير المناضلة تحت قيادة البلاشفة ضد كورنيلوف لم تمنح ثقتها لكرنسكي. ولم يكن النضال بالنسبة لها يستهدف الدفاع عن الحكومة المؤقتة بل حماية الثورة. وهذا ما جعل نضالها جريئًا مصممًا. وانبثقت مقاومة العصيان من السكك الحديدية، والحجارة، والهواء نفسه. وفي محطة لوغا التي وصل إليها كريموف، رفض عمال السكك الحديدية بعناد تسيير القطارات التي تنقل القطعات، وتعللوا بنقص القاطرات. ووجدت وحدات القوزاق نفسها محاصرة بجنود مسلحين تابعين لحامية لوغا التي تضم 20 ألف رجل. ولم يحصل أي صدام. ولكن ما وقع كان أدهى من الصدام، فلقد تم الاتصال، والحديث، والتفاهم، والفهم المتبادل. ووجد سوفييت لوغا الوقت اللازم لطبع بيان الحكومة الذي يعلن عزل كورنيلوف، وانتشرت هذه الوثيقة منذ تلك اللحظة على نطاق واسع بين القطعات. وكان الضباط يحذرون القوزاق من الثقة بالمحرضين. ولكن اضطرارهم للتحذير يشكل بحد ذاته دلالة مشئومة.

وما أن تلقى كريموف أوامر كورنيلوف بالتقدم، حتى هدد العمال بحراب القوزاق وأصرَّ على ضرورة إعداد القاطرات خلال مدة لا تتجاوز نصف الساعة. وبدا الإنذار فعَّالاً. وتحركت القاطرات بعد تجاوز بعض العقبات الجديدة. ومع هذا، فلم يكن بوسع القطعات أن تتقدم. فالسكك مدمرة، والطريق مقطوعة لفترة لا تقل عن يوم كامل. وخاف كريموف على قواته من الدعاية الضارة، فسحبها في مساء 28 إلى نقطة تبعد عن لوغا عدة فرستات. ولكن المحرضين دخلوا القرى مباشرة وكانوا جنودًا، وعمالاً، ومستخدمين في السكك الحديدية، ولم يكن بوسع القوات العسكرية الخلاص منهم، فهم منتشرون في كل مكان. وبدأ القوزاق أنفسهم يعقدون الاجتماعات. وناء كريموف تحت وطأة هجوم الدعاية، وعجزه عن التقدم. فقبع ينتظر باغراسيون، ولكن عمال السكك الحديدية أوقفوا قطارات وحدات الفرقة “الوحشية” التي لم تلبث أن تعرضت بعد ساعات لهجوم معنوي واسع النطاق.

وبالرغم من تفاهة ديمقراطية التوفيقيين وجبنها، فلقد كان استنادها إلى الجماهير من جديد، واعتمادها عليها للنضال ضد كورنيلوف يفتح أمامها معين قوة لا تنضب. ورأى الاشتراكيون – الثوريون والمناشفة أن مهمتهم لا تتمثل في هزيمة قوات كورنيلوف بمعركة نظامية، بل جذبها إلى صفوفهم بشكل ما. وكانت فكرتهم بمجملها صحيحة. ولم يكن البلاشفة ولا شك يعارضون “التوفيقية” في هذا المجال، بل كان هذا التصرف منسجمًا مع أسلوبهم الخاص الذي ما برحوا يستخدمونه. ولكن البلاشفة طالبوا بأن يقف العمال والجنود المدججون بالسلاح خلف المحرضين والمفاوضين والنواب. وكان أمام المحرضين مجال كبير لاختيار الأساليب اللازمة للتأثير على قوات كورنيلوف؛ إذ بعث لمقابلة الفرقة “الوحشية” وفد من المسلمين يضم عددًا من السلطات المحلية القفاقاسية التي تحركت فورًا وعلى رأسها حفيد شاميل الشهير، الذي دافع عن بلاد القفقاس ببطولة ضد القيصرية. ولم يسمح الجبليون لضباطهم باعتقال الوفد؛ لأن في ذلك خرقًا لتقاليدهم الأصيلة الخاصة بحسن الضيافة. وبدأت المحادثات، وأصبحت فورًا بداية النهاية. وحاول القادة الموالون لكورنيلوف الإشارة إلى قرب احتمال انفجار عصيان في بتروغراد يقوم به عملاء ألمانيا. ولكن المندوبين القادمين من العاصمة مباشرة، لم ينكروا وجود هذا العصيان فحسب، بل دعموا أقوالهم بتقديم الوثائق الحكومية التي تؤكد بأن كريموف متمرد يقود قواته ضد الحكومة. فماذا كان بوسع ضباط كريموف أن يردوا على ذلك؟

ورفع الجنود على عربة هيئة أركان الفرقة “الوحشية” علمًا أحمر كتب عليه “الأرض والحرية”، وأمر رئيس الأركان بإنزال العلم فورًا. وبرر السيد العقيد ذلك برغبته “بتحاشى أي خطأ قد ينجم عن اختلاط الأمور، والاعتقاد بأن هذا العلم شارة من شارات السكك الحديدية”. ولم يرتح ضباط هيئة الأركان لهذا التفسير الجبان، فأوقفوا العقيد واعتبروه سجينًا. أفلم يخطئ الضباط في مقر القيادة العليا عندما قالوا بأن هؤلاء الجبليين القادمين من القفقاس سوف يذبحون أي شخص بلا مبالاة؟

وفي صبيحة اليوم  التالي حمل أحد العقداء أمرًا من كورنيلوف إلى كريموف يقول بـ: ضرورة تجميع الفيلق، والسير بسرعة نحو بتروغراد، واحتلالها “على حين غِرَّة”. ويبدو أنهم كانوا يحاولون في مقر القيادة العليا إغلاق عيونهم عن رؤية الحقيقة. ورد كريموف بأن قوات الفيلق مبعثرة على عدة خطوط حديدية. وأن الجنود نزلوا من القطارات في بعض النقاط، وأنه لا يملك الآن تحت تصرفه سوى 8 سرايا من القوزاق، وأن خطوط السكك الحديدية مدمرة، معطلة، مسدودة بالحواجز، وأن من المتعذر التقدم إلا بالسير عبر الأرياف. كما أن من المستحيل احتلال العاصمة على حين غِرَّة، خاصة وأن العمال والجنود في العاصمة والضواحي مستنفرون تحت السلاح. وتزايد تعقيد المسألة نظرًا لضياع إمكانية إجراء العملية “بصورة مفاجئة” بالنسبة لقوات كريموف نفسها؛ فلقد أحست القطعات بأن الأمور تجري بشكل سيئ، فأخذت تطالب بتفسيرات متعددة. وكان على القيادة أن تكشف لها عن وجود صراع بين كورنيلوف وكرنسكي. وهذا يعني السماح بعقد الاجتماعات العامة بصورة رسمية.

وأصدر كريموف في تلك الفترة أمرًا يقول: “تلقيت في هذه الليلة من مقر القيادة العليا من بتروغراد معلومات تقول بأن حركات تمرد وعصيان بدأت في العاصمة…” وكان على هذه الخدعة أن تبرر الحملة التي بدأت منذ تلك اللحظة بشكل مكشوف ضد الحكومة. ويقول أمر كورنيلوف الصادر في 29 أغسطس (آب): “أعلمتنا مصلحة مكافحة التجسس في هولندا بما يلي: (أ) يُتوقع أن يشن العدو في هذه الأيام هجومًا عامًا على طول الجبهة، يستهدف طرد جيشنا المتفتت من مواقعه، وإجباره على الفرار، (ب) هناك انتفاضة معدة في فنلندا، (ج) يستعد العصاة لنسف الجسور الواقعة على الدنييبر والفولغا، (د) يعد البلاشفة عصيانًا في بتروغراد”. إن هذا هو التقرير الذي أشار إليه سافينكوف منذ 23، ولم يُذكر اسم هولندا إلا لذر الرماد في العيون. وتقول معظم المعلومات أن هذه الوثيقة وُضعت من قبل البعثة العسكرية الفرنسية، أو بمشاركتها على الأقل.

وأبرق كرنسكي في اليوم نفسه إلى كريموف: “في بتروغراد، هدوء شامل. ولا ينتظر اندلاع أية مظاهرة. ولسنا أبدًا بحاجة لفيلقكم”. لقد كان من المنتظر اندلاع المظاهرة ردًا على قيام كرنسكي نفسه بإصدار مراسيم إعلان حالة الطوارئ، ولكن تأجيل الحكومة لاستفزازها جعل كرنسكي مؤقتًا بأنه “لا ينتظر اندلاع أية مظاهرة”.

ولما لم يجد كريموف مخرجًا، قام بمحاولته السخيفة للسير نحو العاصمة بثماني سرايا من القوزاق، وكان عمله هذا تصرفًا لإرضاء ضميره، ولم يؤد في النتيجة إلى شيء. واصطدم كريموف ببعض المخافر الأمامية عند مشارف لوغا، فعاد على أعقابه، دون أن يحاول فتح المعركة. ولقد كتب كريموف قائد فيلق الخيالة الثالث عن هذه المعركة الصورية فيما بعد: “كان علينا أن ندفع باتجاه بتروغراد قوة تضم 86 سرية من سرايا الجيش والقوزاق. ولكننا اندفعنا بلواء واحد يضم 8 سرايا من القوزاق فقط، يعمل نصفها تقريبًا بدون قادة. وهكذا سددنا الضربة بالخنصر، بدلاً من أن نسددها بقبضة اليد كلها. وأدَّى ذلك إلى إيلام الخنصر، ولم يحس المضربون بأي شيء”، والحقيقة أنه لم يكن هناك حتى ضربة خنصر. ولم يحس أحد بالعملية كلها.

وقام عمال السكك الحديدية خلال ذلك بما ينبغي عليهم عمله. واستُخدمت أساليب غامضة جعلت قطارات القطعات تغير مسارها، وتسير مبتعدة عن النقاط المحددة لها. واختلطت الأفواج بفرق لم تكن تابعة لها، وحُشرت وحدات المدفعية في ممرات لا مخرج لها، وفقدت هيئات الأركان اتصالها مع قطعاتها. وكان لكافة المحطات الكبيرة سوفييتاتها، ولجان لعمال السكك الحديدية والجنود. وكان عمال اللاسلكي ينقلون إلى السوفييتات واللجان أنباء الأحداث، والتحركات، والتعديلات، إنهم نفس عمال اللاسلكي الذين كانوا يوقفون أوامر كورنيلوف. وكانت المعلومات السيئة بالنسبة للكورنيلوفيين تُطبع فورًا على عدة نسخ، وتُنقل إلى الجهات المختصة، وتُعلق على الجدران، وتنتقل من شخص إلى آخر. وغدا سائق القطار، وعامل التحويلة، والمشحم محرضين ثوريين. في هذا المناخ تقدمت قوات كورنيلوف، أو بالأحرى حاولت التقدم، ولكنها بقيت في مكانها. ولما أحس القائد بأن الوضع يائس لا أمل فيه فَقَد حماسه، ولم يعد يتعجل التقدم، وساعد بموقفه السلبي هذا عمال النقل على تنفيذ خطتهم المضادة للمتآمرين. وهكذا تبعثرت عناصر جيش كريموف في محطات، ومفارق، وممرات ثمانية خطوط حديدية. فإذا ما درسنا على الخارطة مصير قوات كورنيلوف، تكون لدينا انطباع بأن المتآمرين كانوا يتصرفون وكأنهم يلعبون على شبكة السكك الحديدية لعبة “الاستغماية”.

ويتحدث الجنرال كراسنوف عن مشاهداته في ليلة 29 – 30 أغسطس (آب) فيقول: “ورأينا المشهد نفسه في كل مكان تقريبًا؛ إذ كنا نشاهد الفرسان يقفون أو يجلسون القرفصاء على السكك الحديدية، أو داخل العربات، أو فوق السروج الملقاة أرضًا إلى جانب خيولهم السوداء اللامعة والبنية التي تمد رءوسها نحوهم. وكنا نلاحظ وسط مجموعة الفرسان وجهًا يرتدي معطف الجندي، ويتحرك وهو يشوِّح بذراعيه. ولم يلبث هذا الوجه الذي يشوح بذراعيه أن أصبح مألوفًا. وتابعت بتروغراد على إرسال عدد لا يحصى من وفود الأفواج لمقابلة الكورنيلوفيين، وكان الجميع يودون شرح وجهات نظرهم قبل الاشتباك بالقتال. وكانت القوات الثورية تأمل أن تتم تسوية المسألة كلها دون اشتباك. وتأكدت هذه الفكرة، وقبل القوزاق عن طيب خاطر. واستولت مجموعة ارتباط الفيلق على قاطرة، وأرسلت المندوبين على طول السكك الحديدية. وشرح المندوبون الوضع الجديد لكافة الوحدات. وعُقدت اجتماعات عامة لا تنتهي، وارتفعت صرخات الجنود، لقد خُدعنا!

ويقول الجنرال كراسنوف: “ولم يكن قادة الفرق فقط يجهلون مكان تمركز سراياهم، بل كان قادة الأفواج أيضًا يشاركونهم هذا الجهل… وأدَّى نقص المئونة والعلف إلى زيادة توتر الجنود. ورأى الجنود بوضوح عدم صحة كل ما جرى حولهم، فأخذوا يعتقلون الضباط والرؤساء”. وبعد أن نظم وفد السوفييت هيئة أركانه، بعث بالبرقية التالية: “يتم التآخي في كل مكان.. إننا على ثقة تامة بأن بوسعنا اعتبار الصراع منتهيًّا. وتأتي الوفود من كل مكان…” وشُكِّلت لقيادة الوحدات لجان حلت محل القادة. ولم يلبث أن تشكل سوفييت مندوبي الفيلق، وعين هذا السوفييت وفدًا يضم حوالي 40 شخصًا للذهاب إلى الحكومة المؤقتة. وبدأ القوزاق يعلنون بصوت عالٍ، بأنهم على أتم الاستعداد لاعتقال كريموف وغيره من الضباط، عندما تأمر بتروغراد بذلك.

ويرسم ستانكيفيتش الصورة التي شهدها خلال طريقه، وكان قد ذهب في يوم 30 بصحبة فويتنسكي متجهًا نحو بسكوف. وكان من المعتقد في بتروغراد أن الكورنيلوفيين احتلوا تساركويه – سيلا، ولكن المدينة كانت خالية منهم. “ولم يكن في غاتشينا أحد… ولم يكن على الطريق حتى لوغا أحد. وفي لوغا يسود الهدوء… ووصلنا إلى قرية كان من المفروض أن تتمركز فيها هيئة أركان الفيلق. ولكن القرية خالية… وتبين لنا أن القوزاق تركوا المكان منذ الصباح الباكر، وساروا باتجاه معاكس لاتجاه بتروغراد”. وهكذا انحسر التمرد وتفتت، وابتلعته الأرض.

ولكنهم كانوا حتى ذلك الوقت في قصر الشتاء يخشون الخصم إلى حد ما. وقام كرنسكي بمحاولة للدخول بمفاوضات مع قيادة العصاة؛ إذ كان هذا السبيل يبدو له أضمن من المبادهة “الفوضوية” للقاعدة. وبعث كرنسكي بمندوبيه إلى كريموف، ورجاه الحضور إلى بتروغراد “في سبيل سلامة روسيا”. وتعهد بشرفه أن يضمن له سلامته. وأحس الجنرال بالضغط من كل مكان، فطاش صوابه، وقبل الدعوة. واتجه خلفه إلى بتروغراد وفد من القوزاق.

ولم تدعم الجبهات تصرف القيادة العليا. وقامت الجبهة الجنوبية الغربية بمحاولة أكثر جدية. ولكن هيئة أركان دينيكين أخذت في الوقت الملائم تدابير تمهيدية. واستبدلت القوات غير المضمونة المخصصة لحراسة هيئة الأركان بقطعات من القوزاق. وفي ليلة 26 – 27 تم احتلال المطبعة. وحاولت هيئة الأركان أن تلعب دور قيادة الموقف الواثقة من نفسها، ومنعت لجنة الجبهة من استخدام أجهزة البرق. ولكن أوهامها لم تدم أكثر من عدة ساعات. وجاءت وفود القطعات إلى اللجنة تعرض الدعم. ووصلت سيارات مصفحة، ورشاشات، ومدافع. وأخضعت اللجنة لمراقبتها فورًا نشاط هيئة الأركان التي احتفظت بحق المبادهة في مجال العمليات الحربية فقط. وفي الساعة الثالثة من يوم 28، تركزت السلطة في الجبهة الجنوبية الغربية كلها بيدي اللجنة. واشتكى دينيكين من هذا الموقف عندما كتب: “ولم يبد مستقبل البلاد في أي يوم من الأيام مظلمًا إلى هذا الحد، كما لم يظهر عجزنا من قبل مكدرًا ومرهقًا بهذه الصورة”.

ودارت الأمور في الجبهات الأخرى بشكل أقل درامية أيضًا، وكان يكفي قادة الجيش أن ينظروا حولهم ليروا سيل نظرات المحبة والتعاطف الموجهة إلى مفوضي الحكومة المؤقتة. وفي صبيحة 29 كان قصر الشتاء قد تلقى برقيات تحمل تأكيدات تأييد وإخلاص الجنرال شتشيرباتوف من الجبهة الرومانية، والجنرال فالوبييف من الجبهة الغربية، والجنرال بريجفالسكي من جبهة القفقاس. أما في الجبهة الشمالية؛ حيث كان القائد كورنيلوفيًا قحًا يدعى كليمبوفسكي، فقد عين ستانكيفيتش قائدًا آخر بديلاً له هو سافيتسكي. ويكتب ستانكيفيتش نفسه ما يلي: “لم يكن سافتسكي معروفًا آنذاك، وتم تعيينه برقيُّا خلال الصراع. وكان هذا الرجل مستعدًا للتحدث بكل ثقة مع أية مجموعة من الجنود -سواء أكانت من المشاة أو القوزاق أو المرافقين أو حتى مع اليونكرز- وأن يصدر إليها أي أمر، حتى ولو كان الأمر يتعلق باعتقال القائد العام. ونفذ الأمر بلا نقاش…” ولقد جرى استبدال كليمبوفسكي بعد ذلك بدون أية تعقيدات، وعين بدلاً عنه الجنرال بونتش – بروئيفيتش الذي كان فيما بعد من أوائل من استدعتهم السلطات البلشفية للخدمة في الجيش، بفضل تدخل أخيه الزعيم البلشفي المعروف.

ولم تجر الأمور بشكل أفضل بالنسبة لدعامة الحزب العسكري في الجنوب أتمان قوات الدون، كاليدين. وقيل في بتروغراد أن كاليدين عبأ قوات القوزاق، وأن بعض القوات جاءت من الجبهة لتجتمع مع قواته على نهر الدون. على حين “كان الأتمان -وفق ما ورد في سيرته الذاتية- يزور قوى القوزاق البعيدة عن خط السكة الحديدية… ويتحدث مع السكان حديثًا مسالمًا” وكان كاليدين يناور في الحقيقة بحيطة تفوق توقعات الأوساط الثورية. فلقد اختل العصيان المكشوف الذي كان يعرف تاريخه مسبقًا، ليزور قرى القوزاق “مسالمًا”، وليكون في اللحظات الحرجة بعيدًا عن أجهزة البرق، وكل مراقبة أخرى، وليسبر في الوقت نفسه غور الرأي العام بين صفوف القوزاق. وفي 27، أبرق خلال جولته إلى نائبه بوغاييفسكي يقول: “ينبغي دعم كورنيلوف بكل الوسائل، ومع هذا، كانت اتصالاته المباشرة مع السكان القوزاق تؤكد بالإجمال على أن الوسائل والإمكانات غير موجودة؛ إذ لم يكن القوزاق زراع القمح يفكرون بالثورة دفاعًا عن كورنيلوف. وعندما ظهر فشل العصيان مؤكدًا. قرر ما سُمي “بالحكومة العسكرية” للدون تأجيل إبداء الرأي “حتى يظهر الميزان الحقيقي للقوى”. وبفضل هذه المناورة استطاع زعماء القوزاق تحاشي الخطر في اللحظة الملائمة.

وكان لكورنيلوف أنصار ومؤيدون في بتروغراد، وموسكو، وعلى ضفاف الدون، وفي الجبهة، وعلى طرق القطعات، وفي كل مكان وبقعة من البلاد. وكان كل من يبني أحكامه على البرقيات، والتهاني، ومقالات الصحف يظن بأن عدد هؤلاء الأنصار والمؤيدين كبير إلى حد بعيد. ولكن الغريب حقًا، هو أنه ما أن حلت الساعة المحددة لظهورهم حتى اختفوا. ولم يكن السبب في أغلب الأحيان كامنًا في الجبن الفردي؛ إذ كان بين الضباط الكورنيلوفيين عدد كبير من الشجعان، ولكن شجاعتهم لم تجد نقطة استناد. ومنذ اللحظة التي بدأت الجماهير فيها بالتحرك، ولم يعد للأفراد المنعزلين أي مجال للمشاركة في الأحداث. ووجد كبار الصناعيين، ورجال المصارف، والأساتذة، والمهندسون، بالإضافة إلى الطلاب، والضباط المحنكين أنفسهم، أنهم مبعدون، مختفون مدفعون إلى الخلف وكانوا يراقبون الأحداث الجارية أمامهم وكأنهم ينظرون إليها من شرفة عالية. ولم يبق أمامهم إلا أن يلعنوا كالجنرال دينيكين عجزهم المكدر المرهق.

وفي يوم 30 أغسطس (آب)، بعثت اللجنة التنفيذية إلى كافة السوفييتات النبأ السعيد التالي: “يسود التفتت الكامل قطعات كورنيلوف” ونسي الجميع خلال فترة من الزمن، أن كورنيلوف اختار لمشروعه أكثر القوات وطنية، وأشدها قدرة على القتال، وأقلها تعرضًا لتأثير البلاشفة. وجاء التفتيت من أن الجنود فقدوا الثقة بضباطهم نهائيًّا، وأخذوا ينظرون إليهم كأعداء. وكان النضال ضد كورنيلوف في سبيل الثورة تعميقًا لتفتت الجيش، وهذا يعني أنه قام بما اتهم به البلاشفة من قبل.

وجاءت الفرصة أخيرًا كيما يتحقق السادة الجنرالات من مقاومة الثورة التي بدت لهم، ضعيفة، متهالكة، لم تنتصر على النظام القديم إلا عن طريق الصدفة. ولكم سمعنا منذ أيام فبراير (شباط) وفي كل مناسبة ترديد الصيغة العسكرية المتبجحة: أعطني فوجًا قويًّا، وسأريهم حقيقة قدرهم. ولم تقدم تجربة الجنرال خابالوف والجنرال إيفانوف في نهاية فبراير (شباط) أي درس إلى القادة الجدد الذين اعتادوا على التلويح بقبضاتهم بعد انتهاء المعركة. وكان الإستراتيجيون المدنيون يضبطون إيقاع أصواتهم غالبًا، وفق هؤلاء القادة المتبجحين. ولقد أكد الأكتوبري شيد لوفسكي، بأنه لو ظهر في العاصمة خلال فبراير (شباط) “قطعات غير كبيرة جدًا، ولكنها متماسكة يوحدها النظام والروح العسكرية، لتم سحق ثورة فبراير (شباط) خلال عدة أيام”. وكتب بوبليكوف الذي اشتهر كمحرض بين صفوف عمال السكك الحديدية ما يلي: “وكان يكفي قدوم فرقة واحدة منضبطة من الجبهة حتى يتم سحق الانتفاضة جذريًّا”. وأكَّد كثير من الضباط الذين شاركوا في الأحداث أمام دينكين “بأن كتيبة واحدة يسير على رأسها قائد يعرف ما يريد، كانت قادرة على قلب الأمور رأسًا على عقب”. وعندما كان غوتشكوف وزيرًا للحربية، جاء الجنرال كريموف من الجبهة ليقابله، ويعرض عليه “تطهير بتروغراد بفرقة واحدة، ولكن مع سفك بعض الدماء”. ولم تتم العملية لسبب واحد، هو أن “غوتشكوف لم يوافق على ذلك”. ولقد أعد سافينكوف “27 أغسطس” الخاص به، في سبيل إقامة “حكومة المديرين” المقبلة، وأكَّد بأن قوة مؤلفة من فوجين كافية لتحويل البلاشفة إلى رماد وذرات غبار. وجاء القدر الآن ليعطي لكل هؤلاء السادة، وعن طريق جنرال “مرح بشوش” إمكانية التحقق من صحة كافة حساباتهم البطولية السابقة. وجاء كريموف إلى قصر الشتاء، بدون قتال، خافض الرأس، مهيض الجناح، يستثير الشفقة. ولم يترك كرنسكي الفرصة تفوته ليمثل أمامه دورًا عاطفيًّا يمتاز بأن التأثيرات الرخيصة مضمونة فيه بشكل مسبق. وما أن انتهى كريموف من مقابلة رئيس الوزراء حتى اتجه نحو وزارة الحربية، وأطلق على رأسه رصاصة أودت بحياته. وهكذا انتهت محاولة سحق الثورة “مع سفك بعض الدماء”.

وتنفس الناس الصعداء في قصر الشتاء، عندما رأوا بأن مسألة مفعمة بالتعقيدات انتهت بشكل مناسب. وقرروا الإسراع بالعودة إلى القضايا الملحة، أي العودة إلى المسائل التي انقطعت. وعين كرنسكي نفسه قائدًا أعلى؛ ليحافظ على تحالفه السياسي مع مجموعة الجنرالات القدامى؛ إذ كان يصعب عليه أن يجد شخصًا مناسبًا أكثر منه لاستلام هذا المنصب، واختار لرئاسة هيئة أركان القيادة العليا الجنرال الكسييف الذي كان من المتوقع قبل يومين وصوله إلى مركز رئيس الوزراء. وبعد ترددات ومشاورات، قبِل الجنرال هذه الوظيفة بشيء من الازدراء. شارحًا لأصدقائه بأنه لم يقبل مثل هذا العمل إلا لتصفية المسألة كلها بشكل سلمي. وهكذا غدا رئيس هيئة الأركان الأسبق لنيقولا رومانوف رئيسًا لهيئة أركان كرنسكي. وهذا أمر يدعو إلى الاستغراب! ولقد حاول كرنسكي فيما بعد تفسير هذا التعيين الغريب بقوله: “كان الكسييف الشخص الوحيد القادر على نقل القيادة بدون ألم من يدي كورنيلوف إلى أيدٍ جديدة، وذلك بفضل علاقاته المتينة مع ضباط القيادة العليا، وتأثيره الواسع في الأوساط العسكرية الرفيعة”. وهذا خطأ فادح؛ إذ كان تعيين الكسييف، المتحالف مع المتآمرين، يعني على العكس أن بوسع المتآمرين التفكير بمتابعة المقاومة، إذا ما بقيت لديهم أية إمكانية. والحقيقة أن كرنسكي قدم الكسييف إلى الأمام بعد تصفية العصيان، لنفس السبب الذي دفعه إلى استدعاء سافينكوف في بداية هذا العصيان، إنه يبغي الحفاظ على الجسور مع اليمين بأي ثمن. ورأى القائد الأعلى الجديد، أن من الضروري إعادة ربط عُرَى الصداقة مع الجنرالات؛ إذ ينبغي عليه تأمين استتباب النظام بعد انتهاء الهزة السابقة، وهذا يعني أنه سيكون بحاجة لسلطة حازمة بشكل مضاعف.

ولم يعد في مقر القيادة العليا شيء من التفاؤل الذي ساد قبل يومين. وبحث المتآمرون عن خطوط التراجع. وتلقى كرنسكي برقية تقول بأن كورنيلوف “قدر الوضع الإستراتيجي”، ورأى أن عليه أن يتخلى عن القيادة بصورة سلمية إذا ما صدر بيان يؤكد “تشكيل حكومة قوية” في البلاد. وبعد هذا الإنذار الكبير الذي قدمه القائد المستسلم، جاء إنذار أصغر يقول بأن كورنيلوف يرى “بأن من غير المقبول اعتقال جنرالات وأشخاص آخرين هم قبل كل شيء ضروريون للجيش”. وأحس كرنسكي بالسعادة، وقام بخطوة نحو خصمه عندما أعلن عن طريق الإذاعة، بأن تنفيذ أوامر الجنرال كورنيلوف المتعلقة بالعمليات الحربية إجباري بالنسبة للجميع. وفي اليوم نفسه كتب كورنيلوف بهذا الصدد إلى كريموف رسالة يقول فيها: “ها هي قصة لا مثيل لها في تاريخ العالم: إن قائدًا أعلى، متَّهمًا بالغدر وخيانة الوطن، ومقدمًا من أجل ذلك للمحاكمة، يتلقى الأمر بمتابعة قيادة الجيوش…”. وأعطى هذا الدليل الجديد على جبن كرنسكي دفعة جديدة من الشجاعة للمتآمرين الذين كانوا يخشون آنذاك القيام بصفقة خاسرة. وبالرغم من البرقية التي بعث بها كورنيلوف قبل عدة ساعات معلنًا فيها أن من غير المقبول شن صراع داخلي “في هذه اللحظة الرهيبة”، فقد اختار الجنرال الذي عاد جزئيًّا إلى منصبه شخصين، وبعث بهما إلى كاليدين، ليرجوانه “القيام بضغط ما”، كما اقترح في الوقت نفسه على كريموف بما يلي: “تصرفوا بصورة مستقلة إذا ما سنحت الفرصة، وابقوا ضمن روح التعليمات التي زودتكم بها”. وكانت روح التعليمات كما يلي: قلب الحكومة، وشنق كل أعضاء السوفييت.

وذهب رئيس الأركان الجديد الجنرال الكسييف إلى موهيليف للعمل في مقر القيادة العليا. وكانوا في قصر الشتاء حتى تلك اللحظة، يعتبرون أن هذه عملية جدية تحمل قسطًا من الخطورة. والحقيقة أن القوات الموجودة تحت تصرف كورنيلوف كانت تضم: كتيبة من فرسان القديس جورج، وفوج مشاة “كورنيلوفي”، وفوجًا من جنود التيك. وأعلنت كتيبة فرسان القديس جورج منذ البداية وقوفها إلى جانب الحكومة. وكان الرأي السائد أن الفوج “الكورنيلوفي” وفوج التيك مخلصان للقائد العسكري، ومع هذا فقد ظهر الخلل في بعض أجزائهما. ولم تكن القيادة العليا تملك مدفعية. ولم يكن الحديث عن المقاومة في مثل هذه الظروف ممكنًا. وبدأ الكسييف استلام منصبه بأن قام بزيارات احتفالية لكل من كورنيلوف ولوكومسكي. استخدم فيها الطرفان كثيرًا من التعابير العسكرية المألوفة خلال التحدث عن القائد الأعلى الجديد كرنسكي. وكان من الواضح بالنسبة لكورنيلوف والكسييف أن من الضروري تأجيل خلاص البلاد إلى موعد آخر.

وبينما كان عسكريو القيادة العليا يحاولون تسوية الأمور بصرة سليمة دون غالب أو مغلوب، ارتفعت حرارة الوضع في بتروغراد إلى حد بعيد. وكان شاغلو قصر الشتاء ينتظرون على أحر من الجمر ورود أنباء من موهيليف بغية إعلانها على الشعب. وكان الكسييف مرهقًا بأسئلة لا تنتهي. واشتكى العقيد بارانوفسكي، وهو رجل موثوق من رجال كرنسكي، عندما تحدث بالهاتف المباشر: “بأن السوفييتات تعيش حالة غليان، وأن من المتعذر تهدئة الأوضاع، إلا إذا أظهرت السلطة شيئًا من الحزم واعتقلت كورنيلوف وآخرين…” ولم يكن هذا ليتلاءم مع نوايا الكسييف الذي رد: “إنني أرى بكل أسف، بأن مخاوفي من وقوعنا الآن نهائيًّا بين براثن السوفييت العنيدة قد غدت أمرًا مؤكدًا لا مندوحة عنه”. وكان استخدام الكسييف لضمير “نا” وهو يود الحديث عن مجموعة كرنسكي، يعني أنه يود تخفيف حدة الملاحظة بأن يشمل نفسه بها. ورد عليه العقيد بارانوفسكي باللهجة نفسها: “سننجو بعون الله من براثن السوفييتات العنيدة التي أطبقت علينا”.

وما أن أنقذت الجماهير كرنسكي من براثن كورنيلوف حتى هرع زعيم الديمقراطية للتفاهم مع الكسييف ضد الجماهير: “سننجو من براثن السوفييت العنيدة”. ومع هذا فقد خضع الكسييف لمتطلبات الضرورة وقام باعتقال المتآمرين الرئيسيين. ولم يُبْد كورنيلوف أية معارضة، وقبِل التوقيف الشديد في منزله، رغم أنه أعلن أمام الشعب قبل 4 أيام بما يلي: “إنني أفضل الموت على عزلي من منصبي كقائد أعلى”. وجاءت لجنة فوق العادة إلى موهيليف، فأوقف مساعد وزير المواصلات، وعدد من ضباط هيئة الأركان العامة، والدبلوماسي التعيس آلادين، وكافة الحاضرين من أعضاء لجنة اتحاد الضباط الرئيسية.

وتحرك التوفيقيون بنشاط في الساعات الأولى التي أعقبت النصر. وأطلق أفكسانتييف نفسه الصواعق. لقد ترك العصاة الجبهة خلال ثلاثة أيام بدون أية تعليمات! وصرخ أعضاء اللجنة التنفيذية “الموت للخونة!” وردد أفكساتييف هذا الصوت: نعم، لقد أعيد إقرار قانون الإعدام بناء على طلب كورنيلوف وشركاءه من المتآمرين، “وسيطبق هذا القانون بشدة وحزم على هؤلاء الأخيرين”. (عاصفة طويلة من التصفيق).

وتحرك المجلس الكنسي في موسكو، الذي انحنى قبل أسبوعين أمام كورنيلوف، على اعتباره القائد الذي أعاد عقوبة الإعدام. وبعث هذا المجلس إلى الحكومة برقية يرجوها فيها “باسم الإله، وباسم محبة المسيح للمستقبل”، أن تحافظ على حياة الجنرال البائس. وتحركت رافعات أخرى. ولكن الحكومة لم تفكر أبدًا بعملية قمع دموية. وعندما تقدم وفد الفرقة “الوحشية” إلى كرنسكي في قصر الشتاء، تحدث القائد الأعلى أمامه بجُمل مبهمة، فرد عليه أحد الجنود بقوله: “ينبغي ضرب القادة الخونة بعنف”، ولكن كرنسكي قاطعه قائلاً: “إن مهمتكم الآن تتمثل في إطاعة رؤسائكم. وسنعمل على القيام بكل ما هو ضروري”، حقًا لقد كان هذا الرجل يعتقد بأن على الجماهير أن تصعد إلى المسرح عندما يقرع الأرض بقدمه اليسرى، وأن تختفي عندما يقرع بقدمه اليمنى!

“وسنعمل على القيام بكل ما هو ضروري”. ولكن الجماهير رأت أن كل ما فعلوه بلا جدوى، إن لم يكن مشبوهًا وخطرًا. ولم تخطئ الجماهير في ذلك؛ إذ كانت الأوساط العليا مهتمة قبل كل شيء بإعادة ترتيب الوضع الذي انبثقت منه عملية كورنيلوف. ويقول لوكومسكي: “ومنذ التحقيقات الأولى التي اشترك فيها أعضاء لجنة التحقيق، لاحظنا بأن الجميع يعاملوننا باحترام كبير”؛ فلقد كانوا في الحقيقة شركاء، ومموَّهين. وقدم المدعي العام العسكري شابلوفسكي للمهتمين النصح، وأفهمهم طريقة خدع العدالة. وأرسلت تنظيمات الجبهة عدة احتجاجات. “لا تتم معاملة الجنرالات وشركائهم كمجرمين بحق الدولة والشعب… ويتمتع العصاة بحريتهم الكاملة للاتصال مع العالم الخارجي”. ويؤكد لوكومسكي: “كانت هيئة أركان القائد الأعلى تعلمنا عن كافة المسائل التي تهمنا”. وحاول الجنود الحانقون أكثر من مرة، محاكمة الجنرالات وفق روح العدالة التي يفهمونها. ولم ينجح المعتقلون من الانتقام الدموي إلا بفضل فرقة بولونية مضادة للثورة، كانت تتمركز في بيخوف حيث يسجن المتآمرون.

وفي 12 سبتمبر (أيلول)، بعث الجنرال الكسييف من مقر القيادة العليا إلى ميليوكوف رسالة يعبر فيها عن سخط المتآمرين على تصرف البرجوازية الكبيرة، التي دفعتهم في بداية الأمر إلى الأمام، ثم تركتهم بعد الهزيمة لمصيرهم. وكتب الجنرال بشيء من الحدة اللاذعة “إنكم تعرفون إلى حد ما، أن بعض دوائر مجتمعنا لم تكن تعرف كل شيء فحسب، ولم تكن تكتفي بأن تتعاطف أيديولوجيًّا مع كورنيلوف، بل ساعدته على قدر طاقتها…”، وباسم اتحاد الضباط، طلب الكسييف من فيشنيغرادسكي، وبوتيلوف، وغيرهما من كبار الرأسماليين الذين تخلوا عن المهزومين، أن يجمعوا فورًا عن طريق التبرعات 300 ألف روبل لصالح الأسر الجائعة لأولئك الذين كانوا يرتبطون معهم بوحدة الأفكار والإعداد!” واختتم الرسالة بتهديد صريح: “إذا لم تقم الصحافة الشريفة بحملة عنيفة فورية لشرح القضية… فإن الجنرال كورنيلوف سيجد نفسه مضطرًا لأن يكشف أمام المحكمة على نطاق واسع كافة الإعدادات، والمباحثات التي جرت مع الشخصيات والدوائر والأوساط، وأن يحدد مشاركتها الفعلية”، إلخ. ويتحدث دينيكين عن النتائج العملية لهذا الإنذار البائس فيقول: “وكان على كورنيلوف أن ينتظر حتى نهاية أكتوبر (تشرين الأول) قبل أن يصله من موسكو حوالي 40 ألف روبل”. وكان ميليوكوف خلال هذه الفترة غائبًا عن المسرح السياسي، وتقول مصادر الكاديت إنه ذهب “للاستراحة في القرم”. لقد كان الزعيم الليبرالي حقًا بحاجة للراحة بعد كل هذه المشاكل والتعقيدات.

واستمرت مهزلة التحقيق حتى الانتفاضة البلشفية. وعندها لم تكتف قيادة كرنسكي العليا بإطلاق سراح كورنيلوف وشركاه، بل زودهم بكافة الوثائق اللازمة. وأشعل الجنرالات الهاربون فيما بعد نار الحرب الأهلية. وبسبب الأهداف المقدمة التي كانت تربط كورنيلوف وميليوكوف وريمسكي – كورساكوف (عضو منظمة المائة السود) سقط مئات الألوف من الرجال قتلى. وتم نهب وتخريب جنوب روسيا وشرقها، واهتز اقتصاد البلاد بصورة نهائية، واضطرت الثورة إلى إتباع سبيل الإرهاب الأحمر. ونجا كورنيلوف بلا صعوبة من عدالة كرنسكي، ولكنه لم يلبث أن سقط على جبهة الحرب الأهلية قتيلاً بقنبلة بلشفية. ولم يختلف مصير كاليدين عن ذلك.

ولم تكتف “الحكومة العسكرية” للدون بالإصرار على ضرورة إلغاء أمر اعتقال كاليدين، بل طالبت بإعادته إلى منصبه كأتمان. ولم يُفلت كرنسكي هذه الفرصة للتراجع. وجاء سكوبوليف إلى نوفوتشيركاسك وقدم الاعتذارات إلى “رابطة القوزاق العسكرية”. وتعرَّض الوزير الديموقراطي لسخرية من نوع رفيع. وكان كاليدين هنا أول الساخرين. ولكن انتصار جنرال القوزاق لم يدم طويلاً؛ إذ ما أن حاصرته الثورة البلشفية بعد عدة أشهر من كل مكان، وأطبقت عليه في منطقته الواقعة على نهر الدون، حتى انتحر. وانتقلت راية كورنيلوف بعد ذلك إلى أيدي الجنرال دينيكين، والأميرال كولتشاك اللذين ارتبط اسمهما بأهم مراحل الحرب الأهلية. ولكن هذا أمر يتعلق بعام 1918 والأعوام التي تلته.

الهوامش

  1. Lynchage: “الإعدام الاعتباطي” الذي يتم على الشبهة، وبدون محاكمة، وتقوم به جماهير غفيرة مستخدمة مختلف أدوات القتل بلا تمييز. (المعربان).
  2. فترة التنفس: الفترة التي يخرج السجناء فيها من زنزاناتهم للقيام بالرياضة الجماعية في باحة السجن.

 

 

 

لقراءة الفصل السابق يمكن مراجعة الرابط التالي:

تاريخ الثورة الروسية: البرجوازية تتجابه مع الديمقراطية/ جـ 1