تاريخ الثورة الروسية: الانسحاب من اللجنة التحضيرية للمجلس النيابي والنضال من أجل مؤتمر السوفييتات/ جـ 1

0
145

كانت الحرب تصدع الجبهة كل يوم، وتوهن قوى الحكومة، وتؤزم الوضع الدولي للبلاد. وكان الأسطول الألماني الجوي والبحري يبدي نشاطًا هائلاً في خليج فنلندا في مطلع أكتوبر (تشرين الأول). وقاتل بحارة البلطيق بشجاعة، محاولين حماية طريق بتروغراد، ولكنهم كانوا يدركون بشكل أقوى وأعمق من كل قوات الجبهات الأخرى، التناقض العميق في طبيعة وضعهم، كطليعة للثورة، وكمشتركين رغمًا عن أنوفهم في الحرب الأمبريالية، وكانوا يطلقون نداءات بالأجهزة اللاسلكية لسفنهم موجهة إلى أركان المعمورة الأربعة طالبين فيها تقديم دعم ثوري أممي لهم. كانت هذه النداءات تقول: “إن أسطولنا الذي يتعرض لهجوم قوات ألمانية متفوقة عليه يستهدف للإبادة في معركة غير متكافئة. ولن يفلت أي مركب من مراكبنا من المعركة. وسيؤدي الأسطول الذي يتعرض للتشهير والنقد من الداخل، والموصوم بالعار، واجبه… بَيْد أنه لن يؤدي هذا الواجب بأمر أي بونابرتي روسي بائس يسود ويحكم بفضل صبر الثورة الطويل… ولن يؤدي واجبه باسم تحالفات حكامنا مع الحلفاء الذين قيدوا الحرية الروسية بالسلاسل. ولكن أسطولنا سيؤدي واجبه باسم الدفاع عن المسالك المؤدية إلى بتروغراد، بؤرة الثورة. وفي الوقت الذي اصطبغت فيه أمواج البلطيق بدماء أخواننا في السلاح، وفي حين تبتلع المياه جثثهم، نرفع صوتنا قائلين: أيها المضطهدون في كل أنحاء العالم، ارفعوا راية التمرد!”.

ولم تكن هذه الأقوال مجرد جمل تقال حول موضوع المعارك والضحايا. فقد فقدت العمارة البحرية السفينة الحربية سلافا وانسحبت متراجعة بعد القتال. واحتل الألمان مجموعة جزر مونسوند. وفتحت صفحة قاتمة جديدة في كتاب الحرب. وقررت الحكومة استغلال هذه الهزيمة لنقل العاصمة؛ وكانت الخطة القديمة لنقل المرافق الحيوية للعاصمة إلى موسكو تعود إلى السطح كلما دعت الحاجة إلى ذلك. ولم تكن الدوائر الحاكمة تكن أي عطف أو ود لموسكو، ولكنها في الوقت نفسه تمقت بتروغراد. وكانت الرجعية الملكية والليبرالية والديمقراطية، تسعى كلها، الواحدة بعد الأخرى، لإذلال العاصمة بتروغراد وإجبارها على الركوع، وسحقها. وأصبح الوطنيون يحقدون الآن على بتروغراد ويكنون لها كراهية أشد وأقوى من الكراهية التي يضمرونها لبرلين.

ودرست مسألة إخلاء المؤسسات الحيوية من العاصمة، وأعطيت دراستها أهمية عاجلة جدًا. وأعطى لنقل الحكومة منها مع نقل اللجنة التحضيرية للمجلس النيابي مهلة أسبوعين على الأكثر. وقد تقرر أيضًا نقل المصانع العاملة من أجل الدفاع الوطني في أقصر فترة. وكان على اللجنة التنفيذية المركزية أن تهتم بمصيرها الخاص “كمؤسسة خاصة”.

وقد فهم الكاديت، الذين حرضوا على عملية إخلاء العاصمة أن مجرد نقل الحكومة لا يحل المسألة أبدًا. ولكنهم كانوا يعتمدون على عملية النقل لسحق البؤرة الثورية في بتروغراد بواسطة المجاعة، وبطريق الإخماد، والإجهاد. وكان الحصار الداخلي لبتروغراد في ذروة نشاطه وحركته. وقد صرف المسئولون النظر عن الأشغال في المصانع، وخفضوا حصص المحروقات إلى الربع. ومنعت وزارة التموين شحن المواشي إلى العاصمة، وتوقفت عمليات شحن البضائع على قنوات ماري.

وكتب رودزيانكو المحارب، رئيس مجلس دوما الدولة، هذا المجلس الذي قررت الدولة حله أخيرًا في مطلع أكتوبر (تشرين الأول)، بكل صراحة في الصحيفة الليبرالية الموسكوفية أوترا روسيي (الصباح الروسي) حول موضوع الخطر الذي تتعرض له العاصمة بسبب الحرب فقال ما يلي: “فلتذهب بتروغراد إلى الجحيم، هذا ما أفكر فيه… إنهم يخشون قيام العدو بتدمير المؤسسات المركزية (أي السوفييتات والمجالس الأخرى) في بتروغراد. وإني أرد على هذا بأنني سأكون في غاية السرور إذا ما أبيدت هذه المؤسسات لأنها لم تجلب لروسيا شيئًا آخر سوى الشرور”. حقًا، إن أسطول البلطيق سيدمر، إذا ما تم الاستيلاء على بتروغراد. ولكن ينبغي أن لا نحزن لهذا. “ففي هذا الأسطول مراكب قد فسدت تمامًا”. ونظرًا لأن حاجب الملك لم يعتد السكوت، فقد عرف الشعب من خلال أقواله الأفكار الباطنية لروسيا الأرستقراطية والبرجوازية.

وكان القائم بأعمال السفارة الروسية لدى حكومة لندن قد نقل إلى الحكومة بأن هيئة الأركان البحرية لبريطانيا العظمى، رغم كل إلحاحاته عليها لا تجد أن من الممكن تخفيف أعباء حليفتها في بحر البلطيق. ولم يكن البلاشفة الوحيدين الذين فسروا هذا الرد بأن الحلفاء، بالتواطؤ مع الدوائر العليا للوطنيين الروس أنفسهم لا ينتظرون من الهجوم الألماني على بتروغراد سوى تحقيق المكاسب للقضية المشتركة. ولم يكن العمال والجنود ليشكون أبدًا في هذه النوايا، وخاصة بعد اعترافات رودزيانكو أن الحكومة تستعد بتصميم لتسليمهم لسلطان لوندورف وهوفمان.

وبتاريخ 6 أكتوبر (تشرين الأول) تبنَّى فرع الجنود بإجماع لم يعرف من قبل قرار تروتسكي: “إذا كانت الحكومة المؤقتة عاجزة عن الدفاع عن بتروغراد، فهي مطالبة بتوقيع اتفاقية للسلم، أو بالتنازل عن الحكم لحكومة أخرى”. وتبنًّى العمال وجهة النظر هذه بصورة لا تقل تشددًا عن موقف الجنود. وكانوا يعتبرون بتروغراد قلعتهم، ويعلقون عليها آمالهم الثورية، وهم لا يريدون تسليم بتروغراد أبدًا. وأعطى التوفيقيون، من ناحيتهم إشارة الخطر، مذعورين من أخطار الحرب، ومن إخلاء العاصمة، وسخط الجنود والعمال، وحنق كل السكان وهياجهم، وكان لسان حالهم يقول: لا يمكن التخلي عن بتروغراد لمشيئة القدر. وبدأت الحكومة بالتراجع عن قراراتها بعد أن لاحظت أن محاولة نقل العاصمة تصطدم بمعارضة قوية. كانت هذه الحكومة تدَّعي أنها ليست مهتمة بسلامتها الخاصة، بل بانتقاء مقر للمجلس التأسيسي المقبل. ولكن أعضاءها لم يتمكنوا من المحافظة على هذا الموقف. ووجدت الحكومة نفسها، في خلال أقل من ثمانية أيام، مضطرة إلى الاعتراف بأنها لا تنوي البقاء في قصر الشتاء فحسب، بل أنها أيضًا تفكر كما فكرت في الماضي باستدعاء المجلس التأسيسي إلى قصر توريد. بَيْد أن هذا الاعتراف لا يغير الوضع العسكري والسياسي أبدًا. ولكنه يبرز من جديد القوة السياسية لبتروغراد، التي تعتبر أن مهمتها هي التخلص من حكومة كرنسكي، وأن لا تترك هذه الحكومة تغادر حدود العاصمة. وكان البلاشفة الوحيدين الذين تجرءوا فما بعد ونقلوا العاصمة إلى موسكو. وقاموا بهذه المهمة دون أية صعوبات، لأنها كانت بالنسبة إليهم مهمة إستراتيجية بالفعل: فليس لدى البلاشفة أية دوافع سياسية تقودهم إلى الهرب من بتروغراد.

وقد أدلت الحكومة بتصريحها التائب حول الدفاع عن العاصمة، بناءً على إلحاح الأكثرية التوفيقية لمجلس جمهورية روسيا، أي بعبارة أخرى للجنة التحضيرية للمجلس النيابي. وقد ظهرت هذه المؤسسة التافهة إلى الوجود أخيرًا. وسمي بليخانوف، المعروف بحبه للدعابة ومهارته وذكائه في النكات، المجلس العاجز والمؤقت للجمهورية، بصورة تدل على الاحتقار بأنه “كوخ منصوب على قوائم دجاجة”. وكانت هذه التسمية لا تفتقر إلى الصحة، من وجهة النظر السياسية. وينبغي أن نضيف إلى ذلك أن اللجنة التحضيرية للمجلس النيابي كانت تملك مظهرًا حسنًا “ككوخ صغير”: فقد خصصوا لها قصر ماري الرائع الذي كان في الماضي مقرًا وملاذًا لمجلس الدولة. وقد أدهش الفارق بين القصر الرائع ومعهد سمولني الفقير والذي يفوح منه عرق الجنود، أدهش هذا الفارق سوخانوف، فاعترف قائلاً: “وسط كل هذه الروائع، يتمنى المرء أن يستريح، وأن ينسى المشاغل والمعركة، والمجاعة والحرب، والارتباك والفوضى والبلاد والثورة”. وتعليقنا على أقواله بأنه لم يبق سوى وقت قصير للراحة والنسيان.

وكان ما سمي بالأكثرية “الديمقراطية” للجنة التحضيرية للمجلس النيابي يتألف من 308 أشخاص: 120 اشتراكي – ثوري (من بينهم حوالي 20 اشتراكي – ثوري يساري)، و60 منشفي من مختلف الاتجاهات و66 بلشفيًّا. وبالإضافة إلى الأعوان، ومندوبي اللجنة التنفيذية للفلاحين …إلخ، وقد حصلت الطبقات المالكة على 156 مقعدًا، احتل الكاديت نصفها. وكان الجناح اليميني يقترب من الأكثرية حول كثير من المسائل مع الأعوان، والقوزاق والأعضاء المحافظين إلى حدٍ ما في اللجنة التنفيذية للفلاحين. وكان توزيع المقاعد في هذا الكوخ الصغير، الذي ينتصب على قوائم دجاجة، يتناقض بشكل صارخ ومطلق مع كل مظاهر إرادة المدينة والقرية. وبالمقابل، وخلافًا لعمليات التمثيل السوفييتية التي لا لون لها، والعمليات الأخرى، جمع قصر ماري “زهرة الأمة” داخل جدرانه. وقد أرسلت كل مجموعة اجتماعية، وكل حزب أشهر زعمائه إلى اللجنة التحضيرية للمجلس النيابي، لأن هذه اللجنة بعيدة كل البعد عن مفاسد المنافسات في الانتخابات، والتأثيرات المحلية، والتفضيلات الإقليمية. وكان تأليفها “رائعًا بصورة استثنائية”، حسب شهادة سوخانوف. وعندما اجتمعت هذه اللجنة التحضيرية في جلستها الأولى، أحس المتشائمون بارتياح كبير، وقال ميليوكوف ما يلي: “سيكون الأمر حسنًا إذا لم يكن المجلس التأسيسي أكثر سوءًا من هذا التشكيل”. وكانت “زهرة الأمة” تتهادى بارتياح أمام مرايا القصر، وهي لا تلاحظ بأنها لم تكن سوى زهرة أصابها العُقم.

وعندما افتتح كرنسكي المجلس الجمهوري بتاريخ 7 أكتوبر (تشرين الأول) لم يترك الفرصة تفوته ليذكر بأن الحكومة التي تقبض على “كل مقاليد السلطة” بيد حديدية، مستعدة رغم هذا لسماع “كل التحذيرات القيمة حقًا”. ومع أنها حكومة مطلقة، فقد بقيت سلطتها سلطة مستنيرة. وقد احتفظ في المكتب المؤلف من خمسة أعضاء، هذا المكتب الذي يرأسه أفكسانتييف بمقعد للبلاشفة، وكان من الضروري بقاء هذا المقعد شاغرًا. وكان الوكلاء المشرفون على الكوميديا البائسة والمتجهمة يستشعرون الانقباض. وتركز كل الاهتمام مسبقًا عند الافتتاح الكئيب للمجلس الجمهوري في ذلك اليوم المدلهم المكفهر على التظاهرة المتوقعة من قبل البلاشفة. وانتشرت في أروقة قصر ماري طبقًا لرواية سوخانوف “ضجة هائلة تقول: لقد انتصر تروتسكي بأكثرية صوتين أو ثلاثة أصوات… وسينسحب البلاشفة فورًا من اللجنة التحضيرية للمجلس النيابي”. وفي الحقيقة، اتخذ قرار الخروج بصورة تظاهرة من قصر ماري بتاريخ 5، في جلسة المجموعة البلشفية. وحاز هذا القرار على  أصوات كل الأعضاء ما عدا صوت واحد عارض القرار؛ فكم كان الاتجاه إلى اليسار كبيرًا جدًا في الأسبوعين الماضيين! ولم يبق إلا كامنييف وحده مخلصًا لموقفه الأول، أو بصورة أدق تجرأ على الدفاع عنه بصورة صريحة. وفي تصريح خاص وجهه كامنييف إلى اللجنة المركزية، وصف هذا الاتجاه دون مواربة واعتبره “شديد الخطورة على الحزب”. وأشاعت النوايا الغامضة للبلاشفة بعض القلق وسط أعضاء اللجنة التحضيرية للمجلس النيابي: كان هناك خوف، بالمعنى الحقيقي، لا من تصدع النظام، ولكن من “فضيحة” أمام دبلوماسيي الخلفاء الذين وجهت إليهم أكثرية اللجنة موجة عارمة من التصفيق الوطني. وروى سوخانوف كيف أرسلت اللجنة إلى البلاشفة شخصية رسمية -أسكفانتييف ذاته- ليطرح عليهم سؤالاً أوليًّا: ماذا سيحدث؟ فرد تروتسكي: “ترهات وترهات!، طلقة صغيرة من مسدس”.

وبعد افتتاح الجلسة، منح تروتسكي، طبقًا للنظام الموروث عن دوما الدولة عشرة دقائق للإدلاء بتصريح عاجل باسم المجموعة البلشفية. وساد القاعة صمت مطلق. فقد بدأ تروتسكي التصريح بالبرهان على أن الحكومة، في الوقت الحاضر ضعيفة المسئولية بقدر ما كانت قبل المؤتمر الديمقراطي الذي استُدعي على حد زعمهم لكبح جماح كرنسكي. وأن ممثلي الطبقات المالكة دخلوا المجلس المؤقت بعدد من المقاعد لا يستحقونه أبدًا. فإذا كانت البرجوازية تتهيأ بالفعل لتأليف المجلس التأسيسي خلال ستة أسابيع فإن زعماءها لا يملكون الآن من الأسباب ما يدفعهم للدفاع بمثل هذه الاستماتة عن لا مسئولية السلطة، حتى أمام تمثيل مزور. “والخلاصة يكمن كل شيء في أن الطبقات البرجوازية قد حددت هدفها، وهو نسف المجلس التأسيسي”. وأثمرت الضربة. واحتج عليها الجناح اليميني بشدة أقوى. وهاجم الخطيب، دون أن يبتعد أبدًا عن نص البيان، السياسة الصناعية، والزراعية، والغذائية للحكومة: لا يمكن اتخاذ مسار آخر حتى ولو استهدفنا دفع الجماهير في طريق التمرد. “إن فكرة استسلام العاصمة الثورية للجيوش الألمانية… تعتبر الثمرة الطبيعية لسياسة عامة تسهل المؤامرة الرجعية المضادة للثورة”. وتحولت أصوات الاحتجاج إلى عاصفة. وانطلقت أصوات تصيح مشيرة إلى برلين، والذهب الألماني، وعربة القطار المقفلة. وفي هذا المشهد العام لكسرة زجاجة في الوحل صدرت شتائم الأنذال. لم يحدث مثل هذا أبدًا خلال أشد المناقشات حدة في معهد سمولني القذر، الوسخ، المملوء ببصاق الجنود. وقد كتب سوخانوف: “كان يكفينا أن نكون في مجتمع قصر ماري الراقي، لنجد فورًا جوًا أشبه بجو الملهى، يسود في دوما الوجهاء الإمبراطوري”.

وأنهى الخطيب تصريحه بالشكل التالي، بعد أن شق طريقه عبر انفجارات الحقد التي كانت تتناوب مع لحظات الهدوء: “إننا نحن جماعة البلاشفة نصرح بما يلي: نحن لا نملك شيئًا مشتركًا مع هذه الحكومة التي تخون الشعب، ولا مع هذا المجلس الخائر أمام الثورة المضادة… وإننا ونحن نغادر المجلس المؤقت، لندعو عمال وجنود وفلاحي عموم روسيا إلى التحلي بالشجاعة واليقظة. إن بتروغراد في خطر! إن الثورة في خطر! إن الشعب في خطر!… إننا نتوجه إلى الشعب. كل السلطة للسوفييتات!”.

ونزل الخطيب من على المنصة. وغادر عشرات البلاشفة القاعة، ترافقهم لعنات الحاضرين. وبعد دقائق ساد فيها القلق والخوف، كانت الأكثرية قد أصبحت مستعدة لكي تتنفس الصعداء. وخرج البلاشفة فقط، وبقيت “زهرة الأمة” في موقعها. ولم ينحن للضربة سوى الجناح اليساري للتوفيقيين، مع أن الضربة لم تكن موجهة على ما يبدو إليه. وقد اعترف سوخانوف بذلك قائلاً ما يلي: “وقد بقينا نحن، أقرب الناس إلى البلاشفة خائرين تمامًا أمام كل ما حدث”. وأحس فرسان الخطابة أن زمن الكلام قد ولَّى إلى غير رجعة.

وأعلم تيريشتشنكو السفراء الروس ببرقية سرية وجهها إليهم بافتتاح اللجنة التحضيرية للمجلس النيابي. وكانت البرقية تقول عن الجلسة الأولى ما يلي: “كانت أول جلسة محايدة تمامًا، باستثناء فضيحة أثارها البلاشفة”. واعتُبرت القطيعة التاريخية للبروليتاريا مع عجلة الدولة البرجوازية من قبل هؤلاء الناس “فضيحة” بسيطة. ولم تترك الصحافة البرجوازية هذه الفرصة تفلت منها كيما تثير الحكومة وتحرضها، مشيرة إلى جرأة البلاشفة؛ لن ينقذ السادة الوزراء البلاد من الفوضى إلا بعد أن يكتسبوا “قدرًا من التصميم والإرادة للعمل اللذين يتسم بهما الرفيق تروتسكي”. وكأنما الموضوع يتعلق بتصميم وإرادة الأفراد، لا بالمصير التاريخي للطبقات. وكما لو أن انتقاء الرجال والطباع قد تم بمعزل عن المهام التاريخية. وقد كتب ميليوكوف حول موضوع انسحاب البلاشفة من اللجنة التحضيرية للمجلس النيابي قائلاً: “كانوا يتكلمون ويفعلون كرجال يحسون بقوة تسندهم ويعرفون أن المستقبل لهم”.

واضطرت خسارة جزر مونسوند، وتفاهم الخطر على بتروغراد وخروج البلاشفة من اللجنة التحضيرية للمجلس النيابي، اضطرت كل هذه الأمور التوفيقيين إلى التساؤل عن الموقف الذي ينبغي اتخاذه إزاء الحرب. وبعد ثلاثة أيام من المناقشات التي اشترك فيها وزير الحرب والبحرية والمفوضون ومندوبو التنظيمات في الجيش، وجدت اللجنة التنفيذية المركزية أخيرًا حلاً للخلاص. كان هذا الحل هو التالي: “الإلحاح لاشتراك ممثلي الديمقراطية الروسية في مؤتمر الحلفاء الذي سيُعقد في باريس”. وبعد أن بذلوا جهودهم بلا انقطاع لقبول إلحاحهم، عين الممثلون سكوبوليف للمؤتمر ووضعوا له توجيهًا مفصلاً: السلم دون ضم ودون تعويضات، وحياد المضائق، وحياد قناتي السويس وبنما -وكانت الآراء الجغرافية للتوفيقيين أشمل من آرائهم السياسية- وإلغاء الدبلوماسية السرية، ونزع السلاح بالتدريج. وفسرت اللجنة التنفيذية المركزية هدف اشتراك مندوبيها بمؤتمر باريس “بممارسة ضغط على الحلفاء”. إن الضغط هو ضغط سكوبوليف على فرنسا وبريطانيا العظمى والولايات المتحدة! وقد طرحت صحيفة من صحف الكاديت سؤالاً لاذعًا: ماذا سيفعل سكوبوليف إذا رفض الحلفاء شروطه بدون احتفال؟ “هل سيهددهم بتوجيه نداء جديد لشعوب العالم كله؟” وا أسفاه! كان التوفيقيون منذ وقت طويل مزعوجون من ندائهم الخاص السابق.

ووجدت اللجنة التنفيذية المركزية نفسها عاجزة في الحقيقة عن ممارسة ضغط، حتى على قصر الشتاء، فيما كانت تستعد لكي تفرض حياد قناة بنما على الولايات المتحدة الأمريكية. وبتاريخ 12 أكتوبر (تشرين الأول) أرسل كرنسكي إلى لويد جورج رسالة طويلة، مليئة بالتأنيب الرقيق، وبالشكاوي الحزينة، والوعود المضطرمة. وكانت الجبهة حسب هذه الرسالة “في وضع أفضل من وضعها في الربيع الأخير”. ومن الطبيعي أن تُمنع الدعاية الانهزامية؛ فقد وجد رئيس وزراء روسيا شكوى لرئيس وزراء بريطانيا العظمى من البلاشفة الروس؛ من تحقيق كل المهام التي حددناها. ولكن لم تتطرق الرسالة إلى موضوع السلم. ولا تعرف الحكومة إلا مسألة واحدة: “كيف تتابع الحرب؟”. ومن الطبيعي أن يطالب كرنسكي بقروض لروسيا مقابل صك وطنيته.

ولم تضع اللجنة التحضيرية للمجلس النيابي وقتها بعد أن تخلصت من البلاشفة: ففي يوم 10 افتتحت المناقشات حول رفع القدرات القتالية للجيش. وتطورت المحادثات التي استغرقت ثلاث جلسات مملة طبقًا لمخطط ترسيمي ثابت. كان البعض يقول من اليسار: ينبغي إقناع الجيش بأنه يقاتل من أجل السلم والديمقراطية. فيرد عليه صوت من اليمين قائلاً: إن إقناع الجيش أمر مستحيل؛ لذا ينبغي إجباره على القتال. وأجاب التوفيقيون قائلين: إننا لا نملك وسائل الإكراه والإجبار، ولكي نُلزم ينبغي أن نُقنع في بادئ الأمر، جزئيًّا على الأقل. وعلق الكاديت على هذا الرد بقولهم: إن البلاشفة أقوى منكم، في كل ما يتعلق بالإقناع. وكانوا على حق من كلتا الناحيتين، ولكن الرجل الذي يغرق على حق أيضًا عندما يطلق صرخات الاستغاثة قبل أن يغوص إلى الأعماق.

وبتاريخ 18 جاءت ساعة القرار الذي لا يستطيع أن يبدل شيئًا من طبيعة الأحداث. والتف حول مشروع الاشتراكيين – الثوريين 95 صوتًا ضد 127 وامتناع 50 عضوًا عن التصويت. وجمع مشروع اليمين 135 مقابل 139. ويا للعجب! لم يحصل أي من المشروعين على الأكثرية! وفي قاعة المجلس، طبقًا لتقارير الصحف “حركات مختلفة واضطراب”، ووجدت “زهرة الأمة” نفسها، رغم وحدة الآراء عاجزة عن التصويت حتى على قرار أفلاطوني حول أخطر مسألة تمس الحياة الوطنية. ولم تكن هذه الحالة حالة طارئة؛ فقد تكرر هذا من يوم إلى يوم، حول كل المسائل، وفي كل اللجان، كما في الاجتماع العام الذي ضم كافة الأعضاء. إن أجزاء الآراء لا تجمع إلى بعضها. وكانت كل المجموعات تعيش تباينات دقيقة في الفكر السياسي لا يمكن تلمسها؛ إذ كان الفكر نفسه غائبًا. وربما ذهب هذا الفكر مع البلاشفة؟… وكان الطريق المسدود أمام اللجنة التحضيرية للمجلس النيابي هو الطريق المسدود أمام النظام ذاته.

وكان من الصعب تعديل قناعات الجيش، ولكن كان من المستحيل أيضًا إلزامه وإجباره على قناعة ما. وتوجه مؤتمر البحارة إلى اللجنة التنفيذية المركزية وطالبها بتطهير صفوف الحكومة المؤقتة “من شخصية تلطخ شرف الثورة الكبرى بالعار، وتخربها بمزايداتها السياسية الوقحة”. ردًا على نداء جديد حاد وجهه كرنسكي إلى أسطول البلطيق، الذي خاض المعركة، وتعرض لكثير من الضحايا. وعندما وصل هذا الرد إلى كرنسكي لم يكن قد سمع بعد بمثل هذه اللغة، ولا حتى من البحارة. ومنعت اللجنة الإقليمية للجيش، والأسطول والعمال الروس في فنلندا شحن البضائع الحكومية، وتصرفت كسلطة مستقلة. وهدد كرنسكي باعتقال مفوض السوفييتات. فكان رد اللجنة عليه: “إن اللجنة الإقليمية تقبل بهدوء تحدي الحكومة المؤقتة”. فخرس كرنسكي. والحقيقة كان أسطول البلطيق في حالة عصيان.

ولم تكن المشكلة قد دفعت إلى مدى بمثل هذا البعد، فوق أرض الجبهة الصلبة، ولكنها كانت تتطور في الاتجاه ذاته. وساءت حالة التموين في خلال شهر أكتوبر (تشرين الأول) بسرعة. وأعلن القائد العام للجبهة الشمالية أن المجاعة “كانت السبب الرئيسي للتفكك المعنوي للجيش”. وبينما كان الزعماء التوفيقيون في الجبهة يتابعون التأكيد -والحق أن ذلك قد تم من وراء ظهر الجنود- بأن القدرات القتالية للجيش  ترتفع، كانت القواعد فوجًا بعد آخر، تطالب بنشر المعاهدات السرية وباقتراح عقد سلم فوري. وكتب جدانوف مفوض الجبهة الغربية في الأيام الأولى من أكتوبر (تشرين الأول) ما يلي: “إن المناخ الفكري قلق جدًا بسبب اقتراب البرد، وبسبب سوء التغذية… ويتمتع البلاشفة بنجاح واضح”.

وتوقفت المؤسسات الحكومية في الجبهة. ويذكر مفوض الجيش الثاني أن المحاكم العسكرية لا تستطيع العمل، نظرًا لأن الجنود المذكورين كشهود يرفضون المثول أمامها. “وقد تأزمت علاقات القيادة بالجنود وازدادت حدتها. ويعتبر الجنود الضباط مسئولين عن استمرار الحرب”. وانتقل عداء الجنود للحكومة والقيادة إلى لجان الجيش، التي لم تجدد الانتخابات لها منذ بدء الثورة. وقد أرسلت الأفواج دون علمها المندوبين إلى بتروغراد، وإلى السوفييت، ليشتكوا من وضع الخنادق الذي لا يمكن التساهل فيه، بدون خبز، وبدون تجهيزات، وبدون إيمان بالحرب. وفي الجبهة الرومانية؛ حيث يظهر ضعف البلاشفة، رفضت أفواج بكاملها إطلاق النار. وسيعلن الجنود بأنفسهم خلال أسبوعين أو ثلاثة الهدنة، وسيلقون السلاح”. ونقل مندوبو إحدى الفرق ما يلي: “لقد قرر الجنود، العودة إلى منازلهم بمجرد هطول الثلج”. وهدد وفد من الفيلق 33 أيضًا اجتماع كافة أعضاء سوفييت بتروغراد قائلاً: إذا لم يكن هناك كفاح حقيقي من أجل السلم، “فإن الجنود سيستلمون السلطة، بأنفسهم، ويعقدون الهدنة”. ونقل مفوض الجيش الثاني إلى وزير الحرب ما يلي: “يتحدث الجنود كثيرًا عن الخنادق عندما يحل البرد”.

وعاد التآخي مع العدو الذي انقطع تقريبًا بعد أيام يوليو (تموز) وامتد بسرعة. ومن جديد، وبعد فترة من الهدوء، لم تتضاعف اعتقالات الجنود للضباط فحسب، بل تضاعف قتل القادة المكروهين أيضًا. ووقعت أعمال الاقتصاص هذه بصورة شبه مكشوفة، تحت أنظار الجنود دون أن يتدخل أحد؛ فقد كانت الأكثرية لا تريد أن تتدخل، كما كانت الأقلية لا تجرؤ على التدخل. وكان القاتل يملك الوقت دومًا للاختفاء، كما لو أنه غرق دون أن يترك أثرًا وسط جموع الجنود. وقد كتب أحد الجنرالات ما يلي: “إننا نتعلق متشنجين بشيء ما، ونتوقع معجزة، بَيْد أن الأكثرية كانت قد أدركت أنه لا سبيل إلى السلامة”.

لقراءة الفصل السابق يمكن مراجعة الرابط التالي:

تاريخ الثورة الروسية: البرجوازية تتجابه مع الديمقراطية/ جـ 2