منامات المنامة

0
354

بقلم الياس خوري

ماذا رأى النائمون على ذراع جارد كوشنر في منامهم الطويل؟
رأوا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باللباس الكاكي يقود الجيوش الجرارة، من أجل أن يسحق إيران، ويدمّر الحوثيين، ويفلح الصحراء بالنار.
رأوا الصواريخ الأمريكية تنهمر من الجو والبحر على طهران.
رأوا دونالد ترامب يسلمهم مفاتيح الخليج كي يحكموه على ذوقهم.
رأوا الجيش الإسرائيلي يجتاح لبنان ويسحق حزب الله، وينهي التمدد الإيراني في المنطقة، ورأوا حليفهم الإسرائيلي وهو يتنعّم بشرعية احتلاله لفلسطين، معلناً أن لا وجود لشعب اسمه الشعب الفلسطيني.
رأوا لعبة حرب يتفرجون عليها وهم يتنعّمون بمكيفات الهواء، ويقرعون طبول النصر.
سكروا وانتشوا، وقالوا لحلفائهم الصغار من عساكر الانقلابات أنهم أحكموا قبضتهم على التاريخ.
نظر محمد بن سلمان في المرآة فرأى نفسه حاملاً منشار النصر الذي يقطر دماً، وازداد إعجابه بذكائه المفرط الذي سمح له بأن يصير قائد الثورة المضادة، أي زعيم العالم العربي، بالشراكة مع صديقه الإسرائيلي.
هكذا فهم عرب هذا الزمن المنقلب صفقة القرن، مقايضة معلنة، اسمها الحرب مقابل الاستسلام. وعرب النفط يتميزون بذكاء التجار، فهم يعلمون أن التذلل وفقدان الكرامة لا يكفيان، بل عليهم أن يشتروا الحرب التي يريدون بالمال. ووجدوا في ترامب تاجراً أوحى لهم بأنه الزبون المنتظر.
لكنهم استفاقوا اليوم في المنامة على حقيقتين:
الأولى هي أن ترامب لم يذهب إلى الحرب، وأن الرد على إسقاط طائرة التجسس الأمريكية كان حرباً إلكترونية. فالرئيس يقبض بشكل حقيقي ويحارب بشكل افتراضي! وعلى العرب أن يدفعوا. مهمتهم هي تلبية طلبات أمريكا فقط لا غير، أما القرار فأمريكي ولا علاقة لهم به.
الثانية هو أنهم سيدفعون ثمن معادلة صاغها ترامب من خلال صهره المتذاكي اسمها «السلام مقابل الازدهار»، وهي معادلة غامضة الملامح. ما معنى السلام، وهل يعني التسليم لإسرائيل بكل مطالبها؟ هل الاعتراف بضم الجولان هو مقدمة للاعتراف بضم المنطقة «ج» والمستوطنات؟
استفاق القوم من نومهم ليجدوا أمامهم خريطة لجسر معلّق بين الضفة وغزة وكلفته خمسة مليارات دولار. لكن هذا الجسر سوف يربط ماذا بماذا إذا كان 60 بالمئة من الضفة سيضم إلى إسرائيل؟
نام حكام العرب على حلم الحرب مبدين استعدادهم لدفع 50 مليار دولار ثمناً لها، واستفاقوا في المنامة على كابوس الانتظار.
فهذا الرئيس الأمريكي يتميز بقدرة عجيبة على الثرثرة والهذر والتهديد.
المؤتمرون، سواء ذهبوا بإرادتهم أو مرغمين، سواء كانوا متحمسين للبيع والشراء أو لم يكونوا، أعلنوا بشكل واضح لا لبس فيه استعدادهم «المخلص» لإنهاء الموضوع.
فلسطين..خلص، لم تعد فلسطين أو الأقصى أو القدس جزءاً من الخطاب الرسمي العربي، العرب قرروا أن يشتروا بأموالهم فلسطين ولكن لحساب إسرائيل.
اكتملت معادلة المزج بين المال العربي والعبقرية اليهودية التي بشرونا بها بخجل وحياء في أواخر سبعينيات القرن الماضي.
الآن اجتمعت ثلاث عبقريات، العبقرية العربية ممثلة بالمحمّدين بن سلمان وبن زايد، وعبقرية ترامب-كوشنر، وهو شريك إسرائيل الذي قبض سلفاً، وعبقرية نتنياهو ومعه اليمين العنصري الإسرائيلي الذي لا يكن للعرب جميعاً سوى الاحتقار، ولا يخفي نيته بابتلاع الضفة.
ثلاث عبقريات ملفوفة بالكاز والغاز والمال.
اجتمعت العبقريات حول آبار النفط، كي تعلن أمام الثروة التي تدفقت على جزيرة العرب أن القصة انتهت. فهؤلاء العرب لا علاقة لهم بالعرب إلا بصفتهم أسيادهم. ألا يحق للسيد أن يُقطع أحد أصدقائه أرضاً، أو أن يهديه عبيداً؟
هذا ما اقترحه ابن سلمان على الرئيس الفلسطيني، سأله كم تكلف «حاشيتك»، وتعهد بأن يدفع تكاليفها كلها. فسموّه يعتقد أن الشعوب مجرد حواشٍ، وهذا الاعتقاد الراسخ في الممارسة السياسية في جزيرة العرب أكده لهم عسكر الثورة المضادة في مصر والسودان، وقام الديكتاتور السوري بتحويله إلى طقس إبادة وتهجير لشعب رفض أن ينحني.
فوجئ العباقرة بالرفض الفلسطيني، فهم يُطاعون ولا يتشاورون مع أحد. وقرروا معاقبة الفلسطينيين، ودعم خطوات أمريكا وإسرائيل، والمضي في مشروع البيع والشراء حتى لو لم يكن هناك من يشتري.

قال الفلسطينيون ما يقوله السودانيون وهم يواجهون آلة القتل العسكرية التي يمولها الخليج، قالوا لهم: حلوا عنا.
واليوم نقول للنائمين الذين يلبسون المنامة الإسرائيلية في منامة البحرين، انتهت اللعبة.
أيها السادة، أنتم لا علاقة لكم.
هذه بلاد لها شعب لا يبيع نفسه، نقطة على السطر.
وإذا كنتم تعتقدون أن بعض السياسيين وضباط المخابرات السابقين وحفنة من صغار النفوس من بين المثقفين الذين يُشترون بالمال يمثلون الشعب الفلسطيني، فأنتم غلطانون.
العبوا مع أمريكا وإسرائيل كما تشاؤون، لكن ابتعدوا عن فلسطين. الشعب الفلسطيني يرجوكم أن تفكوا رباط «الأخوة» معه، آن أن نفترق.
هل يعرف ولي العهد السعودي حكاية سعود ولي عهد الملك عبد العزيز حين جاء إلى فلسطين عام 1947، فاستقبله الشاعر الشهيد عبد الرحيم محمود بقصيدة قال فيها بيتاً يلخص الحكاية كلها:
«المَسجِدُ الأَقصى أجئتَ تَزورُهُ أَم جِئتَ مِن قَبلِ الضَياعِ تُوَدِّعُهْ».
زمن الوداع انتهى ليحل في مكانه زمن البيع، ولي العهد السعودي يشتري عرشه ببيع فلسطين للإسرائيليين، وقصيدة عبد الرحيم محمود يجب أن تُستبدل اليوم بقصيدة الشاعر العباسي القديم، الذي وصف فيها حال الخليفة المستعين بالله أحمد بن محمد بن المعتصم، الذي تحول إلى ألعوبة في يد مماليكه:
«خليفةٌ في قفصٍ بين وصيفٍ وبَغا
يقولُ ما قالا له كما يقولُ الببغا»

ننوّه إلى أن الآراء الواردة في المواد المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن آراء ومواقف “الرابطة الأممية للعمال – الأممية الرابعة”