تاريخ الثورة الروسية: الانسحاب من اللجنة التحضيرية للمجلس النيابي والنضال من أجل مؤتمر السوفييتات/ جـ 3

0
234

كانت البلديات الديمقراطية التي نشأت مؤخرًا تموت، بصورة متوازية مع عناصر السلطة الحكومية. وبمرور الوقت أصبحت أهم المسائل كمسائل تموين المدن بالمياه، والكهرباء، والمحروقات، والمؤن ملقاة على عاتق السوفييتات والتنظيمات العمالية الأخرى. وأخذت لجنة محطة تنوير بتروغراد تجوب كل أنحاء المدينة وضواحيها، مفتشة عن الفحم، أو الزيت للآلات، وحصلت عليهما بواسطة لجان المؤسسات الأخرى في معركة ضد أرباب العمل والإدارة.

كلا، لم تكن سلطة السوفييتات أضغاث أحلام، وبناءً ارتجاليًّا، واختراع منظري الحزب. كانت هذه السلطة تصعد من القاعدة بصورة لا تقاوم، ومن وسط الفوضى الاقتصادية، ومن عجز المالكين، ومن حاجة الجماهير. وأصبحت السوفييتات تملك السلطة فعلاً، ولم يكن هناك بالنسبة للعمال والجنود والفلاحين سبيل آخر. ولم يكن الوقت ليتيح البحث عن محاكمات واعتراضات فيما يتعلق بسلطة السوفييتات؛ كان من الضروري تحقيق هذه السلطة.

وقد تقرر في المؤتمر الأول للسوفييتات الذي انعقد في يونيو (حزيران) استدعاء المؤتمرات كل ثلاثة أشهر. ومع ذلك أظهرت اللجنة التنفيذية المركزية النية بعدم الدعوة إلى ذلك أبدًا. فهي لا تريد دعوة المؤتمر الثاني في الموعد المحدد له، لكي لا تجد نفسها وجهًا لوجه أمام أكثرية معادية. وكان الهدف الرئيسي للمؤتمر الديمقراطي إبعاد السوفييتات، واستبدالها بأجهزة “الديمقراطية”. ولكن لم يكن الأمر بمثل هذه البساطة. فلم تكن السوفييتات تنوي فتح الطريق أمام أي كان.

وبتاريخ 21 سبتمبر (أيلول)، قبل اختتام المؤتمر الديمقراطي بفترة قصيرة، رفع سوفييت بتروغراد صوته للمطالبة بعقد مؤتمر السوفييتات بصورة عاجلة. وبناءً على تقريري تروتسكي وبوخارين الذي دعي من موسكو، تم التصويت على قرار ينطلق بصراحة من ضرورة الاستعداد لمجابهة “موجة جديدة من الثورة المضادة”. واستند منهاج الدفاع الذي شق الطريق للهجوم المقبل على السوفييتات، وكأنه يعتمد على التنظيمات الوحيدة القادرة على النضال. وطالب القرار بأن تعزز السوفييتات مواقفها وسط الجماهير. وحيثما كانت السوفييتات تملك السلطة بيدها بالفعل، ينبغي أن لا تتنازل عنها أبدًا. كما ينبغي أن تبقى اللجان الثورية التي أنشئت خلال الأيام الكورنيلوفية مستعدة للعمل. “ومن الضروري استدعاء مؤتمر السوفييتات للانعقاد فورًا في سبيل توحيد وتنسيق أعمال كل السوفييتات في صراعها ضد الخطر الوشيك، ولحل مسائل تنظيم السلطة الثورية”. وهكذا، وصل قرار الدفاع إلى هذه النتيجة من قلب الحكومة. وستتطور على هذا المقياس السياسي بعد الآن الفتنة حتى وقت الانتفاضة.

وفي اليوم التالي طرح مندوبو السوفييتات الذين اجتمعوا في المؤتمر مسألة المؤتمر أمام اللجنة التنفيذية المركزية. وطالب البلاشفة باستدعاء المؤتمر في الأيام الخمسة عشر القادمة، وقدموا -أو بتعبير أدق- هددوا بإنشاء جهاز خاص لهذا الغرض معتمدًا على مجلس سوفييت بتروغراد وموسكو. والحقيقة أنهم كانوا يفضلون استدعاء المؤتمر من قبل اللجنة التنفيذية المركزية القديمة؛ إذ يتلافى هذا الاستدعاء مسبقًا المناقشات حول شرعية المؤتمر، ويسمح بتقويض التوفيقيين بدعم منهم. وما أن كشف تهديد البلاشفة حتى آتى أُكُله؛ فصرَّح زعماء اللجنة التنفيذية المركزية، دون أن يخاطروا أيضًا بالقطيعة مع الشرعية السوفييتية، بأنهم لن يفوضوا أحدًا بحق القيام بالتزاماتهم. وتحدد المؤتمر بتاريخ 20 أكتوبر (تشرين الأول) أي خلال أقل من شهر.

ومع ذلك، ما أن تفرق مندوبو المناطق، حتى زال غرور زعماء اللجنة التنفيذية المركزية فجأة، واكتشفوا بأن المؤتمر لم يكن ملائمًا، وأنه سيبعد الحزبيين الملتزمين بالحملة الانتخابية إلى المديريات، ويسيء إلى المجلس التأسيسي. وكان الخوف الحقيقي من وجود مدعٍ بالسلطة في المؤتمر. ولكنهم سكتوا عن هذا الموضوع بدبلوماسية. وبتاريخ 26 سبتمبر (أيلول) سارع دان وقدم اقتراحًا بتأجيل المؤتمر، رفعه إلى مكتب اللجنة التنفيذية المركزية، هذا المكتب الذي لم يكن يهتم بالاستعدادات الضرورية.

أما فيما يتعلق بالمبادئ الأولية للديمقراطية، فإن هؤلاء الديمقراطيين الممتهنين لم يبرهنوا عليها أبدًا ولم يتمسكوا بها. فقد جاءوا لرفض القرار الذي اتخذه المؤتمر الديمقراطي الذي استدعوه بأنفسهم، وتنكروا للتحالف مع الكاديت. وهم يظهرون الآن ازدراءهم المطلق للسوفييتات، مبتدئين بسوفييت بتروغراد، الذي حملهم إلى السلطة. نعم! هل كان بوسعهم في الواقع، أن يأخذوا بعين الاعتبار آمال ومطالب عشرات الملايين من العمال والجنود والفلاحين الذين يتمسكون بالسوفييتات دون أن يخرقوا تحالفهم مع البرجوازية؟

ورد تروتسكي على اقتراح دان بأن المؤتمر سيُستدعى على كل حال، وإذا لم يتحقق ذلك بالطريق الدستوري، فإنه سيتحقق بالطريق الثوري على الأقل. ورفض المكتب الموغل في الدناءة هذه المرة السير في طريق انقلاب سوفييتي. ولكن الهزيمة الصغيرة لم تجبر المتآمرين أبدًا على إلقاء السلاح، بل كانت الهزيمة على العكس حافزًا ودافعًا لهم. ووجد دان دعمًا مؤثرًا في فرع الجنود التابع للجنة التنفيذية المركزية، الذي قرر فتح “تحقيق” وسط تنظيمات الجبهة لمعرفة ما إذا كان سيتم استدعاء المؤتمر، أي ما إذا كانوا سينفذون قرارًا اتخذ مرتين من قبل أكبر جهاز سوفييتي. وفي غضون ذلك، فتحت صحافة التوفيقيين حملة ضد المؤتمر. وأظهر الاشتراكيون –  الثوريون حنقهم بصورة خاصة. فقد كتبت صحيفة ديلونارودا (قضية الشعب) ما يلي: “إن استدعاء المؤتمر أو عدم استدعائه أمر لن يكون له أية أهمية فيما يتعلق بحل مسألة السلطة.. ولن تخضع حكومة كرنسكي بأية حال من الأحوال”. وقد سأل لينين: لمن لن تخضع الحكومة؟ وأخذ يشرح الجواب. “لن تخضع لسلطة السوفييتات؛ أي: لسلطة العمال والفلاحين التي تسميها الديلونارودا سلطة تروتسكي ولينين، لكي لا تتخلف عن منظمي مذابح اليهود، والمعادين للسامية، والفوضويين، والكاديت”.

ووجدت اللجنة التنفيذية الفلاحية، من ناحيتها، استدعاء المؤتمر “خطرًا وغير مرغوب فيه”. وساد في الدوائر الحاكمة السوفييتية ارتباك مؤذ مقصود. وجنَّد مندوبو الأحزاب التوفيقية، الذين كانوا يجوبون البلاد، التنظيمات المحلية ضد المؤتمر المستدعى بصورة رسمية من قبل الجهاز السوفييتي الأعلى. وأخذت الصحيفة شبه الرسمية للجنة التنفيذية المركزية تنشر يومًا بعد يوم قرارات ضد المؤتمر، بأمر شلة الزعماء التوفيقيين، وكانت كافة لاقرارات منبعثة من أشباح مارس إلة الحرب، وتحمل حقًا أسماء جليلة. ودفنت الأزفستيا السوفييتات في مقال افتتاحي، وأعلنت بأن الأبنية الخشبية المؤقتة هي التي ينبغي أن تدمر عندما سيكلل بناء المجلس التأسيسي النظام الجديد”.

وكانت الإثارة والتحريض ضعيفين جدًا بحيث يتعذر عليهما أخذ البلاشفة على حين غرة. ومنذ 24 سبتمبر (أيلول) قررت اللجنة المركزية للحزب، التي لا تركن إلى قرار اللجنة المركزية، بأن تثير في القاعدة بواسطة السوفييتات المحلية وتنظيمات الجهة حملة لصالح عقد المؤتمر. وندب البلاشفة سفردلوف إلى اللجنة الفرعية الرسمية التابعة للجنة التنفيذية المركزية، هذه اللجنة التي كانت تهتم باستدعاء المؤتمر، وبتخريبه بصورة أصح. وجندت التنظيمات المحلية للحزب تحت قيادته، وجندت السوفييتات بواسطتها أيضًا. وبتاريخ 27 طالبت كل المؤسسات الثورية في ريفال الحل الفوري للجنة التحضيرية للمجلس النيابي، واستدعاء مؤتمر للسوفييتات؛ لخلق السلطة، وتعهدت وهي تتبجح بدعمها “بكل القوى والموارد التي تملكها قلعة الحكم”. واقترح عدد وافر من مجالس السوفييتات المحلية، بدءًا من نواحي موسكو، سحب مهمة استدعاء المؤتمر من اللجنة التنفيذية المركزية التي لا تتسم بالإخلاص. وتقاطرت المطالبات بعقد المؤتمر، من الكتائب والأفواج، والفيالق، والحاميات، في اتجاه معاكس لقرارات لجان الجيش التي تنص على معارضة انعقاد المؤتمر. وصرح المجلس العام للجنود في كيشتوم في الأورال بما يلي: “إن على مؤتمر السوفييتات أن يستلم السلطة دون أن يرده أي شيء”. ودعا جنود منطقة نوفوغورود الفلاحين إلى المشاركة في المؤتمر، دون الالتفات إلى قرار اللجنة التنفيذية الفلاحية. وطالبت سوفييتات المناطق، والنواحي، وسوفييتات الأنحاء البعيدة في روسيا، وسوفييتات المصانع والمناجم، والأفواج، وبحارة البوارج الثقيلة، وقاذفات الطوربيد، والمستشفيات العسكرية، والمجمعات، وسرية الآليات الحربية ببتروغراد، ومصالح سيارات الإسعاف في موسكو، طالب كل هؤلاء بالقضاء على الحكومة وتسليم السلطة للسوفييتات.

وأنشأ البلاشفة لأنفسهم قاعدة تنظيم هامة؛ إذ لم يتوقفوا عند حد الإثارة، بل استدعوا مؤتمرًا لسوفييتات منطقة الشمال ضم 150 مندوبًا جاءوا من 23 جبهة مختلفة. وكانت الضربة موجهة بشكل جيد! وصرحت اللجنة التنفيذية المركزية، بقيادة معلميها الكبار المختصين بالأمور الصغيرة، بأن مؤتمر الشمال اجتماع خاص. ولم تشترك حفنة من المندوبين المناشفة في أعمال المؤتمر، ولم يحضر أفرادها إلا “كمراقبين” وكأن عدم اشتراكهم يقلل من معنى المؤتمر الذي تمثلت فيه سوفييتات بتروغراد وضواحيها، وموسكو، وكرونشتادت، وهلسنغفورز، وريفال، أي العاصمتين والقلعتين البحريتين، وأسطول البلطيق، وحاميات المناطق المجاورة لبتروغراد.

وأعطي للمؤتمر الذي افتتحه أنطونوف، طابع عسكري مقصود. وجرت أعمال المؤتمر برئاسة الملازم الثاني كريلنكو أفضل محرضي الحزب في الجبهة، والذي أصبح فيما بعد القائد العام للقطعات البلشفية. وكان التقرير السياسي لتروتسكي منصبًّا أساسًا على المحاولة الجديدة التي قامت بها الحكومة لإبعاد الأفواج الثورية عن بتروغراد؛ فالمؤتمر لن يسمح “بنزع سلاح بتروغراد وخنق السوفييت”. ومسألة حامية بتروغراد عنصر من المسألة الأساسية للسلطة. “إن كل الشعب يصوت للبلاشفة. إن الشعب يثق بنا ويكلفنا باستلام السلطة ووضعها بأيدينا”. ويقول قرار تروتسكي ما يلي: “لقد حانت الساعة التي يمكن فيها لزحف جريء وإجماعي تقوم به السوفييتات أن يحل مسألة السلطة المركزية”. وأقر الأعضاء هذه الدعوة المستورة للانتفاضة بالإجماع فيما عدا ثلاثة أعضاء امتنعوا عن التصويت.

ودعا لاشوفيتش السوفييتات إلى التأكيد من الحاميات المحلية، على غرار بتروغراد. ووعد بيترسون المندوب الليتوني بـ40.000 قناص ليتوني للدفاع عن مؤتمر السوفييتات. ولم يكن تصريح بيترسون الذي استقبل بحماس، هو أقل التصريحات وزنًا في عالم الكلمات. فبعد عدة أيام، أعلن سوفييت الأفواج الليتوانية: “أن الانتفاضة الشعبية هي وحدها… التي ستجعل من الممكن انتقال السلطة إلى أيدي السوفييتات”. ونشرت إذاعة المراكب الحربية في كل البلاد بتاريخ 13 دعوة مؤترم الشمال إلى الاستعداد لمؤتمر سوفييتات عموم روسيا: “أيها الجنود، والبحارة، والفلاحون، والعمال! إن واجبكم أن تتغلبوا على كل العقبات”.

واقترحت اللجنة المركزية للحزب على المندوبين البلاشفة في مؤتمر الشمال عدم مغادرة بتروغراد بانتظار مؤتمر السوفييتات الذي سينعقد عن قريب. وزار بعض المندوبين، بناءً على تفويض من المكتب المنتخب من المؤتمر، تنظيمات الجيش وسوفييتات المديريات لإقامة علاقات معها، وبعبارات أخرى لإعداد المنطقة للانتفاضة. ورأت اللجنة التنفيذية المركزية عندئذٍ إلى جانبها أداة قوية تعتمد على بتروغراد وموسكو، وكانت تتكلم مع البلاد بواسطة محطات إذاعة البوارج الثقيلة. وغدت مستعدة للحلول محل الجهاز الأعلى البالي للسوفييتات، لاستدعاء المؤتمر عندما تحين الفرصة، وبدا أن المحاولات الخداعية التافهة في التنظيم لا تستطيع أن تكون مفيدة للتوفيقيين.

وأعطى الصراع من أجل انعقاد المؤتمر ومقاومة انعقاده في الأقاليم آخر دفع لبلشفة السوفييتات. وحصل البلاشفة وحدهم لأول مرة، ولا سيما مع الاشتراكيين – الثوريين اليساريين في عدد وافر من المناطق المتخلفة، كسمولنسك، على الأكثرية منذ وقت الحملة للمؤتمر أو في انتخابات المندوبين. وحتى في المؤتمر السيبري للسوفييتات؛ فقد نجح البلاشفة، في منتصف أكتوبر (تشرين الأول) بتشكيل أكثرية قوية مع الاشتراكيين الثوريين اليساريين طبعت كل السوفييتات المحلية بطابعها. وبتاريخ 15 اعترف سوفييت كييف بـ159 صوتًا مقابل 28 وامتناع ثلاثة أعضاء عن التصويت بمؤتمر السوفييتات المقبل “كجهاز حاكم في السلطة”. وبتاريخ 16، اعترف مؤتمر السوفييتات لمنطقة الشمال – الغربي في منسك، أي في مركز الجبهة الغربية بضرورة استدعاء المؤتمر بصورة عاجلة. وبتاريخ 18، أجري سوفييت بتروغراد انتخاباته للمؤتمر المقبل، وحصلت اللائحة البلشفية (تروتسكي، وكامنييف، وفولودارسكي، ويورينييف، ولاشوفيتش) على 443 صوتًا. وحصل الاشتراكيون – الثوريون على 162 صوتًا. وكان الاشتراكيون – الثوريون الذين نجحوا من اليساريين الميالين إلى البلاشفة. وحصل المناشفة على 44 صوتًا وطالب مؤتمر سوفييتات الأورال، الذي انعقد برئاسة كريستينسكي، والذي كان يضم 80 عضوًا من البلاشفة من أصل 110 أعضاء طالب المؤتمر باسم 223.900 عامل وجندي منظم، باستدعاء مؤتمر السوفييتات في الوقت المحدد. وفي اليوم نفسه، في 19، أعلن مؤتمر لجان المعامل والمصانع لعموم روسيا. وهو التمثيل الذي لا يرقى إليه الشك لبروليتاريا كل البلاد، أعلن وتبنى النقل الفوري للسلطة إلى أيدي السوفييتات. وبتاريخ 30 صرحت إيفانوفو – فوزنيسنسك بأن كل سوفييتات المنطقة تناضل “في معركة صريحة محتدمة ضد الحكومة المؤقتة”. وطلبت في تصريحها من السوفييتات أن تحل بسلطتها المسائل الاقتصادية والإدارية في مواقع تأزمها. ولم يعارض القرار الذي كان يعني تقويض السلطات الحكومية في المديريات سوى عضو واحد. وامتنع عضو آخر عن التصويت. وبتاريخ 22، نشرت الصحافة البلشفية لائحة جديدة تضم 56 تنظيمًا تطالب بانتقال السلطة إلى السوفييتات، وكانت هذه التنظيمات كلها تمثل الجماهير الحقيقية، والمسلحة إلى حد كبير.

ولكن النداء القوي الذي أطلقته قوى الانتفاضة المقبلة لم يمنع دان من أن ينقل إلى مكتب اللجنة التنفيذية المركزية أن 50 تنظيمًا فقط من أصل 917 تنظيمًا سوفييتيًّا موجودًا قد ردوا بالموافقة على إرسال مندوبيهم. وادعى بأن هذه الموافقة تمت “بدون أي حماس”، ويمكن أن نفهم دون عناء بأن السوفييتات القليلة العدد التي آمنت بضرورة منح عواطفها للجنة التنفيذية المركزية تنظر إلى المؤتمر دون حماس. ومع ذلك، كانت الأكثرية الساحقة للسوفييتات المحلية واللجان تتجاهل تمامًا اللجنة التنفيذية المركزية.

ومع هذا لم يجرؤ التوفيقيون على دفع المشكلة إلى نهايتها، بعد أن خانهم وورطهم عملهم. وعندما اتضح أنهم لن ينجحوا في تجنب المؤتمر، قاموا بتحول مفاجئ، فدعوا كل التنظيمات المحلية لانتخاب مندوبين إلى المؤتمر، كي لا يتركوا الأكثرية بيد البلاشفة. ولكن اللجنة التنفيذية المركزية وجدت نفسها بعد أن تمالكت زمامها فيما بعد مضطرة قبل التاريخ المحدد بثلاثة أيام إلى تأجيل المؤتمر إلى 25 أكتوبر (تشرين الأول).

وحصل نظام فبراير (شباط) ومعه المجتمع البورجوازي، بفضل مناورة التوفيقيين الأخيرة، على مهلة غير متوقعة، لا يستطيعون معها رغم ذلك الحصول على أي شيء أساسي. وبالمقابل، استخدم البلاشفة الأيام الإضافية الخمسة بنجاح كبير. وقد اعترف الأعداء بذلك فيما بعد. وروى ميليوكوف ما يلي: “واستخدم البلاشفة تأخير التظاهرة قبل كل شيء لتعزيز مواقعهم وسط عمال بتروغراد وجنودها. وظهر تروتسكي في الاجتماعات، في أنحاء مختلفة من العاصمة. وهكذا تميز المناخ الفكري الذي خلقه، في عجز سكوبوليف وغوتز وغيرهما من أعضاء اللجنة التنفيذية في فوج سيمينوفسكي مثلاً، عن قول كلمة واحد بعد خطابه”.

وكان لتحول فوج سيمينوفسكي، الذي سجل اسمه في تاريخ الثورة بأحرف مشئومة معنى رمزي؛ ففي ديسمبر (كانون الأول) 1905 قام هذا الفوج بأضخم عمل لسحق الانتفاضة في موسكو. وكان قائد الفوج الجنرال مين قد أعطى لجنوده الأمر التالي: “عدم الحصول على أسرى”؛ وقد أعدم جنود فوج سيمينوفسكي، 150 عاملاً ومستخدمًا في القطاع الحديدي لموسكو – غولوتفين. وبعد أن هنأ القيصر الجنرال مين على مآثره قتل مين في خريف عام 1906 من قبل الاشتراكية – الثورية كونوبليانيكوفا. وقاوم فوج سيمينوفسكي، الذي وقع بكامله في شباك التقاليد القديمة، مدة أطول من أكثرية قطعات الحرس الأخرى. وكانت سمعته كقوة “موثوقة” متينة جدًا، حتى أن الحكومة أصرت على الاعتماد عليه حتى يوم الانتفاضة وبعدها أيضًا، برغم الإخفاق المحزن لسكوبوليف وغوتز.

وبقيت مسألة مؤتمر السوفييتات المسألة السياسية الرئيسية خلال الأسابيع الخمسة التي فصلت المؤتمر الديمقراطي عن انتفاضة أكتوبر (تشرين الأول). وكان بيان البلاشفة في المؤتمر الديمقراطي قد أعلن صيرورة المؤتمر المقبل للسوفييتات “إلى جهاز حاكم للبلاد”. “أما هذه فهي قرارات واقتراحات للمؤتمر الحالي فقط… قد تجد طريقها إلى التحقيق، وستصدق من قبل مؤتمر مندوبي العمال والفلاحين والجنود لعموم روسيا”. وقال قرار مقاطعة اللجنة التحضيرية للمجلس النيابي، المدعوم من قبل نصف أعضاء اللجنة المركزية ضد النصف الآخر: “إننا نربط مسألة اشتراك حزبنا في اللجنة التحضيرية للمجلس النيابي في الوقت الحاضر مباشرة بالتدابير التي سيتخذها مؤتمر سوفييتات عموم روسيا لإنشاء سلطة ثورية”. وظهرت الدعوة إلى مؤتمر السوفييتات في كل الوثائق البلشفية لهذه الفترة دون استثناء.

وأصبحت السوفييتات الدعامة الوحيدة للقوى الخلاقة أمام اضطرام الحرب الفلاحية، واشتداد حدة الحركة الوطنية، وأمام الفوضى المتفاقمة، وهزيمة الجبهة، وإزاء تصدع الحكومة. وأصبحت كافة المسائل عبارة عن مسألة سلطة، وتؤدي مسألة السلطة إلى مؤتمر السوفييتات. وكان من الضروري إعطاء إجابة على كل المسائل، بما فيها مسألة المجلس التأسيسي.

ولم يلغ أي حزب من الأحزاب بما في ذلك الحزب البلشفي، شعار المجلس التأسيسي. ولكن الشعار الديمقراطي الأول في مجرى أحداث الثورة، الذي أعطى لكفاح الجماهير البطولي لونه منذ خمس عشرة سنة أخذ يذبل بصورة متدرجة. وكان هذا الشعار قد سحق بالرمي إلى حد ما، ولم يترك وراءه إلا الدوي وشكلاً فارغًا بدون محتوى، وتقليدًا لا أملاً بعيدًا. وفي هذا السياق لم يكن هناك أحاج وألغاز. فقد أدَّى تطور الثورة إلى التحام مباشر بين طبقتي المجتمع الرئيسيتين من أجل السلطة: البرجوازية والبروليتاريا. ولم يكن المجلس التأسيسي قادرًا على إعطاء أي شيء للأولى أو للثانية. ولا تستطيع برجوازية المدن والأرياف الصغيرة أن تلعب في هذا النزاع سوى دور مساعد ثانوي. وكانت هذه البرجوازية عاجزة على كل حال عن استلام السلطة بنفسها، وإذا كانت الشهور السابقة قد برهنت أو أبرزت شيئًا ما، فهو هذا العجز الواضح. بَيْد أن البرجوازية الصغيرة ما زالت قادرة على الحصول في المجلس التأسيسي على الأكثرية -وقد حصلت عليها فعلاً فيما بعد- فماذا تنفعها الأكثرية؟ تنفعها فقط كي تجهل طريقة استخدامها. وقد أُوِّل كل هذا بالميوعة الحتمية للديمقراطية في منعطف تاريخي عميق. وتبرز قوة التقليد في أن كلا المعسكرين لم يتنازلا عن اسم المجلس التأسيسي حتى في عشية المعركة الأخيرة. وكانت البرجوازية في الواقع تستنجد بكورنيلوف من أجل المجلس التأسيسي، على حين كان البلاشفة يستنجدون بمؤتمر السوفييتات.

ومن الممكن أن نقدم ونحن واثقون الفرضية القائلة بأن شرائح واسعة إلى حد ما من الشعب، حتى بعض الشرائح الوسيطة من الحزب البلشفي راودتها بعض الأوهام الدستورية إلى حد ما إزاء مؤتمر السوفييتات، أي أنها ربطت فكرة نقل السلطة بصورة آلية وغير مؤلمة من أيدي الائتلاف إلى أيدي السوفييتات بالمؤتمر، بينما كان من الواجب في الحقيقة انتزاع السلطة بالقوة، وهو أمر لا يمكن أن يتم بالتصويت؛ فالانتفاضة المسلحة وحدها هي التي تستطيع حل هذه المسألة.

ومع ذلك كان وهم “البرلمانية” السوفييتية، في الشروط بمجملها، أقل كل هذه الأوهام خطرًا، هذه الأوهام التي رافقت -كمزيج حتمي- كل حركة شعبية كبرى، بما في ذلك أكثر هذه الحركات واقعية. وكافحت السوفييتات بالفعل للاستيلاء على السلطة وزاد اعتمادها على القوات العسكرية، وأصبحت هي نفسها سلطات في المديريات، وغزت بمعركة كبيرة مؤتمرها الخاص. ولم يبق أي مكان للأوهام الدستورية، وما تبقى من هذه الأوهام كنسه سياق المعركة.

وفي الوقت نفسه غطَّى شعار مؤتمر السوفييتات الإعداد نصف التآمري، ونصف الصريح للانتفاضة، وذلك بالدعوة الدائمة إلى قيام تمثيل شرعي للعمال، والجنود والفلاحين، كما نسق الجهود الثورية لعمال وجنود كل البلاد، وأعطاهم وحدة في الهدف، وحدد لهم مهلة زمنية واحدة لتحقيقه. وكان على مؤتمر السوفييتات فيما بعد، بتسهيله اجتماع القوى من أجل الانتفاضة، أن يقر نتائجه ويصادق عليها، وأن يشكل سلطة جديدة مؤكدة للشعب.

لقراءة الفصل السابق يمكن مراجعة الرابط التالي:

 

 

 

تاريخ الثورة الروسية: الانسحاب من اللجنة التحضيرية للمجلس النيابي والنضال من أجل مؤتمر السوفييتات/ جـ 2