تاريخ الثورة الروسية: اللجنة العسكرية الثورية جـ 1

0
279

 

وحافظ الاشتراكيون – الثوريون والمناشفة على تفوقهم خلال شهر أغسطس (آب) برغم التحول الذي بدأ في نهاية يوليو (تموز) في الحامية المتجددة لبتروغراد، وبقيت بعض القوات العسكرية مشبعة بحذر شديد إزاء البلاشفة. ولم تكن البروليتاريا قد حصلت على السلاح بعد؛ فلم يحتفظ الحرس الأحمر إلا ببضع الألوف من البنادق. وكان من الممكن أن تنتهي الانتفاضة، في مثل هذه الشروط، بهزيمة قاسية، مع أن الجماهير عادت إلى البلاشفة من جديد.

وتعدل الوضع بتدرج في بحر سبتمبر (أيلول). وبعد تمرد الجنرالات وعصيانهم، خسر التوفيقيون بسرعة، الدعم الذي كانوا يتمتعون به في صفوف الحاميات العسكرية، وحلَّ التعاطف مع البلاشفة محل الحذر منهم، وكانت الجماهير تقف إزاءهم موقف الحياد المتفرج في أسوأ الحالات، ولكن التعاطف لم يكن فعَّالاً. وبقيت الحامية العسكرية، من وجهة النظر السياسية، في منتهى الميوعة، وكثيرة الشكوك، على طريقة الموجيك الذين يتساءلون دومًا: ألا يخدعنا البلاشفة؟ هل سيعطون السلم والأرض بالفعل؟ ولم تكن أكثرية الجنود متأهبة بعد للقتال من أجل تحقيق هذه الأهداف تحت راية البلاشفة. وبما أنه ما يزال هناك أقلية مكابرة في قوات الحامية، ومعادية للبلاشفة (من 5000 إلى 6000 يونكرز، وثلاثة أفواج من القوزاق، وكتيبة سيارات، وفرقة سيارات مصفحة) فقد كان مخرج النزاع يبدو في سبتمبر (أيلول) مخرجًا مشكوكًا فيه. وجلب سير الأحداث أيضًا درسًا عمق نظرة جنود بتروغراد إلى مصيرهم، فوجدوا أن هذا المصير مرتبط ارتباطًا لا انفكاك فيه بمصير الثورة والبلاشفة.

إن حق التصرف بقواتٍ مؤلفة من رجال مسلحين هو الحق الأساسي لسلطة الدولة. وقد تعهدت أول حكومة مؤقتة، فرضتها اللجنة التنفيذية على الشعب بعدم نزع سلاح بتروغراد، وعدم إخلائها من القطعات التي شاركت بانتفاضة فبراير (شباط). تلك كانت البداية القاطعة لازدواجية عسكرية غير منفصلة في الحقيقة عن ازدواجية السلطة. وجاءت الزلازل السياسية الكبرى للأشهر التالية –بيان أبريل (نيسان)، وأيام يوليو (تموز)، وتحضير الفتنة الكورنيلوفية والقضاء عليها- فأدت في كل مرة بصورة حتمية إلى مسألة إخضاع حامية بتروغراد. بَيْد أن النزاعات فوق هذه الأرض بين الحكومة والتوفيقيين اتسمت في النهاية بطابع عائلي، وكانت تنتهي بحل ودي. ومع بلشفة الحامية، اتخذت المسألة إطارًا آخر. ونرى الآن أن الجنود أنفسهم بدأوا يذكرون بالتعهد الذي أعطته الحكومة في مارس (آذار) للجنة التنفيذية المركزية، هذا التعهد الذي خانه الطرفان وقاما بخرقه. وبتاريخ 8 سبتمبر (أيلول) طلب فرع الجنود في السوفييت بعودة كل الأفواج المرسلة إلى الجبهة بعد أحداث يوليو (تموز) إلى بتروغراد. بَيْد أن المشتركين في الائتلاف كانوا يصدعون رءوسهم ليتساءلوا كيف يطردون الأفواج الأخرى.

وكان الوضع في عدد وافر من مدن المناطق مماثلاً تقريبًا للوضع في العاصمة. وفي بحر يوليو (تموز) وأغسطس (آب) تعرضت الحاميات المحلية لحملة الإصلاح الوطني. وفي بحر أغسطس (آب) وسبتمبر (أيلول) اعتنقت الحاميات التي أعيد تجديدها البلشفية. وكان من الضروري العودة إلى البدء، أي تقويمها من جديد وإعادة بنائها. وقد بدأت الحكومة بالمناطق، بعد أن أعدت ضربة ضد بتروغراد. وأُخفيت الدوافع السياسية بعناية خلف دوافع إستراتيجية. وبتاريخ 27 سبتمبر (أيلول) قرر المجلس الموحد لسوفييتات ريفال، في المدينة والقلعة حول مسألة طرد القطعات ما يلي: عدم قبول إعادة أي تجمع للقوات إلا بموافقة مسبقة من السوفييتات المعنية. وكان زعماء سوفييت فلاديمير يسألون موسكو عما إذا كان من الواجب عليهم الخضوع لأمر كرنسكي الذي ينص على جلاء كل الحامية. ولاحظ المكتب البلشفي الإقليمي في موسكو أن “الأوامر المشابهة قد أصبحت متواصلة إزاء الحاميات المشبعة بالفكر الثوري”. وحاولت الحكومة قبل أن تتنازل عن كل حقوقها استخدام الحق الأساسي الذي يتمتع به نظام الحكم؛ وهو التصرف بالقوات المسلحة.

وأصبح تفتيت حامية بتروغراد ضرورة عاجلة جدًا، وخاصة وأن على مؤتمر السوفييتات المقبل، دفع المعركة بصورة أو بأخرى في سبيل الاستيلاء على السلطة إلى نهايتها. ومن يوم إلى يوم كانت الصحافة البرجوازية، التي تديرها ريتش الكاديت، تكرر بأن من الواجب أن لا يترك للبلاشفة إمكانية “اختيار فرصتهم لإعلان الحرب الأهلية”. كان هذا يعني بالنسبة لليمين: فلنضرب البلاشفة في وقت ملائم. ونجمت محاولة التعديل الأولى لموازين القوى في الحامية من هنا بالتأكيد. وكانت المبررات ذات الطابع الإستراتيجي تبدو مقنعة إلى حد ما بعد سقوط ريغا وسقوط جزر مونسوند. وأرسلت هيئة أركان المنطقة تعليمات تأمر بتقويم قوات بتروغراد بغية إرسالها إلى الجبهة. وكانت المسألة في الوقت نفسه قد نقلت إلى فرع الجنود بمبادرة التوفيقيين. ولم تكن خطة الخصوم سيئة: انتزاع الدعامة العسكرية التي كان يملكها البلاشفة منهم بضربة واحدة، بعد أن قدموا إنذارًا إستراتيجيًّا للسوفييت، وإثارة نزاع حاد بين حامية بتروغراد والجبهة التي كانت بحاجة للنجدات وللتبديل.

وكان زعماء السوفييت الذين كشفوا الفخ المنصوب ينوون جس الأرض في بادئ الأمر قبل القيام بخطوة خاطئة. ولم يكن رفض تنفيذ الأمر ممكنًا إلا شريطة أن يكونوا واثقين بأن الجبهة ستفهم دوافع الرفض بصورة صحيحة. وفي الحالة المعاكسة، قد يكون من الأجدى إجراء تبديل لقوات الحامية بالاتفاق مع جنود الخط الأول، بالقطعات الثورية في الجبهة التي كانت محتاجة إلى الراحة. وفي هذه الروح بالضبط، كما رأينا أعلاه، أصدر سوفييت ريفال قراره.

وعالج الجنود المسألة بصورة مباشرة أكثر. فقد كان الذهاب إلى الجبهة الآن، وفي آخر فصل الخريف، والالتزام بحملة شتاء جديدة عبارة عن فكرة لا تروق لهم. وفتحت الصحافة الوطنية النار فورًا على الحامية: إن أفواج بتروغراد، التي سمنت في البطالة، تخون الجبهة مرة أخرى. وتوسط العمال لصالح الجنود. وكان عمال مصانع بوتيلوف أول من احتج على انسحاب الأفواج من بتروغراد. وبقيت المسألة على جدول الأعمال لا في الثكنات فحسب، بل في المصانع. وقد ربطت هذه المسألة قسمي السوفييت، بصورة وثيقة. ومنذ ذلك الوقت دعت الأفواج بحرارة خاصة مطالبة العمال بالسلاح.

واقترح التوفيقيون على مجلس السوفييت بتاريخ 9 أكتوبر (تشرين الأول) إنشاء “لجنة دفاع ثوري”، وهم يحاولون استثارة وطنية الجماهير، ملوحين لها بسقوط بتروغراد، على أن تكون مهمة هذه اللجنة المشاركة في الدفاع عن العاصمة مع الدعم الفعَّال للعمال. ومع ذلك لم يسارع مجلس السوفييت أبدًا إلى إصدار حكم على جوهر هذه المسألة، لأنه رفض أن يأخذ على عاتقه مسئولية “الإستراتيجية المزعومة للحكومة المؤقتة، ومسئولية إجلاء قطعات بتروغراد بصورة خاصة”، ولكنه قرر أن يتحقق من دوافعها وأسبابها. وحاول المناشفة الاحتجاج قائلين: ليس من المقبول التدخل بالأوامر التي تعطيها القيادة لعملياتها. ولكنهم قالوا الشيء نفسه عن أوامر المتآمر كورنيلوف قبل ستة أسابيع بالضبط، وقد ذكَّرهم بعض أعضاء المجلس بموقفهم هذا. وقد وجدوا أنفسهم بأمس الحاجة إلى جهاز مسئول للتحقق مما إذا كان إجلاء الأفواج قد أملته الاعتبارات العسكرية أم السياسية. وتبنى البلاشفة فكرة “لجنة للدفاع”، وذهل التوفيقيون من موقف التأييد الذي اتخذه البلاشفة إزاءها؛ فستركز هذه اللجنة بين يديها كل المعطيات المتعلقة بالدفاع عن العاصمة. وكانت خطوة هامة. واحتفظ مجلس السوفييت لنفسه حسب الظروف بإمكانية تغيير قرار إرسال القطعات إلى الجبهة في اتجاه أو في اتجاه آخر. وانتزع بهذا الشكل من أيدي خصومه سلاحًا خطرًا، ولكن كان هذا السلاح على كل حال، ضد الحكومة والتوفيقيين.

واستولى البلاشفة بصورة طبيعية على المشروع المنشفي لإنشاء لجنة عسكرية. وخاصة وأنهم كانوا قد تحدثوا في صفوفهم الخاصة أكثر من مرة حول ضرورة تشكيل جهاز سوفييتي مسئول يقود الانتفاضة المقبلة. حتى أن التنظيم العسكري التابع للحزب وضع مشروعًا لهذا الغرض. وكانت الصعوبة التي لم يستطيعوا التغلب عليها حتى ذلك الوقت هي تعاون جهاز الانتفاضة مع السوفييت المنتخب والعامل بصورة مكشوفة؛ حيث يوجد أيضًا ممثلون للأحزاب المعادية. وجاءت المبادرة الوطنية للمنشافة في وقتها الملائم كيما تسهل إنشاء هيئة أركان ثورية، سميت فورًا “اللجنة العسكرية الثورية” وأصبحت الرافعة الرئيسية للانتفاضة.

وبعد وقوع الأحداث المذكورة هنا بسنتين، كتب مؤلف هذا الكتاب في مقال مكرس لانتفاضة أكتوبر (تشرين الأول) ما يلي: “بعد أن نُقل أمر إجلاء القوات من هيئة أركان المنطقة إلى اللجنة التنفيذية لسوفييت بتروغراد… أصبح واضحًا أن هذه المسألة، ستتخذ أهمية سياسية حاسمة في تطورها المقبل”. وبدأت فكرة الانتفاضة فورًا بالتكوُّن. ولم يكونوا بحاجة إلى اختراع جهاز سوفييتي. وقد أشير إلى المهمة الفعلية للجنة المقبلة بطريقة لا تقبل الالتباس عندما اختتم تروتسكي تقريره في الجلسة نفسها بالنداء التالي: “عاش الكفاح المباشر والصريح من أجل السلطة الثورية في البلاد!”، وكان هذا النداء يترجم في لغة الشرعية السوفييتية الأمر اليومي التالي: “عاشت الانتفاضة المسلحة!”.

وفي اليوم التالي، بتاريخ 10، تبنت اللجنة المركزية للبلاشفة في جلسة سرية اقتراح لينين الذي يجعل من الانتفاضة المسلحة المهمة العملية للأيام القريبة. وتبنى الحزب بعد ذلك موقفًا قتاليًّا واضحًا وإلزاميًّا. ودخلت لجنة الدفاع في احتمال المعركة المباشرة من أجل الاستيلاء على السلطة.

وأحاطت الحكومة وحلفاؤها الحامية بدوائر متحدة المركز. وبتاريخ 11، نقل الجنرال تشيريميسوف قائد الجبهة الشمالية إلى وزير الحربية طلبًا تقدمت به لجان الجيش يطالب بإرسال قوات المؤخرة وقوات بتروغراد إلى الجبهة لتبديل القوات المتعبة فيها. ولم تكن هيئة أركان الجبهة، في هذه الحالة، سوى مصلحة إشارة بين التوفيقيين في الجيش وزعمائهم في بتروغراد الذين كانوا يحاولون جاهدين تمويه خطط كرنسكي بصورة شاملة. ورافقت صحافة الائتلاف عملية التطويق بمعزوفة الوطنية المسعورة. ومع ذلك برهنت الاجتماعات اليومية للأفواج والمصانع على أن موسيقى الزعماء لم تحدث لدى القواعد أقل انطباع. وبتاريخ 12 رد المؤتمر العام لعمال أكثر مصانع العاصمة ثورية (ستاري – بارفيينن) على هجمات الصحافة البرجوازية المستمرة: “نؤكد بحزم أننا سننزل إلى الشارع عندما نرى أن الضرورة تحتم ذلك. إننا لا نخشى المعركة التي تعلن عن قرب نشوبها، ونؤمن بحزم أننا سنخرج منها منتصرين”.

وحددت اللجنة التنفيذية لبتروغراد عندما شكلت اللجنة الفرعية لوضع الأنظمة الأساسية “للجنة الدفاع”، حددت للجهاز العسكري الجديد المهام التالية: الاتصال مع الجبهة الشمالية، ومع أركان منطقة بتروغراد، ومع سوفييت التنظيم المركزي لأسطول البلطيق (تسنتروبالت)، والسوفييت الإقليمي لفنلندا لتوضيح الوضع الحربي واتخاذ الإجراءات الضرورية، والقيام بإحصاء تعداد حامية بتروغراد والمناطق المجاورة لها، وجرد كميات الذخائر والتموين، واتخاذ التدابير الكفيلة بالمحافظة على الانضباط وسط جماهير الجنود والعمال. وكانت الصيغ عامة جدًا ومبهمة في الوقت ذاته، وكانت تقع كلها تقريبًا على الحد بين الدفاع عن العاصمة والانتفاضة المسلحة. ومع ذلك، اقتربت الآن هاتان المعضلتان، التي تستبعد كل منهما الأخرى، اقتربنا في الواقع، بعد أن استلم السوفييت السلطة بيديه، أصبح لِزامًا عليه أن يتكفل بالدفاع العسكري عن بتروغراد أيضًا. ولم يدخل عنصر تمويه الدفاع بإيحاء من الخارج، ولكنه نجم إلى حد ما من مقتضيات إعداد الانتفاضة.

ولم يوضع على رأس اللجنة الفرعية المكلفة بوضع الأنظمة الداخلية للجنة، رئيس بلشفي، وذلك في سبيل إجراء التمويه ذاته، بل وضع على رأسها الاشتراكي – الثوري لازيمير، وهو موظف شاب بسيط يعمل في المحاسبة. وكان لازيمير واحدًا من هؤلاء الاشتراكيين – الثوريين اليساريين الذين ساروا مع البلاشفة بصدق، منذ ما قبل الانتفاضة، دون أن يتوقعوا، وأيم الحق، إلى أين ستقودهم هذه المسيرة. وعرض المشروع الأولي للازيمير على تروتسكي لكي يصوغه في اتجاهين: تحددت المهام العملية لاكتساب الحامية، ورسمت المسيرة إلى الهدف الثوري العام بالتدريج… وصدق المشروع من قبل اللجنة التنفيذية برغم اعتراضات اثنين من المناشفة. وأدخل المشروع في اللجنة العسكرية الثورية، كلا من مكاتب السوفييت، وفرع الجنود وممثلين عن الأسطول، وممثلين عن اللجنة الإقليمية لفنلندا، وعن نقابة السكك الحديدية، ولجان المصانع، والنقابات بصورة عامة، وممثلين عن التنظيمات العسكرية للحزب، ولجان المصانع، والنقابات بصورة عامة، وممثلين عن التنظيمات العسكرية للحزب، والحرس الأحمر، …إلخ، وكانت القاعدة التنظيمية هي نفس القاعدة المتبعة في الحالات الأخرى. ولكن تأليف اللجنة كان محددًا بصورة مسبقة بمهامها الجديدة. وكان من المفترض أن تُرسل التنظيمات ممثلين مسئولين في المسائل العسكرية أو ممثلين على صلة بالحامية. وكانت المهمة تملي عملية تحديد الجهاز.

وكان هناك تشكيل جديد لا يقل أهمية عن هذا التشكيل؛ فقد أنشئ بالقرب من اللجنة العسكرية الثورية مجلس دائم للحامية. وكان فرع الجنود يمثل الحامية من وجهة النظر السياسية؛ إذ انتُخب المندوبون تحت علم الأحزاب. ولكن كان من الواجب أن يتألف مجلس الحامية من لجان الأفواج، التي كانت تشكل تمثيلها “الحرفي” والعملي، والمباشر نظرًا لأنها تدير الحياة اليومية لقطعاتها، وفرض التجانس بين لجان الأفواج والمصانع نفسها. وكان بوسع البلاشفة الاعتماد على العمال بثقة في المسائل السياسية الكبرى بواسطة فرع عمال السوفييت، ولكن كان من الضروري قيادة لجان المصنع للسيطرة في المصانع. وكان تركيب فرع الجنود، يضمن للبلاشفة التعاطف السياسي لغالبية الحامية. ومع ذلك كان من الواجب الاعتماد مباشرة على لجان الفوج للتصرف بالقطعات عمليًّا. وهذا ما يفسر، لماذا أخذ مؤتمر الحامية مكانة هامة، في الفترة التي سبقت الانتفاضة واستبعد بالطبع فرع الجنود. وكان أشهر المندوبين من ناحية أخرى يشكلون جزءًا من المؤتمر.

وقام لينين بالتحذير والنصح في مقال كتبه قبل أيام تحت عنوان: الأزمة ناضجة، قال فيه: “ماذا فعل الحزب لدراسة مواقف القطعات؟ …إلخ”، وبرغم العمل المتجرد للتنظيم العسكري، كانت ملاحظة لينين صحيحة. فقد كانت دراسة القوات والوسائل، من وجهة نظر عسكرية صرفة تنجح بصعوبة في أوساط الحزب؛ فلم يكن الحزب معتادًا على هذه الدراسة، ولا يعرف كيف يعالجها. وتعدل الوضع فجأة اعتبارًا من اللحظة التي ظهر فيها مجلس الحامية على المسرح، ومنذ ذلك الوقت، مرت تحت أنظار الزعماء، ومن يوم إلى يوم، صورة الحاميات. ولم تكن الصورة خاصة بحامية العاصمة فحسب، بل بحاميات المناطق العسكرية المجاورة أيضًا.

وبتاريخ 12، فحصت اللجنة التنفيذية التدابير التي وضعتها لجنة لازيمير الفرعية. ورغم السرية كان للمناقشات طابع مبهم إلى حد كبير. وقد كتب سوخانوف وأصاب دون قصد: “كنا نقول شيئًا ونسمع الآن شيئًا آخر”. فقد كانت التدابير المتخذة تعد على مقربة من لجنة أقسام الدفاع، والتموين، والاتصال، والمعلومات، …إلخ؛ كانت هيئة أركان، أو هيئة أركان مضادة. وكان الهدف المؤكد للمجلس هو رفع القدرات القتالية للحامية. ولم يكن في هذا أي خطأ. ولكن من الممكن تطبيق القدرة القتالية بصورة مختلفة. ولاحظ المناشفة، بسخط عاجز أن الفكرة التي طرحوها بهدف وطني قد تحولت إلى تمويه للانتفاضة التي تُجهز. وكان التمويه شيئًا لا يمكن اختراقه، وفهم الجميع الهدف من ذلك. ولكنه بقي هدفًا لا يمكن التغلب عليه في الوقت نفسه، وقد عمل التوفيقيون أنفسهم بالضبط بهذا الشكل عندما جمعوا الحامية حولهم، في اللحظات الحرجة، وأنشأوا أجهزة للسلطة موازية للأجهزة الحكومية. وكان من الواضح أن البلاشفة يتابعون فقط تقاليد ازدواجية السلطات. ولكنهم كانوا يسكبون محتوى جديدًا في القوالب القديمة. وإن ما خدم التوفيقية في السابق يؤدي الآن إلى الحرب الأهلية. وطالب المناشفة أن يسجل في محضر الجلسة أنهم يعارضون المشروع بمجموعه. وأخذ الحاضرون هذا الطلب الأفلاطوني بعين الاعتبار.

وفي اليوم التالي نوقشت مسألة اللجنة العسكرية الثورية ومؤتمر الحامية، في فرع الجنود الذي كان يشكل من وقت قصير حرس التوفيقيين. واحتل قانونًا رئيس التسنتروبالت البحار ديبينكو، وهو عملاق ذو لحية سوداء، لم يعتد مضغ الكلمات، احتل المكان الرئيسي في هذه الجلسة الرائعة إلى حد كبير. ومر خطاب ضيف هلسنغفورز كتيار هواء بحري بارد قارس، وسط المناخ الثقيل للحامية. وتحدث ديبنكو عن قطع علاقات الأسطول بالحكومة بصورة نهائية، والعلاقات الجديدة مع القيادة. وكان الأميرال قد طلب في مؤتمر البحارة الذي انعقد في هذه الأيام قبل بدء العمليات البحرية الأخيرة، ما إذا كان البحارة سينفذون أوامر القتال. “وأجبنا: سننفذها شريطة أن تكون هناك رقابة من قبلنا ولكن… إذا رأينا أن الأسطول يتعرض لخطر الضياع، فإن الأميرال سيكون أول مشنوق على عارضة الصاري الكبير”. وكان هذا الجواب لغة جديدة لحامية بتروغراد. وقد طبقت هذه اللغة في الأسطول منذ عدة أيام فقط. وكانت هذه اللغة لغة الانتفاضة. وكانت المجموعة الصغيرة من المناشفة، مذهولة تزمجر في ركنها. ونظر المكتب بعين الاعتبار المشوب بالقلق إلى تلاحم جمهرة المعاطف الرمادية. فلم يصدر من صفوفهم أي صوت من أصوات الاحتجاج! وكانت العيون تقدح في وجوه حانقة. وسادت المجلس روح الإقدام. وقد صرح ديبنكو، الذي رفعت حماسته الموافقة العامة، بثقة واطمئنان في ختام الجلسة قائلاً: “يتحدثون عن ضرورة زحف حامية بتروغراد للدفاع عن مشارف العاصمة، وعن ريفال، جزئيًّا. لا تؤمنون بهذا. سندافع نحن عن ريفال بأنفسنا. ابقوا هنا ودافعوا عن مصالح الثورة… وعندما نحتاج إلى دعمكم سنطلب هذا الدعم بأنفسنا. وإنني واثق بأنكم ستدعموننا”. وأثار هذا النداء، الذي كان أفضل النداءات للدخول في عقول الجنود، عاصفة من الحماس الحقيقي غرقت وسطها نهائيًّا احتجاجات بعض المناشفة. وحُسمت مسألة جلاء الجند عن بتروغراد منذ ذلك الوقت بشكل نهائي.

وتبنت أكثرية مؤلفة من 283 عضوًا ضد عضو واحد وامتناع 23 عضوًا عن التصويت مشروع التدابير الذي قدمه لازيمير… وأعطت هذه الأرقام التي لم يكن البلاشفة أنفسهم يتوقعونها صفة ضغط ثوري للجماهير. وكان التصويت يعني أن فرع الجنود نقل رسميًّا وبصراحة قيادة الحامية المنتزعة من هيئة الأركان الحكومية إلى أيدي اللجنة العسكرية الثورية. وقد تأكد فيما بعد أن هذا العمل لم يكن مجرد تظاهرة فحسب.

وفي اليوم ذاته نشرته اللجنة التنفيذية لسوفييتات بتروغراد خبرًا يعلن إنشاء فرع خاص بالحرس الأحمر إلى جانبها. وظهرت مسألة تسليح العمال، التي أحبطت في ظل نظام التوفيقيين، وأصبحت سببًا للاضطهاد والملاحقة، ظهرت هذه المسألة كواحدة من أهم المسائل المطروحة أمام السوفييت البلشفي. وطُوي موقف الجنود الحافل بالشكوك إزاء الحرس الأحمر، وضاع منذ وقت طويل في سجل النسيان. وأصبحت كل قرارات الأفواج تقريبًا تطالب على العكس بتسليح العمال. وبعد هذا وقف الحرس الأحمر وجنود الحامية معًا جنبًا إلى جنب. وسيزداد ارتباطهم فورًا بعد تبعيتهم معًا للجنة العسكرية الثورية.

وقلقت الحكومة. وفي صباح 14 انعقد اجتماع وزاري في مكتب كرنسكي تمت فيه الموافقة على التدابير التي اتخذتها هيئة الأركان ضد “التظاهرة” التي تحضر. وبدأ أسياد السلطة بالتخمين: هل تقتصر المسألة في هذه المرة على مظاهرة مسلحة أم تتحول إلى عصيان؟ وصرح قائد فرع الجنود لممثلي الصحافة: “نحن مستعدون في كل الحالات”. إن المحكومين بالإعدام يحسون أحيانًا بفيض من القوى في عشية تنفيذ حكم الإعدام بهم.

وطالب دان في الجلسة الموحدة للجان التنفيذية، بعد أن استعار الألحان التي استخدمها تسيريتلي في يونيو (حزيران)، والذي التجأ إلى القفقاس، طالب دان البلاشفة بالرد على السؤال التالي: هل يفكرون بالزحف، وإذا كانوا يفكرون بذلك، فمتى سيتم هذا الزحف؟ واستخلص المنشفي بوغدانوف الاستنتاج الذي يفتقر إلى أساس من رَدِّ ريازانوف وهو أن البلاشفة يعدون الانتفاضة، وسيكونون على رأس الثوار. وكتبت صحيفة المناشفة ما يلي: “لقد استندت حسابات البلاشفة لاستلام السلطة في المستقبل على عدم جلاء الحامية”. ولكن استلام السلطة كان هنا موضوعًا بين قوسين: فما زال التوفيقيون لا يؤمنون بالخطر بصورة جدية. وكانوا يخشون انتصار البلاشفة أقل من خوفهم من انتصار الثورة المضادة كنتيجة للمصادمات الجدية للحرب الأهلية.

وكان من واجب السوفييت أن يشق لنفسه الطريق إلى مستودعات السلاح، بعد أن كلف نفسه بتسليح العمال. ولكن هذا لم يتم دفعة واحدة. فقد كانت الجماهير هي التي توحي بكل خطوة عملية إلى أمام. وكان من الواجب فقط أخذ اقتراحاتها بعين الاعتبار، والنظر إليها بكل يقظة وبعد أربع سنوات من الأحداث، روى تروتسكي في سهرة مكرسة لرواية ذكريات ثورة أكتوبر (تشرين الأول) ما يلي: “عندما أتى وفد من العمال ليقول لنا بأنه يحتاج للسلاح رددت عليه بما يلي: “ليست الترسانة تحت سيطرتنا”. فرد الوفد قائلاً: “لقد ذهبنا إلى مصنع السلاح في سترورتسك”. فسألتهم “حسنًا وماذا حدث بعد ذلك؟”، فأضافوا قائلين: “قيل لنا هناك: إذا تلقينا أمرًا من السوفييت، فإننا سنعطيكم السلاح”. فأعطيت أمرًا بتسليم 5.000 بندقية استلمها العمال في اليوم ذاته. وكانت أول تجربة”. وهاجت صحافة الخصوم وماجت فورًا بسبب تسليم مصنع حكومي السلاح للعمال بأمر فرد متهم بالخيانة العظمى، وأُخلي سبيله بكفالة. وسكتت الحكومة. وظهر على المسرح عندئذ الجهاز الأعلى للديمقراطية، وأصدر قرارًا صارمًا: عدم تسليم السلاح لأي إنسان دون إذن منه، أي إذن من اللجنة التنفيذية المركزية. وبدا أن دان أو غوتز لا يملك أي واحد منهما سلطة كبرى لمنع تسليم السلاح، مثلهما مثل تروتسكي الذي لا يملك سلطة الأمر بتسليم السلاح: فقد كانت المصانع وترسانات الأسلحة من اختصاصات الحكومة. ولكن تجاهل السلطات الحكومية في كل اللحظات الهامة يشكل تقليد اللجنة التنفيذية المركزية، وقد تأصل هذا التجاهل في عادات الحكومة نفسها، لأن ذلك يتجاوب مع طبيعة الأشياء. ومع ذلك جاءت المخالفة المرتكبة للأعراف والعادات من ناحية أخرى: كان العمال والجنود الذين توقفوا عن التمييز بين رعد اللجنة التنفيذية المركزية وبرق كرنسكي، لا يتذكرون هذا أو ذاك.

وكان من الأنسب المطالبة بجلاء الأفواج عن بتروغراد باسم الجبهة، بدلاً من المطالبة بذلك باسم مكاتب المؤخرة. وألحق كرنسكي، منطلقًا من هذه الاعتبارات حامية بتروغراد بالقائد العام لجبهة الشمال تشيريميسوف. وكان كرنسكي يتملق ذاته بإخضاع بتروغراد كقائد عام، بعد أن تنازل عن سلطته على العاصمة من الناحية العسكرية. وبحث الجنرال تشيريميسوف الذي سيتولى فيما بعد مهمة جسيمة عن العون لدى المفوضين وأعضاء اللجان. ووضعت خطة العمليات المقبلة بجهود مشتركة. وبتاريخ 17، استدعت هيئة أركان الجبهة، بالاتفاق مع تنظيمات الجيش ممثلي سوفييت بتروغراد إلى بسكوف، لتعبر لهم عن إرادتها المباشرة على أرض الخط الأول.

ولم يبق لسوفييت بتروغراد شيء آخر يعمله غير قبول التحدي. وكان على رأس الوفد المؤلف من بضع عشرات من الرجال والذي شُكل خلال جلسة يوم 16، والذي يتألف نصفه تقريبًا من أعضاء السوفييت كما يتألف نصفه الآخر من ممثلي الأفواج، كان على رأس هذا الوفد فيدروروف رئيس فرع العمال وزعماء فرع الجنود والتنظيم العسكري للبلاشفة، لاشوفيتش، وسادوفسكي، وميخونوشين، وداشكيفيتش وآخرون. وتعهد عدد من الاشتراكيين – الثوريين اليساريين والمناشفة الأمميين، المنضمين إلى الوفد بالدفاع عن سياسة السوفييت في بسكوف وتبنوا في مؤتمر الوفد، قبل ذهابهم مشروع بيان أعده سفردلوف.

وحدث نقاش حول وضع اللجنة العسكرية الثورية خلال جلسة السوفييت ذاتها. فما أن تم تشكيل هذه اللجنة حتى اتخذت يومًا بعد يوم مظهرًا مقيتًا في نظر الخصوم. وقد صاح خطيب من المعارضة قائلاً: “إن البلاشفة لا يعطون أي رد على هذا السؤال المباشر: هل يعدون انتفاضة؟ إن عدم إجابتهم يدل على الجبن أو على الافتقار إلى الثقة بقواهم الخاصة” وانفجر الضحك في المجلس، وأخذ الجميع يضحكون ويعلقون: إن ممثل حزب الحكومة يطلب من حزب الانتفاضة أن يفتح له صدره. وأضاف الخطيب قائلاً: ليست اللجنة الجديدة شيئًا آخر سوى “هيئة أركان ثورية لاستلام السلطة”. أما المناشفة فلم يدخلوا فيها. وصاح البعض في القاعة موجهين كلامهم إلى المناشفة: “كم عددكم؟”. والحقيقة أن عدد المناشفة في مجلس السوفييت قليل جدًا، ولا يتجاوز خمسين عضوًا على الأكثر، ولكنهم يعرفون بصورة أكيدة بأن “الجماهير لا تقر الانتفاضة أبدًا”. ولم ينكر تروتسكي في رده أبدًا أن البلاشفة يتأهبون للاستيلاء على السلطة: “إننا لن نجعل من ذلك سرًا”. ولكننا لا نستهدف هذا في الوقت الحاضر. لقد طالبت الحكومة بجلاء القطعات الثورية عن بتروغراد. “وكان علينا أن نقول: نعم أم لا”. وصدق على مشروع لازيمير بأكثرية ساحقة. ودعا الرئيس اللجنة العسكرية الثورية إلى البدء بالعمل اعتبارًا من الغد. وهكذا تمت خطوة جديدة أيضًا.

وقدم بولكوفنيكوف قائد المنطقة العسكرية تقريرًا للحكومة في هذا اليوم عن الانتفاضة التي يعدها البلاشفة. وقد صيغ التقرير بعبارات متغطرسة: إن الحامية بمجموعها إلى جانب الحكومة، وقد تلقت مدارس اليونكرز الأمر بالاستعداد. ووعد بولكوفنيكوف في بيان وجَّهه إلى الشعب بتطبيق “أشد التدابير” عند الحاجة. وكان شرايدر عمدة المدينة، وهو اشتراكي – ثوري يتوسل من جهة “بعدم التسبب في الفوضى خوفًا من تعريض العاصمة للمجاعة”. وارتفعت لهجة الصحافة إلى أعلى الأنغام وأقواها وهي تهدد وتتضرع، وتتحذلق، وتغرق في الضلال.

وقد أعد استعراض عسكري من نوع مسرحي لأحداث تأثير معنوي على مندوبي سوفييت بتروغراد في بسكوف. وجلس السادة الجنرالات وكبار المفوضين وعلى رأسهم فويتنسكي، وممثلو لجان الجيش حول موائد مغطاة بخرائط مهيبة في مبنى الأركان. وقرأ رؤساء إدارات هيئات الأركان تقارير عن وضع القوات المسلحة البرية والبحرية. وكانت استنتاجات واضعي التقارير تلتقي في نقطة واحدة وهي أنه من الضروري تسيير حامية بتروغراد للدفاع عن مشارف العاصمة. واستنكر المفوضون وأعضاء اللجان بسخط الشكوك التي أثيرت حول سياسة الكواليس: أملت الضرورات الإستراتيجية كل العملية. ولم يكن المندوبون يملكون الأدلة المباشرة على عكس ما يقال: فالأدلة في مثل هذه الأمور لا تجوب الشوارع. ولكن الوضع كله يكذِّب المبررات الإستراتيجية. فالجبهة لا تفتقر إلى الرجال، ولكن الرجال لا يريدون أن يقاتلوا. ولم يكن المناخ الفكري لحامية بتروغراد ليسمح لها بتعزيز الجبهة المتصدعة. وعلاوة على ذلك ما زالت دروس الأيام الكورنيلوفية محفورة في ذاكرة الجميع. وصمد الوفد بسهولة أمام هجوم هيئة الأركان لاقتناعه العميق بأنه على حق. وعاد إلى بتروغراد موحد الرأي أكثر مما كان عندما ذهب.

إن المؤرخ يملك الآن تحت تصرفه الأدلة القاطعة لتي كان المشتركون يفتقرون إليها في ذلك الوقت وتبرهن المراسلات العسكرية السرية على أن الجبهة لم تطالب بأفواج بتروغراد، وأن كرنسكي فرض هذه الفكرة على الجبهة. وقد رد القائد العام للجبهة الشمالية هاتفيًّا على برقية وصلته من وزير الحربية: “سري، 17 X إن المبادرة بإرسال قطعات حامية بتروغراد إلى الجبهة قد جاء منكم لا مني… وعندما أصبح واضحًا أن قوات حامية بتروغراد لا تريد الذهاب إلى الجبهة، أي أنها غير قادرة على القتال، قلت في حديث خاص لضابط كان يمثلكم… إن لدينا ما يكفي من القوات المماثلة في الجبهة. ولكن نظرًا لرغبتكم بإرسالها إلى الجبهة لم أرفض، ولن أرفض أيضًا استقبالها إذا ما تابعتم على الاعتقاد بضرورة جلاء هذه القطعات عن بتروغراد”. وتفسر لهجة البرقية، التي تشبه نصف مناقشة بأن تشيريميسوف، وهو جنرال ميَّال إلى الإستراتيجية العليا، والذي كان يعتبر في جيش القيصر جنرالاً “أحمر”، والذي أصبح فيما بعد، حسب تعبير ميليوكوف “الرجل الأثير لدى الديمقراطية الثورية” قد توصل إلى الاستنتاج بأنه من الأفضل له أن ينفصل عن الحكومة في نزاعها مع البلاشفة في الوقت الملائم. ويؤكد سلوك تشيريميسوف خلال أيام الانتفاضة هذا الإيضاح.

وتعقدت المعركة من أجل حامية بتروغراد بمعركة أخرى من أجل مؤتمر السوفييتات. ولم يبق أمام التاريخ الذي حدد للمؤتمر مسبقًا سوى أربعة أيام أو خمسة. وكانت “الانتفاضة” متوقعة بمناسبة المؤتمر. وكان من المفترض أن تتطور الحركة كما تطورت خلال أيام يوليو (تموز) حسب نموذج تظاهرة مسلحة للجماهير مع قتال في الشوارع. واعتمد بوتريسوف المنشفي اليميني، على معلومات مكافحة التجسس أو على البعثة العسكرية الفرنسية التي كانت تختلق الأخبار المزورة بوقاحة جريئة، وكتب مقالاً شرح فيه خطة الانتفاضة البلشفية التي ستتم في ليلة 16 – 17 أكتوبر (تشرين الأول) ونشره في الصحافة البرجوازية. ولم ينس المؤلفون المختلفون لقصة الانتفاضة أن يتوقعوا بأن البلاشفة سيجرون معهم، في أحد أبواب المدينة “العصابات المتخصصة بالنهب”. وأن جنود أفواج الحرس يعرفون كيف يضحكون كما تضحك آلهة هوميروس. ويبدو أن الأعمدة البيضاء وثريات معهد سمولني قد اضطربت بسبب ضحكات الهزء والسخرية التي انفجرت عندما قرئت مقالة بوتريسوف في جلسة السوفييت. وقد أفزع الخبر المختلق السخيف الحكومة العاقلة، التي كانت تعرف بصورة جيدة كيف تتجاهل ما يجري تحت أنظارها، فعقدت اجتماعًا عاجلاً، في الساعة الثانية صباحًا لكي تدحر “عصابات اللصوص”. واتخذت الإجراءات الضرورية بعد أن أجرى كرنسكي استشارات جديدة مع السلطات العسكرية؛ استُدعيت مدرستان للملازمين من أورانينبوم، كما استُدعي قطار مدرع من الجبهة الرومانية. وطبقًا لرواية ميليوكوف: “وفي الدقيقة الأخيرة ألغى البلاشفة تحضيراتهم. فلماذا تصرفوا بهذا الشكل، إن الأمر غير واضح”. وقد فضل المؤرخ العالم بعد عدة سنوات من الأحداث تصديق خبر مختلق يكذب ذاته بنفسه.

وكلفت السلطات المليشيا باستطلاع أرباض المدينة لتلمس آثار الاستعدادات للانتفاضة. وقدمت تقارير المليشيا مزيجًا من الملاحظات الحية والسخافات البوليسية. ولاحظ المراقبون في حي الكسندر – نييفسكي؛ حيث يقوم عدد وافر من المصانع الكبرى هدوءًا شاملاً. وكانت ضرورة قلب الحكومة معلنة بصورة صريحة في حي فيبورغ ولكن “الهدوء يسود كل المظاهر الخارجية. وفي حي فاسيلي – اوستروف ساد الهياج والسخط والحنق. ولكن لم يلاحظ هنا أيضًا علامات خارجية على وجود انتفاضة مقبلة”. وقد نُظمت حملة شديدة في حي نارفا لصالح الانتفاضة. ولكن لا يمكن الحصول على رد من أحد على السؤال التالي: متى ستقع الانتفاضة بالضبط؟ فإما أن اليوم والساعة قد حفظا تحت خاتم سرية مطلقة، أو أن أحدًا لا يعرف شيئًا عن هذا. وتقرر تعزيز الدوريات على مشارف الضواحي، وأوعز إلى مفوضي المليشيا القيام بتفتيش المخافر عدة مرات.

ويكمل تقرير مراسل الصحيفة الموسكوفية الليبرالية تقرير المليشيا إلى حد ما: “كان تحريض البلاشفة من أجل الانتفاضة في ذروة مدة في الأحياء، وفي مصانع بتروغراد، ونييفسكي، وأوبوخوف وبوتيلوف. والمناخ الفكري للعمال متوتر لدرجة الاستعداد للتحرك في أية لحظة. ويلاحظ في هذه الأيام الأخيرة في بتروغراد مدّ من المجندين الفارين لم يسمع به من قبل… وفي محطة وارسو لا يمكن التخلص من الجموع الغفيرة من الجنود، الذين تبدو عليهم الريبة وتقدح عيونهم بالشر، ويبدون ثائرين… ولدينا معلومات عن وصول عصابات حقيقية من اللصوص الذين يتحينون الفرصة للقيام بضربة قوية. وتنتظم عصابات النشالين والنهابين، وتمتلئ بهم المقاهي والمواخير….”. ويتشابك هنا فزع البورجوازي الصغير وقصص البوليس السخيفة مع الحقيقة القاسية. وبلغت الأزمة الثورية التي اقتربت من نهايتها الأبعاد الاجتماعية الداخلية حتى الأعماق. وقد انتفض الفارون، وعصابات اللصوص، والمواخير، انتفضوا بالفعل مع هدير الزلزال الذي كان يقترب وكانت قمم المجتمع تنظر إلى القوى المنفلتة من عقالها، ومن رذائلها وقرحها، بفزع طبيعي. إن الثورة لم تخلقها، بل عرَّتها فقط.

وقد كتب البارون بودبرغ من هيئة أركان الفيلق المتمركز في دفينسك، وهو البارون الذي عرفناه، رجعيًّا لاذع الكلمات، والذي لا يخلو من موهبة الملاحظة، والذكاء الغريب الحاذق، كتب قائلاً: “إن الكاديت وأشباه الكاديت، والأكتوبريين والثوريين على مختلف أجناسهم، والتشكيلات القديمة، وتشكيلات مارس (آذار) تحس باقتراب نهايتها، وتتكهن بالمستقبل على قدر استطاعتها وتذكرنا بالمسلمين الذين يحاولون منع خسوف القمر بقرع أدوات موسيقية خشبية بدائية”.

وبتاريخ 18 استُدعي مؤتمر الحامية لأول مرة. وصدرت برقية تدعو الجنود إلى الامتناع عن القيام بأعمال طائشة، وإلى عدم تنفيذ أي أمر سوى الأوامر الصادرة من هيئة الأركان التي يصادق عليها فرع الجنود بتوقيعه. وحاول السوفييت، بمثل هذا الحزم، استلام الإشراف على الحامية بصورة صريحة. ولم يكن النداء الموجه شيئًا آخر سوى نداء لقلب السلطات القائمة. ولكن كان من الممكن تفسيره لو شئنا، كعمل سلمي لاستبدال التوفيقيين في آلية ازدواجية السلطات بالبلاشفة. لا يتغير شيء في التفسير عمليًّا، ولكن تفسيرًا أكثر مرونة يفسح المجال للأوهام. وقام “بريزيديوم” اللجنة التنفيذية المركزية، الذي يعتبر نفسه سيد سمولني بمحاولة لإيقاف إرسال النداء البرقي، ولم يؤد عمله إلا إلى توريطه في هذه المرة أيضًا. وانعقد مجلس ممثلي لجان أفواج وسرايا بتروغراد والضواحي في الساعة المحددة، وكان عدد أعضاء المجلس وفيرًا إلى حد كبير.

وتركزت تقارير المشتركين في مؤتمر الحامية، بفضل المناخ الذي خلقه الخصوم، على مسألة “الانتفاضة” المقبلة. وتم إحصاء لا ينسى لم يكن الزعماء ليتجرءوا أبدًا على القيام به، ببديهتهم الخاصة. وأعلن المعارضة للانتفاضة: مدرسة ملازمي بيترهوف، وفوج الخيالة التاسع. ومالت سرايا فرسان الحرس إلى الحياد. وأعلنت مدرسة ملازمي أورانينبوم أنها لن تخضع إلا لقرار اللجنة التنفيذية المركزية. ولكن التصريحات المعادية أو المحايدة اقتصرت على هذا. وأبدت القطعات التالية استعدادها للزحف لدى أول نداء يصدر عن سوفييت بتروغراد: الأفواج إيغرسكي (القناصة)، وموسكوفي، وفولهينسكي، وبافلوفسكي، وكيكهورلمسكي، وسيمينوفسكي، وإسماعيلوفسكي وفوج الرماة الأول، والفوج الاحتياطي الثالث، والفوج الثاني من بحارة البلطيق، وكتيبة الهندسة (الكهربائيين)، وفرقة مدفعية الحرس. وأعلن فوج نخبة الحرس أنه لن يتحرك من ثكنته إلا بناء على دعوة مؤتمر السوفييتات؛ وهذا يكفي. وقد قررت قوات أخرى أقل أهمية أنها ستتبع الأكثرية. ووجد ممثلو اللجنة التنفيذية المركزية، هذه اللجنة التي ما زالت تعتبر حامية بتروغراد من وقت قصير مصدر قوتها، وكان لاعتبارها هذا أسبابه، وجد هؤلاء الممثلين أنفسهم هذه المرة يرفضون الكلام في شبه أجماع تقريبًا. وغادروا المجلس “الذي لا يتمتع بسلطات قانونية”. في حالة من الهياج العاجز، وأكد المجلس بناء على اقتراح الرئيس ما يلي: يعتبر كل أمر صادر لا يوقف مجلس السوفييت أمرًا باطلاً.

وكان ما يعد في ضمير أفراد الحامية خلال الشهور الأخيرة، وفي الأسابيع الأخيرة بصورة خاصة يتبلور الآن. ووجدت الحكومة نفسها عاجزة أكثر مما كان متوقعًا. وفي حين كانت المدينة مليئة بالإشاعات عن الانتفاضة والقتال الدموي، حوَّل مؤتمر لجان الأفواج، الذي برز فيه التفوق البلشفي الساحق، التظاهرات ومعارك الجماهير إلى أشياء لا جدوى منها. وكانت الحامية تسير بثقة إلى العصيان، ولا تعتبره انتفاضة بل تعتبره تحقيقًا لحق السوفييتات الذي لا يحتمل النقض بالتصرف في مصير البلاد. وكانت هذه الحركة تملك قوة لا تقاوم، ولكنها كانت بطيئة في الوقت ذاته. وكان الحزب محتاجًا لتدبر أعماله بحذق مع الخطوة السياسية للأفواج التي كانت تنتظر أكثريتها نداء من جانب السوفييت، كما كان ينتظر بعضها نداء من مؤتمر السوفييتات.

وكان من الضروري الرد على سؤال يحدث الاضطراب لا في صفوف الأعداء فحسب، بل يحرك الأصدقاء أيضًا، لإبعاد خطر اضطراب في تطور الهجوم حتى ولو كان هذا الخطر سيقع اليوم أو غدًا: هل ستنشب الانتفاضة بالفعل اليوم أو غدًا؟ إن الحديث لا يدور في القطارات وفي الشوارع، وفي المخازن إلا عن الانتفاضة المقبلة. وتقترح أرتال طويلة من الضباط على الحكومة خدماتها في ميدان القصر، وأمام قصر الشتاء، وأمام هيئة الأركان، ويتلقون المسدسات مقابل اقتراحهم بتقديم خدماتهم. وعندما حل الخطر، لم تظهر المسدسات، ولم يظهر أولئك الذين حملوها. وكُرست كل افتتاحيات الصحف اليومية لمسألة الانتفاضة. وطالب غوركي البلاشفة، إذا لم يكونوا “لعبة عاجزة بيد جمهرة متوحشة” أن يكذبوا الشائعات. وتسلل القلق من المجهول إلى الأحياء العمالية أيضًا، والأفواج بصورة خاصة. وهنا، بدأ هؤلاء البسطاء يعتقدون بأن الانتفاضة تعد بدونهم. فمن يعدها؟ لماذا سكت معهد سمولني؟ وكان الموقف المتناقض للسوفييت، كبرلمان مفتوح وكأركان ثورية يخلق في المنعطف الأخير صعوبات كبيرة. وأصبح من المستحيل السكوت مدة أطول.

وقال تروتسكي في نهاية الجلسة المسائية للسوفييت: “منذ عدة أيام والصحافة تزدحم بالأخبار، والإشاعات، والمقالات حول موضوع الانتفاضة المقبلة… وقد نشرت قرارات سوفييت بتروغراد لكي يطلع عليها الجميع. إن السوفييت مؤسسة منتخبة… ولا تستطيع اتخاذ قرارات غير معروفة من العمال والجنود…. إني أصرح باسم السوفييت: لم تحدد أية تظاهرة مسلحة من قبلنا. ولكن إذا اضطر السوفييت، حسب سير الأحداث، إلى إصدار نداء للقيام بتظاهرة، فسيزحف العمال والجنود بإشارة منه كالرجل الواحد… لقد قيل إنني وقعت أمرًا بتسليم 5.000 بندقية… نعم، لقد وقعت هذا الأمر… وسيتابع السوفييت تنظيم الحرس العمالي وتسليحه“. وفهم المندوبون أن المعركة قريبة، ولكن إشارة البدء بالمعركة لن تعطى بمعزل عنهم.

ومع ذلك كانت الجماهير بحاجة إلى بعد ثوري واضح، بصرف النظر عن التفسيرات المطمئنة. وربط كاتب هذه السطور السؤالين: جلاء الحامية ومؤتمر السوفييتات المقبل. “قد يتخذ نزاعنا مع الحكومة طابعًا خطيرًا للغاية… ولن نسمح بتجريد بتروغراد من حاميتها الثورية”. وكان هذا النزاع مرتبطًا بنزاع آخر يلوح في الأفق. “إن البرجوازية تعرف أن سوفييت بتروغراد سيقترح على مؤتمر السوفييتات استلام السلطة بيديه… وأن الطبقات البرجوازية التي تتوقع نشوب المعركة الحتمية تحاول نزع سلاح بتروغراد”. وقد اقترن العصيان سياسيًّا للمرة الأولى في هذا الخطاب بوضوح مطلق: أننا نتهيأ لاستلام السلطة، ونحتاج لحامية الموقع، ولن نسمح لها بأن تفلت منا. “وسنرد على أول محاولة للثورة المضادة لإلغاء المؤتمر، بهجوم معاكس عنيف سندفعه حتى نهايته”. وانتهى إعلان قيام الهجوم السياسي الجريء، في هذه المرة أيضًا، بصيغة دفاع مسلح.

وظهر سوخانوف في الجلسة مع مشروع عقيم يحض فيه السوفييت على الاحتفال بالعيد الخمسيني لغوركي. ثم فسر بعد ذلك بصورة لا بأس بها لماذا ربطت الثورة بعقدة متينة في ذلك اليوم… كانت مسألة الحامية بالنسبة لسموليني هي مسألة الانتفاضة. أما بالنسبة للجنود، فكانت المسألة تتعلق بمصيرهم. “فمن الصعب تصور نقطة انطلاق لسياسة تلك الأيام حققت نجاحًا أكبر”. بَيْد أن هذا لم يمنع سوخانوف من اعتبار سياسة البلاشفة في مجموعها كسياسة تؤدي إلى التهلكة. وكان أخشى ما يخشاه سوخانوف مع غوركي وألوف من المثقفين الراديكاليين، هو هذه الجموع التي يدعون بأنها “متوحشة”، هذه الجموع التي تطور هجومها من يوم إلى يوم وباتساق رائع.

ويملك السوفييت قوة كافية لإعلان برنامج للعصيان في الدولة بصورة صريحة، ويملك القوة أيضًا لتحديد تاريخه. وفي الوقت نفسه -وحتى اليوم وبما فيه اليوم الذي سيحدده لانتصار كامل- فإن السوفييت عاجز في كثير من المسائل الكبيرة والصغيرة. وكان كرنسكي الذي تحول إلى العدم في السياسة يملي المراسيم في قصر الشتاء حتى ذلك الوقت، في حين يعيش لينين ملهم حركة الجماهير التي لا تقاوم حياة سرية. وقد أوصى ماليانتوفيتش وزير العدل من جديد النائب العام في تلك الأيام بإصدار قرار لاعتقاله. ويبدو أن سوفييت بتروغراد القوي القادر لا يعيش في سمولني إلا على الصدقات. فإدارة المعهد، وماليته، وإدارة الأحكام والأوامر، والسيارات، والهواتف ما زالت بين أيدي اللجنة التنفيذية المركزية، هذه اللجنة التي لم تصمد إلا بفضل الخيوط الرفيعة لحق الوراثة.

وروى سوخانوف كيف ذهب في ساعة متأخرة من الليل بعد الجلسة إلى باحة معهد سمولني، وسط الظلمات الكثيفة، وتحت المطر المنهمر بغزارة. وكان جمع محتشد من المندوبين يراوح يائسًا أمام سيارتين متعفنتين ينطلق الدخان منهما، منحتهما المرائب الغنية للجنة التنفيذية المركزية للسوفييت البلشفي. وروى سوخانوف المراقب الحاضر في كل مكان: “وتقدم الرئيس تروتسكي نحو هاتين السيارتين أيضًا. ولكن عندما وقف وألقى نظرة خاطفة ضحك مستهزئًا، ثم ابتعد عن طريق برك المياه واختفى في الظلام”. وعلى أرضية إحدى حافلات الترام كان سوخانوف موجودًا بحضور رجل ضئيل ذي مظهر متواضع، ولحية سوداء مدببة. وحاول المجهول تشجيع سوخانوف حتى لا يهتم ببطء حافلات الترام. وقد سأل سوخانوف راكبة بلشفية كانت ترافقه: “من هذا؟” فأجابته المواطنة البلشفية: “إنه مناضل قديم في الحزب، إنه سفردلوف”. وبعد أقل من خمسة عشر يومًا، كان هذا الرجل الضئيل ذو العثنون الأسود رئيسًا للجنة التنفيذية المركزية، أعلى جهاز لجمهورية السوفييتات. ومن المؤكد أن سفردلوف شجع رفيقه في الرحلة بشعور من الاعتراف بالجميل: فقد انعقدت قبل ثمانية أيام، في شقة سوخانوف، ودون علمه في الحقيقة، جلسة اللجنة المركزية للبلاشفة التي قررت تنفيذ الانتفاضة المسلحة.

وفي صباح اليوم التالي حاولت اللجنة التنفيذية المركزية توجيه الأحداث في الاتجاه الآخر. واستدعى المكتب مجلسًا “شرعيًا” للحامية، دعا إليه أيضًا اللجان الموجودة في المؤخرة، والتي لم تتجدد بالانتخاب منذ زمن طويل، والتي لم تكن موجودة بالأمس. ولم يؤكد التحقق التكميلي الذي تم بالانتخابات الجديدة للرأي العام الجديد الذي يسود أوساط الحامية سوى لوحة الأمس بجلاء أكبر. وعارض الانتفاضة في هذه المرة: أكثرية لجان القوات التي كانت تعسكر في قلعة بطرس وبولص، ولجان فرقة السيارات المصفحة. وصرحت هذه اللجان وتلك أنها ستتبع اللجنة التنفيذية المركزية. ومن المستحيل عدم أخذ هذا الرأي بعين الاعتبار.

وتشرف القلعة على الجسور القريبة. وقد شيدت فوق جزيرة صغيرة يحيط بها نهر النييفا وقناته، بين مركز المدينة وناحيتيها. وبالمقابل تشرف القلعة من جهة النهر على مسالك قصر الشتاء، حيث تقيم الحكومة. وتستطيع القلعة المحرومة من كل أهمية عسكرية في العمليات الواسعة النطاق أن تكون حاسمة في قتال الشوارع. وفضلاً عن هذا، وربما كان هذا هو الأهم، ترتبط القلعة بترسانة كورنفيرك الغنية؛ إن العمال بحاجة للبنادق، ومن ناحية أخرى فإن أكثر الأفواج ثورية عزلاء تقريبًا. ولا تحتاج أهمية الآليات المصفحة في قتال الشوارع إلى تفسيرات؛ فقد تسبب السيارات المصفحة عددًا لا بأس به من الضحايا الأبرياء، إذا ما استخدمتها الحكومة. وإذا ما سيطرت قوات الانتفاضة عليها فإن هذه السيارات المصفحة ستختصر طريق النصر. وسيحتاج البلاشفة إلى توجيه انتباه خاص في الأيام المقبلة للقلعة ولفرقة السيارات المصفحة. ويبقى ميزان القوى فيما تبقى من القوات في المؤتمر هو نفسه كما كان بالأمس. واصطدمت محاولة اللجنة التنفيذية المركزية للتصديق على قرارها المشبوه بمعارضة باردة من قبل الأكثرية الساحقة؛ فلم يكن المؤتمر يؤمن بصلاحيته للتصويت على قرارات، لأنه لم يستدع أبدًا من سوفييت بتروغراد. وقد جاء التوفيقيون من تلقاء أنفسهم لتلقي هذه الضربة الأخيرة.

وحاولت اللجنة التنفيذية المركزية الاستيلاء على الحامية بمهاجمتها من الأعلى، بعد أن وجدت المسلك المؤدي إلى الأفواج من الأسفل مسدودًا بالحواجز والمتاريس. وعينت بالاتفاق مع الأركان النقيب ماليفسكي الاشتراكي – الثوري مفوضًا رئيسًا لفرع الجنود. وصرحت اللجنة التنفيذية أيضًا بأنها تقبل الاعتراف بمفوضي السوفييت شريطة أن يتبعوا المفوض الرئيسي. وكانت محاولة الاعتماد على الحامية البلشفية، وبواسطة نقيب لم يسمع به أحد من قبل، محاولة يائسة بالطبع. وأوقف مجلس السوفييت هذه المفاوضات ورفض هذه المحاولة.

ولم تقع الانتفاضة التي حدد بوتريسوف تاريخها في 17 أكتوبر (تشرين الأول). وأعطى الخصوم الآن وهم واثقون تاريخًا جديدًا: 20 أكتوبر (تشرين الأول). ويرتبط افتتاح مؤتمر السوفييتات بصورة أولية بهذا اليوم كما هو معروف، وتتبع الانتفاضة المؤتمر كظله. حقًا لقد تأجل المؤتمر خمسة أيام أخرى. ولكن ليس للتأجيل أهمية كبيرة؛ فقد انتقل الغرض، وبقي الظل. واتخذت الحكومة في هذه المرة أيضًا كل التدابير الضرورية لمنع “الانتفاضة”. وأقيمت في الأحياء مخافر معززة. وكانت دوريات القوزاق تجوب الأحياء العمالية طيلة الليل. وكمنت احتياطيات الخيالة في أنحاء مختلفة من بتروغراد. وكانت المليشيا على أتم استعداد حربي، ويسهر نصفها بصورة دائمة في المفوضيات. ورتبت أمام قصر الشتاء السيارات المصفحة، والمدفعية الحقيقية، والرشاشات. وحُرست المناطق المجاورة للقصر بدوريات من الجند.

ولم تقع الانتفاضة أيضًا في هذه المرة، هذه الانتفاضة التي لم يعدّها ولم يدع إليها أحد. وانقضى النهار هادئًا أكثر من الأيام الأخرى، ولم يتوقف العمل في المعامل والمصانع. واحتفلت الأزفستيا التي يقودها دان بالانتصار الذي تحقق ضد البلاشفة: “إن مغامرتهم للقيام بتظاهرة مسلحة في بتروغراد مسألة منتهية”. ووجد البلاشفة أنفسهم وقد سحقهم سخط الديمقراطية الموحدة: “إنهم يستسلمون”. وبوسعنا أن نعتقد بأن الخصوم قد حددوا هدفهم بعد أن فقدوا رءوسهم، بتضليل “رأيهم العام” وإخفاء خطط البلاشفة، وذلك بإيقاظهم للمخاوف قبل وقوعها، وبإطلاق ضربات بوق الانتصار بصورة أقل ملاءمة أيضًا.

لقراءة الفصل السابق يمكن مراجعة الرابط التالي:

تاريخ الثورة الروسية: الانسحاب من اللجنة التحضيرية للمجلس النيابي والنضال من أجل مؤتمر السوفييتات/ جـ 3