تاريخ الثورة الروسية: اللجنة العسكرية الثورية جـ 2

0
279

ولم يمر قرار إنشاء لجنة عسكرية ثورية الذي اتخذ لأول مرة بتاريخ 9 في اجتماع كامل هيئة السوفييت إلا بعد أسبوع؛ فالسوفييت ليس هو الحزب، وآلته ثقيلة الحركة. وكان من الضروري وجود مهلة أربعة أيام أخرى لتشكيل اللجنة. ومع ذلك لم تضع هذه الأيام العشرة هباء؛ كانوا يهتمون بصورة نشيطة لكسب الحامية، وأتيح لمؤتمر لجان الأفواج الوقت الكافي للبرهان على حيويته، واستمر تسليح العمال، بشكل تمكنت معه اللجنة العسكرية الثورية، التي شرعت بالعمل بتاريخ 20 فقط قبل خمسة أيام من الانتفاضة، تمكنت معه من السيطرة فورًا على وسائل منظمة بصورة كافية. ولم تتألف اللجنة إزاء مقاطعة التوفيقيين لها إلا من البلاشفة والاشتراكيين – الثوريين اليساريين، وقد سهَّل هذا التشكيل المهمة وبسَّطها إلى حد كبير. ولم يناضل من الاشتراكيين – الثوريين سوى لازيمير، الذي وُضع على رأس المكتب للإشارة بصورة أفضل إلى الطابع ذي الأصل السوفييتي، لا الطابع الحزبي للمؤسسة. وفي الحقيقة، كانت اللجنة، التي يرأسها تروتسكي، مع المناضلين الرئيسيين بودفويسكي، وأنطونوف – أوفسينكو ولاشوفيتش، وسادوفسكي، وميخونوشين، تعتمد على البلاشفة فقط، ولم تجتمع اللجنة أبدًا بكاملها ولو مرة واحدة، مع مشاركة ممثلي كل المؤسسات المذكورة في الأنظمة الداخلية. وكانت الأمور العادية تسوى من قبل المكتب تحت قيادة الرئيس، وكانوا يدعون سفردلوف في كل الحالات الهامة. وكانت هذه هي هيئة أركان الانتفاضة.

وسجلت نشرة اللجنة خطواتها الأولى بتواضع؛ فقد عين بعض المفوضين في قوات قتال الحامية، وفي بعض المؤسسات وبعض المستودعات “للمراقبة والإدارة”. وكان هذا يعني أن السوفييت، بعد أن غزا الحامية من الناحية السياسية، يخضعها إليه الآن من الناحية التنظيمية. ولعب التنظيم العسكري للبلاشفة دورًا كبيرًا في اختيار المفوضين. فمن بين ألف عضو تقريبًا ينتمون إلى التنظيم في بتروغراد، كان هناك عدد وافر من الرجال المصممين والمخلصين للثورة إخلاصًا تامًا، من بين الجنود والضباط الشباب الذين تلقوا، بعد أيام يوليو (تموز) الخميرة الضرورية في سجون كرنسكي. ووجد المفوضون المختارون في وسطهم، أرضًا مهيأة بصورة كافية وسط قوات الحامية، وكان الجنود يقدرونهم لأشخاصهم، ويطيعونهم بحماس.

وغالبًا ما كانت تنجم مبادرة الاستيلاء على المؤسسات العامة من الأدنى. وقد أثر عمال ومستخدمو الترسانة المرتبطين بقلعة بطرس وبولص مسألة ضرورة وجود رقابة على تسليم الأسلحة. ونجح المفوض الذي أرسل إليها بمنع تسليم السلاح الإضافي لليونكرز، وصادر 10.000 بندقية مخصصة لمنطقة الدون، ومخزونات من الأسلحة أقل أهمية منها كانت ستسلم لعدد معين من التنظيمات والشخصيات المشبوهة. وامتدت الرقابة فورًا فشلمت المستودعات الأخرى، والمستودعات الخاصة بصناع الأسلحة أيضًا. وكان يكفي التوجه إلى لجنة جنود أو عمال أو مستخدمي إحدى المؤسسات أو أحد المخازن لكي تتحطم فورًا مقاومة الإدارة. ولم تعد الأسلحة تُسلم بعد ذلك إلا بأمر من المفوضين.

ولفت عمال الطباعة، بواسطة نقابتهم، انتباه اللجنة إلى انتشار المنشورات والنشرات المغرقة في رجعيتها (المائة السود). وتقرر أن تتوجه نقابة عمال الطباعة، في كل الحالات المشبوهة، إلى اللجنة العسكرية الثورية للحصول على حل لهذه الحالات. وكانت الرقابة على صحافة التحريض المضادة للثورة بواسطة عمال الطباعة أكثر الرقابات فعالية بين كل وسائل الرقابة الممكنة.

وحدود السوفييت بصراحة تاريخ الأحد 22 موعدًا للقيام بمظاهرة سلمية لقواته، متجاهلاً كل التجاهل تكذيب إشاعات العصيان. ولم يكن الاستعراض بشكل تظاهرات في الشوارع، بل بشكل اجتماعات في المصانع والثكنات، وكل الأبنية الكبيرة في العاصمة. وحدد بعض المرائين المشبوهين من المتمسكين بالدين اليوم ذاته للقيام بطواف ديني في شوارع العاصمة بهدف إثارة فوضى دموية. وأطلق بعض القوزاق المجهولين نداءً يدعو المواطنين إلى المشاركة في موكب الطواف “كذكرى لتحرير موسكو في عام 1812”. وكان الدافع المنتقى للطواف لا يتلاءم مع الأوضاع القائمة، ولا يشكل قضية من قضايا الساعة. ولكن منظمي الطواف تقدموا بصلواتهم للرب القهار كيما يبارك أسلحة القوزاق “للدفاع ضد أعداء الأرض الروسية”. الأمر الذي يرتبط بالطبع بعام 1917.

ولم يكن هناك أي سبب للخوف من تظاهرة جدية رجعية، وكانت الكنيسة عاجزة في بتروغراد ولم يكن رجال الدين يستطيعون أن يحركوا تحت رايات الكنيسة ضد السوفييت سوى بقايا عصابات المائة السود البائسين. ولكن لم يكن هناك استحالة أمام قيام مجازفات دموية بمساعدة المحرضين المجربين لمصلحة مكافحة التجسس ولهيئة ضباط القوزاق. وبدأت اللجنة العسكرية الثورية في تسلسل التدابير الوقائية، بتعزيز نفوذها على أفواج القوزاق. وأقيم نظام أشد قسوة في مقر أكثر هيئات الأركان ثورية. وقد كتب جون ريد ما يلي: “وأصبح من الصعب تقريبًا بعد الآن الدخول إلى معهد سمولني. وعُدل نظام إجازات المرور كل عدة ساعات لأن الجواسيس كانوا يتسللون دومًا إلى الداخل”.

واقترح تروتسكي في مؤتمر الحامية بتاريخ 21، هذا المؤتمر المخصص “ليوم السوفييت” في اليوم التالي، سلسلة من التدابير الوقائية ضد الاصطدامات الممكنة في الشارع. وصرح مندوب فوج القوزاق الرابع، وهو أكثر أفواج القوزاق يسارية، بأنه لن يشارك أبدًا في موكب الطواف. وأكد فوج القوزاق الرابع عشر أنه سيحارب مؤامرات الثورة المضادة بكل قواه، ولكنه يعتبر في الوقت ذاته أية انتفاضة للاستيلاء على السلطة انتفاضة “في غير محلها”. وكان فوج واحد من بين أفواج القوزاق الثلاثة غائبًا وهو فوج الأورال، الموجود في المؤخرة البعيدة، والذي أحضر في يوليو (تموز) إلى بتروغراد لسحق البلاشفة.

واتخذ المؤتمر بناء على تقرير تروتسكي ثلاثة قرارات مختصرة: 1- “تعاهد حامية بتروغراد والمناطق المجاورة لها اللجنة العسكرية الثورية على تقديم دعم كامل لها في كل خطواتها…” 2- “إن يوم 22 أكتوبر (تشرين الأول) سيكون يوم عرض سلمي للقوات… وتتوجه حامية الموقع إلى القوزاق بنداء يقول: … إننا ندعوكم إلى اجتماعاتنا التي ستنعقد غدًا. أهلاً وسهلاً بكم أيها الأخوة القوزاق!” 3- “على مؤتمر سوفييتات عموم روسيا أن يستلم السلطة وأن يؤمن السلم والأرض والخبز للشعب”. ووعدت الحامية بخيلاء بوضع كل قواها تحت تصرف المؤتمر. وقال ممثلوها المفوضون باسمها: “اعتمدوا علينا أيها الممثلون الحقيقيون لسلطة الجنود والعمال والفلاحين. إننا كلنا في مواقعنا، مستعدون للنصر أو الموت”. وارتفعت مئات من الأيدي تأييدًا لهذه القرارات التي وافقت على منهاج الانتفاضة. وامتنع 57 عضوًا عن التصويت. كان هؤلاء هم “المحايدون”، أي الخصوم المترددون، ولم ترتفع أي يد ضد القرارات. وبدأ الحبل يضيق حول عنق نظام فبراير (شباط).

وفي بحر اليوم، عرفنا بأن أصحاب مبادرة الطواف الغامضين قد تخلوا عن التظاهر بناء “على اقتراح القائد العام للمنطقة”. إن هذا النجاح المعنوي الجدي، الذي تعادل قيمته أكثر بكثير من قيمة كل قوة ضغط مؤتمر الحامية، أتاح أملاً حازمًا بأن الخصوم عمومًا لن يتجرءوا على الخروج إلى الشارع في اليوم التالي.

وعينت اللجنة العسكرية الثورية ثلاثة مفوضين لهيئة أركان القسم: سادوفسكي، وميخونوشين، ولازيمير. واتُفق على أن لا تصبح أوامر القائد معمولاً بها إلا بعد توقيع أحد الثلاثة. وأرسلت هيئة الأركان سيارة للوفد بناء على أمر هاتفي صدر من سمولني؛ فعادات ازدواجية السلطة التي ما زالت باقية أيضًا حتى في هذا المجال. ولكن مودة هيئة الأركان لا تعني أبدًا، خلافًا لكل توقع، أنها كانت مستعدة لإجراء تنازلات.

وعندما سمع بولكوفينكوف تصريح سادوفسكي رد بأنه لا يعترف بأي مفوض، وأنه لا يحتاج إلى وصي. وعندما ألمح الوفد إلى أن هيئة الأركان قد تصادف مقاومة من جانب القطعات العسكرية، ردَّ بولكوفينكوف بصورة جافة بأنه يسيطر على الحامية، وأن خضوعها له مضمون. وقد كتب ميخونوشين في مذكراته ما يلي: “كان حزمه صادقًا. ولا يحس المرء فيه بأي شيء مصطنع”. ولكي يعود المندوبون إلى معهد سمولني، لم يجدوا سيارة الأركان التي كانت موضوعة تحت تصرفهم.

واتخذ المؤتمر فوق العادة الذي دُعي لحضوره تروتسكي وسفردلوف القرار التالي: الاعتراف بأن القطيعة مع هيئة الأركان أصبحت أمرًا واقعًا، واعتبارها كنقطة انطلاق لهجوم مقبل. وأن أول شرط للنجاح هو أن تطلع دوائر الحزب على كل مراحل المعركة ووقائعها. وينبغي عدم السماح للخصم بأخذ الجماهير على حين غرة. ونشرت الأنباء في كل أنحاء المدينة بواسطة السوفييتات ولجان دوائر الحزب. وأنذرت الأفواج فورًا بكل ما جرى. وصدر التأكيد التالي: عدم تنفيذ أي أمر إلا إذا كان مصدقًا عليه من قبل المفوضين. ودعيت الأفواج إلى تعيين أكثر الجنود الموثوقين في مراكز الحرس.

وكانت هيئة الأركان أيضًا قد قررت اتخاذ بعض التدابير. ودعا بولكوفينكوف، بتحريض من التوفيقيين الذين كانوا ينصحونه على ما يبدو، إلى عقد مؤتمر للحامية في الساعة الواحدة بعد الظهر، على أن يشترك فيه ممثلو اللجنة التنفيذية المركزية. فاستبقَت اللجنة العسكرية خصمها واستدعت مؤتمرًا فوق العادة وحددت موعد انعقاده في الساعة 11.00 صباحًا، على أن تحضره لجان الأفواج، وتقرر فيه تسوية القطيعة مع الأركان تسوية حاسمة. وكان البيان الذي وُضع بسرعة، ووجه لقطعات بتروغراد وضواحيها يتحدث بلغة إعلان للحرب. “بعد أن قطعت هيئة الأركان اتصالها بالحامية المنظمة للعاصمة، أصبحت هذه الهيئة الأداة المباشرة للقوى المضادة للثورة”. وتتنصل اللجنة العسكرية الثورية من تحمل أية مسئولية عن أعمال هيئة الأركان، وتعلن أنها استلمت قيادة الحامية، وأخذت على عاتقها مهمة “المحافظة على النظام الثوري ضد محاولات الثورة المضادة”.

كان هذا البيان خطوة حاسمة في طريق الانتفاضة. أو أنه كان عبارة عن مجرد نزاع آخر في الآلية العامة لنزاعات ازدواجية السلطة؟ وبهذا الشكل بالضبط حاولت هيئة الأركان جاهدة تفسير ما حدث، كيما تطمئن نفسها، بعد أن استشارت ممثلي القوات الذين لم يكونوا قد استلموا بعد نداء اللجنة العسكرية الثورية في الوقت الملائم. ونقل وفد أرسل إلى سمولني، بقيادة الملازم البلشفي داشكيفيتش إلى هيئة الأركان قرار مؤتمر الحامية بصورة مختصرة. وأكد العدد البسيط من ممثلي القطعات ولاءهم للسوفييت، ورفضوا تقديم أي اقتراح، وتفرقوا. ونقلت فيما بعد الصحافة التي توجهها هيئة الأركان ما يلي: “بعد تبادل قصير للأفكار، لم يتخذ أي قرار نهائي. ووجد من الضروري انتظار حل النزاع بين اللجنة التنفيذية المركزية وسوفييت بتروغراد”. وكانت هيئة الأركان تصور عزلها على أنها مسألة خصومة بين المصالح السوفييتية التي تتنازع حول حق الإشراف على أعمالها. وكان لسياسة التعمية المقصودة هذه ميزة تحاشي إعلان حرب على سمولني، لم يكن أولئك المدبرون يملكون لخوضها قوات كافية. وهكذا أعيد النزاع الثوري الذي كان جاهزًا للانفجار، بمساعدة الأجهزة الحكومية، إلى داخل الإطارات الشرعية لازدواجية السلطة، وكانت هيئة الأركان تتعاون بصورة أكثر من مؤكدة في تمويه الانتفاضة والتستر عليها، لأنها كانت تخشى مواجهة الحقيقة.

ومع ذلك، ألم يكن السلوك الأرعن للسلطات أسلوبًا ساذجًا لإخفاء نواياها الحقيقية؟ ألم تكن هيئة الأركان تتأهب، متسترة بمظاهرة السذاجة البيروقراطية، إلى توجيه ضربة مفاجئة للجنة العسكرية الثورية؟ كانت مثل هذه المؤامرة من جانب الأجهزة العنيفة واليائسة للحكومة المؤقتة معتبرة في سمولني ضربة ضعيفة الاحتمال. بَيْد أن اللجنة العسكرية الثورية اتخذت مع ذلك كافة التدابير الاحتياطية؛ فوضعت الحرس في أقرب الثكنات نهارًا وليلاً، وكانت هناك سرايا تحت السلاح جاهزة للتحرك بسرعة لدى أول إشارة لنجدة سمولني.

وأعلنت الصحافة البرجوازية، رغم صرف النظر عن موكب الطواف الديني، إن الدماء ستسفك في يوم الأحد. وصرحت صحيفة من صحف التوفيقيين منذ الصباح الباكر ما يلي: “تتوقع السلطات اليوم قيام تظاهرة تشبه إلى حد كبير تظاهرة يوم 20 أكتوبر (تشرين الأول) الأخير”. وهكذا لثالث مرة في خلال أسبوع واحد، في 17، 20، 22، كان الغلام الفاجر يخدع الشعب وهو يصيح “الذئب! الذئب!”. ووقع الغلام في المرة الرابعة، كما تقول القصة القديمة، بين أشداق الذئب.

وكانت صحافة البلاشفة تدعو الجماهير للاجتماع، وهي تتحدث عن إحصاء سلمي للقوات الثورية، في عشية مؤتمر السوفييتات. وكانت هذه الدعوة تتجاوب تمام التجاوب مع تصميم اللجنة العسكرية الثورية: إجراء استعراض ضخم، دون مصادمات، ودون استخدام السلاح، ودون إشهاره أيضًا. وكان من الواجب أن نظهر للقاعدة ذاتها، عددها، وقوتها، وتصميمها. وكان من الواجب إجبار الأعداء على الاختفاء والزوال، وعدم الظهور عن طريق وحدة الحاضرين وإجماعهم. وكان من الواجب أن نمحو آخر الذكريات المدوية لأيام يوليو (تموز) من ضمير العمال والجنود بإظهار عجز البرجوازية أمام التشكيلات الجماهيرية للعمال والجنود. وكان من الواجب أن نتوصل إلى أن تقول الجماهير لنفسها عندما تنظر إلى قوتها وهي تستعرضها: لن يستطيع أحد ولا أية قوة مقاومتنا.

وقد كتب ميليوكوف بعد خمسة أعوام ما يلي: “التزم المواطنون المذعورون منازلهم أو ابتعدوا عن مسرح الأحداث”. لقد قبعت البرجوازية في المنازل؛ فقد تولاها الذعر بالفعل وبسبب ما نقلته صحافتها الخاصة. وذهب كل المواطنين الآخرين إلى الاجتماعات منذ الصباح: شبابًا وكهولاً، رجالاً ونساءً، غلمانًا وأمهات وأطفالهن على أذرعتهن. ولم تتم مثل هذه الاجتماعات طيلة الفترة الثورية كلها. ولم تكن بتروغراد كلها، باستثناء طبقاتها العليا، سوى اجتماع ضخم. وكان المستمعون يتجددون خلال ساعات وساعات في قاعات تزدحم بالألوف المؤلفة. وكان العمال، والجنود، والبحارة يتوافدون إلى المباني ويملأونها موجات بعد موجات. وحدث زلزال في شعب المدينة الصغير، الذي أيقظته الزمجرات والإنذارات التي روعته وأرعدت فرائصه. وغمرت عشرات الألوف من الناس مبنى منزل الشعب، وانتشرت في الممرات، وملأت الكتل المتراصة الساخطة، والمتمسكة بالنظام في الوقت نفسه قاعات المسرح، والمماشي، والمناهل، والمقصورات. وتعلقت الأكاليل، وعناقيد من الرءوس البشرية، والسيقان، والأذرع على الأعمدة الحديدية والنوافذ. وكان الجو مشحونًا بطاقة كهربائية تنبئ بصاعقة وشيكة. وكانت الهتافات تدوي: فليسقط كرنسكي! فلتسقط الحرب! السلطة للسوفييت! ولم يجرؤ أحد من التوفيقيين على الظهور أمام هذه الجماهير الهائجة ليواجهها باعتراضات أو تحذيرات. وكانت الكلمة للبلاشفة. وقد تهيأ كل خطباء الحزب، بما فيهم مندوبو المناطق الذين وصلوا لحضور المؤتمر. ونادرًا ما كان بعض الاشتراكيين – الثوريين اليساريين وبعض الفوضويين يتحدثون هنا وهناك. وكان هؤلاء وأولئك يحاولون عدم الخروج في أحاديثهم عن موقف البلاشفة.

وخلال ساعات وقف رجال الضواحي، والرجال الذين يسكنون الأقبية والغرف الموجودة على السطوح، وهم يرتدون المعاطف المرقعة، ويضعون على رءوسهم قبعات سميكة أو مناديل كبيرة. وكانت أحذيتهم مثقلة بوحل الشوارع، وقف هؤلاء الرجال يسعلون سعال الخريف، فيتشبث السعال بحناجرهم، وهم يتزاحمون بالمناكب ويتراصون أكثر فأكثر لكي يفسحوا مكانًا للآخرين، وكانوا يصغون دون تعب، وبشراهة، وبشوق، وهم يطالبون بهضم وتنفيذ ما سمعوه من أقوال، ويخشون أن يفوتهم ما هو أكثر ضرورة من غيره للفهم. ويبدو أن كل الأقوال قد قيلت في الأشهر الأخيرة، وفي الأسابيع الأخيرة، وفي الأيام الأخيرة. ولكن كلا، إن للأقوال اليوم نغمة أخرى؛ فالجماهير تحس بها بصورة جديدة، لا كوعظ، بل كالتزام للعمل. وتطفو تجربة الثورة والحرب والكفاح المرير، وحياة قاسية بكاملها من أعماق ذاكرة كل رجل سحقته الحاجة، لتتركز في هذه الشعارات البسيطة والملزمة. ولا يمكن للأمور أن تستمر على هذا الشكل. ومن الواجب شق طريق إلى المستقبل.

وتحولت أنظار كل واحد من المناضلين إلى هذا اليوم البسيط والمذهل والذي تنفتح صفحته المشرقة في سجل الثورة. وحُفرت صورة الحشود البشرية التي استوعبتها الحركة الجارفة لهذا اليوم في ذاكرة شهود العيان إلى الأبد. وقد كتب الاشتراكي – الثوري مستيسلافسكي ما يلي: “انقضى يوم سوفييت بتروغراد في اجتماعات لا تعد، كان الحماس فيها رائعًا”. ويشهد البلشفي بستكوفسكي، الذي تحدث في مصنعين في فاسيلييفسكي – أوستروف بما يملي: “كنا نتحدث إلى الجماهير بوضوح عن استيلائنا المقبل على السلطة ولم نسمع سوى الموافقة على ذلك”. ويروي سوخانوف عن اجتماع منزل الشعب ما يلي: “كان الجو حولي قريبًا من حالة الوجد… وكان تروتسكي يقدم قرارًا مختصرًا عامًا… فمن يصوت لصالح القرار؟ جمهرة مؤلفة من ألوف الأشخاص رفعت أيديها كرجل واحد. لقد رأيت الأيدي المرتفعة وعيون الرجال الملتهبة والنساء، والشبيبة، والعمال، والجنود، والموجيك، وشخصيات تمثل البرجوازية الصغيرة التقليدية.. واستمر تروتسكي في الكلام. وتابعت الجموع التي لا تدع رفع أيديها في الهواء. وكان تروتسكي يقطع الكلمات: فليكن تصويتكم عهدًا منكم… وكانت الجموع التي لا تحصى ترفع أيديها في الهواء. كانت متفقة معه، ولهذا كانت تقسم”. وروى البلشفي بوبوف أي قسم حماسي قدم للجماهير: “القسم على الانقضاض عند أول نداء من السوفييت”. ويتحدث مستيسلافسكي عن جمع مكهرب أقسم على الولاء للسوفييتات. وتكرر المشهد ذاته، ولو كان ذلك بنسب أقل، في كل أجزاء المدينة، في المركز وفي الضواحي. فكان مئات الألوف من الأشخاص، بآن واحد وفي الساعات ذاتها يرفعون الأيدي ويقسمون على خوض المعركة حتى النهاية.

وإذا كانت الجلسات اليومية للسوفييت، وفرع الجنود، ومؤتمر الموقع ولجان المعامل والمصانع قد صنعت اللحمة الداخلية لطبقة واسعة من القادة. وإذا كانت بعض الاجتماعات الجماهيرية قد جمعت المصانع والأفواج، فإن يوم 22 أكتوبر (تشرين الأول) قد صهر الجماهير الشعبية الحقيقية بدرجة عالية، وفي مرجل واحد جبار. واكتشفت الجماهير ذاتها، ورأت زعماءها، ورأى  الزعماء الجماهير واستمعوا إليها. وبقي الطرفان راضيين. واقتنع الزعماء بما يلي: لا يمكن تأجيل الثورة! وقالت الجماهير لنفسها: إن الثورة ستتم في هذه المرة!

وكسح نجاح استعراض قوات البلاشفة في يوم الأحد عُتُو بولكوفنيكوف، وتبجح قيادته العليا. وحاولت هيئة الأركان، بالاتفاق مع الحكومة ومع اللجنة التنفيذية المركزية التفاهم مع سمولني. لماذا لا نعيد إذن سيرة العلاقات الودية القديمة في الاتصال والتوفيق؟ ولم ترفض اللجنة العسكرية الثورية أبدًا إرسال ممثلين عنها لتبادل الآراء؛ فليس هناك من وسيلة أفضل من التعارف. ويقول سادوفسكي في مذكراته: “كانت المباحثات موجزة، وقبل ممثلو المنطقة العسكرية كل الشروط التي قدمها السوفييت من قبل… على أن يُلغى أمر اللجنة العسكرية الثورية الصادر بتاريخ 22 أكتوبر (تشرين الأول)”. وكان الأمر متعلقًا بوثيقة تعلن بأن هيئة الأركان هي أداة قوى الثورة المضادة. وطالب مندوبو اللجنة أنفسهم، الذين طردهم بولكوفنيكوف بصورة لا تتسم بالأدب قبل يومين، طالبوا وتلقوا بأيديهم مشروع اتفاق وقعته هيئة الأركان، لعقد اجتماع يتم في سمولني. وكان من الممكن قبول شروط الاستسلام هذه نصف المشرفة في يوم السبت. ولكنها اليوم، الاثنين، جاءت متأخرة جدًا. وانتظرت هيئة الأركان ردًا على اقتراحها ولكنها لم تتلقاه أبدًا.

وتوجهت اللجنة العسكرية الثورية إلى أهالي بتروغراد، وأعلمتهم بتعيين مفوضين لدى القطعات، وفي أهم نقاط العاصمة والضاحية. “ويتمتع المفوضون بالحصانة لأنهم يمثلون مجلس السوفييت. وتعتبر كل مقاومة للمفوضين مقاومة لسوفييت مندوبي العمال والجنود”. وطُلب من المواطنين الاتصال بأقرب مفوض لمكان إقامتهم في حالة وقوع إخلال بالنظام ليقوم المفوض باستدعاء القوات المسلحة. هذه هي لغة السلطة. ولكن اللجنة لم تعط بعد إشارة الانتفاضة الصريحة. وقد تساءل سوخانوف قائلاً: “هل يرتكب سمولني حماقات ما، أم أنه يلعب مع قصر الشتاء لعبة القط والفأر، مثيرًا هجومًا؟” إن الجواب على سؤاله هو، لا هذا ولا ذاك. إن اللجنة تطرد الحكومة بضغط الجماهير، وبثقل حامية الموقع. وتستولى بدون قتال على ما تستطيع أخذه. وتنقل مواقعها إلى أمام دون رمي أية طلقة من بندقية. وتجمع جيشها وتعززه للهجوم. وتقيس اللجنة بضغطها قوة مقاومة العدو الذي لا يغيب عن أنظارها لحظة واحدة. وتعدل كل خطوة إلى الأمام لصالح سمولني. ويرتفع العمال وأفراد الحامية في طريق الانتفاضة. وسيجد أول من يدعو منهم إلى السلاح نفسه في مد الهجوم وجزره. أما الآن فإن المسألة مسألة ساعات. وإذا وجدت الحكومة الجرأة أو اليأس، في الدقيقة الأخيرة لإعطاء إشارة المعركة، فستقع المسئولية من جديد على قصر الشتاء، ولكن المبادرة تبقى لسمولني أيضًا. وكان عمل 23 أكتوبر (تشرين الأول) يعني تقويض السلطات وقلبها قبل أن تُقلب الحكومة ذاتها. وكانت اللجنة العسكرية الثورية تكبل النظام المعادي من أطرافه قبل أن تجهز عليه بالضربة القاضية. ولم يكن من الممكن تطبيق هذا التكتيك في “الاختراق السلمي” والذي يتضمن تحطيم الهيكل العظمي للعدو وشل ما تبقى له من إرادة بتخديره، لم يكن من الممكن تطبيقه إلا بالتفوق الذي لا مراء فيه للقوى التي تملكها اللجنة، هذه القوى التي كانت تزداد نموًا ساعة بعد ساعة.

وكانت اللجنة تراجع يوميًا الخارطة المفتوحة أمامها للحامية، وتسبر حرارة كل فوج، وتتبع كل تحولات الرأي العام في سجاله، والتأييد الذي يظهر في الثكنات. ولا يمكن أن يحدث شيء غير متوقع من هذه الناحية. ومع ذلك ما زالت على الخارطة بعض البقع السوداء. وكان من الواجب القضاء عليها أو تخفيض عددها على الأقل. واعتبارًا من تاريخ 19 تبين أن أكثرية لجان قلعة بطرس وبولص كانت في أوضاع سيئة أو غامضة. وبعد أن صمدت الحامية الآن لصالح اللجنة، وطُوقت القلعة سياسيًّا على الأقل، فقد حان الوقت للاستيلاء عليها بصورة حاسمة. وصادف الملازم الأول بلاغونرافوف، الذي عُين مفوضًا، بعض المقاومة؛ فقد كان قائد القلعة، المفوض من قبل الحكومة يرفض الاعتراف بالوصاية البلشفية. ويتبجح -حسب بعض الإشاعات- باعتقال الوصي الشاب. وكان من الضروري العمل فورًا. واقترح أنطونوف إدخال كتيبة موثوقة من فوج بافلوفسكي إلى القلعة ونزع سلاح القوات المعادية. ولكن مثل هذه العملية ستكون خطيرة جدًا، وسيستغلها الضباط ذريعة ومبررًا لإراقة الدماء، وتحطيم وحدة قوات الحامية. وهل كان من الضروري بالفعل اللجوء إلى تدبير بمثل هذا التطرف؟ وقد روى أنطونوف في مذكراته ما يلي: “ولمناقشة هذه المسألة دعونا تروتسكي. ولعب تروتسكي دورًا حاسمًا؛ فقد فهم بحدسه الثوري بما عليه أن ينصحنا: فاقترح الاستيلاء على هذه القلعة من الداخل. وقال: “لا يمكن أن لا يتعاطف الجند داخل القلعة معنا”. ولقد كان على حق. وذهب تروتسكي ولاشوفيتش إلى اجتماع في القلعة”. وكان الموجودون في سمولني ينتظرون بانفعال كبير نتائج مشروع يبدو محاطًا بالمخاطر. وقد تعرض تروتسكي لهذه الأمور فيما بعد قائلاً: “وبتاريخ 23 ذهبت إلى القلعة في الساعة الثانية بعد الظهر. كان هناك اجتماع في الباحة. وكان خطباء الجناح اليميني مشبوهين ومراوغين إلى أعلى الدرجات… كان الجنود يصغون إلينا، ويتبعوننا”. وفي الطابق الثالث من سمولني تنفس الجميع الصعداء عندما أعلن الهاتف النبأ المفرح: إن حامية بطرس وبولص تعهدت باحتفال مهيب أن لا تطيع بعد الآن سوى اللجنة العسكرية الثورية.

لم يكن التحول الذي تم في وعي قوات القلعة محصلة خطاب أو خطابين بالطبع؛ فقد أعد الماضي هذا التحول بصورة متينة وكان الجنود أكثر يسارية من لجانهم. ولم يبق سوى القشرة المتشققة من الانضباط القديم، التي بقيت خلف الأسوار وقتًا أطول مما بقيت فيه في ثكنات المدينة. ولكن كانت هزة واحدة كافية لكي تسقطها مزقًا.

وكان بوسع بلاغونرافوف الآن أن يتوطد بثقة أكبر في القلعة، وأن ينظم هيئة أركانه الصغيرة، ويقيم الاتصال مع السوفييت البلشفي للدائرة المجاورة، ومع أقرب لجان الثكنات إليه. وفي غضون ذلك، جاءت وفود المصانع والتشكيلات العسكرية تطالب بتسليمها السلاح. وسادت القلعة في ذلك الوقت حيوية لا توصف. “كان الهاتف يرن بلا انقطاع؛ لينقل أخبارًا عن نجاحاتنا الجديدة في الاجتماعات والمؤتمرات”. وكانت الأصوات المجهولة الهوية تعلن أحيانًا عن قدوم مفارز تأديبية من الجبهة ووصولها إلى المحطة. وكان التحقق الفوري من الخبر يظهر أنه محض كذب واختلاق روجه العدو وأشاعه.

وتميزت جلسة السوفييت في مساء ذلك اليوم بازدحام استثنائي، ونشاط خاص. فقد كان احتلال قلعة بطرس وبولص والاستيلاء نهائيًّا على ترسانة كرونفيرك؛ حيث تتكدس 100.000 بندقية، كان كل هذا يشكل ضمانة جدية للنجاح. وقدم أنطونوف تقريرًا باسم اللجنة العسكرية الثورية. وقد رسم في هذا التقرير بملامح متتابعة لوحة طرد الأجهزة الحكومية من قبل إتباع اللجنة العسكرية الثورية، وقد استقبل هؤلاء في كل مكان كرجال أهل للثقة. وكان الجميع يطيعونهم بوعي، لا بدافع الخوف. “وتصل الطلبات من كل الجهات تلح على تعيين المفوضين”. وحذت القوات الموجودة حذو القوات الأمامية. وقدم فوج بريوبراجينسكي الذي كان في يوليو (تموز) أول فوج صدق إشاعة الذهب الألماني، بواسطة مفوضه تشودنوفسكي، احتجاجًا عنيفًا ضد الإشاعات التي تتهم الفوج بالعمل لصالح الحكام. وكانت مثل هذه الفكرة تعتبر من أقوى الإهانات في نظر الفوج!… وروى أنطونوف ما يلي: حقًا إن الحرس مقام كالعادة، ولكن بموافقة اللجنة. ولم تنفذ أوامر هيئة الأركان حول تسليم الأسلحة والسيارات. وقد أتيحت لهيئة الأركان بهذا الشكل إمكانية تامة لمعرفة من هو سيد العاصمة.

وسُئل أنطونوف عما إذا كانت اللجنة تملك معلومات عن حركة القطعات الحكومية في الجبهة وفي المناطق المجاورة، وعن التدابير التي اتُخذت لدرئها؛ فأجاب بما يلي: لقد جئ بقوات الخيالة من الجبهة الرومانية، ولكنها حجزت في بسكوف. ورفضت فرقة المشاة 17 الذهاب إلى مسافة أبعد عندما علمت خلال الطريق الجهة التي ستُرسل إليها، والهدف من زحفها. وفي فندق تمرد فوجان على أمر الزحف على بتروغراد، ورفضا تنفيذه. وبقي أيضًا مصير القوزاق واليونكرز مجهولاً، ومن المحتمل أنهم أرسلوا إلى كييف، كما كانت قطعات الصدام المستدعاة من تساركويه – سيلا مجهولة المصير أيضًا. “لا يتجرأ أحد ولن يتجرأ أحد على المساس باللجنة العسكرية الثورية”. ولم يكن وقع هذه الأقوال سيئًا في قاعة سمولني البيضاء.

وكان الانطباع الذي تركه تقرير أنطونوف عند تلاوته بأن هيئة أركان الانتفاضة قد عملت بمنتهى الصراحة والوضوح. وفي الحقيقة: ليس لدى سمولني أي شيء تخفيه. فالظرف السياسي للانتفاضة ملائم جدًا لدرجة غدت معها الصراحة ذاتها نوعًا من التمويه، فهل تتم الانتفاضة بهذا الشكل؟ ومع ذلك لم ينطق أي زعيم من الزعماء بكلمة “انتفاضة”. ولم يكن عدم نطقها بدافع من الحذر فحسب، بل لأن التعبير لا يتلاءم أبدًا مع الوضع الحقيقي. وقد يقال إن على حكومة كرنسكي أن تنتفض. وفي تقرير للأزفستيا قيل حقًا إن تروتسكي اعترف في جلسة 23 للمرة الأولى بصراحة أن الاستيلاء على السلطة هو هدف اللجنة العسكرية الثورية. ومما لا شك فيه أن الجميع قد ابتعدوا عن نقطة الانطلاق التي صرحوا فيها بأن التحقق من المبررات الإستراتيجية لتشيريميسوف هو مهمة اللجنة. وكان جلاء الأفواج قد طوى في سجل النسيان. ولكن كان الموضوع في 22 لا يتعلق بالانتفاضة، بل “بالدفاع” عن المؤتمر المقبل للسوفييتات، والدفاع بالسلاح عند الحاجة. وبهذه الروح صيغ القرار حول تقرير أنطونوف.

فكيف تم تقدير الأحداث الجارية في الدوائر الحكومية العليا؟ بعد أن أعلم كرنسكي هاتفيًّا ومباشرة في ليلة 21/ 22 دوخونين رئيس هيئة أركان القيادة العامة للقوات المسلحة بمحاولات اللجنة العسكرية الثورية لعزل الأفواج عن القيادة استطرد كرنسكي قائلاً: “إنني أعتقد بأننا سنسوي هذا الأمر بسهولة”. ولم يتأخر وصوله أبدًا كقائد أعلى إلى المقر العام لهيئة الأركان العامة بسبب الخوف من انتفاضات معينة؛ “فسيسوون الوضع، حتى بدوني نظرًا لأن كل شيء معد”. وصرح كرنسكي للوزراء المذعورين بصورة مطمئنة أنه شخصيًّا على العكس سعيد جدًا بأن يرى وقوع الانتفاضة لأن ذلك سيعطيه إمكانية “التخلص من البلاشفة دفعة واحدة”. ورد رئيس الحكومة على الكاديت نابوكوف الذي كان يتردد على قصر الشتاء: “سأكون مستعدًا كل الاستعداد للقيام بالمراسيم الدينية بعد عملية الإجهاز (على البلاشفة) إذا وقعت التظاهرة”. وعندما سأله نابوكوف: “ولكن هل أنت واثق من قدرتك على قمعها؟” أجابه كرنسكي: “إنني أملك من القوات أكثر مما أحتاج إليه؛ وسيسحق البلاشفة بصورة نهائية”.

وكانت سخرية أعضاء الكاديت من التفاؤل الطائش لكرنسكي، تعني أنهم أصيبوا بفقدان الذاكرة؛ فقد كان كرنسكي في الحقيقة يقدر الأحداث بحسب وجهة نظرهم الخاصة. فبتاريخ 21 كتبت صحيفة ميليوكوف: لو تجرأ البلاشفة، الذين تأكلهم أزمة داخلية عميقة، على التظاهر، فسيسحقون في مكانهم ودون عناء. وأضافت صحيفة أخرى من صحف الكاديت: “هناك عاصفة في الهواء، ولكنها قد تطهر الجو”. ويشهد دان أن الكاديت والمجموعات القريبة منهم كانوا يحملون في أروقة اللجنة التحضيرية للمجلس النيابي أحلامًا كبيرة في أن يروا البلاشفة يتظاهرون بأسرع ما يمكن: “سيُهزمون هزيمة تامة في معركة نظامية”، وكان بعض أعضاء الكاديت البارزين يقولون لجون ريد ما يلي: إذا سُحق البلاشفة في الانتفاضة، فإنهم لن يستطيعون رفع رأسهم أبدًا في المجلس التأسيسي.

وفي خلال يومي 22 و23 كان كرنسكي يستشير زعماء اللجنة التنفيذية المركزية تارة، وهيئة أركانه تارة أخرى ويسألهم: أليس من الملائم اعتقال أعضاء اللجنة العسكرية الثورية؟ وكان التوفيقيون لا يوافقون على هذا الرأي؛ فسيحاولون هم تسوية مسألة المفوضين. وكان بولكوفنيكوف يقدر أيضًا أن ما من سبب يدعو إلى التسرع في الاعتقالات؛ فنحن نملك من القوات العسكرية عند الحاجة “أكثر مما نحتاج إليه”. وكان كرنسكي يصغي لبولكوفنيكوف، ولكنه كان يستمع بإصغاء أكبر للأصدقاء التوفيقيين. كان يأمل أن تهرع اللجنة التنفيذية المركزية، عند الخطر، وبرغم خلافاتها الداخلية مع الحكومة، لمساعدته في الوقت المناسب؛ فقد تم الأمر على هذا الشكل في يوليو (تموز)، وفي أغسطس (آب). فلماذا لا يستمر في مثل هذا الوضع؟

ولكننا لم نكن أبدًا في يوليو (تموز) ولا في أغسطس (آب). كنا في أكتوبر (تشرين الأول). وكانت تهب على ميادين وأرصفة بتروغراد رياح البلطيق الباردة الرطبة القادمة من كرونشتادت. وكان اليونكرز يقومون بالعرض في الشوارع بمعاطفهم الطويلة المنسدلة إلى أعقابهم، وهم يغنون ألحان الشجاعة التي تخنق القلق، وكان أفراد فرسان المليشيا يسيرون في الاستعراض ومسدساتهم في غلافات جديدة تمامًا. كلا، كانت السلطة ما تزال تملك الهيبة والجلال! أو ربما لم يكن ذلك سوى سراب؟ وكان جون ريد الأمريكي ذو العينين الساذجتين والنفاذتين يشتري آنذاك في زاوية من زوايا شارع نييفسكي كتيبًا للينين عنوانه: هل سيحتفظ البلاشفة بالسلطة؟ ويدفع ثمنه بالطوابع البريدية التي كانت رائجة في ذلك الوقت رواج العملات الصغيرة.

لقراءة الفصل السابق يمكن مراجعة الرابط التالي:

 

تاريخ الثورة الروسية: اللجنة العسكرية الثورية جـ 1