تاريخ الثورة الروسية: لينين يدعو إلى الانتفاضة جـ 1

0
945

إلى جانب المصانع والثكنات، والقرى والجبهة، والسوفييتات كان للثورة مخبر آخر هو عقل لينين. وقد اضطر لينين خلال 111 يومًا؛ من 6 يوليو (تموز) إلى 25 أكتوبر (تشرين الأول) إلى اختصار مقابلاته، حتى مع أعضاء اللجنة المركزية ملتزمًا بحياة سرية. وكان يحصر فكره بصورة أقوى على المسائل الجوهرية للثورة، ولا يتصل اتصالاً مباشرًا بالجماهير، ولا يحتك بالتنظيمات، وارتفع بهذه المسائل –هذا الارتفاع الذي كان لديه مطلبًا وقاعدة في الوقت ذاته– إلى المسائل الأساسية للماركسية.

وكانت الحجة الأساسية للديمقراطيين، ولأكثرهم يسارية من بين هذا العدد الوافر من أعضاء المؤتمر في معارضة الاستيلاء على السلطة هي عجز العمال عن إدارة جهاز الدولة. تلك كانت في الحقيقة مخاوف العناصر الانتهازية في داخل البلشفية ذاتها. وكان “جهاز الدولة” المبدأ الغامض الذي ربي على الخضوع إليه كل بورجوازي صغير. ويرتفع هذا المبدأ فوق الأشخاص والطبقات. ويحتفظ المثقف الجبان في أعماقه بنفس الرعشة التي استبدت بجسم أبيه أو جده، البائع أو الفلاح الثري إزاء المؤسسات القوية الجبارة التي تتقرر فيها مسائل الحرب والسلم، وحيث تسلم الشهادات التجارية، ويسقط منها حساب الضرائب، وحيث تتم العقوبة، ويتم الغفران نادرًا، وحيث يطبع الزواج كما تطبع الولادات بالطابع الشرعي، وحيث ينبغي أن يأخذ الموت دوره في القائمة قبل اعتراف جهاز الدولة به. إنه جهاز الدولة! ويرفع البورجوازي الصغير قبعته احترامًا لهذا الجهاز، ويخلع زوج أحذيته أيضًا، ويسير على رءوس أصابعه. وهو يدخل محراب الصنم المعبود –سواء كان يدعى كرنسكي، أو لافال، أو ماكدونالد، أو هيلفردينغ– عندما يتيح له حظه أو تتيح له قوة الظروف أن يصير وزيرًا. وهو لا يستطيع أن يبرر هذه الميزة بصورة مغايرة إلا بخضوعه بتواضع “لجهاز الدولة”. وكان المثقفون الراديكاليون الروس الذين لا يجرءون، حتى في وقت الثورة، على الانضمام إلى السلطة إلا من وراء ظهر الملاكين النبلاء، وأصحاب رأس المال، كان هؤلاء المثقفون ينظرون إلى البلاشفة بفزع وسخط: إن محرضي الشوارع هؤلاء، أولئك الديماغوجيون يتصورون أنه بوسعهم الاستيلاء على جهاز الدولة!

وبعد أن أنقذت السوفييتات الثورة في معركتها ضد كورنيلوف بالرغم من جبن الديمقراطية الرسمية وعجزها كتب لينين يقول: “فليتعلم من هذا المثل كل الرجال ضعاف الإيمان. وليستحِ أولئك الذين يقولون: “إننا لا نملك جهازًا ليحل محل الجهاز القديم، هذا الجهاز الذي يميل حتمًا إلى الدفاع عن البرجوازية”. لأن هذا الجهاز موجود. إنه جهاز السوفييتات. ولا تخافوا مبادرة الجماهير وعفويتها، وثقوا بالتنظيمات الثورية للجماهير وسترون ظهور القوة ذاتها والعظمة ذاتها في كل مجالات حياة الدولة وعدم إمكان قهر العمال والفلاحين الذين برهنوا على وحدتهم واندفاعهم ضد حركة كورنيلوف”.

وقد كتب لينين في الأشهر الأولى من حياته السرية كتابه: الدولة والثورة، الذي جمع وثائقه عندما كان مهاجرًا أثناء الحرب. وطرح لينين في هذا الكتاب المعضلات النظرية للدولة بنفس الدقة والعناية اللتين يعمل بهما عندما يتأمل المعضلات اليومية. فهو لا يستطيع أن يفعل ما يخالف هذا؛ فالنظرية بالنسبة إليه دليل للعمل فعلاً. ولم يستهدف لينين في أية لحظة إدخال كلمة جديدة في النظريات. بل على العكس أعطى لكتابه طابعًا في غاية التواضع، مشيرًا إلى أنه يتحدث كتلميذ لمن سبقه. وكانت مهمته على حد قوله إعادة وضع “العقيدة الماركسية الحقيقية حول الدولة”.

وقد يبدو الكتاب الذي يتميز باختيار لينين الدقيق للاستشهادات وتفسيرها الجدلي التفصيلي، تحذلقًا وادعاء بسعة العلم… وذلك للمدعين الحقيقيين، الذين لا يستطيعون، عند تحليل النصوص، الإحساس بالنبضات القوية للفكر وللإرادة. وقد قام لينين بإعادة تأليف للنظرية الطبقية للدولة على قاعدة جديدة، أعلى من الناحية التاريخية، فأعطى لأفكار ماركس طابعًا جديدًا ملموسًا، ومعنى جديدًا بالتالي. بيد أن الكتابة عن الدولة تتخذ أهمية كبرى نظرًا لأنها أولاً مدخل علمي لأكبر انتفاضة عرفها التاريخ. وكان “المعلق” على كتابات ماركس يعد حزبه لغزو سدس العالم ثوريًّا.

ولو كان من الممكن بكل بساطة تلاؤم الدولة مع مطالب نظام جديد، لما كان هناك ثورات أبدًا. غير أن البرجوازية ذاتها لم تتوصل إلى السلطة، حتى هذا الوقت، إلا بالانتفاضات. وقد جاء الآن دور العمال للقيام بمثلها. وقد أعطى لينين للماركسية معناها في هذه المسألة أيضًا كأداة نظرية للثورة البروليتارية.

ألا يستطيع العمال السيطرة على جهاز الدولة؟ ويعلمنا لينين ردًا على هذا السؤال. ولكن ليس الهدف أبدًا هو الاستيلاء على الآلة القديمة للدولة بغرض تحقيق أهداف جديدة؛ إن ذلك يعتبر طوباوية رجعية. فالاختيار الذي تم للأفراد في الجهاز القديم، وتربيتهم، وعلاقاتهم المتبادلة. كل هذا يتعارض مع المهام التاريخية للبروليتاريا. وليس المطلوب عند الاستيلاء على السلطة إعادة تعليم الجهاز القديم بل من الواجب هدمه تمامًا. فبم يمكن استبداله؟ نستبدله بالسوفييتات. وتصبح السوفييت التي تتزعم الجماهير الثورية، هذه الجماهير التي تعتبر أجهزة الانتفاضة، أجهزة نظام الدولة الجديدة.

ولم يجد الكتاب، في زخم الثورة، سوى عدد قليل من القراء. ولم يطبع طبعة ثانية إلا بعد الانتفاضة. وقد درس لينين مسألة الدولة قبل كل شيء لاقتناعه الخاص الداخلي، وللمستقبل فيما بعد. وكان الاحتفاظ بالإرث الأيديولوجي أحد اهتماماته الثابتة. وفي يوليو (تموز) كتب لينين إلى كامنييف ما يلي: “الكلام بسرك، إذا ما قتلت يومًا، فأرجوك أن تطبع كراسي Le marxisme sur l’etat الماركسية والدولة (الذي ترك في ستوكهولم). وإن جلده الأزرق مشبك بسلك. وقد جمعت كل الاستشهادات بماركس وآنجلس، كما جمعت كذلك كل الاستشهادات من كاوتسكي ضد بانيكوك. وفي الدفتر عدد لا بأس به من الملاحظات والتعليقات ينبغي ترتيبها. وإني أعتقد أن من الممكن طبع الكتاب بعد ثمانية أيام من العمل. وإني أقدر أن هذا العمل مهم لأن بليخانوف وكاوتسكي لم يكونا وحدهما اللذين شوشا في هذا الموضوع. وهناك شرط واحد: كل هذا بيننا قطعًا”. واهتم زعيم الثورة، الذي كان مطاردًا كعميل لدولة معادية بطبع دفتر “أزرق” مع استشهادات من ماركس وآنجلس، لأن كان عليه أن يأخذ بعين الاعتبار احتمال تآمر الخصم عليه واغتياله، وكانت هذه هي وصيته السرية. وينبغي أن تفيد الكلمة العادية “قد يقتلونني” كترياق للغة المحركة للعواطف التي كان يمقنها: وكانت وصيته التي أعطاها، ذات طابع مثير للمشاعر في الحقيقة.

وكان لينين، الذي ينتظر تلقي طعنة في ظهره يعد هو نفسه طعنة يوجهها إلى صدر خصومه. فبينما كان يرتب الدفتر الثمين الذي استلمه من ستوكهولم، وهو يقرأ الصحف، ويرسل بالتعليمات، لم تبق الحياة في موقعها. فقد اقتربت الساعة التي ينبغي حل مسألة الدولة فيها عمليًا.

وكتب لينين في سويسرا، بعد قلب النظام الملكي فورًا ما يلي: “… لسنا بلانكيين، ولا أنصارًا لاستيلاء أقلية على السلطة…” وطور الفكرة ذاتها عندما وصل إلى روسيا: “نحن حاليًا أقلية، ولا تثق الجماهير بنا في الوقت الحاضر. وسنعرف كيف ننتظر… وستتجه الجماهير وتنحاز إلينا، وعندئذ سنقول، ونحن نحسب موازين القوى ما يلي: لقد حان وقتنا”. وكانت مسألة الاستيلاء على السلطة مطروحة في هذه الأشهر الأولى كمسألة كسب الأكثرية في السوفييتات.

وأعلن لينين بعد عملية سحق حركة يوليو (تموز) ما يلي: لا يمكن الاستيلاء على السلطة بعد الآن إلا بانتفاضة مسلحة. وهنا ينبغي بالتأكيد الاعتماد على لجان المصانع لا على السوفييتات، التي أقنطها التوفيقيون. وينبغي أن يعاد تشكيل مجالس السوفييتات، كأجهزة للسلطة، بعد الانتصار. وفي الواقع فقد انتزع البلاشفة بعد شهرين السوفييتات من التوفيقيين. وكانت طبيعة خطأ لينين في هذه المسألة خاصة مميزة لعبقريته الإستراتيجية إلى أعلى الدرجات؛ فقد كان يحسب أجرأ تصوراته طبقًا لأقل المقدمات احتمالاً. حتى أنه كان يتوقع عندما غادر ألمانيا في إبريل (نيسان) إلى روسيا الذهاب من المحطة إلى السجن مباشرة. وهكذا قال في 5 يوليو (تموز): “ربما سيعدموننا جميعًا”. وهو يفكر الآن. أن التوفيقيين لن يتركوننا نحصل على الأكثرية في السوفييتات.

وقد كتب نابليون إلى الجنرال برتييه ما يلي: “ليس هناك رجل أكثر جبنًا مني عندما أضع خطة حربية. إذ أضخّّم لنفسي تقدير كل الأخطار وكل المآسي الممكنة… وعندما اتخذ قراري أنسى كل شيء فيما عدا ما يمكن أن يصنع النجاح”، وإذا تجاوزنا عن بعض التصنع في كلمة ضعيفة التلاؤم وهي “جبن” فمن الممكن تطبيق جوهر الفكرة على لينين. فعندما يحل لينين مسألة إستراتيجية، كان يزود العدو مسبقًا بقراره الخاص وبذكائه. وكانت أخطاء لينين التكتيكية في غالب الأحيان المحصلات الثانوية لقوته الإستراتيجية. وفي الحالة الراهنة لا يمكن الحديث عن خطأ؛ فعندما يتوصل التشخيص إلى تحديد مرض من الأمراض بعد استبعاد الإصابة بالأمراض الأخرى بصورة متتابعة، لا يبدو حدسه الافتراضي، بدءًا من أسوأ الأمراض خطأ، بل طريقة للتحليل.

وعندما استولى البلاشفة على سوفييتات العاصمتين قال لينين: “لقد جاء وقتنا”، على حين كان في إبريل (نيسان) وفي يوليو (تموز) يحاول أن يكون معتدلاً. وفي أغسطس (آب) كان يهيئ المرحلة المقبلة من الناحية النظرية. وابتداءً من منتصف سبتمبر (أيلول) كان يدفع ويضغط بكل قواه. ولم يعد هناك الآن خطر من المسير بسرعة كبيرة، بل أصبح الخطر من التأخر.” ولا يمكن أن يكون هناك الآن شيء سابق لأوانه في هذا المجال”.

وقد حلل لينين الوضع في المقالات والرسائل التي أرسلها إلى اللجنة المركزية، مبينًا الشروط الدولية في المقام الأول في كل مرة. وكانت أعراض ووقائع يقظة البروليتاريا الأوروبية بالنسبة إليه، تجيء في آخر أحداث الحرب، دليلاً لا ينقض على أن التهديد المباشر من طرف الإمبريالية الأجنبية للثورة الروسية سينكمش أكثر فأكثر. واضطرته اعتقالات الاشتراكيين في إيطاليا، والتمرد الذي وقع في الأسطول الألماني خاصة، على إعلان وقوع تحول هائل في العالم كله: “نحن على أبواب ثورة بروليتارية عالمية”.

ويفضل تاريخ الجيل الثاني السكوت على نقطة انطلاق لينين؛ لأن حساب لينين يبدو وكأن الأحداث قد كذبته، ولأن على الثورة الروسية أيضًا حسب النظريات التي جاءت فيما بعد، أن تنتصر من تلقاء ذاتها في كل الشروط. غير أن الحكم الذي أصدره لينين على الوضع الدولي كان من أقل الأحكام بطلانًا، فالأعراض التي لاحظها عبر مصفاة الرقابة العسكرية لكل البلاد تظهر بالفعل قدوم العاصفة الثورية. وقد صدّعت هذه العاصفة بعد عام البناء القديم، حتى شمل التصدع كل الأسس العميقة للمجتمع القديم في إمبراطوريات أوروبا الوسطى. وحرمت هذه العاصفة أيضًا الطبقات الحاكمة في البلدان الظافرة إنكلترا، وفرنسا، دون أن نستشهد بإيطاليا، ولمدة طويلة من حرية عملها. ولم يكن بوسع الثورة البروليتارية في روسيا المنعزلة، والتي لا تملك الوقت الكافي لتعزز نفسها أن تصمد حتى لبضعة شهور في مواجهة أوروبا الرأسمالية، المتينة، المحافظة، الواثقة من نفسها. ولكن أوروبا هذه لم تكن موجودة أبدًا. حقًا أن الثورة في الغرب لم تجلب البروليتاريا أبدًا إلى السلطة –فقد أنقذ الإصلاحيون النظام البورجوازي– ولكنها كانت مع كل هذا من القوة بحيث حملت الجمهورية السوفييتية في المرحلة الأولى، التي كانت أكثر مراحل وجودها خطورة.

ولا تعبر أممية لينين العميقة عن نفسها في أنه كان يضع دومًا تقدير الوضع الدولي في الاعتبار الأول؛ فقد كان الاستيلاء على السلطة ذاته في روسيا يعتبر من قبل لينين، وقبل كل شيء، كاندفاع نحو الثورة الأوروبية، التي ينبغي أن يكون لها أهمية أكبر بصورة لا تقارن بالنسبة لمصائر البشرية من ثورة روسيا المتخلفة. وقد كرر لينين هذا الكلام أكثر من مرة. فكم كان يهزأ من البلاشفة الذين لا يفهمون واجبهم كأممين ويقول لهم: “فلنتخذ قرارًا بالتعاطف مع المتمردين الألمان. ولنستبعد الانتفاضة في روسيا. وسيكون ذلك أممية معقولة! أليس كذلك؟”.

وقد كتب لينين إلى اللجنة المركزية خلال أيام المؤتمر الديمقراطي قائلاً: “إن بوسع البلاشفة، بعد أن حصلوا على الأكثرية في سوفييتي العاصمتين… أن يستولوا على سلطة الدولة، وأن الواجب يحتم عليها ذلك…”، وكان لواقعة تصويت أكثرية مندوبي الفلاحين في المؤتمر الديموقراطي المزيف ضد الائتلاف مع الكاديت، كان لهذه الواقعة في نظر لينين أهمية حاسمة؛ فليس أمام الموجيك الذين لا يريدون الائتلاف مع البرجوازية أبدًا من سبيل سوى دعم البلاشفة. “لقد مل الشعب من مراوغات المناشفة والاشتراكيين – الثوريين. وأن انتصارنا في العواصم وحده سيجر الفلاحين خلفنا”. إن مهمة الحزب هي ما يلي: “وضع الانتفاضة المسلحة في بتروغراد وموسكو على جدول الأعمال، والاستيلاء على السلطة، وتشتيت الحكومة…” ولم يكن هناك أي شخص حتى ذلك الوقت قد طرح مسألة الانتفاضة بمثل هذه اللهجة الآمرة، وبمثل هذه الصراحة.

وقد تحرَّى لينين بدقة متناهية عن كل الانتخابات في البلاد، وجمع باعتناء الأرقام التي يمكن أن توجه بعض الأضواء على ميزان القوى الحقيقي. أما لامبالاة بعض الأعضاء نصف – الفوضوية إزاء الإحصاءات الانتخابية فلم تلاق لدى لينين سوى الازدراء. وكان لينين في الوقت ذاته لا يشخص آثار البرلمانية أبدًا كموازين القوى الحقيقية: وكان يقدم دومًا التصحيح للعمل المباشر. وقد ذكر لينين بما يلي: “… إن قوة البروليتاريا الثورية، ومن وجهة نظر أثرها على الجماهير وقيادتها في المعركة، أكبر بكثير في معركة تنشب خارج نطاق البرلمانية منها في معركة برلمانية. وهذه ملاحظة هامة جدًا في مسألة الحرب الأهلية”.

وكان لينين أول من لاحظ بفكره الثاقب والنافذ أن الحركة الزراعية قد دخلت مرحلة حاسمة، واستخلص من ذلك فورًا كل الاستنتاجات. إن الموجيك لا يريدون أن ينتظروا أبدًا، مثلهم مثل الجنود. وكتب لينين: “وأمام حدث كانتفاضة الفلاحين في نهاية سبتمبر “أيلول” لن يكون لكل الأعراض السياسية الأخرى أية أهمية على الإطلاق، حتى ولو كانت مخالفة لهذا النضج في الأزمة العامة للأمة”، إن المسألة الزراعية أساس الثورة ذاتها. وسيكون انتصار الحكومة على انتفاضة الفلاحين “دفنًا للثورة….”. ولا نستطيع أن نأمل بتحقق شروط أكثر ملاءمة. هذه هي ساعة العمل! “إن الأزمة ناضجة. وقد وضع كل مستقبل الثورة الروسية على الخارطة كما وضع كل مستقبل الثورة العمالية الأممية من أجل الاشتراكية على الخارطة. إن الأزمة ناضجة”.

ودعا لينين إلى الانتفاضة. وتنبعث أكثر المشاعر حدة وتأثيرًا من كل سطر بسيط خال من التصنع مهما تجهم. وكتب في مطلع أكتوبر (تشرين الأول) إلى مؤتمر الحزب في بتروغراد قائلاً: “ستضيع الثورة إذا لم تقلب حكومة كرنسكي من قبل البروليتاريين والجنود في وقت قريب جدًا… وينبغي تجنيد كل القوى لترسيخ فكرة الضرورة المطلقة لشن معركة يائسة، وأخيرة، وحاسمة في أذهان العمال، في سبيل قلب حكومة كرنسكي”.

وقد قال لينين أكثر من مرة بأن الجماهير أكثر يسارية من الحزب. وكان يعرف أن الحزب أكثر يسارية من قيادته التي تتألف من شريحة “البلاشفة القدامى”. وكان يعرف جيدًا التجمعات الداخلية في اللجنة المركزية واتجاهاتها بشكل لا يجعله ينتظر منها السير بخطوات جريئة. وبالمقابل، كان يخشى الحذر المفرط، وروح المماطلة، وإهمال وضعٍ من هذه الأوضاع التاريخية التي أعدتها عشرات السنين وهيأت لها. ولا يثق لينين باللجنة المركزية… بدون لينين، وهنا يكمن سر رسائله التي كتبت من أعماق مخبئة السري. ولم يكن لينين على خطأ كبير في عدم ثقته باللجنة المركزية.

وكان لينين أيضًا دائم النقد لسياسة اللجنة المركزية مستندًا إلى وجهة نظر يسارية عندما يضطر إلى توضيح وجهة نظره في معظم الحالات بعد قرار يتخذ في بتروغراد. وكانت معارضته تنصب على جوهر مسألة الانتفاضة، ولكنها لم تكن تقتصر عليها. وقد قدر لينين بأن اللجنة المركزية تولي عنايتها باللجنة التنفيذية التوفيقية، وبالمؤتمر الديمقراطي وبالفوضى البرلمانية في القيادات السوفييتية عامة. وعارض لينين بشدة البلاشفة الذين اقترحوا تأليف مكتب ائتلافي في سوفييت بتروغراد. ووصم قرار المشاركة في اللجنة التحضيرية للمجلس النيابي “بالعار”. واستشاط غيظًا عند نشر قائمة المرشحين البلاشفة في المجلس التأسيسي في نهاية سبتمبر (أيلول). فقد وجد في هذه اللائحة أسماء كثير من المثقفين، وعددًا قليلاً جدًا من العمال. “إن ملء المجلس التأسيسي بالخطباء والأدباء يعني السير في دروب الانتهازية والشوفينية. وهذا لا يليق بالأممية الثالثة”. وفضلاً عن هذا كانت اللائحة تضم عددًا من الأعضاء الحزبيين الجدد الذين لم يختبروا في المعركة! وكان لينين يرى إجراء بعض التحفظات: “من الطبيعي… أن أحدًا لن ينكر مثلاً ترشيح رجل مثل ل. د. تروتسكي لأن تروتسكي يحتل منذ وصوله موقعًا أمميًا. وفي المقام الثاني، كافح تروتسكي في منظمة المناطق من أجل الدمج. وثالثًا، أظهر تروتسكي خلال الأيام العصيبة في يوليو (تموز) أنه على مستوى المهمة، ومخلص لأنصار حزب البروليتاريا الثورية. ومن الواضح أننا لا نستطيع أن نقول مثل هذا الشيء عن عدد كبير من أعضاء الحزب الذين انتسبوا إليه بالأمس…”.

ويبدو أن أيام إبريل (نيسان) قد عادت، وعارض لينين من جديد اللجنة المركزية. وطرحت المسائل بصورة مختلفة، ولكن الروح العامة لمعارضته هي نفسها: أن اللجنة المركزية سلبية أكثر من اللازم، وتتنازل كثيرًا أمام الرأي العام للدوائر المثقفة. وهي متساهلة أكثر من اللازم إزاء التوفيقيين. وتنظر هذه اللجنة إلى مسألة الانتفاضة بروح تتسم بالقدرية واللامبالاة لا بروح بلشفية.

وقد حان الوقت للانتقال من الأقوال إلى الأفعال: “إن لحزبنا الآن، في المؤتمر الديمقراطي، مؤتمره العام الحقيقي، وعلى هذا المؤتمر الأخير أن يحدد (أراد أم لا) مصير الثورة” ولا يمكن تصور سوى حل واحد: الانتفاضة المسلحة. ووضع لينين تحفظًا أيضًا في هذه الرسالة الأولى عن الانتفاضة قائلاً: “ليست المسألة موضوع “يوم” الانتفاضة، بل موضوع “لحظة قيامها” بالمعنى الحرفي للكلمة. ولن يتقرر هذا إلا بصوت كل أولئك الذين هم على اتصال بالعمال والجنود، والجماهير”. ولكن بعد يومين أو ثلاثة أيام (فقد كانت رسائل هذا الوقت غير مؤرخة اعتياديًا: لا بدافع النسيان، ولكن بصورة مقصودة) ألح لينين، متأثرًا بالانطباع الواضح لتمزق المؤتمر الديمقراطي، على الانتقال الفوري إلى العمال وصاغ فورًا خطة عملية.

“علينا في المؤتمر أن نضم فورًا صفوف المجموعة البلشفية دون أن تشغلنا مسألة العدد وعلينا أن نصوغ بيانًا مختصرًا للبلاشفة… ومن واجبنا توجيه كل مجموعتنا للتوجه إلى المصانع والثكنات. وينبغي علينا في الوقت ذاته ودون أن نضيع دقيقة واحدة تنظيم هيئة أركان المفارز الثائرة، وتوزيع القوات، ودفع الأفواج الموالية إلى أهم النقاط، وتطويق الكسندرينكا (المسرح الذي انعقد فيه المؤتمر الديمقراطي) واحتلال قلعة بطرس وبولص، واعتقال هيئة الأركان العامة والحكومة، ومن واجبنا أن نرسل إلى اليونكرز، والفرقة “الوحشية” مفارز مستعدة للموت، في سبيل منع العدو من التقدم إلى مراكز المدينة. وعلينا تعبئة العمال المسلحين، ودعوتهم إلى معركة أخيرة ضاربة، واحتلال مباني البرق والهاتف فورًا، وإقامة مقر هيئة أركاننا للانتفاضة في المركز الهاتفي، ربط كل المصانع والأفواج، وكل نقاط النضال المسلح إلخ… بها، ولم تعد مسألة تاريخ الانتفاضة مطروحة مرتبط بشكل مع “أصوات أولئك المتصلين بالجماهير”. واقترح لينين العمل فورًا: الخروج من مسرح الكسندرا مع إنذار نهائي بالعودة إليه على رأس الجماهير المسلحة. وينبغي أن تكون الضربة القاضية موجهة لا ضد الحكومة فحسب، بل أيضًا وبآن واحد، ضد الجهاز الأعلى للتوفيقيين.

وقد شهر سوخانوف بلينين قائلاً ما يلي: “… إن لينين، الذي كان يطالب في رسائله الخاصة باعتقال أعضاء المؤتمر الديمقراطي، اقترح على صفحات الصحف كما نعلم “تسوية”: أن يستولي المناشفة والاشتراكيون – الثوريون على كل السلطة، وعندئذ سنرى ما سيقوله مؤتمر السوفييتات..، وقد اقترح تروتسكي بإصرار الفكرة ذاتها في المؤتمر الديمقراطي وحوله” ورأى سوخانوف لعبة مزدوجة؛ حيث لم يكن هناك أي ظل للعبة. وكان لينين قد اقترح على التوفيقيين تسوية فورية بعد الانتصار على كورنيلوف، في الأيام الأولى من سبتمبر (أيلول). ولكن التوفيقيين رفضوا الاقتراح بهز أكتفاهم. وتحول المؤتمر الديمقراطي من قبلهم إلى تمويه لائتلاف جديد مع الكاديت ضد البلاشفة. واختفت إمكانية الاتفاق من جراء هذا نهائيًا. ولا يمكن حل مسألة السلطة بعد الآن إلا بكفاح مكشوف. وقد خلط سوخانوف بين مرحلتين تسبق المرحلة الأولى منهما المرحلة الثانية زمنيًا بخمسة عشر يومًا وتختلف عنها من الناحية السياسية.

ولكن إذا كانت الانتفاضة تنجم بصورة لا تقاوم عن الائتلاف الجديد، فإن انعطاف لينين المفاجئ أخذ قيادات حزبه الخاص على حين غرة. فقد كان جمع المجموعة البلشفية في المؤتمر، حتى “دون أن تشغلنا مسألة العدد” مستحيلاً بالطبع. وكان المناخ الفكري للمجموع ضعيفًا لدرجة أنها رفضت بـ70 صوتًا مقابل 50 مقاطعة اللجنة التحضيرية للمجلس النيابي، أي أنها رفضت الخطوة الأولى نحو الانتفاضة. ولم تجد خطة لينين أي دعم. وبعد أربع سنوات روى بوخارين في سهرة مخصصة لاستعراض ذكريات الثورة، روى بمبالغاته وكلماته الطريفة التي تميزه، حقيقة هذه الواقعة بصورة صحيحة تقريبًا. “كانت الرسالة (رسالة لينين) مكتوبة بلهجة تتسم بمنتهى العنف، وكان يهددنا فيها بكل أنواع العقوبات (؟). وقد انعقد لساننا منها. ولم يكن أحد حتى الآن قد طرح المسألة بمثل هذا العنف.. وكان الكل في البدء يعيشون في جو تحوطه الشكوك. وبعد أن تشاورنا، قررنا إحراق رسالة لينين… وربما كانت هذه الحالة، الحالة الوحيدة في تاريخ حزبنا التي قررت فيها اللجنة المركزية أمرًا بالإجماع، وفكرنا بأننا سننجح من دون شك في استلام السلطة في بتروغراد وموسكو، ولكننا قدرنا أننا لن نستطيع الصمود في المناطق أيضًا، ولن نستطيع بدون أدنى شك أن نعزز موقفنا في باقي أنحاء روسيا إلا إذا استولينا على السلطة وطردنا أعضاء المؤتمر الديمقراطي”.

ولم يتقرر إحراق عدة نسخ من الرسالة الخطيرة، هذا الحرق الذي دفعت إليه اعتبارات تآمرية بالإجماع، بل بستة أصوات مقابل أربعة وامتناع ستة أعضاء عن التصويت. ومن حسن الحظ أنه احتفظ بنسخة من الرسالة للتاريخ. ولكن الصحيح في رواية بوخارين هو أن كل أعضاء اللجنة المركزية رفضوا الاقتراح، وإن كانت دوافعهم مختلفة؛ فقد عارض البعض الانتفاضة بصورة عامة، وقدر البعض أن وقت انعقاد المؤتمر كان أقل الأوقات ملاءمة لقيام الانتفاضة. وتردد الجزء الثالث وبقي في موقف المتفرج.

واتصل لينين بسميلغا بعد أن اصطدم بمقاومة مباشرة. وكان سميلغا في فنلندا، ويملك بصفته رئيسًا للجنة الإقليمية للسوفييتات سلطة حقيقية هائلة. وكان سميلغا في عام 1917 في أقصى الجناح اليساري للحزب، وكان ميالاً في يوليو (تموز) إلى دفع المعركة إلى نهايتها، وكان من عادة لينين أن يجند من يعتمد عليه دومًا في منعطفات السياسة. وكتب لينين إلى سميلغا بتاريخ 27 سبتمبر (أيلول) رسالة طويلة، قال فيها: “… ماذا نعمل؟ إننا نتبنى الاقتراحات فقط؟ إننا نضيع الوقت، ونحدد “تواريخ” (20 أكتوبر [تشرين الأول] –مؤتمر السوفييتات– أليس من المضحك التأجيل بهذا الشكل؟ أليس من المضحك أن نعتمد على هذا المؤتمر؟) إن البلاشفة لا يتابعون عملاً مضطردًا لإعداد قواتهم العسكرية بغرض قلب كرنسكي… ينبغي أن نحرك الحزب لكي نواجه الانتفاضة المسلحة بصورة جدية… أما دورك… فهو خلق لجنة سرية مؤلفة من العسكريين الموثوقين ولتحري الوضع من كل وجوهه معهم، (وأن نتحقق بواسطتكم) والتقاط أدق المعلومات (والتحقق منها بواسطتكم شخصيًا) عن تأليف القطعات وموقعها في بتروغراد وقرب بتروغراد، وعن نقل القطعات الفنلندية إلى بتروغراد، وعن حركة الأسطول…إلخ”، وطلب لينين بقيام “حملة دعائية متواصلة في صفوف القوزاق الموجودين في فنلندا… وينبغي التحري عن كل المعلومات حول معسكرات القوزاق، وتنظيم إرسال مفارز من المحرضين المختارين إليهم من بين أفضل قوات بحارة وجنود فنلندا”. وأخيرًا: “ينبغي نشر الشعار التالي لإعداد الأفكار بصورة ملائمة: على السلطة أن تنتقل فورًا إلى أيدي سوفييت بتروغراد، الذي سينقلها بدوره إلى مؤتمر السوفييتات؛ إذ ماذا يجدي تساهلنا في استمرار الحرب ثلاثة أسابيع أخرى وفي إفساح المجال أمام تحضيرات كرنسكي الكورنيلوفية”.

إن أمامنا الآن خطة جديدة للانتفاضة: “لجنة سرية من العسكريين الرئيسيين” في هلسنغفورز، كأركان للقتال: “إن المورد الوحيد الذي نستطيع أن نحصل عليه، وهو على ما يبدو، بيدنا تمامًا، ويلعب دورًا عسكريًّا جديًّا، هو الجند الروس المعسكرون في فنلندا وأسطول البلطيق”. وكان لينين ينوي بهذا الشكل توجيه أقسى ضربة للحكومة من خارج بتروغراد. وفي الوقت نفسه كان “التحضير الملائم للأفكار” ضروريًّا في الوقت ذاته، لكيلا يكون قلب القوات العسكرية في فنلندا للحكومة عملاً مفاجئًا لمجلس سوفييت بتروغراد، وينبغي أن يظهر هذا المجلس، إلى أن ينعقد مؤتمر السوفييتات، وكأنه الوريث الشرعي للسلطة.

ولم تطبق المسودة الجديدة للخطة، مثلها مثل السابقة. ولكنها لم تبق معطلة. وقد أعطت الفتنة في صفوف فرق القوزاق نتائج فورية، وقد سمعنا ذلك من أقوال ديبنكو. ودخل النداء الذي نظم لمساهمة بحارة البلطيق في توجيه الضربة الرئيسية للحكومة، دخل أيضًا في الخطة التي اعتمدت فيما بعد. ولكن الشيء الجوهري ليس هنا: أن لينين لم يكن ليسمح لأحد بتجنب مسألة قد أصبحت خطيرة إلى أقصى الدرجات، أو المخاتلة فيها. وما كان غير ملائم كاقتراح مباشر للتكتيك أصبح عقلانيًا كتحقيق للأوضاع الفكرية في اللجنة المركزية، وكدعم للمصممين أمام المترددين، وكدفع إضافي نحو اليسار.

وبذل لينين كل جهوده واستخدم كل الوسائل التي كان يملكها في عزلة مخبئه السري، لإجبار كوادر الحزب على الإحساس بخطورة الموقف وقوة ضغط الجماهير. واستدعى إلى ملجئه عددًا مختلفًا من البلاشفة وأخذ يستجوبهم بحرارة، وراقب أقوال الزعماء وأفعالهم، وأرسل شعاراته إلى الحزب بطرق ملتوية في الأدنى، وفي العمق، ليضع اللجنة المركزية أمام ضرورة العمل والحركة إلى النهاية.

وبعد أن كتب لينين رسالته إلى سميلغا بيوم واحد، صاغ الوثيقة التي أشرنا إليها أعلاه “الأزمة ناضجة”، وختمها بنوع من إعلان الحرب على اللجنة المركزية: “ينبغي أن نعترف بالحقيقة: يوجد لدينا، في اللجنة المركزية، وفي قيادات الحزب اتجاه أو رأي عام يقترح انتظار مؤتمر السوفييتات ويعارض الاستيلاء الفوري على السلطة، وعلى الانتفاضة الفورية”. ولا بُدَّ من تخطي هذا الاتجاه مهما كان الثمن. “إن علينا تحقيق الانتصار في بادئ الأمر على كرنسكي، ودعوة المؤتمر فيما بعد”. أما تضييع الوقت بانتظار مؤتمر السوفييتات “فهو بلاهة تامة أو خيانة كاملة…” فحتى انعقاد المؤتمر المحدد بتاريخ 20، يبقى أكثر من عشرين يومًا؛ “فالأسابيع وحتى الأيام تقرر الآن كل شيء”. وأن تأجيل النهاية يعني الامتناع عن الانتفاضة بجبن لأن الاستيلاء على السلطة خلال المؤتمر سيصبح مستحيلاً؛ “فسيجلبون القوزاق في اليوم “المحدد” بشكل يسيء إلى الانتفاضة ويقضي عليها”.

وتدل لهجة الرسالة لوحدها كم كانت تبدو سياسة المعتدلين من زعماء بتروغراد سياسة قاتلة للينين. ولكنه لم يقتصر في هذه المرة على القيام بنقد مستميت، بل استقال من اللجنة المركزية محتجًا على هذه التصرفات. وكانت بواعث استقالته: إن اللجنة المركزية لم ترد منذ بدء المؤتمر على طلباته المتعلقة بالاستيلاء على السلطة. ونشرت هيئة تحرير صحيفة الحزب (ستالين) مقالاته بتأخير متعمد ومقصود، مع شطب بعض الإشارات إلى “أخطاء البلاشفة الصارخة كالخطيئة المخجلة المتمثلة بالاشتراك في اللجنة التحضيرية للمجلس النيابي” …إلخ، وقدر لينين أنه ليس من الممكن تغطية هذه السياسة أمام الحزب. وقال: “إنني مضطر لطلب الخروج من اللجنة المركزية، وهذا ما سأفعله، وسأحتفظ لنفسي بحق التحريض في قاعدة الحزب وفي مؤتمره”.

لقراءة الفصل السابق يمكن مراجعة الرابط التالي:

تاريخ الثورة الروسية: اللجنة العسكرية الثورية جـ 2