رأس المال: ثالثاً ـ شكل القيمة أو القيمة التبادلية

0
127

 

تظهر السلع إلى الوجود على شكل قيم استعمالية، أو أجساد سلع، كالحديد والقماش والقمح، إلخ. وهذا هو شكلها الاعتيادي، الطبيعي. غير أنها لا تُعد سلعاً، إلا أنها شيء مزدوج، مواضيع للاستعمال، وحاملات للقيمة في الوقت نفسه، ولا تتجلى هذه الأشياء إذن كسلع، أو تتخذ شكل سلع، إلا بقدر ما تمتلك شكلين، الشكل الطبيعي، وشكل القيمة.

إن شيئية قيمة السلعة تختلف في هذا الصدد عن الأرملة اللعوب إذ لا يعرف المرء من “أين ينالها”(*). فشيئية السلعة تقف في تضاد صارخ مع شهية جسدها الحسّي الفظ حيث لا توجد في تركيب شيئية القيمة ذرة واحدة من المادة الطبيعية. وبوسع المرء أن يقلب ويتفحص أي سلعة يشاء، إلا أنه سيجدها، كشيء -ذي- قيمة (Wertding)، عصيّة على الإدراك. ولكن إذا تذكرت أن السلع لا تملك قيمة متشيئة إلا بوصفها تعبيراً أو تجسيداً لمقياس اجتماعي متماثل، هو العمل البشري، إتضح بداهة، أن القيمة المتشيئة واقع اجتماعي صرف، وهي لا تظهر إلا من خلال العلاقة الاجتماعية القائمة بين سلعة وأخرى. والواقع أننا اتخذنا من القيمة التبادلية أو العلاقة التبادلية بين السلع نقطة الانطلاق بغية الإمساك بالقيمة التي تختبىء وراءها. ويتعين علينا الآن العودة إلى هذا الشكل لتجلي ظاهرة القيمة.

يعرف كل إنسان، مهما بلغ به الجهل، أن السلع تمتلك شكل قيمة مشتركاً يتناقض تناقضاً بيناً مع الأشكال الطبيعية المتنوعة لقيمها الاستعمالية، ونعني به الشكل النقدي. وهنا تنتصب أمامنا مهمة لم يحاول الاقتصاد البورجوازي القيام بها قط، مهمة اكتشاف أصل هذا الشكل النقدي، أي تطور تعير القيمة الكامن في العلاقة بين قيم السلع ابتداء من أبسط مظهر وأقله بروزاً للأنظار، وانتهاء بشكله النقدي الباهر للعيان. وإذا ما قمنا بذلك فسوف نَحُلّ، في الوقت ذاته، لغز النقد.

من الواضح أن ابسط علاقة بين القيم هي، بداهة، العلاقة بين سلعة ما وسلعة أخرى من نوع مختلف، مهما كان هذا النوع، لذلك فإن العلاقة بين قيمتي سلعتين من السلع تزودنا بأبسط تعبير عن قيمة سلعة مفردة.

آ- شكل القيمة البسيط، المنفرد، أو العرضي

س من سلعة أ = ص من سلعة ب، أو

س من سلعة أ تُعادل ص من سلعة ب.

20 ياردة من القماش = معطفاً واحداً؛ أو

20 ياردة من القماش تُعادِل معطفاً واحداً

1) قطبا التعبير عن القيمة: الشكل النسبي والشكل المُعادِل

إن سر كل شكل من أشكال القيمة يكمن خبيئاً في هذا الشكل البسيط. فتحليله إذن

ينطوي على الصعوبة الحقيقية.
فهاهنا، يلعب نوعان مختلفان من السلع، السلعة آ والسلعة ب، وهما في مثالنا: القماش والمعطف، بداهة، دورين مختلفين فالقماش يعبر عن قيمته في المعطف، والمعطف يشكل مادة التعبير عن تلك القيمة القماش يلعب دوراً إيجابياً، والمعطف يلعب دوراً سلبياً. إن قيمة القماش معروضة كقيمة نسبية، أو تظهر بشكل نسبي، أما المعطف فيقوم بوظيفة المُعادِل ، أو يظهر في الشكل المُعادِل .

وما الشكل النسبي والشكل المُعادِل غير عنصرين مترابطين، متكافلين، لا ينفصلان يؤلفان التعبير عن القيمة، إلا أنهما في الوقت ذاته ضدان متناقضان، بمعنى أنهما قطبان لنفس التعبير عن القيمة، ويتوزعان، تباعاً، على أي سلعتين مختلفتين تقوم بينهما علاقة متبادلة على أساس هذا التعبير عن القيمة إذ لا يمكن مثلاً التعبير عن قيمة القماش بقماش، إن 20 ياردة قماش = 20 ياردة قماش لا يشكل تعبيراً عن القيمة. فكل ما تفصح عنه هذه المعادلة أن عشرين ياردة من القماش ليست شيئاً آخر سوى 20 ياردة من القماش، أي أنها كمية محددة من هذه المادة الاستعمالية: القماش. وعليه لا يمكن التعبير عن قيمة القماش إلا تعبيراً نسبياً، أي بواسطة سلعة أخرى. لذلك فإن الشكل النسبي لقيمة القماش يفترض سلفاً وجود سلعة أخرى ـ هي المعطف في مثالنا – في شكل مُعادِل. ومن جهة أخرى لا يمكن للسلعة الأخرى، تلك التي تقوم بدور المُعادل، أن تتخذ الشكل النسبي في الوقت ذاته. فالسلعة الثانية لا يمكن أن تعبر بنفسها عن قيمتها هي، وإنما تقتصر وظيفتها على كونها مادة للتعبير عن قيمة السلعة الأولى. ولا ريب في أن المُعادلة: 20 ياردة قماش = معطفاً واحداً أو 20 يارد: قماش تُعادِل قيمة معطف واحد، تنطوي على العلاقة المعكوسة: معطف واحد = 20 ياردة قماش أو معطف واحد يُعادل قيمة 20 ياردة قماش. ولكن يتعيّن عليّ في هذه الحالة، أن أقلب المعادلة إلى هذه الصورة إذا رغبت في التعبير عن قيمة المعطف تعبيراً نسبياً، وحالما أفعل ذلك، يصبح القماش مُعادِلاً بدلاً من المعطف. إذن لا يمكن لسلعة مفردة أن تتخذ هذين الشكلين معاً في نفس التعبير الواحد عن القيمة. فقطبية هذين الشكلين تحتم إقضاء أحدهما عند حضور الآخر.

وسواء اتخذت السلعة شكل القيمة النسبي، أو نقيضه، شكل القيمة المعادل، فذلك أمر يتوقف بالكامل على موضعها العرضي في معادلة التعبير عن القيمة، أي يتوقف على ما إذا كانت السلعة في وضع يُراد به التعبير عن قيمتها، أم التعبير عن قيمة ما بواسطتها.

______________________

(*)- من مسرحية شكسبير، الملك هنري الرابع، الجزء الأول، الفصل الثالث: المشهد الثاني. (ن. برلين).

لمراجعة الفصل السابق يرجى الدخول من الرابط أدناه:

رأس المال: ثانياً ـ الطابع المزدوج للعمل المتجسد في السلعة