تاريخ الثورة الروسية: لينين يدعو إلى الانتفاضة جـ 2

0
210

وطبقًا للوثائق لا نرى أبدًا كيف سويت هذه المسألة بصورة قاطعة فيما بعد. وعلى كل حال، لم يخرج لينين من اللجنة المركزية. وعندما قدم استقالته، التي لم تكن بالنسبة إليه نتيجة لحظة من لحظات الانفعال، كان لينين يحتفظ بالطبع في سره بإمكانية التملص عند الحاجة من الانضباط الداخلي للجنة المركزية؛ فلم يكن يشك، كما لم يشك في إبريل (نيسان) أن نداء مباشرًا يوجهه إلى القاعدة سيضمن له الانتصار. ولكن طريق التمرد المكشوف ضد اللجنة المركزية يفترض إعداد مؤتمر فوق العادة، ويتطلب بالتالي وقتًا. بَيْد أنه كان يفتقر إلى الوقت. وتابع لينين بحرية أكبر تطوير هجومه على خطوط العمليات الداخلية محتفظًا برسالة استقالته كاحتياط، ولكنه لم يخرج تمامًا عن حدود شرعية الحزب. ولم تصل رسائله الموجهة إلى اللجنة المركزية إلى لجنتي بتروغراد وموسكو فحسب، بل أنه اتخذ أيضًا تدابير لكي تصل نسخ منها إلى أوثق مناضلي الأحياء. وكان لينين قد تجاوز اللجنة المركزية، وكتب في بداية أكتوبر (تشرين الأول) إلى لجنتي بتروغراد وموسكو مباشرة ما يلي: “ليس من حق البلاشفة أن ينتظروا مؤتمر السوفييتات، وأن من واجبهم استلام السلطة فورًا… والتأخر جريمة. وأن انتظار مؤتمر السوفييتات لعبة تافهة من أجل الشكليات، إنها لعبة مخجلة في التمسك بالشكليات، إنها خيانة للثورة”. ولم تكن أعمال لينين من وجهة نظر العلاقات التسلسلية غير قابلة للنقد. ولكن الأمر كان يتعلق بشيء أكبر من اعتبارات الانضباط القاسي.

وقد قال سفيشنيكوف -أحد أعضاء لجنة ناحية فيبورغ- في مذكراته ما يلي: “وكان أيليتش يكتب في عزلته ويكتب بلا كلل أو ملل، وكانت نادييجدا كونستانتينوفنا (كروبسكايا) تقرأ لنا غالبًا هذه المخطوطات في اللجنة… وكانت الأقوال الملتهبة للزعيم تضيف قوى جديدة إلى قوتنا… وأنني لأتذكر كما لو أن ذلك قد تم بالأمس، أتذكر نادييجدا كونستانتينوفنا وقد انحنت، في إحدى قاعات قيادة الناحية حيث كان ضاربو الآلة الكاتبة يعملون، وكانت تقارن باعتناء الطبع مع النص الأصلي وإلى جانبها “دياديا” و”جينيا” تطالبان بالحصول على نسخة”. دياديا (العم) وجينيا (أوجيني)، كانا اسمين حركيين لزعيمين في المؤامرة. وروى ناأوموف أحد مناضلي الناحية ما يلي: “منذ مدة ليست طويلة تلقينا من أيليتش رسالة لنقلها إلى اللجنة المركزية… قرأنا الرسالة وقلنا “أواه!”، يبدو أن لينين يطرح منذ وقت طويل مسألة الانتفاضة أمام اللجنة المركزية. فقمنا بالاحتجاج، وبدأنا بالضغط على المركز”. وكان هذا بالضبط ما يجب فعله.

وفي الأيام الأولى من أكتوبر (تشرين الأول) دعا لينين مؤتمر الحزب في بتروغراد ليقول كلمته بحزم لصالح الانتفاضة. وبمبادرته “رجا المؤتمر اللجنة المركزية بإلحاح لاتخاذ كل التدابير من أجل قيادة انتفاضة العمال والجنود، والفلاحين الحتمية”. وفي هذه الجملة الواحدة تمويهان أحدهما قانوني والآخر دبلوماسي حول قيادة “الانتفاضة الحتمية” بدلاً من الإعداد المباشر للانتفاضة، وقد قيل هذا لكي لا تعطى كثير من فرص النجاح للقضاء. و”رجا المؤتمر اللجنة المركزية”، فلم يطالب ولم يحتج أبدًا، كان ذلك ضريبة طبيعية لنفوذ أكبر مؤسسة في الحزب. ولكن قيل أيضًا في قرار آخر، صاغه لينين بصراحة أكبر: “… يلاحظ بعض التذبذب وسط قيادات الحزب، كخوف من القتال للاستيلاء على السلطة، وميل إلى استبدال هذه المعركة بالقرارات، والاحتجاجات، والمؤتمرات”. وهذا يعني مواجهة مكشوفة بين الحزب واللجنة المركزية. ولم يبت لينين، ولم يتخذ خطواته بصورة طائشة. ولكن مصير الثورة في كفة القدر، ولهذا فإن كل الاعتبارات الأخرى تعود إلى الصف الثاني.

وبتاريخ 8 أكتوبر (تشرين الأول) توجه لينين إلى المندوبين البلاشفة في مؤتمر الشمال الإقليمي المقبل قائلاً ما يلي: “لا يمكن انتظار مؤتمر سوفييتات عموم روسيا، الذي تستطيع اللجنة التنفيذية المركزية تأجيله حتى نوفمبر (تشرين الثاني)، ولا يمكن التأجيل مع السماح لكرنسكي بجلب قطعات كورنيلوفية أيضًا”. وعلى المؤتمر الإقليمي، الذي تمثل فيه فنلندا، وأسطول ريفال، أن يتخذ مبادرة “زحف فوري على بتروغراد”، والدعوة المباشرة إلى الانتفاضة الفورية موجهة في هذه المرة إلى ممثلي عشرات السوفييتات. وجاء النداء من لينين شخصيًا: ليس هناك قرارات للحزب، فلم تنطق حتى الآن أعلى هيئة في الحزب برأيها.

وكان من الواجب التحلي بأكبر ثقة إزاء البروليتاريا، والحزب، واتخاذ أكبر حذر جدي إزاء اللجنة المركزية كيما يثير لينين، بصورة مستقلة عنها، وعلى مسئوليته الشخصية، ومن أعماق مخبئة بواسطة رسائل مكتوبة على ورق صغير مغطاة بكتابة دقيقة، الاضطراب والحماس للانتفاضة المسلحة. فكيف حدث إذن أن لينين الذي رأيناه معزولاً وسط قيادات حزبه الخاص في بداية إبريل (نيسان)، قد عزل من جديد في الوسط ذاته في سبتمبر (أيلول) وفي بداية أكتوبر (تشرين الأول)؟ لا يمكن فهم هذه العزلة إذا أضفنا اعتقادنا بالأسطورة التي تمثل تاريخ البلشفية كشيء يصدر بصورة بسيطة وخالصة عن فكرة ثورية. والحقيقة، تطورت البلشفية في وسط اجتماعي معين، تعرض لانعكاسات مختلفة، منها نفوذ تطويق بورجوازي صغير، ووضع ثقافي متخلف. وكان الحزب لا يتلاءم مع كل وضع جديد إلا بأزمة داخلية.

ولكي تبدو المعركة الحادة، التي سبقت أكتوبر (تشرين الأول) في قمم البلشفية بصورة واضحة كل الوضوح، ينبغي أن نلقي أيضًا نظرة إلى الخلف على التطورات في الحزب التي بحثت في الجزء الأول من هذا الكتاب. وتزداد ضرورة هذه النظرة، وخاصة في هذه اللحظة، لأن جناح ستالين يبذل جهودًا جبارة، حتى على المستوى الدولي، ليمحو من التاريخ كل ذكرى لكل ما عُمل فعلاً وتحقق بانتفاضة أكتوبر (تشرين الأول).

واتخذ البلاشفة في الصحافة الشرعية خلال السنوات التي سبقت الحرب لقب “الديموقراطيين المنسجمين مع أنفسهم”. إن هذه التسمية لم تنتق عن طريق الصدفة. إن البلشفية والبلشفية وحدها هي التي كانت تملك جرأة دفع شعارات الديمقراطية الثورية حتى النهاية. ولكنها لم تكن لتتجاوزها أبدًا. بَيْد أن الحرب التي ربطت الديمقراطية البرجوازية ارتباطًا لا ينفصم بالإمبريالية، قد أظهرت بصورة نهائية أن منهاج “الديمقراطية المنسجمة مع نفسها” لا يتحقق إلا بثورة بروليتارية. ومن لم يجد من البلاشفة هذا التفسير للحرب، سيؤخذ حتمًا على حين غرة بالثورة، ويتحول إلى رفيق طريق ليسار الديمقراطية البرجوازية.

بَيْد أن الدراسة الدقيقة للوثائق التي تميز حياة الحزب خلال الحرب وفي بداية الثورة، بالرغم من الثغرات الهائلة المقصودة، وبدءًا من عام 1923، وبالرغم من ازدياد الفكر المغرض، أن هذه الدراسة تظهر أكثر فأكثر الانزلاق الأيديولوجي الضخم الذي قامت به الشريحة العليا للبلاشفة خلال الحرب، عندما توقفت حياة الحزب النظامية بالفعل. وكان سبب الانزلاق مزدوجًا: القطيعة مع الجماهير، والقطيعة مع المهاجرين السياسيين، أي مع لينين قبل كل شيء، وكنتيجة لكل هذا: الوقوع في العزلة والإقليمية.

ولم يكتب أحد من البلاشفة القدامى في روسيا، عندما كان يختلي بنفسه وثيقة واحدة خلال الحرب يمكن أن تعتبر على الأقل علامة دالة على الطريق من الأممية الثانية إلى الثالثة. وقد كتب أطونوف – سارانوفسكي أحد أعضاء الحزب القدامى، منذ عدة سنوات ما يلي: “كانت ترتسم أمامنا مسائل السلم وطبيعة الثورة الصاعدة، ودور الحزب في الحكومة المؤقتة المقبلة …إلخ بصورة مشوشة أو أنها لا تدخل أبدًا في حقل تأملاتنا”. وحتى الآن لم يُنشر في روسيا مؤلَّف واحد، أو صفحة واحدة، أو رسالة واحدة أعرب فيها ستالين، ومولوتوف أو الزعماء الآخرون الحاليون ولو بشكل عابر، وحتى لو من طرف خفي عن آرائهم حول أبعاد الحرب والثورة. وهذا لا يعني بالطبع أن “البلاشفة القدامى” لم يكتبوا شيئًا حول هذه المسائل أثناء سنوات الحرب، وانهيار الحزب الاشتراكي – الديموقراطي، وإعداد الثورة الروسية. فقد كانت الأحداث التاريخية تطالب بصورة إلزامية بإعطاء الإجابة، وكان السجن والنفي، يتيحان أوقات كافية للتأملات والمراسلات. ولكن لا يوجد شيء في كل ما كتب حول هذه الموضوعات ما يمكن تفسيره، حتى ولو تجاوزنا حدود التفسير، كتقدم نحو أفكار ثورة أكتوبر (تشرين الأول). ويكفي أن نشير إلى أن معهد تاريخ الحزب محروم من إمكانية نشر ولو سطر واحد كُتب بريشة ستالين بين عام 1914 و1917. وهو مضطر إلى إخفاء أهم الوثائق المتعلقة بمارس (آذار) 1917. وقد تركت صفحة بيضاء لتاريخ سنوات الحرب في السير التاريخية السياسية الرسمية لأكثرية الشريحة الحاكمة حاليًا. تلك هي الحقيقة بكل بساطة.

ولم يستطع باييفسكي أحد المؤرخين الشبان الجدد، الذي كلف بصورة خاصة لإظهار كيفية تطور قيادات الحزب أثناء الحرب في اتجاه الثورة البروليتارية، بالرغم من مرونة الوجدان العلمي الذي برهن عليها، لم يستطع أن يستخلص أية مادة، فيما عدا هذا التصريح التافه: “لا يمكن متابعة مسار هذا التطور، ولكن بعض الوثائق والذكريات تبرهن بما لا يدع مجالاً للشك أن فكر الحزب قد قام بصورة سرية بأبحاث في اتجاه موضوعات أبريل (نيسان) للينين”. وكأنما الهدف هو القيام بأبحاث سرية لا بتقديرات علمية، وأفكار سياسية!

وحاولت برافدا بتروغراد في بداية الثورة اتخاذ موقف أممي، متناقض تمام التناقض؛ لأنها لم تخرج من إطارات الديمقراطية البرجوازية. وأعطى البلاشفة لمأذون لهم، الذين عادوا من المنفى للصحيفة المركزية إدارة ديمقراطية – وطنية. وذكر كالينين ردًا على الاتهامات التي وجهت إليه ووصمته بالانتهازية، ذكر بتاريخ 30 مايو (آيار) أن من الواجب “الاحتذاء بمثل البرافدا. ففي البدء سارت البرافدا على سياسة معينة فوَصل ستالين ومورانوف وكامنييف وأداروا مقود البرافدا في اتجاه آخر”.

وقد كتب مولوتوف منذ عدة سنوات ما يلي: “ينبغي أن نقول ذلك بوضوح. لم يكن الحزب يملك الآراء الواضحة والقرار الذي تتطلبه اللحظة الثورية… ولم يكن للإثارة والتحريض، ككل العمل الثوري للحزب بمجموعه، قاعدة متينة أبدًا، لأن الفكر لم يكن قد توصل بعد إلى استنتاجات جريئة حول ضرورة الكفاح المباشر من أجل الاشتراكية والثورة الاشتراكية”. “ولم يبدأ التحول إلا خلال الشهر الثاني من الثورة”. ويشهد مولوتوف أيضًا: “وعندما وصل لينين إلى روسيا في أبريل (نيسان) 1917 أحس حزبنا بأنه يملك أرضًا صلبة تحت قدميه… وما زال الحزب حتى لحظة وصول لينين، يجس الأرض بصورة ضعيفة ودون ثقة ليتلمس طريقه”.

إن التوصل بصورة مسبقة إلى أفكار ثورة أكتوبر (تشرين الأول) لم يكن ممكنًا في سيبريا، أو في موسكو، أو في بتروغراد، بل كان ممكنًا فقط في مفترق الطرق التاريخية العالمية. وكان على مسائل الثورة البرجوازية المتأخرة أن تلتقي مع احتمالات الحركة البروليتارية العالمية لكي يكون من الممكن صياغة منهاج ديكتاتورية البروليتاريا، الذي يمس روسيا. وكنا نحتاج لمخفر أعلى للمراقبة، ولساحة رؤية غير وطنية بل أممية، دون أن نتحدث عن سلاح أكثر جدية من السلاح الذي كان يستخدمه أولئك الذين يسمون “الزعماء العمليون الروس للحزب”.

وكان قلب الملكية وتقويضها يفتح، في نظرهم، عهد روسيا الجمهورية “الحرة”، التي يتأهبون فيها للبدء بالكفاح من أجل الاشتراكية على غرار مثل الدول الغربية. وقد أبرق ثلاثة من البلاشفة القدامى هم: ريكوف، وسكفورتسوف وبغمان “بتفويض من الاشتراكيين – الديموقراطيين في إقليم ناريم الذين حرَّرتهم الثورة”، أبرقوا من تومسك في مارس (آذار) يقولون: “إننا نحيي البرافدا التي جددت الحياة فيها، والتي أعدت بكثير من النجاح الكوادر الثورية لكسب الحرية السياسية. وإننا نعبر عن قناعتنا العميقة بأنها ستنجح لتجميعهم حول علمها لمتابعة الكفاح باسم الثورة الوطنية”. ويبرز من هذه البرقية الجماعية تصميم عام يفصل بينه وبين أفكار أبريل (نيسان) للينين هوة كبيرة. وكانت انتفاضة فبراير (شباط) قد حولت الشريحة الحاكمة للحزب مع كامنييف وريكوف وستالين على رأسها إلى ديمقراطيين من دعاة الدفاع الوطني يتطورون نحو اليمين، في اتجاه التقارب مع المناشفة. وقد أصدر ياروسلافسكي الذي أصبح مؤرخًا للحزب فيما بعد، بالتعاون مع أوردجونيكيدزه الذي أصبح فيما بعد رئيس لجنة الرقابة المركزية وبتروفسكي الذي أصبح فيما بعد أيضًا رئيس اللجنة التنفيذية المركزية في أوكرانيا، أصدر هؤلاء في مارس (آذار) بالتحالف الوثيق مع المناشفة في ياكوتسك مجلة الاشتراكي – الديموقراطي التي كانت تقف على حدود الإصلاحية الوطنية والليبرالية، وقد جمعت أعداد مجلتهم بدقة في السنوات التي تلت وأتلفت.

وكتب أنغارسكي -وهو رجل هذا الوسط الذي نتحدث عنه عندما كان مسموحًا بكتابة أشياء مماثلة- ما يلي: “ينبغي أن نعترف بصراحة أن عددًا كبيرًا من البلاشفة القدامى، كانوا يتمسكون بوجهات النظر البلشفية القديمة لعام 1905، حتى أن مؤتمر الحزب الذي انعقد في أبريل (نيسان)، تبنى نفس وجهات النظر هذه، حول مسألة طابع ثورة 1917، وقد كان من الصعب التنازل عن وجهات النظر هذه والقضاء عليها”. وينبغي أن نضيف إلى أن الأفكار البالية لعام 1905 لم تعد في عام 1917 “وجهات نظر بلشفية قديمة” وإنما أصبحت أفكارًا إصلاحية وطنية.

وذكرت إحدى النشرات التاريخية الرسمية ما يلي: “حقًا، إن أفكار أبريل (نيسان) للينين لم تلاق نجاحًا في لجنة بتروغراد. وقد أدلى عضوان فقط بصوتيهما تأييدًا لهذه الأفكار الهامة مقابل 13 أدلوا بأصواتهم لمعارضتها، وامتناع عضو واحد عن التصويت”. وكتب بودفويسكي قائلاً: “يبدو أن استنتاجات لينين كانت جريئة أكثر مما يجب، حتى بالنسبة لأكثر تلاميذه حماسة واندفاعًا”. وبحسب رأي لجنة بتروغراد والتنظيم العسكري: وضعت تصريحات لينين “… حزب البلاشفة في عزلة، وأزّمت من جراء هذا وضع البروليتاريا والحزب إلى آخر درجة من الدرجات”.

وفي نهاية مارس (آذار) تبنى ستالين الدفاع الوطني، وأيد الدعم المشروط للحكومة المؤقتة، والبيان السلمي لسوخانوف، والاندماج مع حزب تسيريتلي. وكتب ستالين بنفسه فيما بعد، في عام 1924 ما يلي: “لقد شاركت في هذا الموقف الخاطئ مع بعض الرفاق الحزبيين الآخرين، ولم أتنازل عنه نهائيًا إلا في منتصف أبريل (نيسان) عندما انضممت إلى أفكار لينين. كان لا بُدَّ من توجيه جديد. وقد أعطى لينين هذا التوجيه الجديد للحزب في أفكار إبريل (نيسان) المشهورة…”.

وكان كالينين، يتمسك، حتى في نهاية أبريل (نيسان) بقيام كتلة انتخابية تضم المناشفة. وكان لينين يقول في مؤتمر الحزب: “سأعارض كالينين بكل قوتي، لأن كتلة مع… الشوفينيين فكرة لا يمكن تصورها… إنها خيانة للاشتراكية”. ولم تكن الحالة الفكرية لكالينين استثناء، حتى في بتروغراد. وقد قيل في المؤتمر: “إن المناخ الخانق للاتحاد قد بدأ يتبدد تحت تأثير لينين”.

واستمرت مقاومة أفكار لينين في المناطق مدة أطول، وبقيت في عدد من الأقاليم، حتى أكتوبر (تشرين الأول) تقريبًا. وحسب رواية سيفستوف أحد عمال كييف: “لم يتمثل التنظيم البلشفي في كييف الآراء المعروضة في أفكار (لينين). وكان عدد وافر من الرفاق منهم ج بياتاكوف، معارضًا لهذه الأفكار…”، وروى مورغونوف أحد عمال السكك الحديدية في خاركوف ما يلي: “كان البلاشفة القدامى يتمتعون بنفوذ كبير وسط جماهير عمال السكك الحديدية… وكان عدد الذين لا ينتمون من البلاشفة القدامى إلى مفرزتنا كبيرًا… وانضم بعضهم بعد ثورة فبراير (شباط) إلى المناشفة خطأ، ثم سخروا من ذلك بأنفسهم، وتساءلوا كيف أمكن حدوث هذا”. والشهادات من هذا النوع وهذا الطراز متوفرة كثيرًا.

ورغم كل هذا، فإن إشارة بسيطة إلى قيام لينين بإعادة تسليح الحزب في أبريل (نيسان) تعتبر الآن من قبل التأريخ الرسمي للحوادث كتدنيس للمقدسات. وقد استبدل المؤرخون الأخيرون المعيار التاريخي بمعيار هيبة وحدة شكل الحزب. حتى أن هؤلاء المؤرخين لا يملكون حق الاستشهاد في هذا الموضوع بستالين، الذي كان مضطرًا في عام 1924 إلى الاعتراف بكل عمق تحول أبريل (نيسان). “كانت أفكار أبريل (نيسان) المشهورة للينين ضرورية لكي يتمكن الحزب دفعة واحدة من المسير في طريق جديد”. “توجيه جديد” و”طريق جديد” هذا هو إعادة تسليح الحزب. ومع هذا فقد طورد ياروسلافسكي بعد ست سنوات عندما ذكر كمؤرخ بأن ستالين قد اتخذ في بداية الثورة “موقفًا خاطئًا في المسائل الأساسية” طورد بشكل عنيف من كل الجهات. إن طاغوت الهيبة، هو من بين كل الوحوش أكثرها افتراسًا.

وأجبر التقليد الثوري للحزب وضغط عمال القاعدة، ونقد لينين في القمة، أجبر كل هذا، الشريحة العليا للحزب، في بحر إبريل (نيسان) – مايو (أيار)، حسب التعابير الذي استخدمها ستالين بذاته على “المسير في طريق جديد”. ولكن لكي نقبل بأن مجرد التصويت بالموافقة على أفكار لينين يعني التنازل الفعلي والكامل عن “الموقف الخاطئ المتخذ في المسائل الأساسية”، لكي نقبل هذا لا بُدَّ من أن نكون جاهلين بالنفسية السياسية جهلاً تامًا. وفي الحقيقة، بقيت وجهات النظر الديمقراطية المبتذلة والتي تعززت عضويًا خلال سنوات الحرب، مع أنها تلاءمت مع برنامج جديد، بقيت تعارض هذا البرنامج معارضة صامتة.

وبتاريخ 6 أغسطس (آب) أيد كامنييف في اللجنة التنفيذية، رغم قرار مؤتمر البلاشفة في إبريل (نيسان)، وجهة النظر القائلة بالمشاركة في المؤتمر الاشتراكيين – الوطنيين الذين كان يعد في ستوكهولم. ولم يلق تصريح كامنييف في الجهاز المركزي للحزب أية معارضة. وكتب لينين مقالة صاعقة لم تظهر مع ذلك إلا بعد خطاب كامنييف بعشرة أيام. ولكي تتم طباعة احتجاج لينين، كان لا بُدَّ من ضغط لينين الجبار ذاته، وبعض الأعضاء الآخرين في اللجنة المركزية، على هيئة التحرير التي كان ستالين على رأسها.

وانتشرت حركات حافلة بالتردد والتشنج في أوساط الحزب بعد أيام يوليو (تموز)؛ فقد أفزعت عزلة الطليعة البروليتارية عددًا من الزعماء، وخاصة في المناطق. وحاول هؤلاء الرعاديد التقارب من التوفيقيين في الأيام الكورنيلوفية، الأمر الذي كانت نتيجته صدور صرخة تحذير جديد من لينين.

وبتاريخ 30 أغسطس (آب) نشر ستالين بصفته رئيسًا للتحرير مقالة لزينوفييف دون أي تحفظ عليها، كان عنوانها: ما ينبغي أن لا نفعله. وكانت هذه المقالة موجهة ضد إعداد الانتفاضة “ينبغي أن ننظر إلى الحقيقة أمامنا: إن أمامنا في بتروغراد ظروفًا عديدة تسمح باندلاع انتفاضة من نموذج كومونة باريس في عام 1871…”. وبتاريخ 3 سبتمبر (أيلول) كتب لينين في تسلسل جديد للأفكار، ودون أن يشير إلى زينوفييف، ولكنه هاجمه بصورة غير مباشرة: “إن الإشارة إلى الكومونة إشارة مصطنعة وسخيفة. لأن البلاشفة قد تعلموا على كل حال شيئًا جديدًا منذ عام 1871، فهم لن يتركوا مصرفًا خلفهم دون أن يستولوا عليه، ولن يمتنعوا عن القيام بهجوم على قصر فرساي. ولو أن مثل هذه الشروط تحققت لكومونة باريس لاستطاعت الكومونة الغلبة والانتصار. وبالإضافة إلى هذا، لم تكن الكومونة قادرة على أن تقترح على الشعب للوهلة الأولى ما سيستطيع البلاشفة اقتراحه إذا أصبحت السلطة بيدهم. وبوسع البلاشفة اليوم أن يقترحوا: الأرض للفلاحين، الاقتراح الفوري بالسلم”. كان هذا الإنذار عامًا ولكنه لا يحتمل اللبس والغموض، لا لزينوفييف فحسب، بل لستالين محرر البرافدا أيضًا.

وقسمت مسألة اللجنة التحضيرية للمجلس النيابي اللجنة المركزية إلى قسمين. فقد أيدت قرار مجموعة المؤتمر بالمشاركة في اللجنة التحضيرية للمجلس النيابي عدة لجان محلية، أن لم نقل أكثرية هذه اللجان. وكان الأمر على هذا الشكل في كييف مثلاً. ولقد كتب إي. بوخ في مذكراته ما يلي: “حول مسألة الدخول إلى اللجنة التحضيرية للمجلس النيابي…. أيدت أكثرية اللجنة قرار الاشتراك وانتخبت ممثلها بياتاكوف”. ومن الممكن أن نميز تعاقبًا في الارتياب والشكوك في كثير من الحالات، كمثل كامنييف، وريكوف وبياتاكوف وآخرين: معارضة أفكار لينين في أبريل (نيسان)، ومعارضة قرار مقاطعة اللجنة التحضيرية للمجلس النيابي في سبتمبر (أيلول)، ومعارضة الانتفاضة في أكتوبر (تشرين الأول). وعلى العكس تبنت الشريحة التالية من الكوادر البلشفية، الأقرب إلى الجماهير، والأكثر جدة من الناحية السياسية، تبنت هذه الشريحة بسهولة شعار المقاطعة، وأجبرت اللجان فجأة على تغيير رأيها ومن هذه اللجان اللجنة المركزية. وأدلى مؤتمر مدينة كييف، تحت تأثير لينين بأكثرية ساحقة، برأي معارض لرأي لجنته. وهكذا كان لينين يعتمد على الشرائح الدنيا للجهاز ضد الشرائح العليا في معظم المنعطقات السياسية القاسية، أو يعتمد على جماهير الحزب ضد جهاز الحزب بصورة عامة.

وفي هذه الشروط، لم تكن الترددات التي سبقت أكتوبر (تشرين الأول) لتستطيع أن تأخذ لينين على حين غرة. فقد كان محصنًا مسبقًا بحذر حاد، وسهر على مراقبة الأعراض المنذرة بالخطر، وانطلق من أسوأ التخمينات والاحتمالات. واعتبر الضغط مرة أخرى أيضًا عملاً ملائمًا بدلاً من إظهار التساهل.

ومما لا شك فيه أن المكتب الإقليمي لموسكو قد تبنى في نهاية سبتمبر (أيلول) قرارًا قاسيًا ضد اللجنة المركزية، بوحي من لينين. وقد اتهم المكتب اللجنة المركزية في هذا القرار بعدم التصميم، والتردد، ونشر البلبلة في صفوف الحزب. وطالب القرار اللجنة “باتخاذ خط واضح ومحدد للانتفاضة”. وقد نقل لوموف بتاريخ 3 أكتوبر (تشرين الأول) هذا القرار إلى اللجنة المركزية باسم مكتب موسكو. ونقرأ في عضو الجلسة ما يلي: “لقد تقرر عدم فتح المناقشات حول التقرير”. واستمرت اللجنة المركزية في تجنب بحث المسألة: فما العمل؟ ولكن ضغط لينين بواسطة موسكو لم يبق بدون أثر: وقررت اللجنة المركزية بعد يومين الانسحاب من اللجنة التحضيرية للمجلس النيابي.

وكانت هذه الخطوة مدخلاً على طريق الانتفاضة. كان هذا واضحًا للأعداء والخصوم. وقد كتب سوخانوف ما يلي: “كان تروتسكي بإجلاء جيشه عن اللجنة التحضيرية للمجلس النيابي، يتجه بوضوح إلى الانتفاضة العنيفة”. وانتهى تقرير سوفييت بتروغراد عن الانسحاب من اللجنة التحضيرية للمجلس النيابي بالصرخة التالية: “عاش الكفاح المباشر والمكشوف من أجل السلطة الثورية في البلاد!” كان هذا في 9 أكتوبر (تشرين الأول).

وتمت في اليوم التالي الجلسة المشهورة للجنة المركزية، بناء على طلب لينين، حيث طرحت مسألة الانتفاضة بكل حدتها. وفي ختام هذه الجلسة كان لينين يربط سياسته الداخلية باللجنة المركزية أو ضدها. وقد كتب سوخانوف ما يلي: “أواه! يا لها من دعابات جديدة لآلهة التاريخ المرحلة!. فقد تمت هذه الجلسة الحاسمة لكبار الزعماء في منزلي، ودومًا في نفس الشارع كاربوفكا (32، شقة رقم 31). ولكن كل هذا حدث دون معرفتي”. فقد كانت زوجة المنشفي سوخانوف بلشفية. “وفي هذه المرة، اتخذت تدابير خاصة لكي أقضي الليلة في مكان آخر: ولقد جمعت زوجتي كل معلوماتها الصحيحة على الأقل من نواياي وأعطتني نصيحة ودية ومتجردة، وهي أن لا أرهق نفسي بعد سفرة طويلة. وعلى كل حال، كان المجلس السامي للبلاشفة محميًا تمامًا من أي تسلل من جانبي”. وقد حُرس المؤتمر وأمنت حمايته وهو أمر أكثر أهمية، من أي هجوم تثنه شرطة كرنسكي.

وكان اثنا عشر عضوًا من أصل 21 عضوًا هم أعضاء اللجنة المركزية حاضرين. ووصل لينين، يرتدي على رأسه شعرًا مستعارًا، وعلى وجهه زوج نظارات، وقد حلق ذقنه. واستمرت الجلسة قرابة العشر ساعات دون انقطاع حتى ساعة متأخرة من الليل. وشرب الأعضاء الشاي، وأكلوا خبزًا ومقانق لاستعادة قواهم في فترة من فترات الاستراحة. وكانوا يحتاجون فعلاً إلى هذه الراحة؛ فقد كان الهدف هو الاستيلاء على السلطة في إمبراطورية القياصرة القديمة، وابتدأت الجلسة، كالعادة، بتقرير قدمه سفردلوف عن التنظيم. وكانت المعلومات التي قدمها، في هذه المرة، مخصصة للجبهة، وكانت بالطبع منسقة مع لينين مسبقًا كيما تعطيه دعمًا في الاستنتاجات الضرورية منها، وكان هذا العمل يتجاوب تمامًا مع أساليب لينين الاعتيادية. وقد أعلم ممثلو جيوش جبهة الشمال بواسطة سفردلوف أن القيادة المضادة للثورة تعد “عملية مريبة بإعادة قطعات إلى المؤخرة”. ومن منسك، ومن هيئة أركان الجبهة الغربية، وصلت معلومات عن إعداد مغامرة كورنيلوفية جديدة فيها. ونظرًا للحالة الفكرية الثورية للحامية المحلية، فقد أمرت هيئة الأركان بتطويق المدينة بقوات من القوزاق: “وهناك مباحثات ذات طابع مريب بين هيئات الأركان والمقر العام للقوات المسلحة”. ومن الممكن الاستيلاء على هيئة أركان منسك: أن الحامية المحلية مستعدة لنزع سلاح القوزاق الذين يطوقونها. ومن الممكن أيضًا إرسال فيلق ثوري من منسك للزحف على بتروغراد. وفي الجبهة، يسود الشعور بالتعاطف مع البلاشفة، والاستعداد للزحف ضد كرنسكي. تلك كانت المقدمة، ولم تكن واضحة بشكل كاف في كل أجزائها، ولكنها تتسم بطابع مشجع.

وانتقل لينين إلى الهجوم فورًا، “منذ بدء سبتمبر (أيلول) يلاحظ نوع من اللامبالاة إزاء الانتفاضة”. وهناك من يتعللون ببرود الجماهير وخيبة أملها. أن هذا لا يدهش: “فقد ملت الجماهير من الأقوال والقرارات” وينبغي دراسة الوضع بمجمله. وتتم الأحداث في المدن الآن على خلفية حركة فلاحية جبارة. وستحتاج الحكومة إلى قوات هائلة كي تخنق الانتفاضة الزراعية. “وهكذا فالوضع السياسي جاهز تمامًا. وينبغي أن نتحدث من الناحية التقنية. وكل هذا يعود إليها. ونحن ميالون، بعد أنصار الدفاع الوطني، إلى اعتبار الإعداد المطرد للانتفاضة كنوع من الإثم السياسي”. وقد عدل لينين بالطبع من تعابيره؛ فقد طفح كيله من موقف اللجنة المركزية. “وينبغي الاستفادة من المؤتمر الإقليمي لسوفييتات الشمال ومن اقتراح منسك للقيام بعمل حازم”.

وافتتح مؤتمر الشمال جلساته في نفس يوم جلسة اللجنة المركزية وانتهى بعد يومين أو ثلاثة أيام. وكان لينين يعتبر “القيام بعمل حازم” مهمة الأيام المقبلة، فلا يمكن الانتظار، ولا يمكن التأجيل؛ فالخصم يعد في الجبهة انقلابًا –وقد سمعنا ذلك من سفردلوف– هل سيكون هناك مؤتمر للسوفييتات؟ إننا لا نعرف شيئًا. ينبغي الاستيلاء على السلطة فورًا، دون انتظار أي مؤتمر. وكتب تروتسكي بعد عدة سنوات: “بقيت الروح العامة لهذه الاقتراحات الحازمة والعنيفة، والمشبعة برغبة لينين في نقل فكره وإرادته وثقته وشجاعته إلى المعارضين، والمترددين، والمتشككين، بقيت هذه الروح غير قابلة للترجمة، ولا يمكن التعبير عنها..

وكان لينين يتوقع مقاومة كبيرة. ولكن مخاوفة تبددت بسرعة. فقد كان للإجماع الذي رفضت فيه اللجنة المركزية في سبتمبر (أيلول) اقتراح القيامة بانتفاضة فورية طابع عارض؛ فقد عارض الجناح اليساري “تطويق مسرح الكسندرا” آخذًا الظرف بعين الاعتبار. كما عارض الجناح اليميني لأسباب ودوافع تتعلق بالإستراتيجية العامة، لم تبحث حتى هذه اللحظة بعمق وإمعان. وخلال الأسابيع الثلاثة المنقضية تطورت اللجنة المركزية بصورة هائلة إلى اليسار. وأيد الانتفاضة عشرة أصوات مقابل صوتين. وكان هذا انتصارًا جديًا!

وبعد الانتفاضة بفترة قصيرة، وفي مرحلة جديدة من الصراع في داخل الحزب ذكر لينين، خلال المناقشات التي تمت في لجنة بتروغراد كيف شعر في جلسة اللجنة المركزية، وكيف “تملكه الخوف من انتهازية بعض الأمميين الوحدويين، ثم تبدد هذا الخوف. وكان بعض أعضاء حزبنا (في اللجنة المركزية) لا يتفقون معنا حول هذا الرأي. وقد أحزنني هذا الموقف كثيرًا” وإذا استثنينا تروتسكي الذي لم يكن لينين يقصده بقوله فقد كانت اللجنة المركزية تضم من “الأمميين”، أيوفيه الذي أصبح سفيرًا في برلين، وأوريتسكي، الذي أصبح رئيسًا للتشيكا في بتروغراد، وسوكولنيكوف الذي خلق فيما بعد التشيرفونيتز(1). وقد انحاز الثلاثة إلى لينين، وعارض اثنان من البلاشفة القدامى لينين، مع أن هذين العضوين كانا أقرب الأعضاء إلى لينين في نضالهما الحزبي السابق وهما: زينوفييف وكامنييف. وعندما قال لينين: “وقد أحزنني هذا الموقف كثيرًا” كان يقصدهما. وكانت جلسة 10 مخصصة لنقاش مثير مع زينوفييف وكامنييف: كان لينين يقود الهجوم، وكان الاثنان يبرزان إليه بالتتابع.

لقراءة الفصل السابق يمكن مراجعة الرابط التالي:

تاريخ الثورة الروسية: لينين يدعو إلى الانتفاضة جـ 1