تاريخ الثورة الروسية: لينين يدعو إلى الانتفاضة جـ 3

0
145

كان القرار الذي كتبه لينين بسرعة، بقلم صغير وعلى ورقة مربعة مدرسية، كان هذا القرار مكتوبًا بشكل لا يتسم بالكمال، ولكنه أعطى بالمقابل دعمًا قويًا للتيار الذي يسير في اتجاه الانتفاضة. “تعترف اللجنة المركزية بأن الوضع الدولي للثورة الروسية (انتفاضة الأسطول في ألمانيا كأقصى تعبير عن ازدياد الثورة الاشتراكية العالمية في كل أوروبا ومن ثم تهديد الإمبرياليين للسلم بهدف خنق الثورة في روسيا) والوضع العسكري أيضًا (القرار المؤكد للبرجوازية الروسية، وكرنسكي وشركاه بتسليم بتروغراد إلى الألمان)، كل هذا بالارتباط مع الانتفاضة الفلاحية ومع تحول الثقة الشعبية نحو حزبنا (الانتخابات في موسكو)، وأخيرًا الإعداد الطبيعي لمغامرة كورنيلوفية ثانية (إجلاء القطعات عن بتروغراد، إرسال القوزاق إلى بتروغراد، تطويق القوزاق لمنسك و…)”،  تعترف اللجنة المركزية بأن كل هذا يضع الانتفاضة المسلحة على جدول الأعمال. وأن اللجنة المركزية باعترافها بهذا الشكل بحتمية الانتفاضة المسلحة، وبنضجها، تدعو كل منظمات الحزب إلى التوجه على هذا الأساس، وإلى مناقشة كل المسائل العملية وحلها من وجهة النظر هذه (مؤتمر سوفييتات إقليم الشمال، سحب القطعات من بتروغراد، حركات قطعات موسكو ومنسك …إلخ).

وما يلفت النظر سواء في تقدير الموقف في تلك اللحظة الراهنة، أو في خاصية واضع القرار هو ترتيب شروط الانتفاضة في المقام الأول، نضوج الثورة العالمية. ولا تعتبر الانتفاضة في روسيا إلا كحلقة من السلسلة العامة. وأن موقف الانطلاق الثابت للينين هو مقدماته الكبيرة؛ فهو لا يستطيع أن يفعل خلاف ذلك. فقد طرحت مهمة الانتفاضة كمهمة الحزب، ولم تعالج المسألة الصعبة للاتفاق مع السوفييتات حول تحضير الانتفاضة في الوقت الحاضر. وليس هناك أية كلمة لاستدعاء مؤتمر سوفييتات عموم روسيا. وكانت نقاط استناد الانتفاضة هي المؤتمر الإقليمي للشمال، و”حركة قطعات موسكو ومنسك”. ثم أضيف إليها بناء على اقتراح تروتسكي “إجلاء القطعات عن بتروغراد”، وكان هذا التلميح الوحيد لخطة الانتفاضة التي فرضت نفسها في العاصمة بسير الأحداث ذاته. ولم يقترح أحد أي تعديل من وجهة النظر التكتيكية للقرار الذي حدد نقطة الانطلاق الإستراتيجية للانتفاضة ضد زينوفييف وكامنييف، اللذان كانا ينكران ضرورة الانتفاضة ذاتها.

وقد أحبطت الوقائع والوثائق فيما بعد كل المحاولات التي قام بها التاريخ غير الرسمي، لإظهار الأمور كما لو أن زعماء الحزب، باستثناء زينوفييف وكامنييف أيدوا الانتفاضة. ودون أن نتجنب القول بأن الذين صوتوا مؤيدين للانتفاضة كانوا مستعدين في كثير من الحالات لتأجيلها إلى أجل غير مسمى، فلا بُدَّ من القول بأن زينوفييف وكامنييف لم يكونا معزولين، حتى داخل إطار اللجنة المركزية؛ فقد كان ريكوف ونوغين، اللذان كانا غائبين في جلسة 10 يشاطرانهما هذا الرأي، كما كان ميليوتين قريبًا منهما. “وكان من الملاحظ وسط قيادات الحزب ذبذبات، ونوع من الخوف من الصراع من أجل السلطة”. هذه هي شهادة لينين نفسه. وكان ميليوتين الذي وصل بعد 10 يتحدث حسب رواية أنطونوف – ساراتوفسكي “عن رسالة وصلته من إيليتش يطالب إيليتش فيها “باتخاذ موقف حازم”، متحدثًا عن مراوغات اللجنة المركزية، وعن “الإخفاق” الأولي لاقتراح لينين، وعن سخط لينين. وأخيرًا فإن كل شيء يتجه إلى الانتفاضة في نهاية المطاف”. وكتب البلشفي سادوفسكي فيما بعد حول موضوع “الافتقار إلى بعض الثقة والتصميم الذي كان يسود في ذلك الوقت. وكان هناك، كما هو معروف، احتكاكات، ونزاعات في داخل لجنتنا المركزية وتلك الفترة، وكنا نتساءل كيف نبدأ وما إذا كان من الواجب أن نبدأ”.

وكان سادوفسكي نفسه، في تلك الفترة، أحد زعماء الفرع العسكري للسوفييت، والتنظيم العسكري للبلاشفة. ولكن كان أعضاء التنظيم العسكري، كما نرى ذلك في عدد وافر من المذكرات، ينظرون إلى فكرة القيام بانتفاضة بحذر شديد في أكتوبر (تشرين الأول)؛ فقد دفع الطابع الخاص للتنظيم، الزعماء إلى التقليل من أهمية الشروط السياسية، وإلى تضخيم أهمية الشروط التقنية. وبتاريخ 16 أكتوبر (تشرين الأول) كتب كريلنكو في أحد التقارير قائلاً: “إن أكثرية المكتب (مكتب التنظيم العسكري) تجد من الضروري عدم دفع المسألة من الناحية العملية إلى أبعد من ذلك، ولكن الأقلية كانت تجد أن بالإمكان اتخاذ هذه المبادرة على مسئوليتها”. وبتاريخ 18 قال عضو بارز آخر من أعضاء التنظيم العسكري هو لاشوفيتش ما يلي: “أليس من الواجب استلام السلطة فورًا؟ أني أقدر بأنه لا ينبغي أن لا نعجل سير الأحداث… فلا شيء يضمن لنا إمكانية الاحتفاظ بالسلطة… فالخطة الإستراتيجية التي يقترحها لينين تعرج من قوائمها الأربع”. وقد روى أنطونوف – أوفسينكو المقابلة التي تمت بين لينين وبين المناضلين الرئيسيين في التنظيم العسكري؛ “كان بودوفويسكي يعبر عن شكوكه، وكان نفسكي يدعمه تارة، ويتراجع أمام اللهجة الواثقة لإيليتش تارة أخرى؛ فعرضت الوضع في فنلندا… وكان لثقة إيليتش وحزمه أثر مقوٍ فيَّ، وشجعا نفسكي، ولكن بودفويسكي استمر في عناده وشكوكه”. وينبغي أن لا يغيب عن بالنا أبدًا أن الشكوك قد رسمت بألوان مائية في كل الذكريات من هذا النوع، أما مواقف الثقة فمرسومة بألوان زيتية فاقعة.

وعارض تشودنوفسكي الانتفاضة بحزم. وكان مانويلسكي متشائمًا يكرر دومًا بأن “الجبهة ليست معنا” محذرًا من قيام الانتفاضة. وعارض تومسكي الانتفاضة أيضًا. وكان فولودارسكي يدعم زينوفييف وكامنييف. وكان خصوم الانتفاضة لا يبدون آراءهم جميعًا بصراحة. وقد قال كالينين في جلسة لجنة بتروغراد في 15 ما يلي: “إن قرار اللجنة المركزية هو من أفضل القرارات التي تبنتها في حياتها… وقد وصلنا فعلاً من الناحية العملية إلى ضرورة الانتفاضة المسلحة. ولكن متى سيصبح قيامها ممكنًا؟ لربما يصبح ممكنًا خلال عام. لا نعرف عن ذلك شيئًا”. وكان “اتفاق” من هذا النوع مع اللجنة المركزية من أكثر الاتفاقات تميزًا بالنسبة لكالينين، ولكنه لم يكن خاصًا به فقط. فقد كان عدد الذين أيدوا القرار ليكون تأييدهم ضمانة في صراعهم ضد الانتفاضة كبيرًا جدًا.

وتم أقل إجماع في موسكو في الدوائر القيادية للحزب. فقد كان المكتب الإقليمي يؤيد لينين. وكانت الذبذبات كبيرة جدًا في لجنة موسكو، وكان الرأي الغالب هو التأجيل. واتخذت لجنة المنطقة موقفًا غير محدد، وكان مكتب المنطقة يقدر بالإضافة إلى هذا، طبقًا لتعابير ياكوفليفا أن تمثيل لجنة المنطقة إلى جانب خصوم الانتفاضة في اللحظة الحاسمة.

وروى ليبيديف أحد المناضلين من ساراتوف كيف تنزه مع ريكوف عندما جاء إلى موسكو زائرًا، قبل قيام الانتفاضة بوقت قصير، وكيف كان ريكوف يشكو، وهو يشير بأصبعه إلى الأبنية الحجرية، والمخازن الفارهة، وحركة الشارع المكتظ بالناس من صعوبات المهمة التي ينبغي القيام بها. “هنا في وسط موسكو البرجوازية، نحس بأننا بالفعل كأقزام يفكرون بقلب جبل”.

وكان هناك في كل تنظيم للحزب، وفي كل لجنة من لجان المناطق التابعة له أعضاء لديهم نفس مواقف زينوفييف وكامنييف ذاتها. وكانوا يشكلون الأكثرية في عدد من اللجان. واتخذت الخلافات شكلاً خطيرًا وسط الزعماء الكبار، حتى في البؤرة البروليتارية لإيفانوفو فوزنيسنسك؛ حيث يسيطر البلاشفة دون مشاركة أي من التنظيمات الأخرى. وفي عام 1925، في حين كانت الذكريات والأفكار تتطابق مع متطلبات المسار الجديد، كتب المناضل البلشفي القديم كيسيليف ما يلي: “إن العناصر العمالية للحزب، فيما عدا بعض الاستثناءات الفردية، تتبع لينين، بينما تعارضه مجموعة قليلة العدد من مثقفي الحزب وبعض العمال المنعزلين”. وكان خصوم الانتفاضة يستعيرون الحجج المماثلة لحجج زينوفييف وكامنييف في المناقشات العامة. وأضاف كيسيليف ما يلي: “ولكن الجدل –في المناقشات الخاصة– يتخذ أشكالاً أكثر حدة وصراحة، ويتوصل هؤلاء المعارضون إلى القول بأن “لينين مختل وأنه يدفع بالتأكيد الطبقة العاملة إلى الدمار، وأنه لن ينتج عن هذه الانتفاضة المسلحة أي شيء، وأننا سنهزم، وسيسحق الحزب والطبقة العاملة، وسيسبب كل هذا تراجع الثورة وانحسار مدها لسنوات طويلة إلخ….”، ذلك هو المناخ الفكري بصورة خاصة لفرونزيه، مع أنه شجاع جدًا من الناحية الشخصية، لكنه لم يكن يتميز أبدًا بسعة آرائه.

وكان انتصار الانتفاضة في بتروغراد بعيدًا عن أن يحطم في كل مكان عطالة الموقف المتفرج للجناح اليميني ومقاومته المباشرة. وكادت ميوعة القيادة تؤدي إلى انهيار الانتفاضة في موسكو بالتالي. وفي كييف، نقلت اللجنة التي يرأسها بياتاكوف، التي كانت تخوض سياسة دفاعية صرفة، نقلت في نهاية المطاف المبادرة إلى الرادا، ثم نقلت إليها السلطة فيما بعد. وروي فراتشيف ما يلي: “كان تنظيم حزبنا في فورونيج مترددًا إلى أقصى الحدود. وقد تم الانقلاب حتى في فورونيج… لا من قبل لجنة الحزب، بل من قبل أقليتها النشيطة التي كان مويسييف على رأسها”. وقد شكل البلاشفة في عدد من عواصم المناطق جبهة مع التوفيقيين “لمحاربة الثورة المضادة”، كما لو أن التوفيقيين لم يكونوا في ذلك الوقت أحد أهم دعامات هذه الثورة المضادة. وكان من الواجب في كل مكان تقريبًا، وفي معظم الأحيان، القيام بدفع من الأعلى ومن القاعدة بآن واحد لتحطيم الترددات الأخيرة للجنة المحلية، وإجبارها على قطع علاقاتها مع التوفيقيين وقيادة الحركة. وقد قال شليابنيكوف الذي دفع بنفسه ضريبة كبيرة للتردد ما يلي: “وكانت نهاية أكتوبر (تشرين الأول) وبداية نوفمبر (تشرين الثاني)، كانتا حقًا أيام “اضطراب عميق” في أوساط حزبنا. وكان هناك عدد كبير ممن كانوا يتركون زمام أنفسهم ليسيطر عليها الجو العام بسرعة”.

كانت كل هذه العناصر في بداية الثورة، في معسكر المناشفة، كبلاشفة خاركوف، ثم تساءلوا فيما بعد بدهشة كبيرة “كيف أمكن أن يكونوا في معسكر البلاشفة”، ولم يجدوا خلال أيام أكتوبر (تشرين الأول) أين يقفون كقاعدة عامة، وترددوا، وتمهلوا، وفي فترة الرد الأيديولوجي، طالبوا بحقوقهم “كبلاشفة قدامى” بقسط أكبر من الثقة. وقد كان العمل المخصص لإخفاء مثل هذه الوقائع ضخمًا جدًا في هذه السنوات الأخيرة. وبصرف النظر عن المصنفات السرية، غير الميسورة في الوقت الحاضر لعلماء التاريخ والمثقفين، فما يزال في صحف ذلك الوقت، وفي المذكرات، وفي المجلات التاريخية عدد لا بأس به من الشهادات التي تثبت بأن جهاز أكثر الأحزاب ثورية جابه الانتفاضة قبيل اندلاعها بقوة مقاومة كبيرة. فالفكر المحافظ يتمركز في البيروقراطية حتمًا. ولا يستطيع الجهاز القيام بوظيفة الثورية إلا عندما يبقى أداة في خدمة الحزب أي تابعًا لفكرة، ومُراقبًا من قبل الجماهير.

واتخذ قرار 10 أكتوبر (تشرين الأول) أهمية كبيرة. فقد ضمن فورًا أرضًا صلبة أتاحت حقوقًا في الحزب لأنصار الانتفاضة الحقيقيين. وبدأت أكثر العناصر تصميمًا باحتلال المكان الأول في تنظيمات الحزب، وفي كل الخلايا. وتجمعت تنظيمات الحزب، بدءًا من تنظيمات بتروغراد، وحسبت قواها ومواردها ووثقت اتصالاتها وأعطت للحملة من أجل الانتفاضة طابعًا أكثر تركيزًا.

ولكن القرار لم يضع حدًا للخلافات في اللجنة المركزية. بل هيأها على العكس، وأظهرها إلى الخارج. ولاحظ زينوفييف وكامنييف اللذان كانا يحسان مؤخرًا، في جزء من الدوائر القيادية، بجو من الود والتعاطف، لاحظا بذعر سرعة الحركة إلى اليسار. فقررا عدم إضاعة الوقت، ونشروا في اليوم التالي نداءً طويلاً إلى أعضاء الحزب. وقد كتبا في هذا النداء ما يلي: “إننا لا نملك الحق الآن في أن نغامر بالمستقبل كله على خارطة الانتفاضة المسلحة، أمام التاريخ، وأمام البروليتاريا الأممية، وأمام الثورة الروسية والطبقة العاملة الروسية”.

وكان مخططهما البعيد، الدخول في المجلس التأسيسي كمعارضة قوية تابعة للحزب، هذا المجلس “الذي لا يستطيع الاعتماد إلا على السوفييتات في عمله الثوري”. ومن هنا كانت الصيغة التالية: “المجلس التأسيسي والسوفييتات، هذا هو النموذج المركب للمؤسسات الحكومية التي نسير نحوها”. المجلس التأسيسي الذي يفترض أن يشكل البلاشفة أقلية منه، والسوفييتات التي يشكل البلاشفة فيها الأكثرية، أي أن من الواجب “دمج” جهاز البرجوازية وجهاز البروليتاريا في النظام السلمي لازدواجية السلطات. وهذا الأسلوب لم ينجح، حتى في ظل سيطرة التوفيقيين. فكيف يمكن أن ينجح مع سوفييتات بلشفية؟

وقال زينوفييف وكامنييف في ختام بيانهما: “أنه لخطأ تاريخي عميق طرح مسألة انتقال السلطة إلى الحزب البروليتاري بالطريقة التالية: إما فورًا، أو أبدًا. كلا! أن حزب البروليتاريا سيكبر، وسيتوضح منهاجه لجماهير تتسع في ازدياد”. وكان الأمل اضطراد نمو البلشفية، بصورة مستقلة عن المسار الحقيقي للنزاعات الطبقية، يتناقض بصورة مؤكدة مع نظريات لينين في تلك الفترة: “يتعلق نجاح الثورة الروسية والعمالية بيومين أو ثلاثة أيام من الكفاح”.

وليس من الضروري أبدًا أن نضيف إلى أن لينين كان على حق في هذا الحوار الدرامي. ومن المستحيل أن يمتلك المرء على هواه وضعًا ثوريًا. ولو لم يستلم البلاشفة السلطة في أكتوبر (تشرين الأول) – نوفمبر (تشرين الثاني)، لما استلموها بالتأكيد أبدًا، ولوجدت الجماهير لدى البلاشفة بدلاً عن القيادة الحازمة، نفس الاختلافات المملة بين القول والعمل، ولانفصلت عن الحزب الذي خيب آمالها خلال شهرين أو ثلاثة، كما انفصلت هذه الجماهير عن الاشتراكيين – الثوريين والمناشفة. ولوقع جزء من العمال وسط اللامبالاة، ولأفنوا قواهم في حركات تشنجية، وفي انفجارات فوضوية، وفي مناوشات أنصار، وفي رعب الانتقام واليأس. ولاستفادت البرجوازية بعد أن تلتقط أنفاسها من هذا الوضع لتبرم سلمًا منفردًا مع الهوهنزولرن ولسحقت التنظيمات الثورية. ولدخلت روسيا من جديد في دائرة الدول الإمبريالية، كدولة نصف إمبريالية نصف استعمارية. ولتأجلت الانتفاضة إلى أجل غير مسمى. ولكن فهم لينين العميق لهذا الاحتمال دفعه لأن يصيح صيحة الإنذار التالية: “يتعلق نجاح الثورة الروسية والعالمية بيومين أو ثلاثة أيام من الكفاح”.

وقد تعدل الوضع في الحزب بعد يوم 10 جذريًا. ولم يعد لينين “معارضًا” منعزلاً ترفض اللجنة المركزية اقتراحاته. وغدًا الجناح اليميني الآن معزولاً. ولم يعد لينين بحاجة إلى كسب حريته في الإثارة والتحريض مقابل استقالته؛ فالشرعية الآن إلى جانبه، وعلى العكس، وجد زينوفييف وكامنييف اللذين نشرا وثيقتهما الموجهة ضد القرار الذي تبنته أكثرية اللجنة المركزية وجدا نفسيهما وقد خرقا انضباط الحزب. بَيْد أن لينين لا يترك أية خطيئة للخصم خلال الكفاح دون أن يعاقب عليها!

وفي جلسة 10 انتُخب مكتب سياسي مؤلف من سبعة أعضاء بناء على اقتراح دزيرجنسكي، وهم: لينين، وتروتسكي، وزينوفييف، وكامنييف، وستالين، وسوكولنيكوف، وبوبنوف. بَيْد أن المؤسسة الجديدة أثبتت أنها غير صالحة أبدًا، فقد كان لينين وزينوفييف مختفيان. وبالإضافة إلى هذا كان زينوفييف وكامنييف مستمرين في خوض الصراع ضد الانتفاضة. ولم يجتمع المكتب السياسي الذي شُكل في أكتوبر (تشرين الأول) مرة واحدة. وطواه النسيان فورًا بكل بساطة، كما طوى النسيان تنظيمات أخرى شكلت لأغراض محددة في دوامة الأحداث.

ولم ترسم أية خطة عملية للانتفاضة، حتى ولو كانت تقريبية، في جلسة 10. وقد اتفق، دون الإشارة في القرار، إلى أن على الانتفاضة أن تسبق مؤتمر السوفييتات وأن نبدأ قدر الإمكان بتاريخ 15 أكتوبر (تشرين الأول) على أبعد تقدير. ولم يقبل هذا التاريخ طواعية من قبل الجميع: فقد قرب هذا التاريخ لدرجة لا تسمح بالحصول على الزخم الضروري في بتروغراد. ولكن الإلحاح على مهلة معينة كان يعني دعم اليمينيين وإحباط الخطة. وبالإضافة إلى كل هذا، لن يكون الوقت متأخرًا أبدًا لتأجيل الانتفاضة!

وقد كشف تروتسكي في مذكراته عن لينين في عام 1924، أي بعد سبع سنوات من الأحداث تحديد هذا التاريخ بيوم 15. وأنكر ستالين فورًا هذا الخبر، وزادت حدة النقاش حول الموضوع في الأدبيات التاريخية الروسية. ولم تقع الانتفاضة في الحقيقة، كما هو معروف إلا في 25، ولم يتم التقيد بالتاريخ المحدد بصورة أولية. ويقدر تأريخ الجيل الثاني أنه لا يمكن أن يكون هناك أخطاء أو تأخير في سياسة اللجنة المركزية. وكتب ستالين بصدد هذا الموضوع قائلاً: “نتج عن ذلك أن اللجنة المركزية قد حددت تاريخ 15 أكتوبر (تشرين الأول) تاريخًا للانتفاضة، وأنها هي التي نقضت (!) هذا القرار، بتأجيل الانتفاضة إلى 25 أكتوبر (تشرين الأول). فهل هذا صحيح؟ كلا أنه خطأ”. ويتوصل ستالين إلى الاستنتاج بأن “تروتسكي قد خانته ذاكرته”. وأشار كدليل على أقواله إلى أن قرار 10 أكتوبر (تشرين الأول) لم يشر إلى أي تاريخ.

إن مسألة تاريخ الانتفاضة التي يثور حولها الجدل والإنكار مسألة هامة جدًا لفهم إيقاع الأحداث، وهي تحتاج إلى إيضاح. والقول بأن قرار يوم 10 لا يحتوي على تاريخ، قرار صحيح تمامًا. ولكن هذا القرار العام يرتبط بالانتفاضة في كل البلاد، وكان مخصصًا لمئات وألوف من الزعماء، وسط مناضلي الحزب. وكان من الممكن أن يكون إدخال التاريخ المحدد للتآمر من أجل الانتفاضة في بتروغراد في يوم قريب جدًا قمة الطيش، ولنتذكر بأن لينين لم يكن يؤرخ رسائله في هذه الفترة، بدافع الحذر. والأمر يتعلق في الحالة الحاضرة بقرار هام جدًا وبسيط جدًا في الوقت ذاته يستطيع كل المشتركين فيه أن يحفظوه في ذاكرتهم دون عناء، وخاصة وأن هذا التاريخ سيحل بعد عدة أيام. وعندما يتعلل ستالين بنص القرار، فهناك سوء تفاهم كامل هنا.

ومع ذلك فنحن مستعدون للاعتراف بأنه إذا كان أحد المشتركين يعتمد على ذاكرته الخاصة، وكان ينكر ما يتذكره بصورة خاصة مشترك آخر، فإن هذا لا يكفي لدراسة تاريخية. ومن حسن الحظ أن المسألة محلولة بصورة مسلم بها على مستوى تحليل الظروف والوثائق.

لقراءة الفصل السابق يمكن مراجعة الرابط التالي:

تاريخ الثورة الروسية: لينين يدعو إلى الانتفاضة جـ 2