رأس المال: 3) شكل القيمة المُعادِل

0
133

 

لقد رأينا أن السلعة آ (القماش)، حين تعبّر عن قيمتها بواسطة القيمة الاستعمالية للسلعة (ب) التي تختلف عنها في النوع (المعطف)، تسبغ على هذه الثانية، في الوقت نفسه، شكل قيمة خاصاً، ونعني تحديداً، الشكل المعادِل. وتعبر سلعة القماش عن وجودها الخاص كقيمة من خلال واقع تعادلها مع المعطف، من دون أن يتخذ هذا الأخير شكل قيمة مغايراً لشكله الجسدي. أما وجود هذا الأخير كقيمة معينة فيجد تعبيره بالقول إن المعطف قابل للمبادلة مع القماش بصورة مباشرة. وعليه فإن الشكل المعادل الخاص بسلعة ما يفيد أن هذه السلعة قابلة للتبادل، فوراً، مع سلع أخرى.
وحين تؤدي السلعة، كالمعطف، وظيفة معادل لسلعة أخرى، كالقماش، ويكتسب المعطف بناء على ذلك خاصية مميزة تجعله قابلاً للتبادل مباشرة مع القماش، فذلك لا يعني قط أننا اقتربنا من معرفة النسبة التي يمكن أن تُبادل بها هاتان السلعتان. ولما كان مقدار قيمة القماش معيناً بالأصل، فإن هذه النسبة تتوقف على مقدار قيمة المعطف. وسواء كان المعطف يؤدي وظيفة مُعادِل والقماش يؤدي وظيفة قيمة نسبية، أو القماش كمُعادل والمعطف كقيمة نسبية، فإن مقدار قيمة المعطف محدد دوماً بوقت العمل الضروري لإنتاجها، وذلك بمعزل عن شكل القيمة الذي تتخذه. وحيثما يشغل المعطف موقع المعادل، في مُعادلة القيمة، فإن مقدار قيمته لا يكتسب أي تعبير كمّي. بالعكس، فإن سلعة المعطف لا تُعد في معادلة القيمة هذه أكثر من كمية معينة من شيء ما.
وعلى سبيل المثال، فإن 40 ياردة من القماش “تستحق” – ماذا؟ تستحق معطفين. والسبب أن سلعة المعطف تلعب هنا دور المُعادِل، أي لأن القيمة الاستعمالية – المعطف تقف، بمواجهة القماش، كتجسيد للقيمة، لذلك فإن كمية محددة من المعاطف تكفي للتعبير عن كمية محددة من القيمة الموجودة في القماش. إذن يمكن لمعطفين أن يعبرا عن مقدار القيمة المتبلورة في 40 ياردة من القماش ولكن لا يسعهما، أبداً، التعبير عن مقدار قيمتهما الخاصة، أي مقدار قيمة المعطفين، إن الملاحظة السطحية لهذه الحقيقة، أي النظر إلى المُعادِل، في معادلة القيمة، على أنه لا يمثل سوى كمية بسيطة من شيء معيّن، من قيمة استعمالية معينة، قد ضلل بايلي مثلما ضلل الكثير من الاقتصاديين، السابقين واللاحقين، فجعلهم لا يرون في التعبير عن القيمة غير علاقة كمية. والحق، إن الشكل المُعادِل للسلعة لا يعبّر عن أي تحديد كمي لقيمتها هي.
ولعل أول خاصية تقفز إلينا عند معاينة شكل المُعادل هي هذه: تصبح القيمة الاستعمالية شكل تجلي نقيضها، أو ]الشكل الظاهري لنقيضها[: القيمة  إن الشكل الطبيعي للسلعة يصبح شكلاً للقيمة. ولكن انتبه جيداً إلى أن هذه المغالطة  (Quidproquo)(1) لا تقع لسلعة مثل ب (معطف أو قمح أو حديد… إلخ .) إلا حين تدخل سلعة أخرى مثل آ (قماش… إلخ) في علاقة قيمة معها، وتظل في حدود هذه العلاقة. وبما أنه ليس بوسع أي سلعة أن تدخل في علاقة تعادل مع نفسها، ولا أن تحوّل مظهرها الجسدي إلى تعبير عن قيمة نفسها، فإنها مُرغمة على اختيار سلعة أخرى كمُعادِل، والقبول بالقيمة الاستعمالية، تعني المظهر الجسدي للسلعة الأخرى كشكل يعبّر عن قيمتها هي.
وسنتخذ من أحد المقاييس التي تقاس بها أجساد السلعة، من ناحية كونها أجساداً سلعية، أي قيمة استعمالية، مثالاً لإيضاح هذه النقطة بالذات. إن قالب السحر ثقيل، من حيث هو جسم، ولذلك يمتلك وزناً، ولكننا لا نستطيع أن نرى أو نتحسس هذا الوزن.
لهذا نأخذ قطعاً مختلفة من الحديد ذات وزن محدد سلفاً. إن الشكل الجسدي للحديد هو، ماخوذاً لذاته ، ليس شكلاً لتجلي ظاهرة الوزن شأنه في ذلك شأن قالب السكر، مع ذلك، فلغرض التعبير عن وزن قالب السكر، نضعه في علاقة وزن مع الحديد. والحديد، في هذه العلاقة، يؤدي وظيفة جسم لا يمثل شيئاً غير الوزن. وعليه فإن كمية معيّنة من الحديد تخدم كمقياس لوزن السكر وتمثل، في علاقتها بقالب السكر، تجسيداً للوزن، تمثل شكل تجلي ظاهرة الوزن. ولا يلعب الحديد هذا الدور إلا في حدود هذه العلاقة التي يدخلها السعر، أو أي جسم آخر مُراد تحديد وزنه، مع الحديد. ولو لم يكن كلاهما ذا ثقل، لما أمكنهما الدخول في هذه العلاقة، ولما استطاع أحدهما أن يكون التعبير عن وزن الآخر. وحين نلقي بهما في كفتي الميزان نرى، في الواقع، أنهما متماثلان من حيث هما وزن، وحين يوضعان بأجزاء مناسبة يكون لهما وزن واحد. ومثلما أن مادة الحديد، كمقياس للوزن، تمثل، في علاقتها مع قالب السكر، الوزن لا غير، كذلك الأمر في التعبير عن القيمة إذ لا يمثل الجسم المادي، المعطف، في علاقته مع القماش، سوى القيمة وحدها.
غير أن التشابه يتوقف عند هذا الحد. ففي نطاق التعبير عن وزن قالب السكّر، يمثل الحديد خاصية طبيعية مشتركة بين هذين الجسمين، ألا وهي الوزن؛ أما في نطاق التعبير عن قيمة القماش فإن المعطف يمثل خاصية فوق طبيعية لدى الشيئين كليهما، خاصية اجتماعية صرفاً هي تحديداً: القيمة.
وبما أن الشكل النسبي لقيمة سلعة من السلع – ولتكن القماش مثلاً ـ يعبر عن قيمة تلك السلعة بوصف هذه القيمة شيئاً يختلف كلياً عن جسد تلك السلعة وخصائصها، بوصفها شيئاً يشبه المعطف مثلاً، نرى أن هذا التعبير ذاته يشير إلى أن ثمة علاقة اجتماعية كامنة في صلبه، أما بالنسبة للشكل المُعادِل فالأمر على عكس ذلك. فجوهر هذا الشكل يكمن في أن جسد السلعة نفسها – مثل المعطف – وهي على حالها بالضبط، يعبر عن القيمة، وأنه حصل على شكل القيمة من الطبيعة نفسها. وبالطبع لا يصح هذا القول إلا بوجود علاقة القيمة التي يشغل فيها المعطف موقع المُعادل للقماش(*). وعلى اي حال لما كانت الخصائص الطبيعية لشيء من الأشياء ليست ناجمة عن علاقته بالأشياء الأخرى، بل تتكشف في هذه العلاقة، يبدو المعطف كأنه يستمد شكله المعادل وقابليته للمبادلة المباشرة من الطبيعة، مثلما يستمد منها خاصية كونه ثقيلاً وخاصية إشاعة الدفء في الأوصال. من هنا منشأ لغز الشكل المُعادِل الذي يفلت من وعي الاقتصادي السياسي البورجوازي إلى أن يظهر هذا الشكل وقد اكتمل تطوره، أي ليبرز أمام أنظاره على هيئة نقد. وعندها يسعى الاقتصادي البورجوازي إلى تبديد الطابع الصوفي للذهب والفضة بأن يحل محلهما سلعاً اقل بهراً للأعين، ويورد، برضى عن النفس متجدد أبداً، لائحة بأصناف كل السلع المبتذلة التي لعبت، في زمنها، دور المُعادل. ولا يساوره أدنى شك في أن أبسط تعبير عن القيمة مثل 20 ياردة قماش =  معطفاً واحداً ، ينطوي أصلاً على لغز الشكل المُعادِل، الذي ينبغي عليه أن يحله إن جسد السلعة، التي تقوم بدور المُعادل، يُعد على الدوام تجسيداً للعمل البشري المجرد، ونتاج عمل ملموس، نافع من نمط محدد في آن معاً. لذلك يصبح هذا العمل الملموس وسيط للتعبير عن العمل البشري المجرد، فإذا كان المعطف لا يرقى إلى شيء غير تجسيد العمل البشري المجرد، فإن الخياطة المتحققة فيه فعلياً لا تُعد أكثر من الشكل الذي يتحقق به ذلك العمل المجرد. وحين نعبر عن قيمة القماش، تنحصر السمة النافعة للخياطة لا في صنع الثياب، وبالتالي صنع الناس أيضا(2)، بل في صنع جسد تعترف به فوراً على أنه قيمة، وبالتالي على أنه عمل متبلور، ولكنه عمل لا يتميز بشيء عن العمل المتشيء في قيمة القماش. ولكي يستطيع العمل – الخياطة أن يكون مرآة للقيمة، يتعين أن لا يعكس شيئاً آخر غير خاصيته المجردة في كونه عملاً بشرياً عاماً.
وسواء كان العمل بشكل الخياطة أو الحياكة، ففي كلتا الحالتين ثمة عمل بشري قد أنفق. يترتب على ذلك أن الاثنين يمتلكان خاصية عامة مشتركة في كونهما عملاً بشرياً، وينبغي لذلك، في حالات معينة، كما في حالة إنتاج القيمة مثلاً، النظر إليهما بهذا المنظار وحده. وليس ثمة شيء غامض في هذا. أما حين يجري التعبير عن قيمة السلعة، فإن الأمور تنقلب رأساً على عقب. فمثلاً بغية التعبير عن هذه الحقيقة هي أن الحياكة  تخلق قيمة القماش، ليس بفضل شكلها الملموس كحياكة، بل بفعل خاصيتها العامة المتمثلة بأنها عمل بشري فإننا نضع، في مواجهة الحياكة، الشكل الخاص الآخر من العمل الملموس، وهو الخياطة، الذي ينتج مُعادِل القماش، وتبدو الخياطة الآن، على أنها الشكل المحسوس لتحقق العمل البشري العام.
من هنا تنشأ السمة الثانية للشكل المُعادِل، وهي أن العمل الملموس بصبح الشكل الظاهري لتجلي نقيضه: العمل البشري المجرد.
ونظراً لأن هذا العمل الملموس، وهو الخياطة في مثالنا، يُعتبر محض عمل بشري غير متمايز، فإنه يكتسب شكل المساواة، مع أي عمل آخر، أي متساوياً مع العمل المتجسد في القماش. ورغم أنه نتاج عمل خاص، شأن كل عمل ينتج السلع، فإنه يعتبر في الوقت نفسه عملاً اجتماعياً مباشراً في شكله. ولهذا السبب بالذات فإنه يتحقق في منتوج تمكن مبادلته، على نحو مباشر، بسلعة أخرى. إذن، أصبحت بحوزتنا خاصية ثالثة للشكل المُعادِل، ونعني بالتحديد أن العمل الخاص يكتسب شكل نقيضه، أي يتخذ شكل عمل اجتماعي مباشر.
إن هاتين الخاصيتين الأخيرتين اللتين يتميز بهما الشكل المُعادِل سوف تنجليان للإدراك على نحو أسطع فيما لو عدنا إلى المفكر العظيم الذي كان أول من يحلل شكل القيمة إلى جانب العديد من الأشكال الأخرى، سواء أشكال الفكر، أو المجتمع أر الطبيعة. أقصد ارسطو.
يعلن أرسطو، بادىء ذي بدء، أن الشكل النقدي للسلع ليس إلا الصيغة المتطورة لشكل القيمة البسيط – ويقصد بالشكل البسيط التعبير عن قيمة سلعة معيّنة بواسطة سلعة أخرى اختبرت كيفما اتفق، ذلك لأنه يقول: “إن قولنا: 5 أسرّة = بيتاً واحداً

لا يختلف بشيء عن قولنا: 5 أسرة = كذا مقدار من النقد”.
ويرى أرسطو، كذلك، أن علاقة القيمة التي تولد هذا التعبير القيمي تحتم أن يكون البيت مساوياً للسرير من ناحية نوعية، وبدون هذه المساواة في الماهية لا تمكن المقارنة بين هذين الشيئين المختلفين حسياً بوصفهما كميتين قابلتين للقياس. ويقول أرسطو: “لا يمكن أن يقع التبادل بدون مساواة، ولا مساواة بدون قابلية القياس بمقياس واحد”. وهنا يتوقف ارسطو ويتخلى عن المضي في تحليل شكل القيمة قائلاً: “في الواقع يستحيل  أن يكون شيئان على هذا القدر من التباين قابلين للقياس بمقياس واحد” ـ يقصد استحالة مساواتهما نوعياً، فمثل هذه المساواة لا يمكن إلا أن تكون شيئاً غريباً عن الطبيعة الحقيقية للاثنين، وبالتالي فإنها ليست سوى «اصطناع يُستخدم لمقتضيات عملية».
هكذا يخبرنا ارسطو نفسه عما قطع عليه طريق المضي في التحليل: إنه الإفتقار إلى مفهوم القيمة، فما هو هذا الشيء المتساوي، هذا الجوهر المشترك الذي يسمح بالتعبير عن قيمة الأسرّة بواسطة البيت؟ يجيب أرسطو أن شيئاً كهذا لا يمكن، في الحقيقة، أن يوجد. لم لا؟ إن البيت، حين يُقارن بالأسرّة، يمثل فعلاً شيئاً مساوياً لها، ولكن بقدر ما يمثل من شيء واحد حقاً في الأسرة والبيت معاً. وهذا الشيء هو: العمل البشري.
لقد كانت هناك حقيقة هامة حالت دون أن يرى أرسطو أن شكل قيمة السلع ما هو إلا محض أسلوب للتعبير عن أن كل عمل هو عمل بشري متماثل، وبالتالي فإنه عمل من نوع واحد، فقد كان المجتمع الإغريقي يقوم على عمل العبودية، وكان أساسه الطبيعي يستند إلى عدم المساواة بين الناس وتباين قوة عمل كل منهم. إن سرّ التعبير عن القيمة، هو أن كل أنواع العمل متساوية ومتعادلة لأنها عمل بشري عام وبقدر ما تظل عملاً بشرياً عاماً، يتعذر بلوغه ما لم تكن فكرة المساواة البشرية قد اكتسبت رسوخ فكرة شعبية مسبقة. وهذا غير ممكن إلا في مجتمع نتخذ فيه الغالبية العظمى من منتجات العمل شكل السلع، مجتمع تكون فيه العلاقة السائدة بين إنسان وآخر هي العلاقة بين مالكي سلع. وتنجلي عبقرية أرسطو في أنه اكتشف أن التعبير عن قيمة السلعة ينطوي على علاقة مساواة. إن الظروف الخاصة للمجتمع الذي كان يعيش فيه، هي وحدها التي منعته من أن يكتشف أين تكمن في الحقيقة، هذه المساواة.

__________________________

(1)- (Quicproquo) باللاتينية في الأصل… – وتعني حرفياً: حلول شيء محل آخر، أو المغالطة الكامنة في الاستعاضة عن شيء بشيء آخر، أي نوع من الإحلال او الإبدال. ]ن ع[.

(*)- إن مثل هذه التحديات الانعكاسية [عند هيغل[، تؤلف صنفاً غريباً للغاية. فرجل ما، على سبيل المثال، ليس ملكاً إلا لأن أناساً آخرين يعتبرون أنفسهم رعايا له، في إطار علاقتهم به، أما هم فعلى العكس من ذلك، يتصورون أنفسهم رعايا لأنه ملك.

(2)- المقصود بالعبارة أن الخياط إذ يصنع الثياب إنما يصنع مكانة لابسيها أيضاً، إشارة إلى أهمية الثياب في تقرير المنزلة الاجتماعية. ]ن. ع[.

لمراجعة الفصل السابق يرجى الدخول من الرابط أدناه:

رأس المال: 2- شكل القيمة النسبي