تاريخ الثورة الروسية: لينين يدعو إلى الانتفاضة جـ 4

0
153

كان افتتاح مؤتمر السوفييتات مقررًا بتاريخ 20 أكتوبر (تشرين الأول). وهناك فترة عشرة أيام بين اليوم الذي انعقدت فيه اللجنة المركزية وتاريخ المؤتمر. وكان من واجب المؤتمر عدم إثارة الاضطراب من أجل سلطة السوفييتات، بل الاستيلاء على هذه السلطة. ولكن بضع مئات من المندوبين عاجزة بحد ذاتها عن الاستيلاء على السلطة. كان من الواجب انتزاعها من أجل المؤتمر وقبل المؤتمر “إن علينا تحقيق الانتصار على كرنسكي في بادئ الأمر، ودعوة المؤتمر فيما بعد”. كانت هذه الفكرة هي محور كل التحريض اللينيني، بدءًا من النصف الثاني من سبتمبر (أيلول). وكان كل أولئك الذين يؤيدون الاستيلاء على السلطة بصورة عامة متفقين حول هذا الموضوع، من الناحية المبدئية. ولم تكن اللجنة المركزية لتستطيع لهذا السبب، أن تعتذر عن إعطاء نفسها مهمة محاولة القيام بالانتفاضة بين 10 و20 أكتوبر (تشرين الأول). ولكن لما كان من غير الممكن التنبؤ بالمدة التي ستستغرقها المعركة، فقد تحدد موعد الانتفاضة بيوم 15. وكتب تروتسكي في مذكراته عن لينين قائلاً: “إنني أتذكر جيدًا أنه لم يحدث أي جدل حول التاريخ ذاته. وكان الجميع يفهمون أنه لم يكن للتاريخ سوى طابع تقريبي، بل طابع توجيهي، وأن من الممكن، حسب الأحداث، أما تقريبه بعض الوقت أو تأجيله، شريطة أن لا يتجاوز التقريب أو التأجيل أيامًا على الأكثر. وكانت ضرورة وجود تاريخ، وتاريخ قريب جدًا بالإضافة إلى ذلك، مسألة بديهية كل البداهة”.

والخلاصة، فإن شهادة المنطق وحدها هي التي تستطيع قفل باب النقاش في هذه المسألة. ولكننا لا نفتقر إلى البراهين الإضافية. فقد اقترح لينين بإصرار، وفي عدة مناسبات، استخدام المؤتمر الإقليمي لسوفييتات الشمال للبدء بالعمليات العسكرية. وتبنى قرار اللجنة المركزية هذه الفكرة. وكان من الواجب أن ينتهي المؤتمر الإقليمي، الذي افتتح بتاريخ 10 قبل 15 بالضبط.

وقد صرح زينوفييف في المؤتمر الذي انعقد بتاريخ 16 تأجيل القرار المتخذ قبل ستة أيام: “علينا أن نقول لأنفسنا بكل وضوح بأننا لا ننظم الانتفاضة في الأيام الخمسة التالية”. وكان يقصد الأيام الخمسة الباقية إلى أن يعقد مؤتمر السوفييتات. وذكَّر كامنييف الذي كان يبرهن في المؤتمر ذاته على أن “تحديد تاريخ الانتفاضة، يعني القيام بمغامرة”، ذكر كامنييف أيضًا بما يلي: “كنا نقول منذ هنيهة بأن الانتفاضة ينبغي أن تتم قبل 20”. ولم يعارض قوله هذا أحد، ولم يستطع أن يرد عليه أحد. وكان كامنييف يفسر تأجيل الانتفاضة هذا على أنه تدمير لقرار لينين. وكان يقول، ونحن ننقل هنا التعابير التي استخدمها كامنييف “إننا لم نفعل شيئًا للانتفاضة في هذا الأسبوع الأخير” ونجد هنا مبالغة طبيعية: فقد وجد الجميع أنهم مضطرون إلى وضع التاريخ المحدد في خططهم بدقة تامة وزيادة سرعة إيقاع العمل. ولكن مما لا شك فيه أن مهلة الخمسة أيام المحددة لجلسة يوم 10 قد وجدت مهلة قصيرة. وكان إعطاء مهلة أخرى يفرض نفسه وبتاريخ 17 فقط أجلت اللجنة التنفيذية المركزية افتتاح مؤتمر السوفييتات إلى 25 أكتوبر (تشرين الأول). وجاء هذا التأجيل في محله.

وألح لينين على عقد اجتماع يضم اللجنة المركزية وممثلي الفروع الرئيسية للمناضلين في العاصمة، بعد أن أقلقته المخاتلات وعملية التسويف، وظهرت له الاحتكاكات الداخلية في عزلته بأشكال مبالغ فيها من دون شك. وعقد هذا المؤتمر، بتاريخ 16، في ليسني، في ضاحية المدينة، وقدم زينوفييف وكامنييف مبرراتهما المذكورة فيما سبق لتأجيل التاريخ الذي تحدد سابقًا، وعارضًا تحديد تاريخ جديد.

وعادت الخلافات من جديد، وكانت حدتها هذه المرة مضاعفة. وكان ميليوتين يقدر بأننا “لم نكن مستعدين لتوجيه الضربة الأولى… فنجم احتمال آخر: نزاع مسلح… إنه يتضخم، وتقترب إمكانيته. وينبغي علينا أن نكون مستعدين لهذا الصدام. ولكن هذا الاحتمال مختلف عن الانتفاضة”. وتبنى ميليوتين موقفًا دفاعيًا اقترحه بوضوح أكبر زينوفييف وكامنييف. وكان العامل البتروغرادي القديم شوتمان الذي عاش تاريخ الحزب كله، يؤكد بأن المناخ الفكري في مؤتمر المدينة وفي لجنة بتروغراد، وفي التنظيم العسكري أقل استعدادًا للقتال مما في اللجنة المركزية. “إننا لا نستطيع أن نزحف حتى الآن، ولكن علينا أن نستعد”. وهاجم لينين ميليوتين وشوتمان لتقديرهما المتشائم لميزان القوى: “إن الموضوع لا يتعلق بمعركة ضد الجيش، بل بمعركة جزء من الجيش ضد الجزء الآخر… وتثبت الأحداث أننا نملك التفوق على العدو. فلماذا لا تستطيع اللجنة المركزية أن تبدأ؟”.

كان تروتسكي غائبًا عن الجلسة: إذ كان في هذه الساعات ذاتها يحمل السوفييت على تبني نظام اللجنة العسكرية الثورية. ولكن وجهة النظر التي توضحت بصورة نهائية في سمولني خلال الأيام الأخيرة، كان مدافعًا عنها من قبل كريلنكو، الذي بدأ يقود المؤتمر الإقليمي لسوفييتات الشمال جنبًا إلى جنب مع تروتسكي وأنطونوف – أوفسينكو. وكان كريلنكو يعتقد من دون شك “بأن الماء قد غلى بما  فيه الكفاية”. وأن تأجيل القرار حول الانتفاضة “سيكون أفدح خطأ”. وكان مع كل هذا على خلاف مع لينين “حول مسألة معرفة من سيبدأ ومتى يبدأ”. وليس من العقلاني أيضًا في الوقت الراهن تحديد يوم الانتفاضة بصورة واضحة. “ولكن مسألة إجلاء القطعات هو بالضبط الدافع الذي سيثير المعركة… إن واقعة الهجوم ضدنا موجودة، وبوسعنا استخدامها… وليس من المفيد أن نقلق لمعرفة من سيبدأ، لأن ذلك قد بدأ فعلاً”. وكان كريلنكو يعرض ويقترح السياسة التي تفيد كأساس للجنة العسكرية الثورية ولمؤتمر الحامية. وستتطور الانتفاضة فيما بعد على هذا الطريق بالضبط.

ولم يرد لينين بأية كلمة على أقوال كريلنكو: فاللوحة الحية للأيام الستة الأخيرة في بتروغراد لم تتم تحت أنظاره. كان لينين يخشى المماطلات. وكان انتباهه موجهًا إلى الخصوم المباشرين للانتفاضة. وكان ميالاً إلى تفسير كل التحفظات، وكل الصيغ التقليدية وكل الأجوبة غير القاطعة، إلى أنها دعم غير مباشر لزينوفييف وكامنييف اللذين كانا يعارضانه بجرأة رجال حرقوا مراكبهم خلفهم. وكان كامنييف يعلل الأحداث ويبررها كالتالي: “تظهر نتائج الأسبوع أنه ليس هناك في هذه اللحظة معطيات ملائمة للانتفاضة. وأننا لا نملك أي جهاز لها. في حين نجد أن الجهاز لدى أعدائنا أقوى بكثير، ومن المحتمل أن تكون قوته قد ازدادت خلال هذا الأسبوع… هنا يتصارع تكتيكان: تكتيك المؤامرة وتكتيك الثقة المعطاة للقوات العاملة للثورة الروسية”. ويعطي الانتهازيون ثقتهم دومًا “للقوى العاملة” في اللحظة التي ينبغي فيها شن القتال.

ورد لينين قائلاً: “إذا قدرنا بأن الانتفاضة ناضجة، فمن العبث التحدث عن مؤامرة. فإذا كانت الانتفاضة حتمية من الناحية السياسية، إذن ينبغي اعتبارها فنًا”. وفي هذا الخط بالضبط سار النقاش الأساسي للحزب، المبدئي بالفعل، الذي يحدد حله في هذا الاتجاه أو ذاك مصائر الثورة. ومع ذلك، نبعت مسائل ثانوية ولكنها هامة للغاية، ضمن الإطار العام لمحاكمة لينين، ضمت أكثرية اللجنة المركزية: كيف نتوصل للانتفاضة على أساس وضع سياسي وصل إلى مرحلة النضج؟ وما هو الممر الذي نختاره للعبور من سياسة الانتفاضة إلى تقنية الانتفاضة؟ وكيف نوجه الجماهير على هذا الممر؟

وكان أيوفيه الذي ينتمي إلى الجناح اليساري يدعم قرار يوم 10. ولكنه كان يعارض لينين في نقطة واحدة: “ليس من الصحيح أن تكون المسألة تقنية فقط حتى الوقت الحاضر. وينبغي اعتبار مسألة الانتفاضة الآن من وجهة نظر سياسية”. وقد أظهر الأسبوع الأخير بالفعل، للحزب، وللسوفييت، وللجماهير على أن الانتفاضة لم تعد مسألة تقنية بسيطة. ولهذا بالضبط لم يستطع أحد أن يحفظ التاريخ الذي تحدد يوم 10.

وطرح لينين قراره الجديد، الذي يدعو “كل المنظمات وكل العمال والجنود إلى إعداد الانتفاضة المسلحة بشكل كثيف متعدد الأطراف”، فوافق عليه عشرون عضوًا، وعارضه عضوان هما زينوفييف وكامنييف، مع امتناع ثلاثة أعضاء عن التصويت. ويتعلل المؤرخون الرسميون بهذه الأرقام ليبرهنوا على التفاهة الكاملة للمعارضة. بيد أنهم يبسطون المسألة بهذا التعليل. فقد كان الاندفاع إلى اليسار وسط الجماهير العميقة للحزب بارزًا جدًا، حتى أحس خصوم الانتفاضة، الذين لم يقرروا معارضتها بصورة مكشوفة، بأن من مصلحتهم محو خط تقسيم المبادئ بين المعسكرين. فإذا لم تتحقق الانتفاضة، بالرغم من التاريخ الذي حدد سابقًا، قبل 16 ألا يمكن أن نحصل فيما بعد على الاقتصار على إتباع “المسار إلى الانتفاضة؟” بصورة أفلاطونية. فلم يكن كالينين معزولاً كل العزلة، وقد برز هذا بوضوح في الجلسة ذاتها. وقد رُفِض قرار زينوفييف التالي: “إن قيام التظاهرات قبل التفاوض مع المجموعة البلشفية لمؤتمر السوفييتات أمر غير مقبول”. وجاء الرفض بخمسة عشر صوتًا مقابل ستة أصوات وامتناع ثلاثة عن التصويت. وهنا تم التحقق الفعلي من الآراء. كان عدد وافر من “أنصار” قرار اللجنة المركزية يريدون في الحقيقة تأجيل القرار إلى أن ينعقد مؤتمر السوفييتات، وإلى أن ينعقد مؤتمر جديد مع بلاشفة المناطق، وهم في معظمهم من أكثر الأعضاء اعتدالاً. وكان عدد هؤلاء الأخيرين، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار عدد الذين امتنعوا عن التصويت يصل إلى تسعة أعضاء من أصل 24 عضوًا، أي أكثر من ثلث أعضاء اللجنة، وكانوا يشكلون ولا شك أقلية، ولكن لهم وزنهم بالنسبة لهيئة الأركان. وجاء ضعف هيئة الأركان من أنها لم تكن تتمتع بأي دعم في قاعدة الحزب وفي الطبقة العمالية.

وفي اليوم التالي سلم كامنييف، بالاتفاق مع زينوفييف إلى صحيفة غوركي(2) تصريحًا ينطوي على معارضة القرار الذي اتخذ بالأمس. وعبر كامنييف في المقال قائلاً ما يلي: “لسنا الوحيدين زينوفييف وأنا اللذان يجدان أن قيامنا بمبادرة الانتفاضة في الوقت الحاضر، ونظرًا لموازين القوى الاجتماعية، وبصورة مستقلة عن مؤتمر السوفييتات وقبل انعقاده ببضعة أيام، سيكون خطوة غير مقبولة وخطرة على البروليتاريا والثورة، لسنا الوحيدين، وإنما يشاطرنا هذا الرأي عدد وافر من الرفاق المناضلين… إن المغامرة بكل شيء على خارطة الانتفاضة في هذه الأيام المقبلة سيكون عملاً يائسًا. إن حزبنا قوي جدًا، كما أن المستقبل المفتوح أمامه أكبر من أن يسمح له بالقيام بمثل هذه الخطوات…”. إن الانتهازيين يستشعرون دومًا “بأنهم أقوى” من أن يشتركوا في الصراع.

وكانت رسالة كامنييف إعلانًا حقيقيًا بالحرب ضد اللجنة المركزية، وحول مسألة لم يكن أي إنسان ينوي أن يعبث بها. واتخذ الوضع فورًا حدة هائلة. وتعقد بعدة وقائع أخرى فردية كان لها منبع سياسي مشترك. وفي جلسة سوفييت بتروغراد، بتاريخ 18، صرح تروتسكي ردًا على المسألة التي طرحها الخصوم بأن مجلس السوفييت لم يحدد أبدًا الانتفاضة في الأيام القريبة التالية، ولكنه إذا وجد من الضروري أن يحددها، فسيزحف العمال والجنود زحف رجل واحد. ووقف كامنييف، الذي كان يجلس في المكتب بجوار تروتسكي، وأخذ يدلي بتصريح قصير؛ فقد صدق على كل قولٍ لفظه تروتسكي. وكان عمله هذا لعبة مخادعة؛ ففي حين كان تروتسكي يموه سياسة الهجوم من الناحية القانونية، بصيغة دفاعية في ظاهرها، حاول كامنييف استخدام صيغة تروتسكي التي كان على خلاف جذري معها ليموه سياسة متعارضة معها بصورة مباشرة.

ولكي يشل تروتسكي أثر مناورة كامنييف قال في اليوم ذاته في تقرير موجه إلى مؤتمر عموم روسيا للجان المصانع والمعامل: “إن الحرب الأهلية محتمة. وينبغي تنظيمها فقط، بأقل الأشكال دموية، وأقلها ألمًا. ولا نتوصل إلى ذلك بالمراوغة والتردد، بل نصل إليها بنضال مستميت وشجاع للاستيلاء على السلطة”. واتضح للجميع أن كلمة المراوغات موجهة إلى زينوفييف وكامنييف، وكل من يشاركونهما الرأي.

وعرض تروتسكي بالإضافة إلى هذا تصريح كامنييف في مجلس السوفييت لدراسته من قبل اللجنة المركزية في أقرب جلسة. وفي غضون ذلك، استقال كامنييف من اللجنة المركزية، لأنه كان راغبًا بتحرير يده للقيام بالإثارة والتحريض ضد الانتفاضة. ونوقشت المسألة في غيابه. وألح تروتسكي على القول “بأن الوضع الذي حدث أصبح خطيرًا لا يمكن التساهل فيه” وأصر على قبول استقالة كامنييف(3).

وقرأ سفردلوف الذي دعم اقتراح تروتسكي رسالة من لينين يهاجم فيها زينوفييف وكامنييف لأنهما أدليا بتصريح في جريدة غوركي، واتهمهما بتحطي الإضرابات، وطالب بطردهما من الحزب. وقد كتب لينين قائلاً: “إن مكر كامنييف في جلسة سوفييت بتروغراد يتسم بالدناءة. فهل ترون ذلك؟ إنه متفق تمام الاتفاق مع تروتسكي. ولكن أمن الصعب أن نفهم أن تروتسكي لا يستطيع أن يقول عن ذلك أمام الأعداء أكثر مما قاله، وبأنه لا يملك الحق بذلك، وأنه لا ينبغي له أن يفعل ذلك؟ فهل من الصعب أن نفهم بأن القرار حول ضرورة الانتفاضة المسلحة، وعن نضجها الكامل، وإعدادها من كل جوانبها …إلخ، يلزم في التصريحات العلنية، لا على إلقاء تبعة الخطيئة على الخصم فحسب، بل إلقاء تبعة المبادهة عليه أيضًا… إن حيلة كامنييف هي مخاتلة وسرقة مكشوفة”.

وعندما أرسل لينين احتجاجه الساخط بواسطة سفردلوف، لم يكن قد علم بعد بأن زينوفييف قد صرح في رسالة وجهها إلى إدارة تحرير الصحيفة الرسمية للحزب، بأن آراءه هو، أي زينوفييف، “بعيدة جدًا عن الآراء التي يناقشها لينين” وهو (زينوفييف) “ينضم إلى التصريح الذي أعلنه تروتسكي في سوفييت بتروغراد”. وبنفس الروح نشر خصم ثالث للانتفاضة هو لوناتشارسكي آراءه في الصحف. وبالإضافة إلى التشويشية الخائنة، كانت رسالة زينوفييف، التي نشرت في الصحيفة الرسمية في الليلة السابقة على جلسة اللجنة المركزية بتاريخ 20، كانت هذه الرسالة مصحوبة بمذكرة تعبر عن ود هيئة التحرير وتعاطفها: “إننا نعبر بدورنا عن أملنا باعتبار المسألة منتهية، بفضل التصريح الذي أدلى به زينوفييف (كالتصريح الذي أدلى به كامنييف في السوفييت). ولم يبدل عنف اللهجة في مقال لينين شيئًا مما يلي، وهو أننا نبقى من نفس الرأي في الأمور الجوهرية”. وكانت طعنة خنجر جديدة في الظهر، ومن جهة لم نكن نتوقعها. ففي حين كان زينوفييف وكامنييف يثيران في الصحافة المعادية تحريضًا مكشوفًا ضد قرار اللجنة المركزية عن الانتفاضة، لامت الصحيفة المركزية “عنف” لهجة لينين ولاحظت وحدة آرائه مع زينوفييف وكامنييف “في الأمور الجوهرية”. وكما لو أنه كانت هناك مسألة في تلك اللحظة أكثر أهمية وجوهرية من مسألة الانتفاضة. وقد صرح تروتسكي تبعًا لمحضر الجلسة المختصر، في جلسة اللجنة المركزية “أن رسائل زينوفييف ولوناتشارسكي إلى الصحيفة المركزية غير مقبولة، كما أن مذكرة هيئة التحرير غير مقبولة أيضًا”. وأيد سفردلوف الاحتجاج.

وكان ستالين وسوكولنيكوف جزءًا من هيئة التحرير. ويقول محضر الجلسة ما يلي: “أن سوكولنيكوف يعلن بأنه لم يلعب أي دور في تصريح هيئة التحرير فيما يتعلق برسالة زينوفييف، وأنه يعتبر هذا التصريح خاطئًا”. واكتُشف بأن ستالين شخصيًا –ضد عضو آخر من هيئة التحرير وأكثرية اللجنة المركزية– قد دعم كامنييف وزينوفييف في آخر اللحظات، قبل بدء الانتفاضة بأربعة أيام، بتصريح ودي وتعاطفي. وكان الغضب من جراء هذا العمل كبيرًا.

ورفض ستالين قبول استقالة كامنييف مبرهنًا على أن “كل وضعنا كان متناقضًا” أي أنه كلف نفسه مهمة الدفاع عن التشويشية والارتباك في الأفكار التي نشرها عضوا اللجنة المركزية اللذان أعلنا عن معارضتهما للانتفاضة. وقُبلت استقالة كامنييف بخمسة أصوات مقابل ثلاثة. وصودق على قرار يعارض موقف ستالين من جديد بستة أصوات، ويمنع هذا القرار كلاً من كامنييف وزينوفييف من قيادة معركة ضد اللجنة المركزية. ويقول محضر الجلسة ما يلي: “أعلن ستالين انسحابه من هيئة التحرير”. ورفضت اللجنة المركزية استقالة ستالين كي لا تؤزم وضعًا لم يكن بمثل هذه السهولة.

ويبدو هذا السلوك الذي اتخذه ستالين غير قابل للتفسير على ضوء الأسطورة التي نُسجت حوله. والحقيقة، كان هذا السلوك يتطابق تمام التطابق مع إعداده الفكري ومع طرقه السياسية. إن ستالين يتراجع دومًا أمام المعضلات الكبرى، لا لأنه يفتقر إلى الشخصية ككامنييف، ولكن لأن له آراء ضيقة جدًا ويفتقر إلى الخيال المبدع. فهو حذر يتسم حذره بالشكوك ويضطره عضويًا تقريبًا إلى الانسحاب في الظل عند لحظات القرار الخطير والخلاف العميق، ويدفعه هذا الحذر لأن يضمن لنفسه، إذا كان بالإمكان، موقفًا صالحًا لحالتين محتملتين. وقد صوت ستالين مع لينين لصالح الانتفاضة. وكان زينوفييف وكامنييف يناضلان بصورة مكشوفة ضد الانتفاضة. ولكن إذا نبذنا “عنف لهجة” النقد اللينيني “نبقى، من نفس الرأي، في الأمور الجوهرية”. ولم يضع ستالين مذكرته بدافع الطيش أبدًا؛ فقد كان على العكس يزن الظروف والكلمات بدقة. ولم يكن بتاريخ 20 أكتوبر (تشرين الأول) يعتقد بإمكان قطع الجسور المؤدية إلى ساحة خصوم الانتفاضة دون عودة.

إن نصوص محاضر الجلسات التي اضطررنا إلى الاستشهاد بها وفق النص الرسمي الذي وضعت مستشارية ستالينية لا وفق نصوص المحاضر الأصلية لا يبرز المواقف الحقيقية لشخصية اللجنة المركزية البلشفية فحسب، بل يعرض أيضًا رغم الإيجاز والجفاف “الصورة المجسمة” الحقيقية لقيادة الحزب، كما كانت بكل تناقضاتها الداخلية ومراوغاتها الفردية الحتمية. ولا تبرز هذه النصوص التاريخ بمجمله فحسب، بل تبرز أيضًا بأن أجرأ الانتفاضات تتحقق برجال يتسمون بكل الصفات البشرية. فهل يمكن أن يخفف هذا من أهمية ما تحقق؟

وإذا ما عرضنا على الشاشة ألمع انتصارات نابليون، لأظهر لنا الفيلم، مع العبقرية، وسعة العمليات وامتدادها، والاكتشافات، والبطولة، صورة أخرى عن عدم تصميم بعض المارشالات، وأخطاء الجنرالات الذين لا يعرفون قراءة خارطة، وبلادة الضباط، والذعر الذي أصاب مفارز بكاملها، ولأبرز لنا هذا الفيلم أيضًا أزمات “المغص” التي يسببها الخوف. وستبرهن هذه الوثيقة الواقعية أن جيش نابليون لا يتألف من تماثيل متحركة أسطورية فقط، بل من فرنسيين أحياء تعلموا عند تقاطع قرنين. ولن تؤدي لوحة نقاط الضعف البشرية إلا إلى زيادة أهمية وعظمة مجموع ما تحقق.

إن تنظير الانتفاضة بعد قوات الأوان أسهل من تمثلها وهضمها بصورة كاملة قبل أن تتحقق. وقد أثار تقريب الانتفاضة حتمًا وسيثير أزمات في الأحزاب الثورية. بهذا تشهد تجربة أكثر الأحزاب التي جربت بصورة أفضل، وأكثر الأحزاب التي عرفها التاريخ حتى الآن ثورية. ويكفي أن نلاحظ أن لينين وجد نفسه مضطرًا قبل المعركة بعدة أيام إلى المطالبة بطرد اثنين من أقرب تلاميذه إليه، ومن أكثرهم شهرة في الحزب. وقد استوحيت المحاولات التي تمت فيما بعد لإعادة أسباب النزاع إلى “ظروف عارضة” تتعلق بالطابع الشخصي للزعماء، استوحيت هذه المحاولات من تصور ماضي الحزب وتمثله بصورة مثالية كنائسية خالصة. وكما عبر لينين بصورة أكمل وأكثر تصميمًا من الآخرين، خلال أشهر خريف عام 1917 عن الضرورة الموضوعية للانتفاضة وإرادة الجماهير الموجهة نحو الانتفاضة، كذلك فقد جسد زينوفييف وكامنييف بصراحة أكبر من صراحة الآخرين الاتجاهات المتحفظة في الحزب، وروح التردد، وتأثير العلاقات مع البورجوازيين الصغار، وضغط الطبقات  الحاكمة.

ولو أن كل المؤتمرات، والمناقشات، والمجادلات الخاصة، التي تمت داخل قيادة الحزب البلشفي في أكتوبر (تشرين الأول) اختُزلت، لاستطاعت الأجيال المقبلة التحقق من ضراوة المعركة الداخلية التي تشكلت بواسطتها، في قمم الحزب، الجرأة الضرورية للانتفاضة. ولأظهر الاختزال أيضًا في الوقت نفسه كم يحتاج الحزب الثوري إلى ديمقراطية داخلية؛ فلا توضع إرادة الكفاح في صيغ باردة، ولا تُملى من الأعلى، بل تُجدد في كل مرة، وتتقوى من جديد.

وقد تساءل ستالين في عام 1924 معللاً تأكيدًا لما يقوله المؤلف في هذا الكتاب بأن “الأداة الأساسية للثورة البروليتارية هي الحزب”، تساءل ستالين قائلاً: “كيف استطاعت ثورتنا الغلبة إذا اعتبرنا “أن أداتها الأساسية” كانت لا تساوي شيئًا؟”. إن السخرية لا تخفي البهتان البدائي لهذا الرد. فبين القديسين كما تصفهم الكنيسة، والشياطين كما يمثلهم المرشحون للقدسية يقف الرجال الأحياء؛ فهم الذين يصنعون التاريخ. ولا تبرز العجينة القوية للحزب البلشفي، في انعدام الخلافات، والتردد، والتصدع، ولكن هذه العجينة تبرز عندما كان هذا الحزب يخرج في الوقت الملائم من الأزمات الداخلية، في أصعب الظروف، ويضمن إمكانية التدخل الحاسم في الأحداث. وهذا يعني أيضًا أن الحزب بمجموعه كان أداة ملائمة تمامًا للثورة.

ويجد الحزب الإصلاحي عمليًّا أن أسس النظام الذي يستعد لإصلاحه أسس لا يمكن تصديعها. وبهذا يرتبط بصورة محتمة بأفكار وأخلاق الطبقة الحاكمة. وقد أصبح الحزب الاشتراكي – الديمقراطي الذي ارتفع فوق العمود الفقري للبروليتاريا حزبًا بورجوازيًا، ولكنه حزب بورجوازي من الدرجة الثانية. وخلقت البلشفية نموذج الثوري الحقيقي الذي يربط شروط وجوده الفردي، وأفكاره، وأحكامه الأخلاقية بأهداف تاريخية لا تتفق مع المجتمع المعاصر. وقد حوفظ على المسافات الضرورية إزاء الأيديولوجية البرجوازية في الحزب بتشدد يقظ كان لينين ملهمه. ولم يتوقف عن العمل بالمشرط، فقطع الأربطة التي خلقها المحيط البورجوازي الصغير بين الحزب والرأي العام الرسمي. وكان لينين في الوقت ذاته يعلم الحزب كي ما يشكل رأيه العام الخاص، مستندًا إلى فكر ومشاعر الطبقة التي كانت تصعد. وهكذا خلق الحزب البلشفي وسطه، بالانتقاء والتعليم، وفي معركة متواصلة. ولم يخلق في وسطه السياسي فحسب، بل المعنوي أيضًا، وتم الخلق بصورة مستقلة عن الرأي العام البورجوازي ومتعارضة معه بصورة لا تنقص. هذا هو الذي سمح للبلاشفة بالقضاء على التردد في صفوفهم الخاصة، والمحافظة على القرار المقدام الذي لولاه لاستحال انتصار أكتوبر (تشرين الأول).

الهوامش

  1. وحدة نقدية رئيسية استخدمت في الاتحاد السوفييتي من عام 1922 إلى 1924. المعربان.
  2. “نوفايا جيزن”.
  3. قيل في محاضر جلسات اللجنة المركزية لعام 1917، التي نشرت في عام 1929، أن تروتسكي فسر تصريحه في السوفييت بما يلي: “إن كامنييف هو الذي اضطره إليه”. وفي هذا السرد خطأ واضح في تسجيل الأقوال، أو أن هذا الخطأ نجم فيما بعد عن صياغة غير صحيحة. ولا يحتاج تصريح تروتسكي إلى التوضيح خاصة؛ فقد نجم عن الظروف ذاتها. ومن عجائب الصدف أن لجنة موسكو الإقليمية نفسها، وهي التي كانت تدعم لينين تمامًا، وجدت نفسها مضطرة في اليوم ذاته، بتاريخ 18 إلى نشر تصريح في إحدى صحف موسكو، استخدمت فيه تقريبًا صيغة تروتسكي كلمة بكلمة: “نحن لسنا حزبًا من صغار المتآمرين، ونحن لا نحدد سرًا التواريخ لتظاهراتنا… وعندما نقرر الزحف، سنقوله في صحافتنا…” ولا يمكن إعطاء رد مختلف على المسائل التي لها علاقة بالأعداء. ولكن إذا لم يكن تصريح تروتسكي ولا يمكن أن يكون أبدًا انسياقًا وراء موقف كامنييف، فإن هذا التصريح قد شوه عندما أعلن كامنييف تضامنه الكاذب معه ولأنه لم ينشر كاملاً، في ظروف لم يكن تروتسكي يملك فيها إمكانية وضع النقاط الضرورية على الحروف.

لقراءة الفصل السابق يمكن مراجعة الرابط التالي:

تاريخ الثورة الروسية: لينين يدعو إلى الانتفاضة جـ 3