رأس المال: 4) شكل القيمة البسيط منظوراً إليه ككل

0
111

 

إن الشكل البسيط لقيمة سلعة من السلع مُتضمَّن في المعادلة التي تعبر عن علاقة القيمة بين هذه السلعة وسلعة أخرى مختلفة النوع، أو في علاقة التبادل بين الاثنتين. ويتم التعبير عن قيمة السلعة (آ) من ناحية نوعية بواقع أن السلعة (ب) قابلة للتبادل معها مباشرة، كما يتم التعبير عن قيمتها من ناحية كمية بواقع أن كمية محددة من (ب) قابلة للتبادل مع كمية معينة من (آ) بتعبير آخر: إن قيمة السلعة تكتسب تعبيراً محدداً، مستقلاً حين تتمثل بشكل “قيمة تبادلية”. وحين قلنا في بداية هذا الفصل، انسياقاً مع العرف الدارج إن السلعة هي قيمة استعمالية وقيمة تبادلية معاً، فقد كان قولنا خاطئاً، إن توخينا الدقة. إن السلعة هي قيمة استعمالية أو مادة نافعة و”قيمة”. وهي تبرز على أنها هذا الشيء المزدوج حالما تنال قيمتها شكلاً خاصاً لتجلي الظاهرة مختلفاً عن شكلها الطبيعي، هو شكلها كقيمة تبادلية. بيد أنها لا تكتسي هذا الشكل حين تكون معزولة بمفردها، بل حين توضع في علاقة قيمة أو علاقة تبادل مع سلعة أخرى من نوع مختلف. وما إن نعرف هذا حتى يزول الضرر من قولنا الخاطئ ذاك، ويخدم للإيجاز.
لقد بيّن تحليلنا أن شكل القيمة أو التعبير القيمي عن السلعة ينبثق من طبيعة قيمة السلعة، وليس العكس، إذ إن القيمة ومقدار القيمة لا ينبثقان من أسلوب التعبير عنهما كقيمة تبادلية. وبالمناسبة فإن هذا الأخير هو الوهم الشائع عند اشباع المركنتلية وأنصارها الجدد الذين أحبوها مؤخراً من أمثال فرييه وغانيل (1)، وكذلك خصومهم من الباعة المتجولين المعاصرين أنصار التجارة الحرة من طراز باستيا. يركز المركنتليون بشكل خاص على الجانب النوعي من التعبير عن القيمة، وبالتالي فإنهم يركزون على الشكل المُعادِل للسلعة الذي يبلغ تعبيره الكامل في النقد. أما باعة التجارة الحرة المعاصرون الساعون إلى التخلص من سلعهم بأي ثمن، فيركزون أشد التركيز على الجانب الكمّي من شكل القيمة النسبي. وبالنسبة لهم لا توجد قيمة ولا أي مقدار من القيمة للسلعة إلا ضمن التعبير عنها بواسطة العلاقة التبادلية بين السلع، أي إلا ضمن القائمة اليومية للأسعار الجارية. وقد جاء الاسكتلندي ماكليود ليضفي على الأفكار الاقتصادية المشوشة في لومبارد ستريت(*) حلّة علمية زاهية قدر الإمكان، نشغل بذلك توليفة موفقة بين أنصار المركنتيلية المؤمنين بالخرافة، والباعة المتنورين من أنصار التجارة الحرة.
إن التمعن الدقيق في التعبير عن قيمة السلعة (آ) بواسطة السلعة (ب)، هذا التعبير القائم في المعادلة المعبرة عن علاقة القيمة بين (آ) و (ب)، قد أظهر لنا، في حدود هذه العلاقة، أن الشكل الطبيعي لـ (آ) لا يُعدّ سوى مظهر قيمة استعمالية، والشكل الطبيعي لـ (ب) ليس سوى مظهر أو شكل القيمة. وإن ما تنطوي عليه كل سلعة من تضاد جوّاني بين القيمة الاستعمالية والقيمة، يتجلى للعيان في تضاد براني، أي بوضع سلعتين في علاقة كهذه، بحيث أن السلعة التي يُراد التعبير عن قيمتها هي تبرز مباشرة كقيمة استعمالية فقط، في حين أن السلعة التي يتم بواسطتها التعبير عن تلك القيمة، تبرز مباشرة كقيمة تبادلية فقط. لذا فإن الشكل البسيط لقيمة السلعة، هو أول شكل بسيط لتجلّي ظاهرة التضاد الكامن في السلعة بين القيمة الاستعمالية والقيمة.
إن كل منتوج للعمل يؤلّف قيمة استعمالية في كل أطوار المجتمع، ولا يتحول هذا المنتوج إلى سلعة إلا عند بزوغ حقبة تاريخية معيّنة من تطور المجتمع، حقبة يُصبح فيها العمل المبذول في إنتاج مادة نافعة واحدة من الخصائص «الشيئية، لهذه المادة، وهذه الخاصية هي قيمتها. ينتج عن هذا أن الشكل البسيط لقيمة السلعة هو أيضاً في الوقت عينه الشكل الأولي البسيط الذي يُظهر منتوج العمل، تاريخياً، على أنه سلعة، وأن تحوّل هذه المنتوجات، تدريجياً، إلى سلع يسير جنباً إلى جنب مع تطور شكل القيمة. بيد أننا نرى، بنظرة واحدة، قُصور الشكل البسيط للقيمة، فهو شكل نطفة بتعين أن تمر بسلسلة من الاستحالات قبل أن تنضج وتبلغ شكل السعر.
والواقع إن التعبير عن قيمة السلعة (آ) بواسطة أي سلعة أخرى مثل (ب)، لا يفعل شيئاً سوى تمييز قيمة السلعة (آ) عن قيمتها الاستعمالية الخاصة، وبالتالي فإنه يضعها في علاقة تبادل مع سلعة أخرى مفردة ومختلفة عنها هي (ب)، ولكنه لا يزال بعد قاصراً عن التعبير عن المساواة النوعية بين السلعة (آ) وجميع السلع الأخرى، وعن التناسب الكمّي بين هذه السلعة (آ) وبقية السلع الأخرى. إن شكل القيمة النسبي البسيط للسلعة يتطابق مع شكل مُعادِل واحد لسلعة أخرى. وهكذا، عند التعبير النسبي عن قيمة القماش، لا يتلبّس المعطف شكل المُعادِل ولا يكتسب شكل قابلية المبادلة المباشرة، إلا في إطار علاقته بهذه السلعة المفردة، وهي القماش في مثالنا.
مع ذلك فإن الشكل البسيط للقيمة يتحول تلقائياً إلى شكل أكثر كمالاً. صحيح أن الشكل البسيط يعبّر عن قيمة السلعة (آ) بواسطة سلعة أخرى واحدة من نوع آخر، ولكن سيان إن كانت هذه السلعة الواحدة الأخرى من أي نوع، كالمعطف والحديد والقمح، وهلمجرا. وعليه حين نضع (آ) في علاقة قيمة مع هذا النوع من السلع أو ذاك، تحصل السلعة الواحدة ذاتها، على تعبيرات بسيطة متباينة عن القيمة (2). ويتحدد عدد هذه التعبيرات الممكنة بعدد أنواع السلع المتميزة عن (آ). لذلك فإن التعبير المنفرد عن قيمة (آ) يمكن أن يتحول إلى سلسلة من مختلف التعبيرات البسيطة عن تلك القيمة، سلسلة قابلة للامتداد قدر ما نشاء.

________________________________

(1)- [حاشية للطلبة الثانية[: ف. ل. ا. فريبه (مساعد مفتش الجماركSous-inspecteur des douanes)، نظرة إلى الحكومة في علاقتها بالتجارة، باريس، 1805. وشارل غانيل، مذاهب الاقتصاد السياسي، الطبعة الثانية ، باريس، 1821.
(*)- شارع لومبارد ستريت في مركز مدينة لندن وتقع فيه أهم البنوك والشركات التجارية في إنكلترا .]ن. برلين[.
(2)- حاشية للطبعة الثانية: عند هوميروس، يجري التعبير عن قيمة شيء ما بسلسلة من اشياء مختلفة، (الإلياذة، الكتاب الثاني، الجزء السابع، ص 472 475 475-472 . ن. ع)

لمراجعة الفصل السابق يرجى الدخول من الرابط أدناه:

رأس المال: 3) شكل القيمة المُعادِل