تاريخ الثورة الروسية: فن الانتفاضة جـ 1

0
153

 

لا يقوم الناس بالثورة طواعية، كما لا يخوضون الحرب عن رضى أبدًا. ومع ذلك فإن الفرق بين الحرب والثورة هو أن الدور الحاسم في الحرب هو دور الإلزام والقسر. أما في الثورة فليس هناك من إلزام سوى إلزام الظروف وقسرها. وتنفجر الثورة عندما لا يبقى هناك سبيل آخر. ولا يمكن أن تحدث الانتفاضة، التي ترتفع فوق الثورة كقمة في سلسلة أحداثها، بصورة ارتجالية، كما لا يمكن ارتجال الثورة بمجملها. فالجماهير تهاجم وتتراجع في عديد من المرات قبل أن تقرر القيام بالانقضاض الأخير.

ويتعارض التآمر عادة مع الانتفاضة كمشروع دبرته الأقلية أمام الحركة الأولية للأكثرية. والواقع: تتميز الانتفاضة الظافرة، هذه الانتفاضة التي لا يمكن أن تكون إلا من صنع طبقة مخصصة لزعامة الأمة بمعناها التاريخي وبطرقها بصورة عميقة عن انقلاب مجموعة من المتآمرين يعملون من وراء ظهر الجماهير.

والحقيقة، هناك تناقض كافٍ في كل مجتمع طبقي، كيما يكون بالإمكان تخطيط مؤامرة في ثغراته. وتبرهن التجربة التاريخية مع ذلك على أن يكون المجتمع مريضًا إلى درجة معينة -كما في أسبانيا والبرتغال، وأمريكا الجنوبية- لكي تجد سياسة التآمر غذاءها باستمرار. ولا تستطيع المؤامرة أن تعطي -في الحالة الصرفة- حتى ولو انتصرت سوى استبدال رجال الدولة. ولم يحدث انتصار نظام اجتماعي على نظام آخر في التاريخ إلا بانتفاضة الجماهير. وفي حين تشكل المؤامرات الدورية في الغالب التعبير عن هزال المجتمع وعفنه، وتنبعث الانتفاضة عادة على العكس، كنتيجة لتطور سابق سريع، يخرق التوازن القديم للأمة. ولا تملك “الثورات” المزمنة لجمهوريات أمريكا الجنوبية أي شيء مشترك مع الثورة الدائمة. وعلى العكس، فهي متعارضة معها إلى حد ما.

ومع ذلك لا يعني ما قلناه أعلاه أبدًا أن الانتفاضة الشعبية والمؤامرة تستبعد كل منهما الأخرى في كل الظروف؛ فعنصر التآمر في هذا التدبير أو ذاك يدخل تقريبًا ودومًا في الانتفاضة. وليست الانتفاضة الجماهيرية، كمرحلة تصنعها الثورة تاريخيًّا في بعض الظروف، أولية بصورة صرفة. وحتى عندما تنفجر الانتفاضة بصورة مرتجلة بالنسبة لمعظم المشتركين فيها، فهي ملقحة بالأفكار التي يجد المتمردون فيها مخرجًا للشقاء الذي يعانونه في حياتهم. ولكن من الممكن أن تكون الانتفاضة الجماهيرية متوقعة ومعدة. ومن الممكن أن تنظم مسبقًا. وفي هذه الحالة، تكون المؤامرة مرتبطة بالانتفاضة، وتخدمها، وتسهل سيرها، وتسارع في انتصارها. وكلما كان المستوى السياسي لحركة ثورية رفيعًا، وكانت قيادتها جدية. كلما كان المكان الذي تحتله المؤامرة في الانتفاضة الشعبية أكبر.

ومن الضروري فهم العلاقة بين الانتفاضة والمؤامرة بصورة صحيحة، فيما يجعلها متعارضتين، وفيما يكمل بينهما بالتبادل، ونظرًا لأن لاستخدام كلمة “مؤامرة” أو تآمر مظهرًا متناقضًا في الأدبيات الماركسية، حسبما يكون الأمر متعلقًا بمحاولة مستقلة لأقلية تتخذ المبادرة، أو بإعداد الأقلية لانتفاضة الأكثرية.

حقًا، إن التاريخ يبرهن على أن الانتفاضة الشعبية تستطيع أن تنتصر في بعض الظروف، حتى بدون مؤازرة. وتستطيع الانتفاضة جر جزء من الجيش، وشل قوى العدو، وقلب السلطة القديمة، عندما تنبعث عن دفع “أوَّلي” لتمرد عام، واحتجاجات مختلفة، ومظاهرات وإضرابات، وصدامات في الشوارع. وقد كانت الانتفاضة في روسيا على هذا الشكل في فبراير (شباط) 1917. وكانت لدينا نفس اللوحة في تطور الثورتين الألمانية والنمساوية – الهنغارية خلال خريف 1918. وفي هاتين الحالتين، ضمن الحد الذي لم يكن فيه على رأس المتمردين حزب مشبع بصورة عميقة بمصالح الانتفاضة ونواياها، كان لا بُدَّ من أن ينقل انتصار هذه الانتفاضة السلطة إلى أيدي الأحزاب التي عارضت الانتفاضة حتى اللحظة الأخيرة.

إن قلب السلطة القديمة وتقويضها شيء، والاستيلاء على السلطة شيء آخر. وتستطيع البرجوازية في ثورة من الثورات الاستيلاء على السلطة لا لأنها ثورية، بل لأنها البرجوازية: فهي التي تسيطر على الممتلكات، والتعليم، والصحافة، وشبكة من نقاط الاستناد، وتسلسل في المؤسسات. ويختلف الوضع بالنسبة للبروليتارية؛ إذ لا تستطيع البروليتاريا المتمردة الاعتماد إلا على ظلها، وتماسكها، وكوادرها، وأركانها، لأنها محرومة من المزايا الاجتماعية الموجودة خارجها.

وكما أن الحداد لا يستطيع أن يمسك بيده العارية الحديد الحامي، فإن البروليتاريا لا تستطيع، وأيديها عارية، الاستيلاء على السلطة؛ فهي تحتاج إلى تنظيم خاص بهذه المهمة. ويكمن في مزج انتفاضة الجماهير بالمؤامرة. وفي تبعية المؤامرة للانتفاضة، وفي تنظيم الانتفاضة من خلال المؤامرة، يكمن في هذا المزيج المجال المعقد والثقيل لمسئوليات السياسة الثورية التي سماها ماركس وآنجلز “فن الانتفاضة”. وهذا يفترض قيادة عامة صحيحة للجماهير، ومرونة في التوجيه إزاء الظروف المتبدلة، وخطة للهجوم تم الإمعان فيها، وحذرًا في الإعداد التقني وجرأة في توجيه الضربة.

ويسمي المؤرخون والسياسيون عادة حركة الجماهير المرتبطة بعدائها للنظام القديم، والتي لا تملك أهدافًا واضحة، أو طرق كفاح موضوعة، أو قيادة تؤدي إلى النصر بصورة واعية، انتفاضة قوى أولية. وانتفاضة القوى الأولية أمر معترف به طوعًا من قبل المؤرخين الرسميين، والديمقراطيين على الأقل، كمصيبة حتمية تقع مسئوليتها على النظام القديم. وأن السبب الحقيقي لهذا الرفق هو أن انتفاضات القوى “الأولية” لا تستطيع أن تخرج من إطارات النظام البورجوازي.

ويسير في الخط ذاته أيضًا الحزب الاشتراكي – الديمقراطي؛ فهو لا ينكر الثورة أبدًا بصورة عامة كمأساة اجتماعية، كما لا ينكر أبدًا الهزات الأرضية، وثورات البراكين، وكسوف الشمس، ووباء الطاعون. ولكنه ينكر “البلانكية” وينكر ما يعتبره أسوأ منها، أي البلشفية، وهذا يعني أنه ينكر الإعداد الواعي للانتفاضة، والخطة، والتآمر. وبعبارات أخرى أن الاشتراكية – الديمقراطية مستعدة للموافقة على الانقلابات التي تنقل السلطة إلى أيدي البرجوازية بعد وقت ما، وتدين بتشدد في الوقت ذاته الطرق التي تستطيع وحدها نقل السلطة إلى البروليتاريا. وهكذا نرى أن سياسة الدفاع عن المجتمع الرأسمالي تختفي تحت قناع موضوعية مزيفة.

استنتج أوغست بلانكي من ملاحظاته وتأملاته حول إخفاق عدد من الانتفاضات التي شارك فيها، أو التي كان شاهدًا عليها، عددًا من القواعد التكتيكية، يتعرض انتصار الانتفاضة بدونها إلى صعوبات كبيرة، أو يصبح مستحيلاً. وطالب بلانكي بإنشاء مفارز ثورية نظامية في الوقت الملائم، ومركزة قيادتها، وتموينها بالذخيرة بصورة جيدة، كما طالب بإجراء توزيع محسوب جيدًا للمتاريس التي يعد بناؤها، والدفاع عنها بصورة متواصلة لا بصورة عارضة. وينبغي حتمًا تعديل هذه القواعد، الناجمة عن المشكلات العسكرية للانتفاضة، لتنفق مع الشروط الاجتماعية والتقنية العسكرية في الوقت ذاته. ولكن هذه القواعد، في حد ذاتها، ليست أبدًا من “البلانكية” بالمعنى الذي نفهمه تقريبًا من “الانقلابية” لدى الألمان أو “روح المغامرة” الثورية.

إن الانتفاضة فن له قوانينه ككل فن. وكانت قواعد بلانكي تشكل المطالب الواقعية للحرب الثورية. وكان خطأ بلانكي كامنًا لا في نظريته المباشرة، ولكن في نظيرها وعكسها. فنظرًا لأن العجز التكتيكي يحكم على الانتفاضة بالفشل، استنتج بلانكي بأن التقيد بقواعد تكتيك الانتفاضات قادر بحد ذاته على تأمين النصر. واعتبارًا من هنا فقط من الشرعي أن نعارض البلانكية بالماركسية. فالتآمر لا يحل محل الانتفاضة. ولا تستطيع الأقلية الفاعلة من البروليتارية، مهما كانت منظمة الاستيلاء على السلطة بمعزل عن الوضع العام للبلاد، وفي هذا، يحكم التاريخ على البلانكية. ولكن في هذا فقط. وتحتفظ النظرية المباشرة بكل قوتها. وللاستيلاء على السلطة لا تكتفي البروليتاريا بانتفاضة القوى الأولية؛ فهي بحاجة إلى تنظيم ملائم، وتحتاج إلى خطة، وتحتاج إلى مؤامرة. بهذا الشكل يطرح لينين المسألة.

ويعتمد نقد آنجلس الموجه ضد عبارة المتاريس على تطور التقنية العامة والتقنية العسكرية. ويتجاوب تكتيك الانتفاضة في البلانكية مع طبيعة باريس القديمة، ومع بروليتاريا يتألف نصفها من الصناع، كما يتجاوب هذا التكتيك مع الشوارع الضيقة، والنظام العسكري للويس فيليب. وإن خطأ البلانكية من الناحية المبدئية هو في تشبيه الثورة بالانتفاضة. ويتضمن الخطأ التقني للبلانكية في تشبيه الانتفاضة بالمتراس. وقد وجه النقد الماركسي ضد الخطأين. ولم يكتشف آنجلس الذي وجد بالاتفاق مع البلانكية أن الانتفاضة فن، المكان الثانوي للانتفاضة في الثورة، بل اكتشف الدور الزائل للمتراس في الانتفاضة. ولا يحتوي نقد آنجلس على أي شيء مشترك مع الامتناع عن استخدام الطرق الثورية البرلمانية الخالصة، كما حاول الرهان على ذلك جبناء الحزب الاشتراكي – الديمقراطي الألماني في ذلك الوقت بمساعدة رقابة الهوهنزولرن. وتبقى مسألة المتاريس بالنسبة لآنجلس مسألة أحد العناصر التقنية للانتفاضة. بَيْد أن الإصلاحيين حاولوا، أمام إنكار القيمة الحاسمة للمتراس، أن يستنتجوا من ذلك رفض العنف الثوري بصورة عامة. وكانوا في استنتاجهم هذا أشبه بمن فكر بالهبوط المحتمل لأهمية الخندق في الحرب المقبلة، فاستنتج من ذلك انهيار العسكريتاريا.

وليست السوفييتات التنظيم الذي تستطيع البروليتاريا بواسطته قلب النظام القديم فحسب، بل الحلول محله أيضًا. ولم يكن ما أصبح فيما بعد مسألة تجربة تاريخية حتى انتفاضة أكتوبر (تشرين الأول) سوى تشخيص نظري، معتمد حقًا على التجربة الأولية لعام 1805. إن السوفييتات هي أجهزة إعداد الجماهير للانتفاضة، وهي أجهزة الانتفاضة، وأجهزة السلطة بعد انتصار الانتفاضة.

ورغم هذا لا تحسم السوفييتات بحد ذاتها المسألة. وتستطيع حسب المنهاج والقيادة أن تكون ذات فائدة لأغراض مختلفة. وقد أعطى الحزب منهاج السوفييتات. فإذا استولت السوفييتات، في ظروف ثورة ما -وهي مستحيلة بصورة عامة خارج الثورة- على كل الطبقة، باستثناء الشرائح المتخلفة تمامًا، السلبية أو المفككة المعنويات، فإن الحزب الثوري يقود الطبقة. ولا يمكن حل مسألة الاستيلاء على السلطة إلا بمزج الحزب مع السوفييتات أو مع تنظيمات جماهيرية أخرى تعادل السوفييتات إلى حد ما.

ويتجه السوفييت، الذي يتزعمه حزب ثوري، بوعي وفي الوقت الملائم، للاستيلاء على السلطة. ويعد الحزب، منظمًا نفسه استنادًا إلى تبدلات الوضع السياسي، وعلى المناخ الفكري للجماهير، نقاط استناد الانتفاضة، ويربط مفارز الصدام بوحدة التصور، ويضع خطة الهجوم مسبقًا، وخطة الانقضاض الأخير؛ وهذا يعني بالضبط إدخال المؤامرة المنظمة في انتفاضة الجماهير.

وقد اضطر البلاشفة أكثر من مرة وقبل انتفاضة أكتوبر (تشرين الأول) إلى دحض الاتهامات التي وجهها إليهم خصومهم، هؤلاء الخصوم الذين كانوا يعزون للبلاشفة المكائد التآمرية والبلانكية. بَيْد أنه لم يكن هناك أحد كلينين خاض معركة تماثل في ضراوتها ضراوة المعركة التي خاضها لينين ضد أسلوب المؤامرة الصرف. وقد حمى انتهازيو الاشتراكية – الديمقراطية أكثر من مرة التكتيك الاشتراكي – الثوري القديم للإرهاب الفردي ضد عملاء القيصرية، وقاوموا نقد البلاشفة الشديد، هؤلاء البلاشفة الذين كانوا يعارضون الروح الفردية المغامرة للأنتليجنسيا ويقاومونها بالاتجاه إلى الانتفاضة الجماهيرية. ولكن لينين وهو يرفض كل أنواع البلانكية والفوضوية، لم ينحن لحظة واحدة أمام القوة الأولية “المقدسة” للجماهير. فقد تأمل لينين بعمق كبير وقبل الآخرين العلاقة بين العوامل الموضوعية والذاتية للثورة، وبين حركة القوى الأولية وسياسة الحزب، بين الجماهير الشعبية والطبقة المتقدمة، بين البروليتاريا وطليعتها، بين السوفييتات والحزب، بين الانتفاضة والمؤامرة.

ولكن إذا كان صحيحًا بأنه لا يمكن لأي حزب أن يثير انتفاضة على هواه، وأنه من الضروري للانتصار في الوقت ذاته، وفي وقت ملائم، تنظيم الانتفاضة، فإن مسألة التشخيص الصحيح تطرح نفسها من جراء هذا كله على القيادة الثورية. فمن الواجب في الوقت الملائم، مفاجأة الانتفاضة الصاعدة لتكميلها بالمؤامرة. ويبقى تدخل القابلة في الولادة، مع أننا بالغنا كثيرًا باستخدام هذا التشبيه، هو أقوى تفسير لتدخل واعٍ في التطور الأولي. وكان هيرزن في الماضي يتهم صديقه باكونين بأنه كان يعتبر دوما في كل مشروعاته الثورية الشهر الثاني للحمل وكأنه الشهر التاسع للحمل. أما هيرزن، فقد كان مستعدًا لإنكار الحمل ذاته في الشهر التاسع. ولم تكن مسألة تاريخ ولادة الانتفاضة مطروحة أبدًا في فبراير (شباط) نظرًا لأن الانتفاضة قد انفجرت “بصورة غير متوقعة” وبدون قيادة مركزية. ولهذا بالضبط لم تنتقل السلطة إلى أولئك الذين حققوا الانتفاضة، بل إلى أولئك الذين أبطأوا حركتها. وكان الوضع مختلفًا كل الاختلاف في الانتفاضة الجديدة، فلقد كانت معدة من قبل الحزب البلشفي بصورة واعية. وكانت المسألة: من واجب هيئة الأركان البلشفية أن تلتقط اللحظة المناسبة لإعطاء إشارة الهجوم.

وينبغي أن لا نفهم كلمة “لحظة” حرفيًّا، كيوم وساعة محددين؛ فقد أتاحت الطبيعة، حتى بالنسبة للأطفال، فروقًا في الزمن هائلة لا تهم حدودها فن المولد فحسب، بل تهم أيضًا علم حق الوراثة أيضًا. فبين اللحظة التي تكون فيها محاولة إحداث انتفاضة ما سابقه لأوانها بصورة محتمة وتؤدي إلى إجهاض ثوري، واللحظة التي ينبغي فيها اعتبار الوضع الملائم وضعًا قد ضاع بالتأكيد، بين هذا الوضع وذاك تنقضي فترة معينة من الثورة -ويمكن حسابها ببضعة أسابيع، وببضعة شهور أحيانًا- يمكن في بحرها تحقيق الانتفاضة بفرص كبيرة للنجاح إلى حد ما. إن تمييز هذه الفترة القصيرة نسبيًا واختيار لحظة معينة فيما بعد، بالمعنى الدقيق لليوم والساعة، لتوجيه الضربة الأخيرة، هو أثقل عبء من المسئولية على القيادة الثورية. ومن الممكن بحق تسميتها عقدة المسألة، لأنها تربط السياسة الثورية بتقنية الانتفاضة: فهل من الواجب أن نذكر بأن الانتفاضة، كالحرب، هي امتداد للسياسة، بوسائل أخرى؟

لقراءة الفصل السابق يمكن مراجعة الرابط التالي:

تاريخ الثورة الروسية: لينين يدعو إلى الانتفاضة جـ 4