تاريخ الثورة الروسية: فن الانتفاضة جـ 2

0
536

إن الحدس والتجربة ضروريان للقيادة الثورية، وضروريان أيضًا لكل مجالات الفن الخلاق الأخرى أيضًا. ولكن هذا لا يكفي. ويمكن لفن التجبير أيضًا (فن المعالجة الطبية دون شهادة طبيب) أن يعتمد على الحدس والتجربة بنجاح أيضًا. ولا يفيد فن التجبير السياسي مع ذلك إلا لفترات ومراحل يسود فيها الروتين سابقًا. ولا تتقبل فترة المنعطفات التاريخية الكبرى أعمال المجبرين السياسيين. فحتى التجربة، التي يوحي بها الحدس لا تكفيها؛ فهي بحاجة إلى طريقة مادية تسمح باكتشاف الحركة الحقيقية لأجسام المجتمع خلال الظلال الصينية، للمناهج والشعارات.

وتكمن الدلائل الأساسية لثورة من الثورات في أن النظام الاجتماعي القائم يجد نفسه عاجزًا عن حل المشاكل الأساسية لتطور الأمة. ومع ذلك لا تصبح الثورة ممكنة إلا في الحالة التي يوجد فيها ضمن تركيب المجتمع طبقة جديدة قادرة على زعامة الأمة لحل المسائل التي طرحها التاريخ. ويشتمل سياق إعداد الثورة على أن المهام الموضوعية، والمحددة بتناقضات الاقتصاد والطبقات، تشق طريقًا في وعي الجماهير البشرية الحية، وتعدل مظاهرها وتخلق موازين جديدة للقوى السياسية.

وتفقد الطبقات الحاكمة، كنتيجة لعجزها الواضح بإخراج البلاد من الطريق المسدود، تفقد إيمانها بذاتها، وتتفكك الأحزاب القديمة، وتقوم معركة مستميتة بين المجموعات والشلل، وتتعلق الآمال بمعجزة أو بصانع للمعجزات. كل هذا يشكل إحدى الدلائل السياسية للانتفاضة، المهمة إلى حد كبير، مع أنها دلالة سلبية.

وينشأ عداء شرس للنظام المستتب، وتتولد النية بالمغامرة بأكثر الجهود البطولية، وبذل الضحايا، لجر البلاد إلى طريق النهوض. هذا هو الوعي السياسي الجديد للطبقة الثورية الذي يشكل الباكورة التكتيكية الرئيسية للانتفاضة.

ومع ذلك لا يشكل المعسكران الرئيسيان -كبار الملاكين والبروليتاريا- في المجموع كل الأمة؛ إذ تدخل بينهما شرائح واسعة من البرجوازية الصغيرة، التي تلعب كل ألوان الموشور الاقتصادي والسياسي. ويشكل استياء الشرائح الوسيطة، وخيبات أملها إزاء سياسة الطبقة الحاكمة، ومللها وتمردها، واستعدادها لدعم المبادرة الثورية الجريئة للبروليتاريا، يشكل كل هذا الشرط السياسي الثالث للانتفاضة. وهو شرط سلبي جزئيًا ضمن الحد الذي يشل فيه قمم البرجوازية الصغيرة، كما أنه فعال ضمن الحد الذي يدفع فيه قواعد البرجوازية الصغيرة إلى الكفاح مباشرة، جنبًا إلى جنب مع العمال.

إن التبادل الشرطي لهذه البواكير أمر طبيعي؛ فكلما عملت البروليتاريا بحزم وثقة، وكلما زادت إمكانية جر الشرائح الوسيطة، كلما عزلت الطبقة الحاكمة، وزادت حدة تثبيط عزيمتها ومعنوياتها. وعلى العكس يجلب تفتت الزعماء الماء إلى طاحونة الطبقة الثورية.

ولا تستطيع البروليتاريا أن تتشبع بالثقة الضرورية بقواها الخاصة من أجل الانتفاضة، إلا في الحالة التي ينكشف فيها أمامها بعد واضح، وإلا إذا كانت تملك إمكانية التحقق بصورة فعالة من موازين القوى التي تتبدل لصالحها، وأحست فوقها بقيادة حاذقة حازمة وجريئة. ويقودنا هذا إلى الشرط، الذي يعتبر الأخير في تعدادنا، لكنه ليس الأخير في أهميته للاستيلاء على السلطة، وهو وجود الحزب الثوري كطليعة موحدة بصورة وثيقة ومجربة للطبقة.

وقد وجدت البروليتاريا الروسية على رأسها حزبًا موهوبًا بصورة استثنائية بالوضوح السياسي، وبتجربة لا مثيل لها بفضل مزج ملائم للشروط التاريخية، الداخلية والدولية، وهذا ما سمح وحده لطبقة شابة وقليلة العدد بتحقيق مهمة تاريخية واسعة وشاملة لم يسمع بسعتها وشمولها من قبل. وكانت أضعف حلقة في المسألة الشروط حتى الآن في كل الثورات بصورة عامة، كما يشهد التاريخ على ذلك هي حلقة الحزب بدءًا من كومونة باريس، والثورتين الألمانية والنمساوية في عام 1918، وسوفييتات هنغاريا وبافاريا، والثورة الإيطالية في عام 1919، والأزمة الألمانية في عام 1923، والثورة الصينية لسنوات 1925 – 1927، والثورة الأسبانية لعام 1931؛ إن أصعب شيء للطبقة العاملة هو إنشاء تنظيم ثوري على مستوى مهامها التاريخية. وهناك قوى هائلة في أقدم البلدان وأكثرها تمدينًا تعمل على إضعاف وتفتيت الطليعة الثورية. ويُرى جزء هام من هذا العمل في صراع الاشتراكيين – الديموقراطيين ضد “البلانكية” وهي تسمية يرمزون من ورائها إلى الروح الثورية للماركسية.

ومهما تعددت الأزمات الاجتماعية والسياسية الكبرى، فإن تطابق كل الشروط الضرورية لانتفاضة بروليتارية ظافرة وثابتة، لم ير حتى الآن في التاريخ إلا مرة واحدة: في أكتوبر (تشرين الأول) 1917 في روسيا. فالوضع الثوري ليس أبديًّا. وإن أقل الدلائل ثباتًا من كل دلائل الانتفاضة هو الحالة الفكرية البرجوازية الصغيرة. وتسير هذه الطبقة في وقت الأزمات الوطنية خلف الطبقة التي توحي إليها بالثقة لا بالقول فحسب، بل بالعمل أيضًا. ولا تملك البرجوازية الصغيرة القادرة على القيام باندفاعات محركة، وبجنون ثوري، أية مقاومة، وتفقد شجاعتها بسهولة في حالة الفشل، وتسقط من آمالها المحتدمة إلى خيبة الأمل. وهذه هي بالضبط التبدلات العنيفة والسريعة لأوضاعها الفكرية التي تعطي عدم استقرار كبير لكل وضع ثوري. وإذا لم يكن الحزب البروليتاري مصممًا بما فيه الكفاية لنقل انتظار وآمال الجماهير الشعبية إلى عمل ثوري في الوقت الملائم، يتحول المد فورًا إلى جزر، وتحول الشرائح الوسيطة أنظارها عن الثورة، وتبحث عن منقذ في المعسكر المضاد. وكما أن البروليتاريا تقود البرجوازية الصغيرة خلفها في المد الصاعد، فإن البرجوازية الصغيرة تقود خلفها عند الجرز شرائح هامة من البروليتاريا. هذه هي جدلية الموجات الشيوعية والفاشية في التطور السياسي لأوروبا بعد الحرب.

وقد أنكر المناشفة أن يكون من المقبول النضال من أجل ديكتاتورية البروليتاريا في روسيا المتخلفة؛ حيث ما زالت الرأسمالية لم تستهلك تمامًا، وحاولوا الاستناد إلى الكلمة الموجزة لماركس: لا يختفي أي نظام من المسرح قبل أن يستنفذ كل إمكانياته. وفي هذه المحاكمة خطيئتان، كل منهما قاتلة. فليست الرأسمالية نظامًا وطنيًا، ولكنها نظام عالمي. وقد أظهرت الحرب الإمبريالية وآثارها أن النظام الرأسمالي قد انتشر على المستوى العالمي. وكانت الثورة في روسيا مكسر أضعف حلقة في النظام الرأسمالي العالمي.

ولكن خطأ التصور المنشفي يبدو واضحًا أيضًا من وجهة النظر الوطنية. فمن الممكن أن نؤكد عند التمسك بتجريد اقتصادي -ولنسلم بذلك- على أن الرأسمالية في روسيا لم تستنفد كل إمكاناتها. ولكن التطورات الاقتصادية تمت في مكان آخر غير الدوائر المجردة، فقد حدثت في وسط تاريخي واقعي. وليست الرأسمالية تجريدًا؛ إنها نظام حي للعلاقات الطبقية التي تحتاج قبل كل شيء إلى سلطة حكومية. ولا ينكر المناشفة أبدًا أن الملكية التي تشكلت الرأسمالية الروسية تحت حمايتها قد استنفذت كل إمكاناتها. وقد حاولت ثورة فبراير (شباط) إقامة نظام حكومي وسيط تتبعنا تاريخه خطوة بخطوة؛ فقد استنفذ هذا النظام في خلال ثمانية شهور. فما هو النظام الحكومي الذي كان يستطيع في هذه الشروط تأمين التطور اللاحق للرأسمالية الروسية؟

ولقد وضع ميليوكوف التقدير الصائب التالي:

“إن الجمهورية البرجوازية، التي يدافع عنها فقط الاشتراكيون ذوو الاتجاهات المعتدلة، والذين لم يكونوا يجدون دعمًا وسط الجماهير… إن هذه الجمهورية لا تستطيع البقاء. وقد تآكل كل ما فيها من أساسي، ولم يبق منها سوى القشرة”. وكان من الواجب أن يكون مصير النظام المتآكل حسب رأيه هو مصير النظام القيصري ذاته؛ “فكلاهما مهدا الأرض للثورة، وكلاهما لم يجد مدافعًا واحدًا عنهما يوم الثورة”.

ومنذ يوليو (تموز) – أغسطس (آب) كان ميليوكوف يحدد الوضع بضرورة الاختيار بين اسمين: كورنيلوف أم لينين. ولكن كورنيلوف قام بضربته التجريبية التي انتهت بإخفاق محزن. ولم يعد هناك مكان أبدًا لنظام كرنسكي على كل حال. وشهد سوخانوف أنه مهما اختلفت الأوضاع الفكرية “لم يكن هناك وحدة إلا في الحقد على الكرنسكية”. وكما أصبحت الملكية القيصرية في النهاية مستحيلة في نظر قمم طبقة النبلاء وأفراد العائلة المالكة في الوقت ذاته، أصبحت حكومة كرنسكي مكروهة أيضًا من قبل ملهمي النظام، و”كبار الزعماء” من قمم التوفيقيين. ويكمن في هذا الاستياء العام، وفي هذا الضيق السياسي الحاد لكل الطبقات أحد أهم أعراض وضع ثوري وصل إلى مرحلة النضوج. وهكذا فقد توترت بشدة كل عضلة، وكل عصب، وكل وتر من الجهاز العضوي في عشية خرق الخراج الضخم.

وقد أشار قرار المؤتمر البلشفي في يوليو (تموز)، والذي حذر العمال من النزاعات السابقة لأوانها، إلى أن من الضروري قبول المعركة “عندما ستخلق أزمة كل الأمة والانتفاضة العميقة للجماهير شروطًا ملائمة لانضمام عناصر فقيرة من المدن والأرياف لقضية العمال”. وقد أتت هذه اللحظة في سبتمبر (أيلول) – أكتوبر (تشرين الأول).

ومنذ ذلك الوقت كان من حق الانتفاضة أن تأمل بالنجاح، لأنها كانت تستطيع الاعتماد على أكثرية شعبية حقيقية. ومن الواجب أن لا نفهم ذلك، بالطبع، فهمًا لفظيًّا. فلو أننا نظمنا مسبقًا استفتاء على مسألة الانتفاضة، لأعطى الاستفتاء نتائج متناقضة بصورة كلية ومتذبذبة. فالاستعداد الداخلي لدعم الانتفاضة لا يمكن أن يحدد أبدًا بالقدرة على رؤية ضرورة الانتفاضة مسبقًا وبوضوح. وبالإضافة إلى هذا، فإن الأجوبة على الاستفتاء سترتبط، إلى حد كبير، بطريقة طرح السؤال ذاته، وبالجهاز الذي سيدير التحقيق، أو ببساطة القول، بالطبقة التي ستوجد في السلطة.

إن للطرق الديمقراطية حدودها. ومن الممكن أن نسأل كل مسافري أحد القطارات لنعرف نموذج العربة التي تلائمهم بصورة أفضل، ولكن لا يمكن سؤالهم جميعًا لمعرفة ما إذا كان من الواجب إيقاف القطار المندفع بسرعة للخروج من سكته. بَيد أن إجراء عملية الأمن بصورة حاذقة وفي الوقت الملائم، سيؤمن لنا موافقة الركاب بلا شك.

وتتم الاستشارات البرلمانية كلها في الوقت ذاته. ولكن الشرائح الشعبية المختلفة تتوصل إلى نفس الاستنتاج في زمن الثورة مع بعض تأخر بعض الشرائح الحتمي، القصير جدًا أحيانًا، عن البعض الآخر. وفي حين تحترق الطليعة من نفاذ صبرها الثوري، تبدأ الشرائح المختلفة بالنهوض فقط. وكانت كل التنظيمات الجماهيرية في بتروغراد وموسكو تحت قيادة البلاشفة. ولم تظهر المجموعة البلشفية في سوفييت منطقة طامبوف، التي تعد أكثر من ثلاثة ملايين مواطن، أي أقل بقليل من العاصمتين معًا، لم تظهر المجموعة البلشفية للمرة الأولى إلا قبل انتفاضة أكتوبر (تشرين الأول) بفترة قصيرة.

ولا تتطابق القياسات المنطقية للتطور الموضوعي أبدًا -يومًا بيوم- مع القياسات المنطقية لتفكير الجماهير العميق. وعندما يصبح قرار عملي كبير، يتعلق بسير الأمور، عاجلاً وملحًا، فإن اتخاذه لا يسمح بإجراء استفتاء. وتتقلص اختلافات المستوى والوضع الفكري للشرائح الشعبية المختلفة عندما يبدأ العمل؛ فتجر عناصر الطليعة المترددين وتعزل المعارضين. ولا تقوم الأكثرية بتعداد نفسها، بل تغزو نفسها. وتندفع الانتفاضة بالضبط عندما لا يرى المخرج من التناقضات إلا في طريق العمل المباشر.

وقد انضمت طبقة الفلاحين العاجزة بذاتها عن استخلاص الاستنتاجات السياسية الضرورية من حربها ضد الملاكين النبلاء، انضمت هذه الطبقة مع ذلك مسبقًا بحكم انتفاضتها الزراعية إلى انتفاضة المدن، ونادت بانتفاضة المدن وطالبت بها. ولم تعبر عن إرادتها بواسطة نشرة بيضاء بل بواسطة “الديك الأحمر” (الحريق)؛ كان الحريق استفتاء أكثر جدية. وفي الحدود الذي كان فيها دعم الطبقة الفلاحية ضروريًا لإقامة الديكتاتورية السوفييتية، كان هذا الدعم موجودًا. وقد رد لينين على المترددين قائلاً: “ستعطي هذه الديكتاتورية الأرض للفلاحين، وكل السلطات للجان الفلاحين في المديريات، كيف يمكن لأحد أن يشك بدعم الفلاحين لهذه الديكتاتورية إلا إذا جن جنونه؟” فلكي يعرف الجنود والفلاحون، ولكي تعرض القوميات المضطهدة، الهائمة في العاصفة الثلجية للبطاقات الانتخابية، لكي يعرف كل هؤلاء كيف يعمل البلاشفة، ينبغي أن يستلم البلاشفة السلطة.

ما هو ميزان القوى الذي كان من الواجب أن يسمح للبروليتاريا بالاستيلاء على السلطة؟ لقد كتب لينين فيما بعد ما يلي مفسرًا انتفاضة أكتوبر (تشرين الأول): “ينبغي أن نملك تفوقًا ساحقًا في القوى في لحظة حاسمة، وفي نقطة حاسمة. إن هذا القانون في النجاحات العسكرية هو أيضًا قانون النجاح السياسي، وخاصة في هذه الحرب المستميتة، الفائرة، للطبقات، هذه الحرب التي تسمى بالثورة. وتقرر العواصم أو المراكز التجارية والصناعية الكبرى بصورة عامة… إلى حد كبير المصائر السياسية للشعب، شريطة أن تدعم المركز بالطبع بقوات محلية ريفية كافية، حتى لو لم يصل الدعم فورًا”. وكان لينين يتكلم عن الأكثرية الشعبية بهذا المعنى الديناميكي، ويشير إلى المعنى الحقيقي الوحيد لمفهوم الأكثرية.

كان الخصوم الديموقراطيون يعزون أنفسهم بالتفكير بأن الشعب الذي كان يتبع البلاشفة لم يكن إلا من المادة الأولية، ومن الطينة اللينة للتاريخ، وسيكون الديموقراطيون بالتعاون مع البورجوازيين المتعلمين القوالب التي سيسكبونها. وقد تساءلت صحيفة المناشفة قائلة ما يلي: “ألا يرى هؤلاء الناس أن بروليتاريا بتروغراد وحاميتها لم تكن في يوم من الأيام معزولة بمثل هذه القوة عن كل الشرائح الاجتماعية الأخرى؟”. وكانت تعاسة البروليتاريا وحامية بتروغراد أنها كانت “معزولة” عن الطبقات التي كانت تتأهب لانتزاع السلطة منها.

فهل من الممكن في الحقيقة الاعتماد بصورة جدية على تعاطف ودعم الجماهير الجاهلة في المناطق وفي الجبهة؟ لقد كتب سوخانوف بازدراء أن بلشفية هذه الجماهير “لم تكن شيئًا آخر سوى الحقد على الائتلاف والطمع بالحصول على الأرض والسلم”. وكأن هذا لا يكفي! وكان الحقد على الائتلاف يشير إلى جهد لانتزاع السلطة من البرجوازية. وكان الطمع بالأرض والتطلع إلى السلم يشكلان منهاجًا ضخمًا يتأهب الفلاحون والجنود لتحقيقه تحت قيادة العمال. ونجمت عدمية الديمقراطيين حتى أكثر اليساريين تطرفًا من بينهم، عن افتقار المتشائمين “المتعلمين” إلى الثقة بالجماهير الغامضة التي تأخذ الظواهر بمجموعها متجاهلة التفاصيل والفوارق. وكان الموقف الفكري، الأرستوقراطي زورًا وبهتانًا، المزدري للشعب، غريبًا عن البلشفية ومخالفًا لطبيعتها ذاتها. ولم يكن البلاشفة رجالاً ذوي أيادٍ بيضاء، وأصدقاء للشعب يعملون في المكاتب ويتظاهرون بالعلم والمعرفة. إن البلاشفة لا يخافون من الشرائح المتخلفة، التي كانت ترتفع للمرة الأولى، من الدرك الأسفل للمجتمع. وكان البلاشفة يأخذون الشعب كما صنعه التاريخ، وكما كان مخصصًا لتحقيق الثورة. ويعتبر البلاشفة أن مهمتهم قيادة هذا الشعب. وقد عارض “الكل” الانتفاضة وأدلوا بدلوهم في معارضتها فيما عدا البلاشفة. ولكن كان البلاشفة هم الشعب.

وتكمن القوة السياسية الأساسية لانتفاضة أكتوبر (تشرين الأول) في البروليتاريا، وفي التركيب الذي احتل فيه عمال بتروغراد المكان الأول. ومن ناحية أخرى كان حي فيبورغ يقف في طليعة العاصمة. وقد اختارت خطة الانتفاضة هذا الحي البروليتاري أساسًا كقاعدة للانطلاق في تطوير الهجوم.

وحاول التوفيقيون من كل الاتجاهات بعد الانتفاضة، بدءًا من مارتوف تصوير البلشفية على أنها اتجاه لجنود بسطاء. وتبنى الاشتراكيون – الديموقراطيون، وهم فرحون، هذه النظرية. وهنا أغلقوا عيونهم عن الوقائع التاريخية الأساسية، وهي أن البروليتاريا كانت أول من انحاز إلى جانب البلاشفة، وأن عمال بتروغراد هم الذين دلُّوا عمال كل البلاد على الطريق. وأن الحاميات والجبهة استمرت مدة أطول في دعم التوفيقيين، وأن الاشتراكيين – الثوريين والمناشفة منحوا الجنود كل أنواع المزايا في نظام السوفييتات، على حساب العمال، وكافحوا ضد تسليح العمال، وأثاروا الجنود ضدهم وحرضوهم. وأن تحولاً قد حدث في الرأي العام للقطعات بنفوذ العمال وتأثيرهم فقط. وأن قيادة الجنود في اللحظة الحاسمة كانت بيد العمال. وأخيرًا أن الحزب الاشتراكي – الديموقراطي الألماني اعتمد على الجنود في معركته ضد العمال بعد عام طبقًا للمثال الذي أعطاه أضرابه من الروس.

وفي الخريف، كان التوفيقيون اليمينيون قد فقدوا نهائيًا إمكانية الخطابة في المصانع والثكنات. ولكن اليساريين منهم ما زلوا يحاولون إقناع الجماهير بأن الانتفاضة محض جنون. وقد وجد مارتوف، الذي قاتل هجوم الثورة – المضادة في يوليو (تموز) دربًا إلى ضمير الجماهير وعاد منه الآن إلى عمل لا أمل منه. وقد اعترف هو بنفسه بتاريخ 14 أكتوبر (تشرين الأول) في جلسة اللجنة التنفيذية المركزية ما يلي: “إننا لا نستطيع أن نعد أنفسنا بأن يستمع إلينا البلاشفة”. ومع ذلك كان يعتبر أن من واجبه تحذير “الجماهير”، بَيْد أن الجماهير كانت تريد عملاً لا دروسًا في الأخلاق. وحتى في الحالة التي كانت الجماهير تستمع فيها بصبر نسبي للمخدر المعروف جيدًا، حتى في هذه الحالة استمرت هذه الجماهير حسب اعتراف مستيسلافسكي “على التفكير بطريقتها كالسابق”. وروي سوخانوف أنه حاول إقناع عمال مصانع بوتيلوف تحت سماء ممطرة بإمكانية تسوية المسألة دون عصيان. فقوطع بأصوات رجال ملُّوا ونفذ صبرهم. واستمع إليه العمال دقيقتين أو ثلاث دقائق، وقاطعوه أيضًا. “فتخليت بعد عدة محاولات؛ إذ لم تكن الأمور تجري كما ينبغي… وبللنا الرذاذ”. وكان شكل الديموقراطيين اليساريين البؤساء تحت السماء القليلة الرأفة في أكتوبر (تشرين الأول) وحسب وصوفهم الخاصة، شكل دجاجات مبللة بالماء.

لقراءة الفصل السابق يمكن مراجعة الرابط التالي:

تاريخ الثورة الروسية: فن الانتفاضة جـ 1