تاريخ الثورة الروسية: فن الانتفاضة جـ 3

0
114

كان الدافع السياسي المفضل لخصوم الانتفاضة “اليساريين”، هو افتقار القاعدة للزخم القتالي، كما كان هناك خصوم من أمثالهم وسط صفوف البلاشفة. وقد كتب زينوفييف وكامنييف بتاريخ 11 أكتوبر (تشرين الأول) ما يلي: “إن المناخ الفكري للعمال ولجماهير الجنود لا يُذكر أبدًا، حتى بالمناخ الفكري الذي كان سائدًا قبل 3 يوليو (تموز)”. ولم يكن هذا الكلام مجردًا من الدوافع. فثمة هناك في أوساط بروليتاريا بتروغراد فجيعة محددة ناجمة عن انتظار طويل. حتى أن هذه الأوساط قد بدأت تيأس من البلاشفة؛ فهل سيخيب البلاشفة أملها أيضًا؟ وبتاريخ 16 أكتوبر (تشرين الأول) تحدث راخيا -وهو من أكثر العناصر البلشفية في بتروغراد تصميمًا على القتال، وهو فنلندي الأصل- فقال في مؤتمر اللجنة المركزية: “من الطبيعي أن شعارنا قد بدأ يتراجع لأننا نشك بقدرتنا على تنفيذ ما ندعو إليه”. ولكن الملل والتعب من الانتظار، الذي كان يشبه الذيول والارتخاء، لم يستمر حتى إشارة القتال الأولى.

إن المهمة الأولى لكل انتفاضة هي ضم القطعات العسكرية إليها. ويساعد الإضراب العام، والتظاهرات الجماهيرية، والصدامات في الشوارع، ومعارك المتاريس، على تحقيق هذه المهمة. وإن الطرافة الخاصة بانتفاضة أكتوبر (تشرين الأول) والتي لم تلاحظ أبدًا في أي مكان بمثل هذه الدرجة من الكمال هي أن الطليعة البروليتارية، بفضل مساعدة مؤاتية من الظروف، نجحت في جر حامية العاصمة إلى جانبها حتى قبل بداية الانتفاضة. ولم تنجح هذه الطليعة في جر الحامية فحسب، بل نجحت بتعزيز كسبها بواسطة التنظيم، وبفضل مؤتمر الحامية. ولا يمكن فهم ميكانيكية انتفاضة أكتوبر (تشرين الأول) دون أن نعي تمامًا بأن أهم مسألة تخضع لحساب أولي من أصعب الحسابات كانت في الأساس قد حلت في بتروغراد قبل المعركة المسلحة.

وهذا لا يعني أبدًا مع ذلك أن الانتفاضة قد أصبحت لا فائدة منها. حقًا، لقد انضمت الأكثرية الساحقة من حامية الموقع إلى جانب العمال، ولكن الأقلية كانت ضد العمال، وضد الانتفاضة، وضد البلاشفة. وكانت هذه الأقلية الصغيرة تتألف من أفضل عناصر الجيش وأكثرها كفاءة: الضباط، اليونكرز، كتائب الصدام، وربما القوزاق أيضًا. ولم يكن من الممكن كسب هذه العناصر من الناحية السياسية؛ كان لا بُدَّ من قهرها وهكذا كان لمسألة الانتفاضة في جزئها الأخير، هذه الانتفاضة التي دخلت التاريخ تحت إشارة أكتوبر (تشرين الأول)، كان لهذه المسألة طابع عسكري صرف. فلا بُدَّ من أن يأتي الحل، في المرحلة الأخيرة، من البنادق، والحراب، والرشاشات، وربما من المدافع. وقد سار حزب البلاشفة في هذا الطريق.

فما هي القوات العسكرية للنزاع الذي كان يتهيأ؟ لقد روي بوريس سوكولوف الذي كان يدير العمل العسكري للحزب الاشتراكي – الثوري: “تفتت كل تنظيمات الأحزاب في الأفواج، فيما عدا تنظيمات البلاشفة. ولم تكن الظروف ملائمة أبدًا لتشكيل تنظيمات جديدة. وكان رأي الجنود قد تبلشف بصورة واضحة، ولكن بلشفتهم كانت سلبية. وكانوا محرومين من كل ميل طبيعي لاستخدام السلاح بصورة فعالة” وذلك في الفترة التي سبقت الانتفاضة. ولم ينس سوكولوف أن يضيف ما يلي: “كان يكفي فوج أو فوجان مخلصان تمام الإخلاص وقادران على القتال لإلحاق الهزيمة بكل قطعات الحامية”. ومن المؤكد أن الجميع، بدءًا من جنرالات الملكية إلى المفكرين “الاشتراكيين”، كانوا يفتقرون “إلى فوج أو فوجين” لمحاربة الثورة البروليتارية. ولكن الصحيح أيضًا أن الحامية بأكثريتها الساحقة المعادية للحكومة عداء مستحكمًا، لم تكن مع كل هذا مستعدة للقتال، ولم تنضم أبدًا إلى جانب البلاشفة. ويعود السبب في ذلك إلى القطيعة النهائية بين البنية العسكرية القديمة للقطعات وبنيتها السياسية الجديدة. ويتشكل العمود الفقري لأي عنصر من القطعات المقاتلة من القيادة. وكانت هذه القيادة معارضة للبلاشفة أيضًا. ومن وجهة النظر السياسية كان البلاشفة يشكلون العمود الفقري للقطعة. ومع ذلك، لم يكن البلاشفة يجهلون فن القيادة فحسب، بل كانوا في معظم الحالات يجهلون استخدام السلاح أيضًا. ولم تكن كتلة الجنود متماسكة. وشكلت العناصر العاملة والمقاتلة الأقلية كما يحدث دومًا. وكانت أكثرية الجنود متعاطفة مع البلاشفة، وتصوِّت لهم، وتنتخبهم، ولكنها لا تتوقع منهم حلاً. وكانت العناصر المعادية للبلاشفة في القطعات تافهة بشكل لا يسمح لها بأن تغامر بأية مبادرة من أي نوع. وهكذا كان الرأي العام السياسي للحامية ملائمًا بصورة استثنائية للانتفاضة. ولكن لم يكن ذا وزن ثقيل من وجهة النظر القتالية، هذا ما كان واضحًا مسبقًا.

ومع كل هذا، لم يكن من الملائم أبدًا طرح الحامية من حسابات العمليات العسكرية. فقد كان الألوف من الجنود المستعدين للقتال إلى جانب الثورة مبعثرين وسط كتلة أكثر سلبية، وكانوا لهذا يجرونها ويقودونها إلى حد كبير نوعًا ما. وحافظت قوات مختلفة، ذات تشكيل أكثر نجاحًا، على الانضباط وعلى قدرتها القتالية. ووجدت نويات ثورية متينة في كل التشكيلات، وفي الكتيبة الاحتياطية السادسة التي تعد عشرة آلاف جندي تقريبًا، تميزت السرية الأولى دائمًا على السرايا الخمس. وكانت هذه السرية قد حصلت تقريبًا منذ بداية الثورة على سمعة انتمائها للبلشفية، وقد برهنت أنها أهل لذلك طيلة أيام أكتوبر (تشرين الأول). وكانت أفواج الحامية غير موجودة كأفواج متوسطة في قيمتها وأيم الحق، وكانت آلية قيادتها مختلة، ولم تكن قادرة على بذل جهد عسكري طويل. ولكن كانت مع ذلك تشكل تجمعات بشرية مسلحة، مرت أكثريتها بتجربة القتال والتعميد تحت النار. وكانت كل القوات مرتبطة بالمناخ الفكري الواحد ذاته: قلب كرنسكي بأسرع ما يمكن، والعودة إلى المنازل، والقيام بالإصلاحات الزراعية. وهكذا اضطرت الحامية، المتفتتة تفتتًا كاملاً إلى ضم صفوفها مرة أخرى أيضًا خلال أيام أكتوبر (تشرين الأول)، وإلى القيام بقعقعة سلاح مهيبة قبل أن تنحل نهائيًا.

فما هي القوة التي كان يشكلها عمال بتروغراد من وجهة النظر العسكرية؟ إن هذا السؤال يتعلق بالحرس الأحمر. فقد جاء الوقت للحديث عنه بالتفصيل: إن الحرس الأحمر مخصص للأيام المقبلة لكي يدخل المسرح الكبير للتاريخ.

وقد ولد الحرس العمالي من جديد مع ثورة فبراير (شباط) بتقاليده التي ترجع إلى عام 1905، وشارك فيما بعد متاعب مصير هذه الثورة. وكان كورنيلوف القائد العام لمنطقة بتروغراد العسكرية في ذلك الوقت يؤكد بأن المسئولين عن مستودعات المدفعية قد هربوا 30.000 مسدس و40.000 بندقية خلال أيام قلب النظام الملكي إلى أيدي الشعب. وبالإضافة إلى هذا، وقعت كمية هائلة من الأسلحة بين أيدي الشعب بسبب نزع سلاح الشرطة وبفضل الأفواج المتعاطفة مع الشعب. وعندما طالبت الحكومة بإعادة الأسلحة، لم يتجاوب أحد مع هذا الطلب. وقد علمت الثورة أفراد الشعب بأن يحصل كل فرد منهم على بندقية. ولم يستطع العمال المنظمون مع ذلك أن يحصلوا إلا على جزء صغير جدًا من هذه الغنيمة غير المتوقعة.

ولم تكن مسألة الانتفاضة مطروحة أبدًا بالنسبة للعمال خلال الأشهر الأربعة الأولى. لأن النظام الديموقراطي لازدواجية السلطات، أتاح للبلاشفة إمكانية الحصول على الأكثرية في السوفييتات. وكانت السرايا العمالية غير النظامية (دروجيني) تشكل أحد عناصر المليشيا الديمقراطية. ولكن كان كل هذا في الشكل بالأحرى أكثر من الجوهر. فقد كانت البندقية بين يدي العامل تعني مبدأ تاريخيًا مختلفًا تمام الاختلاف عن المبدأ التاريخي لبندقية بين يدي طالب.

وقد أقلق حصول العمال على السلاح الطبقات المالكة منذ البدء، نظرًا لأن موازين القوى قد تبدلت في المصانع من جراء هذا. وكانت المليشيا العمالية لا تبدو مثيرة للتهديد إلى حد كبير في بتروغراد؛ حيث كان جهاز الدولة، الذي تدعمه اللجنة التنفيذية المركزية يمثل في البدء قوة لا جدال فيها. ولكن تعزيز الحرس العمالي في المناطق الصناعية في الريف أشار إلى أن كل الموازين قد قلبت وقوضت لا في داخل المؤسسات فحسب، بل بعيدًا عنها أيضًا وفي المناطق المجاورة لها. وكان العمال المسلحون يعزلون رؤساء الورش، والمهندسين ويعتقلونهم أحيانًا. وقد دفعت مرتبات الحرس الأحمر في بعض الأحيان من ميزانيات المؤسسات بناء على قرار صادر عن مؤتمر المصنع. وفي الأورال، حيث كانت ما تزال تسود تقاليد كفاح الأنصار لعام 1905، وحيث تأصلت فأصبحت تقاليد عريقة، أشرفت السرايا العمالية غير النظامية على حفظ النظام واستتبابه تحت قيادة المناضلين القدامى. وقضى العمال المسلحون على السلطة الرسمية شيئًا فشيئًا، واستبدلوها بأجهزة السوفييتات. وفرض التخريب الذي مارسه الملاكون والإداريون على العمال عبء حماية المشروعات: الآلات، والمستودعات، واحتياطي الفحم والمواد الأولية. فقد عكست الأدوار. وكان العامل يضغط بقوة على بندقيته ليحمي المصنع الذي كان يرى فيه مصدر قوته. وهكذا استقرت عناصر الديكتاتورية العمالية في المؤسسات والنواحي واستتبت حتى قبل أن تستولي البروليتاريا بمجموعها على سلطة الدولة.

وعارض التوفيقيون بكل قواهم تسليح عمال العاصمة وقللوه إلى الحد الأدنى، وعكسوا كما كانوا يعكسون دومًا مخاوف الملاكين. وكان كل تسليح ناحية نارفا يتألف حسب رأي مينيتشيف “من 15 بندقية وبعض المسدسات”. وفي خلال هذا الوقت تضاعفت في المدينة أعمال النهب والعنف. وكانت الإشاعات المرعبة تتقاطر من كل حدب وصوب، تعلن عن حدوث زعازع جديدة. وفي عشية تظاهرة يوليو (تموز) كانوا يتوقعون احتراق الناحية. وكان العمال يبحثون عن أسلحة، ويطرقون كل الأبواب للحصول عليها، ويقتحمون هذه الأبواب أحيانًا.

وحصل عمال بوتيلوف على غنيمة من مظاهرة 3 يوليو (تموز): رشاش مع خمسة صناديق علب أشرطة. وروي مينيتشيف هذه الواقعة قائلاً: “كنا سعداء كالأطفال”. وكانت بعض المصانع أفضل تسليحًا. وحسب رواية ليتشكوف كان عمال مصنعه يملكون 80 بندقية و20 مسدسًا ضخمًا. إنها لثروة بالنسبة إليهم! وحصلوا بواسطة أركان الحرس الأحمر على رشاشين. ربص أحدهما في المطعم، وربص الثاني في العلية. وروى ليتشكوف ما يلي: “كان رئيسنا كوتشيروفسكي، وكان أقرب معاونيه إليه طومتشاك، الذي قتله الحرس الأبيض خلال أيام أكتوبر (تشرين الأول) قرب تساركويه – سيلا، وإيفيموف الذي أعدمته عصابات البيض قرب إيامبورغ”. وتسمح هذه السطور الشحيحة بإلقاء نظرة في داخل مخبر المصانع؛ حيث تشكلت كوادر انتفاضة أكتوبر (تشرين الأول)، وكوادر الجيش الأحمر المقبل؛ حيث اختيرت، وتمرست على فن القيادة، قيادات من أمثال طومتشاك وإيفيموف، ومئات وألوف من العمال المجهولين الذين استولوا على السلطة، ثم دافعوا عنها بإقدام ضد العدو، وسقطوا فيما بعد فوق كل ساحات المعارك.

وعدلت أحداث يوليو (تموز) وضع الحرس الأحمر فورًا. وتم نزع سلاح العمال بصورة مكشوفة وصريحة، باستخدام القوة لا باستخدام الإقناع. وبحجة تسليم السلاح، لم يسلم العمال سوى السلاح البالي والعتيق. وأخفى باعتناء كل سلاح ذي قيمة. ووزعت البنادق على الموثوق من أعضاء الحزب. ودُفنت الرشاشات بعد أن شُحمت. وانسحبت مفارز الحرس وانتقلت إلى الحياة السرية، مرتبطة بصورة أقوى وأوثق بالبلاشفة.

كانت مهمة تسليح العمال مركزة بصورة أولية بين أيدي لجان المصانع ولجان النواحي التابعة للحزب. واهتم التنظيم العسكري للبلاشفة بعد أن أعيد وتجدد بعد عملية السحق التي تمت في يوليو (تموز)، واهتم لأول مرة بتدريب الحرس الأحمر، ووفر للعمال مدربين وأسلحة في بعض الحالات، بعد أن كان لا يعمل في السابق إلا وسط الحامية وفي الجبهة. وأعد احتمال الانتفاضة المسلحة التي أشار إليها الحزب، العمالَ المتقدمين شيئًا فشيئًا لمهمة جديدة في الحرس الأحمر. ولم تعد هناك أبدًا مليشيا المصانع والأحياء العمالية، بل هناك كوادر جيش الانتفاضة المقبل.

وفي أغسطس (آب) أصبحت الحرائق في المصانع والمعامل كثيرة جدًا. وفي تتابع الأزمات، كانت كل أزمة منها مسبوقة بانقلاب في الوجدان الجماعي الذي يرسل موجة مثيرة للذعر أمامه. وكانت لجان المصانع تعمل بدأب لحماية المشروعات من المؤامرات. وأخرجت البنادق التي كانت قد أُخفيت. وحولت انتفاضة كورنيلوف الحرس الأحمر إلى حرس شرعي نهائيًّا. وانتسب إلى السرايا العمالية حوالي 25.000 شخص، الذين لم يكن من الممكن تسليحهم كلهم بالبنادق وتسليح بعضهم بالرشاشات. وجلب العمال من مصنع البارود في شلوسلبورغ مركبًا عبر نهر النييفا محملاً بالقنابل والمتفجرات، ضد كورنيلوف! ورفضت اللجنة التنفيذية المركزية للتوفيقيين هذه الهبة. ووزع جنود الحرس الأحمر في ضاحية فيبورغ هذه الهدايا الخطرة على الأحياء خلال الليل.

وروى العامل سكرانكو ما يلي: “إن التدريبات المتعلقة بفن استخدام البندقية، الذي تم التدريب استنادًا إليها في السابق في المساكن والأكواخ تتم الآن في الهواء الطلق، وفي الحدائق، والشوارع الرئيسية”. وقال العامل راكيتوف في مذكراته: “لقد تحولت الورشة إلى موقع عسكري. وأمام المخارط كان عمال الفريزة يتقلدون المزاود وبنادقهم فوق آلاتهم”. ثم تطوع في صفوف الحرس كل العمال الذين يعملون في الورشة التي تصنع فيها القنابل باستثناء الاشتراكيين – الثوريين والمناشفة. وكان جميع العمال الذين يعملون في الورشة التي تصنع فيها القنابل باستثناء الاشتراكيين – الثوريين والمناشفة. وكان جميع العمال يصطفون عند سماع صفارة انتهاء العمل في الباحة من أجل التمرين. “ويصغي العامل الملتحي وبجانبه العامل المبتدئ إلى المدرب بانتباه…”. وبينما كانت تتفتت نهائيًّا القطعات القيصرية القديمة، كانت أسس الجيش الأحمر المقبل تُرسَى في المصانع.

وما أن تم تخطي مرحلة الخطر التي يمثلها كورنيلوف، حتى بدأ التوفيقيون في المماطلة بتنفيذ تعهداتهم؛ فلم يسلموا سوى 300 بندقية لـ30.000 عامل في مصانع بوتيلوف. ثم أوقفوا تسليم السلاح نهائيًّا؛ فقد أصبح الخطر الآن منبعثًا من اليسار لا من اليمين. وكان على التوفيقيين أن يحاولوا حماية هذا الوضع بواسطة اليونكرز لا بواسطة البروليتاريين.

وسبب الافتقار إلى هدف عملي مباشر، وعدم كفاية التسليح جزرًا في حماسة العمال الذين بدأوا يتركون صفوف الحرس الأحمر. ولكن لم تكن هذه سوى عطالة قصيرة. فقد أتيح الوقت الكافي للكوادر الأساسية لضم صفوفها في كل مؤسسة. وتوطدت علاقات متينة بين السرايا المختلفة. وعرفت الكوادر بالتجربة أنها تملك احتياطًا كبيرًا يمكن تجهيزه في ساعة الخطر.

وعدل انتقال السوفييت إلى أيدي البلاشفة وضع الحرس الأحمر جذريًا. وأصبح الحرس الأحمر بعد أن كان في السابق مطاردًا أو متسامحًا بنشاطه جهازًا رسميًّا للسوفييت الذي بدأ يمد ذراعه نحو السلطة. ووجد العمال الفرص مرارًا للتزود بالسلاح ولم يطلبوا من السوفييت سوى التصريح بالحصول عليه. ومنذ نهاية سبتمبر (أيلول)، ومنذ 10 أكتوبر (تشرين الأول) بصورة خاصة وضعت الاستعدادات للانتفاضة بصورة مكشوفة على جدول الأعمال. وبدأ الجميع قبل شهر من الانتفاضة، في عشرات المصانع والمعامل في بتروغراد، يمارسون التدريب العسكري بصورة نشيطة، ويتدربون على الرمي أساسًا. وفي منتصف أكتوبر (تشرين الأول) ازداد الاهتمام باستخدام السلاح أيضًا. وفي بعض المؤسسات، تطوع كل العمال تقريبًا وانضموا إلى السرايا العمالية.

وازداد طلب العمال بإلحاح على الأسلحة من السوفييت، ولكن كانت هناك بنادق أقل بكثير من الأيدي الممدودة لاستلامها. وروي المهندس كوزمين ما يلي: “كنت أجيء كل يوم إلى سمولني. وأرى كيف كان العمال والبحارة يقتربون من تروتسكي قبل جلسة السوفييت وبعدها، يقدمون السلاح للعمال أو يطالبون به لهم، ويعملون بتوزيع الأسلحة، ويطرحون الأسئلة: متى نبدأ إذن؟ وكان الملل كبيرًا…”.

وبقي الحرس الأحمر مستقلاً عن الأحزاب من الناحية الصورية. ولكن كلما اتجه الوضع إلى النهاية، كان البلاشفة ينتقلون إلى المرتبة الأولى في السيطرة عليه؛ فقد شكل البلاشفة نواة كل سرية في الحرس الأحمر، وسيطروا على جهاز القيادة، وأقاموا الاتصال مع المصانع الأخرى والنواحي. وتبع العمال غير الحزبيين والاشتراكيين – الثوريون اليساريون البلاشفة.

ومع ذلك ما زالت صفوف الحرس الأحمر قليلة العدد في أمسية الانتفاضة. وبتاريخ 16، قدر أوريتسكي عضو اللجنة المركزية للبلاشفة أن تعداد الجيش العمالي في بتروغراد ارتفع إلى 40.000 حربة، ولكن هذا الرقم مبالغ فيه. فما زالت مصادر التسليح محدودة جدًا، ومهما تكن الحكومة ضعيفة، فمن غير الممكن الاستيلاء على الترسانات إلا بالسير في طريق الانتفاضة.

وبتاريخ 22 انعقد مؤتمر الحرس الأحمر لكل المدينة، وقد ضم حوالي مائة من المندوبين يمثلون تقريبًا 20.000 مقاتل. ولا ينبغي أن يؤخذ الرقم حرفيًّا؛ فلم يظهر العاملون أنهم كلهم فعالون. وبالمقابل، كان المتطوعون يتوافدون بأعداد كبيرة في حالات الخطر، للانضمام إلى المفارز. وعرفت الأنظمة التي طبقها المؤتمر في اليوم التالي الحرس الأحمر بأنه “تنظيم القوات المسلحة البروليتارية لمحاربة الثورة المضادة وللدفاع عن مكاسب الثورة”. ولنلاحظ هذا: قبل الانتفاضة بأربع وعشرين ساعة، كانت مهمة القوات محددة ضمن إطار الدفاع عن الثورة لا الهجوم على السلطة.

وكانت التشكيلة الأساسية هي المجموعة المؤلفة من عشرة جنود. وتشكل كل أربع مجموعات فصيلة. وتتألف السرية من ثلاث فصائل. وتضم الكتيبة ثلاث سرايا. وتعد الكتيبة مع القيادة والقوات الخاصة أكثر من 500 جندي. وتشكل كتائب الناحية مفرزة. وقد أنشئ في المصانع الكبرى كمصنع بوتيلوف مفارز مستقلة. وكانت المجموعات الخاصة بالتقنيين – النقابين، سائقو السيارات، عمال البرق، رماة الرشاشات، المدفعيون، تجند في المؤسسات الخاصة بهم، وتضم إلى مفارز المشاة، أو تعمل بصورة مستقلة، حسب طبيعة المهمة المطروحة. وتتم القيادة كلها بالانتخاب. وليس في هذا الانتخاب أية خطورة؛ فكل الموجودين هنا متطوعون يعرفون بعضهم بعضًا بصورة جيدة.

وأنشأت العاملات مفارز صحيحة. وأعلن مصنع صنع عتاد المستشفيات العسكرية عن إعداد دورات للتمريض. وقد كتبت ناتيانا غراف ما يلي: “هناك في كل المصانع تقريبًا مصالح منتظمة للعاملات، تعمل في الإسعاف الطبي، ومزودة بعتاد التضميد الضروري”. وكان التنظيم فقيرًا جدًا بالموارد المالية والتقنية. وأرسلت لجان المصانع العتاد لوحدات الإسعاف ولوحدات الفدائيين تدريجيًا. وخلال ساعات الانتفاضة، تطورت بعض الخلايا الضعيفة بسرعة. ووجدت تحت تصرفها فورًا موارد تقنية هائلة. وبتاريخ 4 أوصى سوفييت حي فيبورغ “بمصادرة كل السيارات فورًا… وجرد كل عتاد التضميد لسيارات الإسعاف، ووضع خدمة مناوبة فيها”.

وكان عدد متزايد من العمال اللاحزبيين يجيء للقيام بتمارين الرماية والمناورة. وازداد عدد قطعات الحراسة. وكانت الحراسة في المصانع مؤمنة نهارًا وليلاً. واستقرت هيئات أركان الحرس الأحمر في أبنية أوسع. وفي مصنع صنع غلافات الخراطيش، أجري بتاريخ 23 اختبار لمعارف الحرس الأحمر. وغرقت محاولة أحد المناشفة لمهاجمة الانتفاضة في حديثه إلى الوحدات العمالية وسط عاصفة من السخط، وأخذ العمال يصيحون: كفى، لقد ولَّى زمن المناقشات! وكانت حركتهم لا تقاوم، حتى أن روح المقاومة هذه استولت على المناشفة أيضًا. وروت تاتيانا غراف ما يلي: “كان العمال يتطوعون في الحرس الأحمر، ويغدون جزءًا من كل الخدمات المنظمة ويظهرون بديهة أيضًا”. ووصف سكورانكو كيف تآخى مع البلاشفة داخل المفرزة في 23 كافة الاشتراكيين – الثوريين والمناشفة في المفرزة، شيبًا وشبانًا، وكيف عانق سكورانكو بفرح شديد أباه الذي كان يعمل في المصنع ذاته. وروى العامل بسكوفويه ما يلي: “كان في المفرزة المسلحة عمال شبان، عمرهم 16 سنة تقريبًا، وشيوخ تصل أعمارهم إلى الخمسين عامًا”. وأضاف هذا الاختلاف الكبير بين الأعمار “نشاطًا وروحًا مقاتلة”.

كان حي فيبورغ يستعد للمعركة بحماسة خاصة جدًا. وكانوا يلقون القبض على رؤساء الجسور المتحركة المنصوبة في الحي، ويدرسون النقاط الضعيفة فيه، وينتخبون لجنتهم العسكرية الثورية، ولجان المصانع، وينظمون المناوبات. وكتب كييوروف حول موضوع عمال فيبورغ بكبرياء شرعي؛ “كانوا أول من دخل المعركة ضد الأوتوقراطية وأول من شرَّع تحديد ساعات العمل اليومي بثماني ساعات في ناحيتهم، وأول من خرج بالسلاح للاحتجاج ضد الوزراء الرأسماليين العشرة، وأول من احتج بتاريخ 7 يوليو (تموز) ضد المطاردات التي تعرض لها حزبنا، ولم يكونوا الأخيرين في يوم 25 أكتوبر (تشرين الأول) الحاسم”. وما هو حق هو حق!

لقراءة الفصل السابق يمكن مراجعة الرابط التالي:

تاريخ الثورة الروسية: فن الانتفاضة جـ 2