سودان: الثورة السلمية في عظمتها وحدودها

0
156

بقلم فواز طرابلسي

عشية ١٨ كانون الاول/ديسمبر٢٠١٨ تحرّك قطار سكة حديد من مدينة عطبرة، المضربة احتجاجا على غلاء المعيشة والفساد، لينضمّ أهالي المدينة العمالية الى جماهير بورتسودان وام درمان والخرطوم في إطلاق ثورة شعبية سلمية عارمة ضد عهد «ثورة الانقاذ» لعام ١٩٨٩ التي جاءت الى الحكم بالجبهة الإسلامية وعمر البشير.
عشية يوم ١٧ آب/اوغسطس ٢٠١٩ وصل قطار عطبرة، وقد عُمّد «قطار الثورة»، الى الخرطوم ليشارك أهالي مدينة الثورة في الاحتفال بالتوقيع على الوثيقة الدستورية.
خارج القاعة، جماهير محتشدة تختلط عندها الفرحة بالانتصار بالتوجّس من حدود الإنجاز وبالتصميم على الاستمرار لتحقيق الحكم المدني وتغيير النظام بمجمله.
مع التوقيع على الوثيقة الدستورية، وصل قطار الثورة الى محطة تاريخية مع انها لن تكون الأخيرة.
على مدى أكثر من أربعة أشهر، نمت حركة شعبية سلمية عارمة، تضغط بقوة العدد والإرادة والوحدة على السلطة العسكرية-الأمنية. في الشوارع جيل جديد من نساء وشباب لم يعرف معظمهم غير عهد «ثورة الانقاذ» الإسلامية وقد أجروا تمرينهم الاول على الثورة خلال انتفاضة العام ٢٠١٣ التي قمعها البشير بالقتل والاعتقالات. وعلى مدى أربعة أشهر عمّت التظاهرات والاضرابات والاعتصامات في أكبر عدد من المدن والبلدات والولايات، تحضنها شبكة استثنائية من الهيئات القاعدية من لجان مقاومة وتنسيقيات ولجان احياء وتنظيمات نسوية وشبابية ونقابات، الخ.
القيادة لتحالف نشأ حول «اعلان الحرية والتغيير» طالب بتنحي عمر البشير وتسليم الحكم لحكومة مدنية تخضع لها القوات المسلحة والأمنية. ضم التحالف كتلتين حزبيتين: حزب الامة التقليدي وحلفاءه، من جهة، وتحالفا قوميا-يساريا يضم الحزب الشيوعي وحزبي البعث والناصريين، من جهة اخرى. على ان القيادة اليومية كانت لـ«تجمع المهنيين السودانيين» الذي نشأ في خضم الحراك كمعارضة سياسية غير حزبية تمثل نقابات المهن الحرة.
في نيسان-ابريل، حاصرت التظاهرات مكتب عمر البشير تطالبه بالتنحي («تسقط بس!») وطوّقت القيادة العامة للجيش. في ١١ منه، وقع انقلاب عسكري-أمني اعتقل فيه البشير ومدير الامن، صلاح قوش، وأعلن عن تشكيل «مجلس عسكري انتقالي» لسنتين ما لبثت ان آلت رئاسته الى عبد الفتاح البرهان، المفتش الاول للجيش، ونائبه محمد حمدان دقلو-حميدتي، قائد «قوات التدخل السريع» (المكوّنة في معظمها من ميليشيات الجنجويد ذات الشهرة الدموية في دارفور). والضابطان معروفان بعلاقتهما الوثيقة بالعربية السعودية والامارات، يتوليان تصدير المقاتلين السودانيين الى اليمن، بما فيهم الأطفال. في مطلع أيار/مايو، ردّت قوى الثورة على الانقلاب بخرق حالة الطوارئ وتنظيم «مليونية السلطة المدنية».
خلال أشهر، راوغ المجلس العسكري في المفاوضات مع قوى الحرية والتغيير الى ان أمّن الدعم والتمويل والتسليح من الترويكا المضادة للثورة – مصر-السعودية-الامارات، ولم يزعجه بشيء موقف أميركي يدعو الى منع الفوضى وعودة الامن والاستقرار. بناء عليه، انتقلت قوى الانقلاب من الدفاع الى الهجوم. اقدمت «قوات الدعم السريع» يوم الثالث من حزيران/يونيو على فض اعتصام القيادة في مجزرة سقط فيها أكثر من مئة قتيل وعدة مئات من الجرحى، وقد رميت عشرات الجثث في النهر، وتعرض عدد من المعتصِمات للاغتصاب. ارتكب المجلس العسكري مجزرته وأعلن قطع المفاوضات.
لم تقضِ المجزرة على الانتفاضة لكنها أدت الى اختلال في موازين القوى إذ حرمت قوى الثورة من الطوق الذي كانت تضربه على مركز قيادة الجيش. ردّت قوى الحرية والتغيير في اليوم التالي للمجزرة بالاعتصام العام وبالإضرابات والتظاهرات المليونية.
في ظل هذا الاختلال في موازين القوى، وتفاوت المواقف داخل «قوى الحرية والتغيير» حول اشكال التصعيد، استؤنفت المفاوضات التي افضت الى صياغة اتفاق على وثيقة دستورية بناء على وساطة حاسمة لرئيس وزراء اثيوبيا وممثل الاتحاد الافريقي. وهذه أبرز بنودها:
-فترة انتقالية من ٣٩ شهرا يتم خلالها تحقيق السلام مع الحركات المسلحة، ومحاسبة مسؤولي «النظام البائد» عن الجرائم بحق الشعب، ومنها مجزرة فض الاعتصام في ٣ يونيو وسائر الانتهاكات، ومعالجة الازمة الاقتصادية، وتأمين استقلال القضاء وتحقيق حقوق النساء والشباب والاعداد لدستور جديد.
-يشرف على الفترة الانتقالية مجلس سيادة يتشكل مناصفة بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى اعلان الحرية والتغيير بالإضافة الى عضو مدني يجري اختياره بالتوافق بين الطرفين. يرأس المجلس رئيسٌ عسكري خلال الـ ٢١ شهرا الاولى ورئيس مدني خلال الـ١٨ شهرا المتبقية.
على ان يحلّ المجلس العسكري الانتقالي نفسه بعد تشكيل مجلس السيادة.
-مجلس وزراء، تختاره قوى الحرية ويعيّنهم مجلس السيادة.
-تعيين مجلس تشريعي، خلال ٩٠ يوما، يضم ٦٧٪ من ممثلي قوى الحرية والتغيير و٣٣٪ من القوى الأخرى، من صلاحياته سحب الثقة من الوزارة.
-في ختام المهلة الدستورية، سن دستور نهائي وتنظيم انتخابات حرّة تفضي الى قيام حكم مدني.
تم تشكيل مجلس السيادة برئاسة عبد الفتاح برهان وضم خمسة عسكريين وخمسة ممثلين عن أحزاب قوى الحرية والتغيير بينهم احدى قائدات الحركة النسوية. واختيرت محامية قبطية بما هي العضو الحادي عشر، كما اختيرت امرأة رئيساً للقضاء، وتشكلت حكومة انتقالية.
هكذا طوت الثورة السودانية السلمية ثلاثين سنة من دكتاتورية عمر البشير الدموية الفاسدة. ونجحت في احداث خرق في النظام القائم، وفرضت شراكة، وإن تكن غير متكافئة، مع العسكريين الانقلابيين مفتوحة امام شتى الاحتمالات.
# اول المهمات – محاسبة ومعاقبة المسؤولين عن مجزرة فك اعتصام القيادة – تصطدم برفض العسكريون تشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة لهذا الغرض.
#مساءلة ومحاسبة اركان النظام. تجري محاكمة عمر البشير بتهمة «الثراء الحرام» بتجاهل كامل لجرائمه ضد الانسانية ومسؤوليته في انفصال الجنوب، وفي الفساد وسوء ادارة الاقتصاد، وغيرها. اما ان يكون أحد اكبر المتّهمين بجرائم ضد الانسانية في دارفور، الفريق اول حميدتي، هو موقّع الوثيقة الدستورية مع قوى الحرية والتغيير فأشبه بصك منع محاكمة مسبق عنه وعن أعوانه الباقين في السلطة.
#الثغرات التي يمكن للعسكر ان ينفذوا منها لتعطيل المرحلة الانتقالية او الاحتفاظ بالهيمنة على مؤسسات الحكم المدني والحياة المدنية. وابرزها ان لا سلطة للمجلس السيادي ولا للوزارة على القوات المسلحة والامنية، التي احتفظت لنفسها بحق تعيين وزيري الدفاع والداخلية.
# السؤال المركزي في السياسة الاقتصادية والاجتماعية والتنموية. انطلقت الاحتجاجات الشعبية العام ٢٠١٣ نهاية العام ٢٠١٨ ضد سياسية الافقار والفساد التي انتهجها نظام البشير تلبية لطلب المؤسسات المالية والإنمائية الدولية: خفض قيمة العملة، رفع الدعم على السلع الغذائية والمحروقات، وغيرها. فماذا ستكون سياسيات الاقتصادية الاجتماعية لحكومة تكنقراط سوف تتعرّض للضغوط والاملاءات إياها، تضاف الى مسووليتها عن معالجة قضايا المناطق المتأثرة بالحروب والفئات المهمشة والمستضعفة.
الحزب الشيوعي السوداني هو أبرز المعارضين للاتفاق. سجّل على الاتفاق وعلى حلفائه في قوى الحرية والتغيير: تغييب الجماهير عن المشاركة في المفاوضات؛ القبول بمشاركة العسكريين في المرحلة الانتقالية؛ حصر قضايا الدفاع والجيش والأمن بالعسكريين؛ عدم تشكيل لجنة دولية مستقلة للتحقيق في مجزرة فض اعتصام القيادة؛ والتخوّف من ان يكون تشكيل مجلس السيادة مقدمة لقيام نظام رئاسي. وإذ أعلن الحزب التزامه بالمعارضة السلمية، واصل دعوته الى «تغييرات جذرية متمثلة في اسقاط النظام وتفكيك دولة الرأسمالية الطفيلية وتصفيتها».
الطرف الآخر المعارِض للاتفاق هو «الجبهة الثورية» التي تضم الحركات المسلّحة في الغرب والجنوب الغربي، في بلاد النوبة والنيل الأزرق ودارفور. وقد رفضت حضور مراسيم توقيع الوثيقة الدستورية احتجاجا على عدم اشراكها في المفاوضات، على انها أكدت التزامها بالهدنة بينها وبين النظام وبالمعارضة السلمية للاتفاق.
هل كان لقوى الحرية والتغيير خيار آخر لتحسين شروط التسوية مع المحافظة على سلمية حراكها بعد ان فُضّ اعتصام القيادة العامة؟ سوف يكون هذا السؤال في صلب حوارات ونقاشات جميع المشاركين والمعنيين بالثورة السودانية.
الثورة مستمرة بالتأكيد. ولكن بأي مقادير من الحشد وبأي وسائل ضغط واحتجاج وعرقلة تناسب المرحلة الانتقالية؟

ننوّه إلى أن الآراء الواردة في المواد المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن آراء ومواقف “الرابطة الأممية للعمال – الأممية الرابعة”