تاريخ الثورة الروسية: فن الانتفاضة جـ 4

0
129

إن تاريخ الحرس الأحمر هو إلى حد كبير تاريخ ازدواجية السلطات؛ فقد أعطت هذه الازدواجية بتناقضاتها الداخلية ونزاعاتها للعمال سهولة أكبر لإنشاء قوة مسلحة مهيبة، منذ ما قبل الانتفاضة. وكان توطيد كل المفارز العمالية في طول البلاد وعرضها في وقت الانتفاضة مهمة غير ممكنة التحقيق تقريبًا، وفي الوقت الحاضر على الأقل. وعلى كل حال، فقد شكل عشرات وعشرات الألوف من العمال المسلحين كوادر الانتفاضة. وكان معين الوحدات الاحتياطية لا ينضب تقريبًا.

وبقي تنظيم الحرس الأحمر بالطبع بعيدًا عن الكمال. فكان كل شيء يتم بسرعة، وبصورة إجمالية تقريبية، وبشكل غير حاذق دومًا. وكان معظم أفراد الحرس الأحمر سيئي الإعداد، وتنتظم مصالح الارتباط ارتباطًا رديئًا، كما كان التموين لا يسير بصورة جيدة، وكان الفرع الصحي متخلفًا. ولكن الحرس الأحمر كان بعد تكملته بأكثر العمال استعدادًا للتضحية، يتحرق شوقًا لقيادة المعركة حتى النهاية في هذه المرة. وهذا ما حسم المسألة نهائيًّا.

ولم يكن الفارق بين المفارز العمالية وأفواج الفلاحين محددًا باختلاف التركيب الاجتماعي لهؤلاء وأولئك فقط. بَيْد أن عددًا كبيرًا من هؤلاء الجنود الخشنين، الذين عادوا إلى قراهم واقتسموا فيما بينهم أرض الملاكين، قاتلوا بشراسة ضد الحرس الأبيض، أولاً في مفارز الأنصار، ثم في الجيش الأحمر. وبصرف النظر عن الفارق الاجتماعي، هناك فارق مباشر آخر هو: في حين كانت الحامية تشكل تجمعًا إجباريًّا من الجنود القدامى الذين يرفضون الحرب، كانت مفارز الحرس مشكلة بصورة مجددة، بانتقاء فردي، وعلى قاعدة جديدة وبتصورات جديدة.

وكانت اللجنة العسكرية الثورية تملك سلاحًا ثالثًا أيضًا: بحارة البلطيق. وكان وسط البحارة بتركيبهم الاجتماعي أقرب إلى العمال من جنود المشاة. وتضم صفوف البحارة عددًا لا بأس به من عمال بتروغراد. وكان المستوى السياسي للبحارة أعلى بكثير من مستوى الجنود، كما كان مستواهم مختلفًا عن الاحتياطيين الضعيفين من الناحية القتالية، والذين نسوا استخدام البندقية؛ ذلك لأن البحارة ما زالوا في الخدمة الفعلية.

وبالنسبة للعمليات الفعَّالة، كان من الممكن الاعتماد بصورة جدية على الشيوعيين المسلحين، وعلى مفارز الحرس الأحمر، وعلى طليعة البحارة، وعلى الأفواج التي احتفظت بكيانها بصورة أفضل من غيرها. وكانت عناصر هذا التجمع العسكري تتكامل فيما بينها. وكانت الحامية العديدة لا تملك إرادة كافية للنضال. ولم تكن مفارز البحارة قوية عدديًّا بما فيه الكفاية. وافتقر الحرس الأحمر إلى التجربة. وأظهر العمال مع البحارة قوة وإقدامًا واندفاعًا. وشكلت أفواج الحامية احتياطًا ضعيف الحركة يفرض هيبته بوفرة عدده وبكتلته الساحقة.

ووعى البلاشفة بعد احتكاكهم اليومي مع العمال والجنود والبحارة، الفوارق الكيفية العميقة بين عناصر الجيش التي سيدفعونها إلى القتال. وقد بُني جزء كبير من خطة الانتفاضة ذاتها على حساب هذه الفوارق.

وكانت القوة الاجتماعية للمعسكر الآخر مؤلفة من الطبقات المالكة المتحكمة. وهذا يعني أنها حددت ضعفها العسكري. أما الشخصيات الهامة لرأس المال، والصحافة، والكراسي الجامعية، فمتى قاتلت؟ وأين قاتلت؟ كانت هذه الشخصيات معتادة على الاستعلام بالهاتف أو البرق عن نتائج المعارك التي ستحدد مصيرها الخاص. فمتى وأين قاتل الجيل الجديد والأبناء والطلاب؟ كانوا كلهم تقريبًا معادين لانتفاضة أكتوبر (تشرين الأول). ولكن كان معظمهم ينتظرون مع آبائهم نتيجة القتال، وهم بعيدون عن المعارك. وانضم جزء فيما بعد إلى الضباط وإلى اليونكرز الذين كانوا يجندون في الماضي من أوساط الطلاب. ولم يكن الملاكون يملكون الشعب إلى جانبهم. وقد تحوَّل العمال والجنود والفلاحون ضدهم وأظهر انهيار الأحزاب التوفيقية أن الطبقات المالكة بقيت دون جيش.

وإذا كان للسكك الحديدية أهميتها في حياة الدول الحديثة، فإن مسألة عمال السكك تتخذ في الحسابات السياسية لكلا المعسكرين أهمية كبيرة ملائمة. وأتاح التأليف التسلسلي لموظفي السكك الحديدية إمكانات في منتهى التلون السياسي، وخلقت الإمكانات بهذا الشكل شروطًا ملائمة للديبلوماسيين التوفيقيين. واحتفظت الفيكجل التي تشكلت مؤخرًا بجذور أقوى في أوساط المستخدمين، والعمال، من جذور لجان الجيش في الجبهة مثلاً. ولم يتبع البلاشفة في السكك الحديدية إلا أقلية بسيطة مؤلفة من عمال المستودعات والورش أساسًا. وكان أقرب عمال السكك إلى الحزب هم عمال شبكتي بتروغراد وموسكو حسب تقرير شميدت، أحد الزعماء البلاشفة في الحركة النقابية.

وقد حدث تحول مفاجئ إلى اليسار بدءًا من ساعة إضراب عمال السكك الحديدية في نهاية سبتمبر (أيلول)، ولوحظ هذا التحول حتى في كتلة المستخدمين والعمال التوفيقيين. وارتفع مد الاستياء الذي أثارته الفيكجل عندما ورطت نفسها بمخاتلاتها، وازداد تصميم هذا الاستياء. وكتب لينين بأن “جيوش عمال السكك ومستخدمي البريد مستمرون في نزاعهم الحاد مع الحكومة”. وكان هذا كافيًا تقريبًا من وجهة نظر المسائل الفورية للانتفاضة.

وكان الوضع أقل ملاءمة في إدارة البريد والبرق. وحسب رأي البلشفي بوكيه “يقوم أعضاء الكاديت بالحراسة على مقربة من الأجهزة اللاسلكية – الهاتفية”. ولكن هنا أيضًا قاوم الموظفون الصغار الموظفين الكبار بعداء. وكان هناك بين صفوف سعاة البريد مجموعة مستعدة للاستيلاء على البريد في اللحظة المناسبة.

وكان من العبث على كل حال التفكير بإقناع كل عمال السكك الحديدية ومستخدمي البريد بالقول فحسب. ولو أن البلاشفة كانوا مترددين لانتصر الكاديت وانتصر الموظفون الكبار من أتباع التوفيقيين. ولو كانت القيادة الثورية مصممة، لجرت القاعدة خلفها الطبقات الوسيطة حتمًا، ولعزلت زعماء الفيكجل. وأن الإحصاءات لوحدها لا تكفي في حسابات الثورة؛ إذ لا بُدَّ من أن يدخل في الحساب عامل العمل الحي.

ومع ذلك وجد خصوم الانتفاضة، في صفوف الحزب البلشفي ذاته، دوافع كافية لاستنتاجات متشائمة. وأعطى زينوفييف وكامنييف إنذارًا بعدم التقليل من أهمية قوى الخصم. “إن بتروغراد تقرر، ولكن الخصوم في بتروغراد يملكون قوات هامة: 5.000 يونكرز مسلحين تمام التسليح، ويعرفون كيف يقاتلون، بالإضافة إلى هيئة أركان، وكتائب الصدام، والقوزاق، وقسم كبير من حامية الموقع، ومدفعية هائلة منتشرة كمروحة حول بتروغراد. وفضلاً عن هذا سيحاول الخصوم بمعونة اللجنة التنفيذية المركزية بالتأكيد جلب قطعات من الجبهة…”. وهذا التعداد يفرض الهيبة والجلال، ولكنه ليس سوى تعداد. وإذا كان الجيش يعتبر بمجموعة نوعًا من التجمع الاجتماعي، فإنه عندما ينقسم بصورة مكشوفة يصبح الجيشان تجمعين لمعسكرين متضادين. وكان جيش المالكين يحمل في تكوينه سوس العزلة والتفتت.

وكانت الفنادق والمطاعم، وأندية القمار بعد قطيعة كرنسكي مع كورنيلوف مكتظة بالضباط المعادين للحكومة. ومع ذلك كان حقدهم على البلاشفة أقوى وأكثر حدة. وكان الضباط الملكيون يمارسون أكبر نشاط لصالح الحكومة، وكان هذا النشاط متفقًا مع القاعدة العامة. وقد تضرع الضابط سينغوب -أحد المدافعين الهامين- عن قصر الشتاء في يوم الانتفاضة، تضرع وابتهل قائلاً ما يلي: “أعزائنا كورنيلوف وكريموف، قد ننجح في ما لم تستطيعا القيام به، والله المعين…”. ولكن لم يكن هناك مع كل هذا إلا وحدات نادرة أظهرت بالفعل أنها مستعدة للمعركة، مع أن تعداد هيئة الضباط كان كبيرًا. وكانت مؤامرة كورنيلوف قد أظهرت أن الضباط الذين انهارت معنوياتهم حتى الحضيض، لا يشكلون قوة مقاتلة.

وكان التركيب الاجتماعي لليونكرز غير متجان؛ إذ لم يكن هناك إجماع على رأي واحد فيما بينهم. وانتشر في صفوفهم عدد وافر من العناصر الانتهازية، التي جندت لحاجات الحرب منذ أيام الملكية إلى جانب العسكريين بالوراثة، أبناء الضباط وأحفادهم. وقال رئيس مدرسة الهندسة لأحد الضباط: “لقد انتهينا، أنت وأنا وأصبحنا محكومًا علينا… ألسنا من النبلاء وبوسعنا أن نفكر بصورة مختلفة؟”. إن هؤلاء السادة المتبجحون، الذين نجوا من الموت ميتة نبيلة، يتحدثون عن اليونكرز ذوي الأصل الديمقراطي كما يتحدثون عن البهائم والفلاحين الفقراء. “ذوي القسمات الغليظة النابية”. وهكذا رُسم خط فاصل عميق بين رجال الدم الأحمر ورجال الدم الأزرق في داخل مدارس اليونكرز. وكان أكثر المتحمسين من بينهم لحماية السلطات الجمهورية هم أولئك الذين ندموا أكثر من غيرهم النظام الملكي. وقد صرح اليونكرز الديمقراطيون بأنهم يعارضون كرنسكي، ولكنهم يؤيدون اللجنة التنفيذية. وفتحت الثورة للمرة الأولى أبواب مدارس اليونكرز لليهود. وأظهر أبناء الأسر البرجوازية اليهودية روحًا عدائية ضد البلاشفة، وحاولوا أن يكونوا أهلاً للامتيازات التي حصلوا عليها. ولكن هذا لم يكن كافيًا لإنقاذ النظام ولا كافيًا أيضًا للدفاع عن قصر الشتاء. وأعطى التركيب المتنافر للمدارس العسكرية وعزلتها التامة عن الجيش النتيجة التالية: وهي أن اليونكرز بدأوا في الساعات الحرجة أيضًا بعقد المؤتمرات التي عالجوا فيها الأمور التالية: كيف سيتصرف القوزاق؟ هل هناك قطعات أخرى ستزحف غيرنا؟ هل تستحق الحكومة المؤقتة عناء القتال من أجلها بصورة عامة؟

وكانت مدارس بتروغراد العسكرية تضم حوالي 120 طالبًا اشتراكيًا من اليونكرز بينهم 42 أو 43 بلشفيًا، حسب تقرير وضعه بودفويسكي في بداية أكتوبر (تشرين الأول)، واستطرد التقرير قائلاً: “ويقول اليونكرز إن كل قيادة المدارس تتمتع بروح مضادة للثورة. وإن هذه القيادة تعدهم علانية لمقاومة المظاهرات، ولسحق الانتفاضة… إن عدد الاشتراكيين، والبلاشفة بصورة خاصة، كما نرى، عدد تافه جدًا. ولكن هؤلاء يتيحون لسمولني إمكانية معرفة كل الأمور الأساسية التي تحدث في وسط اليونكرز، وفضلاً عن هذا، فإن بنية كل المدارس العسكرية غير ملائمة لليونكرز إلى حد كبير. فهم منتشرون وسط الثكنات. ومع أنهم يتحدثون عن الجنود بازدراء إلا أنهم يقدرونهم إلى حد كبير”.

وكان لمخاوفهم ما يبررها. وتراقب ألوف النظرات المعادية الصادرة من الثكنات المجاورة والأحياء العمالية اليونكرز. وتزداد قوة هذه المراقبة نظرًا لأن هناك مفرزة جنود في كل مدرسة، تتقيد بالحياد في أقوالها، ولكنها في الحقيقة تميل إلى جانب الثوار. كما أن مستودعات أسلحة المدارس بين أيدي الجنود الذين خرجوا من الصف. وقد كتب ضابط من مدرسة الهندسة ما يلي: “لم يكتف هؤلاء الأنذال بفقدان مفاتيح المستودع بشكل جعلني مضطرًا إلى  اقتحام الباب، ولكنهم عمدوا أيضًا إلى نزع أقفال الرشاشات وإخفائها في مكان أجهله”. ومن الصعب في مثل هذه الظروف توقع معجزات بطولية من اليونكرز.

ألم تكن انتفاضة بتروغراد مهددة بضربة من الخارج، ومن الحاميات المجاورة؟ ألم تتوقف الملكية خلال أيامها الأخيرة عن الاعتماد على الحلقة الصغيرة من القطعات التي كانت تطوق العاصمة. لقد أخطأت الملكية الحساب. ولكن ماذا سيحدث في هذه المرة؟ إن ضمان الشروط التي تستبعد كل خطر، يعني إلغاء فائدة الانتفاضة، أن هدف الانتفاضة هو كسر الحواجز التي لا يمكن القضاء عليها بواسطة السياسة. ولا يمكن استباق حساب كل شيء. ولكن الحساب شمل كل ما كان توقعه ممكنًا.

وفي بداية أكتوبر (تشرين الأول) انعقد في كرونشتادت مؤتمر سوفييتات منطقة بتروغراد. وكانت لهجة مندوبي حاميات الضاحية غاتشينا، وتساركويه – سيلا، وكراسنويه – سيلا وأورانينبوم، وكرونشتادت ذاتها مرتفعة جدًا، حسب سلم أصوات واحتجاجات بحارة البلطيق. وانضم إلى قرارهم سوفييت مندوبي فلاحي منطقة بتروغراد؛ فقد مال الموجيك، الذين تجاوزوا الاشتراكيين – الثوريين اليساريين إلى البلاشفة بحماسة.

ورسم العامل ستيبانوف في اجتماع اللجنة المركزية الذي انعقد بتاريخ 16 لوحة ملونة إلى حد ما عن حالة القوات في المنطقة، ولكن حيث كانت تسود مسبقًا بوضوح صيغة البلشفية. إن العمال في سسترورتسك وكولبينو يتسلحون، وإن المناخ الفكري مؤيد للمعركة ضد النظام. وقد توقف العمل في نوفي – بترهوف في الفوج الذي تفكك تنظيمه. وفي كراسنويه – سيلا انحاز الفوج 176 (نفس الفوج الذي قام بالحراسة أمام قصر توريد بتاريخ 4 يوليو (تموز) والفوج 172 إلى البلاشفة، “ولكن هناك خيالة بالإضافة إلى هذين الفوجين”. وفي لوغا، تحولت حامية تضم 30.000 جندي إلى جانب البلشفية، وتردد جزء منها. وما زال السوفييت منحازًا إلى جانب دعاة الدفاع الوطني. والفوج في غدوفا بلشفي. وقد هبطت الحماسة من جديد في كرونشتادت؛ فلقد كانت فورة الحاميات قوية جدًا خلال الأشهر السابقة، وكانت أفضل عناصر البحارة الموجودة في الأسطول مشغولة بعمليات حربية. ومنذ وقت طويل أصبح السوفييت في شلوسلبورغ على بعد 60 فرستا من بتروغراد السلطة الوحيدة. وكان عمال مصنع البارود مستعدين في أية لحظة لدعم العاصمة.

فإذا أضفنا المعلومات حول وحدات احتياط الخط الأول إلى نتائج مؤتمر السوفييتات الذي انعقد في كرونشتادت، وجدنا الصورة مشجعة كل التشجيع. وكانت الموجات التي انبعثت من انتفاضة فبراير (شباط) كافية للقضاء على الانضباط في المناطق البعيدة المحيطة بالعاصمة. ومن الممكن أن ننظر الآن بمزيد من الثقة إلى أقرب الحاميات من العاصمة عندما تكون تدابيرها معروفة مسبقًا بصورة كافية.

ويرتبط احتياط الخط الثاني بقطعات الجبهتين الفنلندية والشمالية. وهنا تبدو المسألة أكثر ملاءمة أيضًا. وأعطى عمل سميلغا وأنطونوف وديبنكو نتائج لا تقدر بثمن. وتحول الأسطول مع حامية هلسنغفورز على أرض فنلندا إلى سلطة ذات سيادة. ولم تعد للحكومة أية سلطة عليها. وأتيح الوقت الكافي لفرقتين من القوزاق أدخلتا إلى هلسنغفورز -خصصهما كورنيلوف لتوجيه ضربة ضد بتروغراد- للاقتراب من البحارة بصورة وثيقة، ودعمتا البلاشفة أو الاشتراكيين – الثوريين اليساريين، الذين لا يختلفون كثيرًا عن البلاشفة في أسطول البلطيق.

ومدت هلسنغفورز يديها إلى بحارة قاعدة ريفال، الذي كان موقفهم أقل تصميمًا منها حتى ذلك الوقت. وجاء المؤتمر الإقليمي لسوفييتات الشمال، الذي تم بمبادرة أيضًا من أسطول البلطيق، ليجمع سوفييتات أقرب الحاميات من بتروغراد في دائرة واسعة جدًا شملت موسكو من جهة وارخانجلسك من جهة أخرى. وقد كتب أنطونوف قائلاً: “بهذه الوسيلة تحققت فكرة تحصين عاصمة الثورة ضد الهجمات المحتلة لقطعات كرنسكي”. وعاد سميلغا من المؤتمر إلى هلسنغفورز ليعد مفرزة خاصة بالبحرية، والمشاة، والمدفعية، مخصصة لكي ترسل إلى بتروغراد لدى أول إشارة. وكان الجناح الفنلندي للانتفاضة أفضل الأجنحة ضمانة. ومن الممكن أن لا تتوقع الانتفاضة منه ضربة بل أن تتوقع العون والمدد.

وسارت الانتفاضة في قطاعات أخرى من الجبهة أيضًا بصورة جيدة جدًا، وبصورة أفضل على كل حال مما كان يتصوره أكثر المتفائلين من البلاشفة. وفي بحر أكتوبر (تشرين الأول) تمت انتخابات جديدة للجان الجيش، وكان التحول إلى جانب البلاشفة واضحًا جدًا فيها. وفي الفيلق المعسكر في دفينكس وجد “الجنود القدامى المتعلقون أنفسهم مرفوضين في انتخابات لجان الفوج والسرية. واحتل مواقعهم “المواطنون الغامضون والجهلة… ذوو العيون التي تقدح الغضب، ويتطاير الشرر منها، ولهم “أشداق كأشداق الذئاب”. وحدث الشيء ذاته في قطعات أخرى. “وقد تمت انتخابات جديدة للجان في كل مكان، وانتخب البلاشفة والانهزاميون في كل مكان”. وبدأ مفوضو الحكومة يتجنبون القيام بالمهامات وسط الأفواج. فقد قال البارون بودبرغ عنهم ما يلي: “إن وضعهم في هذا الوقت ليس أفضل من وضعنا”. وتغير موقف فوجين من فيلقه من الخيالة الخفيفة وقوزاق الأورال الذين بقوا تحت سيطرة رؤسائهم مدة أطول من مدة الأفواج الأخرى ولم يرفضوا سحق الفتن، تغير موقف هذه القطعات فجأة وطالبت “بإعفائها من أدوار التأديب والدرك”. وكان المعنى التهديدي لهذا الإنذار بالنسبة للبارون أوضح من أي معنى آخر. فقد كتب معلقًا على هذا يقول: “لا يمكننا الصمود أمام جمع من الضباع، وبنات آوى والأغنام ونحن نلعب بالقيثارة… ولا تتم عملية الإنقاذ إلا عن طريق الكي بالحديد المحمي على أوسع نطاق”، وفي هذا اعتراف مأساوي: “فالحديد مفقود ولا يعرف أحد أين يجده”.

وإذا كنا لا نشير إلى شهادات مماثلة في فيالق وفرق أخرى، فذلك لأن قادتها لم يتسموا بدقة ملاحظة بودبرغ، أو أنهم لم يكونوا يكتبون مذكراتهم الخاصة، أو لأن هذه المذكرات لم تظهر بعد إلى السطح. ولكن الفيلق المعسكر في دفينسك لا يتميز بشيء أساسي، عن الفيالق الأخرى للجيش الخامس إلا بأسلوب قائده. ولم يكن هذا الجيش متقدمًا عن القوات الأخرى إلا بصورة بسيطة جدًا.

وتابعت اللجنة التوفيقية للجيش الخامس، التي بقيت معلقة مدة طويلة، إرسال البرقيات إلى بتروغراد تهدد بإعادة توطيد النظام في المؤخرة بقوة الحراب. وقد علَّق بودبرغ على ذلك قائلاً: “ليس هذا سوى تبجح وقبض ريح”. وكانت اللجنة تعيش أيامها الأخيرة. وبتاريخ 23، أعيد انتخابها. وكان رئيس اللجنة البلشفية الجديدة هو الدكتوي سكايانسكي، وهو شاب منظم ممتاز أفسح المجال لمواهبه في مجال تشكيل الجيش الأحمر فيما بعد.

وأبلغ معاون المفوض الحكومي لجبهة الشمال بتاريخ 22 أكتوبر (تشرين الأول) وزير الحربية بأن الأفكار البلشفية تحقق في الجيش نجاحات مطردة، وأن جموع الجنود تريد السلم، وأن المدفعية التي قاومت هذه الأفكار حتى اللحظة الأخيرة قد أصبحت “مهيأة لقبول الدعاية الانهزامية”. كان هذا التشخيص هامًا جدًا أيضًا. وعبَّر أحد عملاء الحكومة المؤقتة عن ذلك في تقرير وجهه إليها قبل الانتفاضة بثلاثة أيام قائلاً ما يلي: “لا تتمتع الحكومة المؤقتة بأية سلطة”.

ولم تكن اللجنة العسكرية الثورية تعرف في ذلك الوقت كل هذه الوثائق. ولكن ما كانت تعرفه منها كان كافيًا تمامًا. وبتاريخ 23 سار ممثلو مختلف قوات الجبهة بعرض أمام سوفييت بتروغراد مطالبين بالسلم. وهددوا بانقضاض القطعات على المؤخرة إذا لم يتحقق السلم. “ستقضي هذه القطعات على كل الطفيليين الذين يتأهبون للقتال عشر سنوات أخرى”. وكان رجال الجبهة يقولون لأعضاء السوفييت، خذوا السلطة، “وستؤيدكم الخنادق”.

وكان البلاشفة في الجبهتين الأبعد والأكثر تخلفًا، أي في الجبهة الجنوبية – الغربية والجبهة الرومانية يشكلون قطعًا نادرًا، وعناصر غريبة. ولكن كانت تدابير الجنود هناك هي التدابير ذاتها. وقد روت أوجيني بوش أنه كان هناك بلشفي شاب واثنان من أنصار البلاشفة في الفيلق الثاني للحرس، المعسكر في جوار جميرنكا من أصل 60.000 جندي. ولكن هذا لم يمنع الفيلق من الزحف لدعم الانتفاضة خلال أيام أكتوبر (تشرين الأول).

وعلقت الدوائر الحكومية كل آمالها على القوزاق حتى الساعة الأخيرة. ولكن سياسيي معسكر اليمين الذين كانوا أقل عمًى من الدوائر الحكومية فهموا أن المسألة تبدو من هذه الزاوية أيضًا سيئة جدًا. وكان كل ضباط القوزاق من الكورنيلوفيين تقريبًا. في حين كان جنود القوزاق يميلون إلى اليسار أكثر. ولمدة طويلة، لم تفهم الأوساط الحكومية هذا، وقدرت أن برود أفواج القوزاق إزاء قصر الشتاء ناجم عن الجور الذي لحق بكاليدين. ولكن أصبح واضحًا في النهاية حتى بالنسبة لوزير العدل ماليا نتوفيتش أن كاليدين “لم يكن خلفه سوى ضباط القوزاق في حين كان جنود القوزاق ميَّالين إلى البلشفية بكل صراحة ككل الجنود”.

ولم يبق من هذه الجبهة التي كانت تقبل في الأيام الأولى من مارس (آذار) يد وقدم المضحي الليبرالي، وتحمل على كتفيها وزراء الكاديت وكأنهم منتصرون، وتسكر من خطب كرنسكي وتعتقد بأن البلاشفة كانوا عملاء لألمانيا، لم يبق من هذه الجبهة شيء. فقد اندرست الأوهام البهيجة في وحل الخنادق التي رفض الجنود أن يعجنوها مدة أطول بأحذيتهم المثقوبة. وقد كتب بودبرغ في يوم انتفاضة بتروغراد ذاته قائلاً ما يلي: “إن الخاتمة تقترب، ولا يمكن أن يكون هناك أي شك في نهايتها؛ فليس على جبهتنا الآن وحدة واحدة… لا تخضع لسيطرة البلاشفة”.

لقراءة الفصل السابق يمكن مراجعة الرابط التالي:

تاريخ الثورة الروسية: فن الانتفاضة جـ 3