تاريخ الثورة الروسية: الاستيلاء على العاصمة ج 1

0
170

لقد تبدل كل شيء، ومع هذا فقد بقي كل شيء على حاله. وهزت الثورة البلاد، وعمقت التفتت، وأرهبت البعض، وأوغرت صدر البعض الآخر غيظًا وسخطًا، ولكنها لم تجرؤ على قيادة أي شيء حتى النهاية ولم تحل محل أي شيء. وتبدو مدينة سان بطرسبورغ الإمبراطورية غارقة في سبات عميق لا ميتة. وقد رفعت الثورة أعلامها الحمراء على التماثيل الحديدية للملكية. وكانت الأقمشة الكبيرة القرمزية اللون ترفرف على واجهات المباني الحكومية. وكانت القصور والوزارات وهيئات الأركان تعيش بمعزل عن أعلامها الحمراء التي بهت لونها وسط أمطار الخريف. وانتزعت النسور ذات الرأسين، مع الصولجان والكرة حيث أمكن ذلك، وغطيت في معظم الأحيان بالقماش على عجل أو طليت باللون الأحمر. ويبدو أنها أخفيت. وقد توارت كل روسيا القديمة وهي تصر على أسنانها وسط غضبها.

وكانت الشخصيات المضحكة لرجال المليشيا الواقفين على مفترقات الطرق تذكر في الغالب بالانتفاضة التي كنست “الفراعنة”. وكان منظر رجال المليشيا مماثلاً لمنظر أنصاب حية. وبالإضافة إلى هذا، أصبحت روسيا منذ شهرين “جمهورية”. ونفيت الأسرة المالكة الإمبراطورية إلى طوبولسك. كلا! إن إعصار فبراير (شباط) لم ينته دون أن يترك آثاره على البلاد. ولكن جنرالات لقيصر بقوا جنرالات، واحتفظ النواب بمقاعدهم في المجلس، كما احتفظ المستشارون السِريون بمراكزهم الكبيرة، وبقي سلم التسلسل الإداري ساريًا، وتذكر الأنسجة المحملية المزينة، والشارات المستديرة بالتسلسل البيروقراطي، كما تشير الأزرار الصفراء التي نقشت عليها شعارات النسر إلى الطلاب. ولكن الأمر الأساسي في كل هذا هو أن الملاكين ما زالوا ملاكين، وأن الشعب لا يرى نهاية للحرب، وأن الدبلوماسيين التابعين لدول الحلفاء يوجهون روسيا الرسمية بوقاحة لم تعرف من قبل.

وقد بقي كل شيء كما كان في الماضي، ومع ذلك لا يتعرف أحد على المكان الذي هو فيه. وأحسست الأحياء الأرستوقراطية بأنها دفعت إلى خلفية الأحداث. وتقاربت أحياء البرجوازية الليبرالية مع الأحياء الأرستقراطية بشكل أوثق من ذي قبل. وأصبح الشعب واقعًا رهيبًا بعد أن كان خرافة وطنية. واهتز كل شيء تحت الأقدام وانهار. وانفجر بقوة هائلة في الأوساط التي كانت منذ فترة خلت تسخر من خرافات الملكية وتطيرها.

وبدأ رجال البورصة والمحامون وراقصات الباليه يلعنون فساد الأخلاق الجديد. وأخذ الإيمان بالمجلس التأسيسي يتبدد يومًا بعد يوم. وتنبأ غوركي في صحيفته بانهيار الحضارة. وشاع الفرار من بتروغراد، الساخطة الجائعة بغرض الوصول إلى المناطق الهادئة والتي يتوفر الغذاء فيها بصورة أفضل، بعد أن قوي هذا الفرار منذ أيام يوليو (تموز). وحاولت العائلات الميسورة التي لم تنجح بمغادرة العاصمة، حماية نفسها من الحقيقة بجدران من الحجر وسقوف من الصفيح. ونفذت أصداء العاصفة من كل مكان: من السوق حيث أصبح كل شيء أغلى مما كان عليه، وحيث تندر كل المواد، ومن الصحافة المفكرة جيدًا، تلك التي لم تكن سوى عواء من الحقد والذعر. ومن الشارع الذي يغلي، والذي تنطلق منه أحيانًا طلقات نارية تحت النوافذ. ونفذت العاصفة أخيرًا من سلم الخدم، بواسطة الخدم الذين لم يعودوا يريدون الطاعة العمياء. وربما ضربت الثورة هنا في أكثر الأمكنة حساسية؛ فمقاومة عبيد المنازل تدمر نهائيًّا استقرار المنزل العائلي.

ومع هذا كانت الرتابة اليومية تدافع عن نفسها بكل قواها. فالتلاميذ في المدارس ما زالوا يدرسون كتبًا مدرسية قديمة، وما زال الموظفون يكتبون أوراقًا لا يحتاج إليها أحد، ويقطر الشعراء أبياتًا لا يقرؤها أحد، وتروي المربيات أسطورة إيفان تساريفيتش، وتتعلم بنات الطبقة النبيلة وطبقة التجار التي تصل من الريف الموسيقي أو تفتش عن الخُطاب. ويعلن المدفع القديم الرابض فوق جدار قلعة بطرس وبولص إشارة الظهر، ويُعرض في مسرح ماري “باليه” جديد، ويجد وزير الخارجية تيريشتشنكو الذي يعتبر ضليعًا في فن الرقص والإيقاع وأقوى فيهما من الدبلوماسية، يجد الوقت -وهذا ما ينبغي أن نعتقد به- للإعجاب برقص الراقصة الأولى على رؤءوس أصابعها، ليبرهن بهذا الشكل على صلابة النظام.

وما زالت فضلات المآدب القديمة كثيرة وغزيرة. وبوسع المرء أن يحصل على كل ما يريد مقابل مبالغ ضخمة. وترن مهاميز ضباط الحرس عندما يضمون أعقاب أحذيتهم، ويبحث هؤلاء الضباط عن المغامرات في الغرف الخاصة بالمطاعم الفخمة، ويرتمون وسط الدعارة والمجون اللذين لا نهاية لهما. وينقطع نور الكهرباء في منتصف الليل، بَيْد أن هذا لا يمنع رخاء دور القمار؛ حيث تتلألأ الشمبانيا على ضوء الشموع، وحيث يسلب أصحاب الرتب النبيلة الجواسيس الألمان الذين لا يقلون عنهم وجاهة في لعب الورق، وحيث يقول بعض المتآمرين من أنصار الملكية “استنكف عن اللعب” أمام بعض المهربين الساميين، وحيث تدل الأرقام الخيالية للمقامرات على انتشار الفجور واتساع التضخم.

فهل من الممكن أن تتوجه حافلة ترام بسيطة، أعتني بها بصورة سيئة، وقذرة، وبطيئة، وقد تعلقت بها العناقيد البشرية، هل من الممكن أن تتوجه هذه الحافلة من سان بطرسبورغ التي تحتضر إلى الأحياء العمالية التي تعيش بكل مشاعرها الضاغطة على أمل جديد؟ وتشير القباب الزرقاء المذهبة لمعهد سمولني من بعيد إلى مقر هيئة أركان الانتفاضة؛ فعلى حدود المدينة القديمة، حيث يقف خط الترام، وحيث يرسم نهر النييفا منعطفًا حادًا نحو الجنوب، يفصل الضواحي عن مركز العاصمة، هناك مبنى رمادي مؤلف من ثلاثة طوابق كان من قبل مقرًا لتعليم بنات النبلاء، هذه هي الآن قلعة السوفييتات. وفي هذا المبنى ممرات وأروقة لا تنتهي، وطنانة يبدو أنها صنعت لتعليم قوانين البعد. وعلى أبواب عدد كبير من القاعات ما زالت هناك كتابات على المينا: “قاعة الأساتذة”، “الصف الثالث”، “الصف الرابع”، “مدرسات الصف”. وقد لصقت إلى جانب اللوحات القديمة أو فوقها، هنا وهناك أوراق نقشت عليها الحروف الهيروغليفية العجيبة للثورة:(1) تس. ك.، ب. س. ر.، س. د. مناشفة. س.د. بلاشفة، اشتراكيون – ثوريون يساريون، فوضويون – شيوعيون، مفرزة التسايكا (اللجنة التنفيذية المركزية للسوفييتات) …إلخ. وقد لاحظت العين الثاقبة لجون ريد على الجدران الكتابات التالية: “أيها الرفاق تقيدوا بالنظافة، مراعاة لصحتكم!” ومن المؤسف أن أحدًا لا يتقيد بالنظافة بدءًا من الطبيعة ذاتها. وعاشت بتروغراد أكتوبر (تشرين الأول) تحت سيل من الأمطار. فالشوارع التي لم تنظف منذ مدة طويلة أصبحت قذرة جدًا. وأصبحت باحة سمولني عبارة عن مستنقعات واسعة. وانتقل الوحل إلى الممرات والقاعات بنعال الجنود. ولكن لم يكن أحد ينظر في تلك اللحظة إلى الأرض، وتحت قدميه، كلهم كانوا ينظرون إلى الأمام.

وأخذت المجموعة الموجودة في سمولني تقود بمزيد من الحزم والسلطة، ورفعها للولاء العاطفي للجماهير. ولم تمتد الإدارة المركزية بصورة مباشرة إلا إلى وسائل العمل العليا للنظام الثوري، الذي ينبغي عليه، بمجموعه، إنهاء الانتفاضة. وتحققت أهم مهنة في القاعدة وكأنها تمت من تلقاء ذاتها. وكانت المصانع والثكنات هي بؤر التاريخ في تلك الأيام. وحشد حي فيبورغ كما حشد في فبراير (شباط) القوى الأساسية للثورة. وهو يملك الآن، خلافًا لما كان يملك في فبراير (شباط): تنظيمًا قويًّا، علنيًّا، يعترف به الجميع. وتمتد الخيوط من الأحياء، ومطاعم المصانع، والنوادي، والثكنات نحو 33 شارع سامبسونييفسكي؛ حيث استقرت لجنة دائرة البلاشفة، وسوفييت فيبورغ وهيئة أركان القتال. واندمجت مليشيا الناحية مع الحرس الأحمر. وأصبح الحي كله تحت سلطة العمال. ولو أن الحكومة سحقت سمولني لاستطاعت ناحية فيبورغ وحدها إعادة التوازن وتأمين متابعة الهجوم.

وكانت النهاية قريبة جدًا، ولكن الزعماء قدروا أو تظاهروا بالاعتقاد بأنه ليس هناك ما يدعو لقلقهم. وتلقت سفارة بريطانيا – العظمى، التي كانت لديها أسبابها لمتابعة أحداث بتروغراد بمزيد من الانتباه، تلقت تبعًا لما رواه سفير روسيا الذي كان في لندن آنئذٍ معلومات مؤكدة عن الانتفاضة المتوقعة. ورد تيريشتشنكو على الأسئلة القلقة لبوكانان خلال حفلة غداء دبلوماسية محتمة، بتأكيدات قاطعة: لا يمكن أن يحدث “شيء من هذا”. فالحكومة تمسك بحزم بكل الزمام بيديها. وأعلمت سفارة روسيا في لندن بالانتفاضة ببرقية صادرة عن الوكالة اللاسلكية الهاتفية البريطانية.

وقد سأل أورباخ أحد أصحاب صناعات المناجم في زيارة قام بها في تلك الأيام للوزير بالتشينسكي، سأله دون أن يبدو عليه شيء، بعد حديث حول أمور أكثر جدية عن رأيه “في الغيوم السوداء فوق الأفق السياسي”، وحصل منه على رد مطمئن جدًا: عاصفة أخرى ستمر ويعود الجو صافيًا من جديد: “قم بصفقة جيدة”، ولم يعان بالتشينسكي الأرق سوى ليلة أو ليلتين قبل أن يعتقل.

وكلما أظهر كرنسكي أنه أقل تقيدًا بالأبهة في معاملته للزعماء التوفيقيين، كان شكه يتضاءل بأن هؤلاء الزعماء سيهبون في ساعة الخطر لتخليصه في الوقت الملائم. وكلما ازداد التوفيقيون ضعفًا، كانوا ينسجون حولهم جوًا من الأوهام! وكان المناشفة والاشتراكيون – الثوريون الذين كانوا يتبادلون من على مناصبهم العالية في بتروغراد كلمات التشجيع المتبادلة مع التنظيمات العليا للمنطقة والجبهة، كانوا يخلقون صورة جديدة معارضة للرأي العام، ولا يوقعون خصومهم في الخطأ وهم يقنعون عجزهم ويخفونه، بل كانوا يوقعون أنفسهم في هذا الخطأ. وكان جهاز الدولة، المثقل، العاجز، مزيجًا من اشتراكية مارس إلة الحرب وبيروقراطية القيصر، أفضل الأجهزة تكيفًا لكي يخدع نفسه. وكان الاشتراكي حديث العهد بالاشتراكية يخشى أن يظهر أمام الموظف كرجل دولة لا يتمتع بالنضج الكافي، وكان الموظف يخشى أن يظهر قليل الاحترام للأفكار الجديدة. وهكذا خلق تشابك في الأكاذيب الرسمية، كان الجنرالات، والمدعون العامون، والصحفيون والمفوضون ومساعدوهم يكذبون خلاله، ويزدادون في اختلاق الأكاذيب كلما أصبحوا قريبين من مراكز السلطة. وكان قائد منطقة بتروغراد العسكرية يقدم تقارير مطمئنة لأن كرنسكي كان بأمس الحاجة إلى ذلك إزاء الحقائق التي تطمئن كثيرًا.

وكانت تقاليد ازدواجية السلطة تعمل في الاتجاه ذاته. والواقع، كانت الأوامر العادية لهيئة الأركان الإقليمية التي تصدق عليها اللجنة العسكرية الثورية تنفذ دون تردد. واحتلت مخافر الحرس في المدينة كالعادة بقوات من الحامية، وينبغي أن نقول إن الأفواج لم تكن قد قامت بمهمة الحراسة منذ مدة طويلة بمثل هذه الحمية التي أخذت تظهرها في الوقت الحاضر. فما هو استياء الجماهير؟ “إنهم عبيد عصاة” وهم دومًا مستاءون. ولا يشترك في محاولات الشغب سوى حثالة سكان العاصمة. هل يعارض فرع الجنود هيئة الأركان؟ ولكن الفرع العسكري للجنة التنفيذية المركزية موال بالمقابل لكرنسكي. وتدعم كل الديمقراطية المنظمة، فيما عدا البلاشفة، الحكومة. وهكذا تحول الإكليل البهيج الوردي لمارس (آذار) إلى بخار أزرق داكن يكشف المحيطات الحقيقية للأشياء.

وعندما حدثت القطيعة بين سمولني وهيئة الأركان فقط حاولت الحكومة معالجة النزاع بجدية أكثر؛ فليس هناك من خطر مباشر. ولكن ينبغي في هذه المرة استغلال الفرصة لتصفية البلاشفة. وبالإضافة إلى هذا، مارس الحلفاء البورجوازيون الضغط بكل قواهم على قصر الشتاء. وفي ليلة 23/24 قررت الحكومة بعد أن استجمعت أطراف شجاعتها ما يلي: ملاحقة اللجنة العسكرية الثورية أمام القضاء. ومنع الصحف البلشفية التي تدعو إلى الانتفاضة. ودعوة قوات موثوقة من ضواحي العاصمة ومن الجبهة. وأجل تنفيذ اقتراح اعتقال اللجنة العسكرية الثورية كلها، هذا الاقتراح الذي صدق عليه مبدئيًّا؛ إذ ينبغي تأمين دعم اللجنة التحضيرية للمجلس النيابي في مثل هذا المشروع الخطير.

وانتشرت إشاعة القرارات التي اتخذتها الحكومة في المدينة فورًا. وفي أبنية هيئة الأركان العامة، إلى جانب قصر الشتاء، خلال ليلة 23/24 كان جنود فوج بافلوفسكي، وهو واحد من القطعات الأكثر ولاء للجنة العسكرية الثورية، يقومون بالحراسة. وذكرت فكرة لدعوة اليونكرز وقطع الجسور والقيام بالاعتقالات أمام جنود الفوج الذين نقلوا إلى النواحي وإلى سمولني فورًا كل ما كان بوسعهم أن يسمعوه ويتذكروه. ولم يكونوا يعرفون في المركز الثوري كيف يستخلصون المعلومات دومًا من مكافحة التجسس العفوية هذه. ولكنهم كانوا يحققون عملاً لا يمكن التعويض عنه. فقد كان عمال وجنود كل المدينة على علم بنوايا العدو، ويعززون مواقعهم ويتقوون في إجراءاتهم للمقاومة.

وفي الصباح الباكر بدأت السلطات استعداداتها للاشتباك. وألقت مدارس اليونكرز في العاصمة الأمر باتخاذ تدابيرها للقتال. وكان على الطراد اورور الموجود في نهر النييفا، والذي يحمل بحارة موالين للبلاشفة، أن يخرج إلى البحر لينضم إلى عمليات الأسطول. واستدعيت قوات من الضاحية: كتيبة الصدام التابعة لتساركويه – سيلا، ويونكرز أورنينبوم، ومدفعية بافلوفسكي. وطلب من هيئة أركان الجبهة الشمالية أن تأمر فورًا قطعاتها الموثوقة بالزحف إلى العاصمة. وصدر الأمر التالي كتدابير فورية لاحتياطات عسكرية: تعزيز قطعات حرس قصر الشتاء. وقطع جسور نهر النييفا. وعلى اليونكرز مراقبة السيارات، وقطع اتصالات سمولني الهاتفية. وأوصى ماليانتوفيتش -وزير العدل- باعتقال البلاشفة الذين أفرج عنهم في السابق بكفالة، وبرهنوا من جديد على نشاط مضاد للحكومة، وكانت الضربة موجهة قبل كل شيء ضد تروتسكي. ومن مساوئ الأقدار ومهازلها أن ماليانتوفيتش كان محاميًا عن تروتسكي في عام 1905 كما كان زارودني سلفه، وكانت القضية تتعلق في ذلك الوقت بقيادة سوفييت بتروغراد. وكان طابع الاتهامات الموجهة واحدًا في القضية الأولى والثانية، ولكن في هذه المرة أضيف إلى التهمة السابقة أن المدافعين السابقين عن المتهم أصبحوا اليوم هم المتهمين، وأضافوا إلى جريمة تروتسكي تهمة الحصول على الذهب الألماني.

وأظهرت هيئة أركان المنطقة العسكرية نشاطًا محمومًا بصورة خاصة في مجال الطباعة. فكانت الأوامر تصل تباعًا: لن يسمح بالقيام بأية تظاهرة، ويتعرض المذنبون لأخطر المسئوليات، وتبقى قوات الحامية محجوزة في الثكنات، إلا إذا صدر أمر معاكس من هيئة الأركان العامة. “ينبغي طرد كل مفوضي سوفييت بتروغراد”، وفتح تحقيق عن لا شرعية أعمالهم “لإحالتهم أمام المجالس العرفية”. ومع ذلك فإن هذه الإنذارات التهديدية لا تشير أبدًا إلى من سيقوم بالتنفيذ، وكيف سيكون هذا التنفيذ. وطلب قائد المنطقة من أصحاب السيارات وضع سياراتهم تحت تصرف هيئة الأركان “كي يحولوا دون الاستيلاء الكيفي عليها”، وقد صدر هذا الأمر على مسئوليته الشخصية. ولكن كل الناس أصموا آذانهم.

ولم تبخل اللجنة التنفيذية المركزية هي أيضًا بالنصائح والتهديدات. وقد سارع في أعقابها: اللجنة التنفيذية الفلاحية، ومجلس دوما البلدية، واللجان المركزية للمناشفة، والاشتراكيين – الثوريين. وكانت كل هذه المؤسسات غنية إلى حد ما بالموارد الأدبية. وكانوا يتحدثون بصورة ثابتة في المنشورات المنتشرة على الجدران والملصقة على الأسيجة عن عصابة صغيرة من المجانين، وعن خطر المعارك الدموية لثورة مضادة حتمية.

وفي الساعة 5:30 صباحًا حضر إلى مطبعة البلاشفة مفوض للحكومة مع مفرزة يونكرز. وبعد أن طوق كل المنافذ، قدم تفويضًا من رئاسة الأركان العامة يأمر بإغلاق الصحيفة المركزية للبلاشفة وصحيفة الجندي. فأجابه عمال المطبعة ماذا؟ وكيف؟ الأركان؟ هل للأركان وجود حتى الآن؟ هنا لا نقبل أي أمر إذا لم تصادق عليه اللجنة العسكرية الثورية. ولكن ردهم لم يفد في شيء؛ فقد حُطمت “الكليشاهات”، وختمت الأبنية بالشمع الأحمر. واستطاعت الحكومة تسجيل أول نجاح لها.

وهرع عامل وعاملة من المطبعة البلشفية وهما يلهثان إلى سمولني. فوجدا هناك بودفويسكي وتروتسكي وطلبا منهما ما يلي: إذا أعطتهم اللجنة قوة من الحرس لمقاومة اليونكرز، فإن العمال سيطبعون الصحيفة. وهكذا وجدت الطريقة للبدء بالرد على هجوم الحكومة. وأصدرت اللجنة العسكرية الثورية أمرًا إلى الفوج الليتواني: أرسلوا فورًا سرية لحماية المطبعة العمالية. وأصر مبعوثا المطبعة على تحريك كتيبة النقابيين السادسة: إن جنودها جيران قريبون وأصدقاء أوفياء. ونقلت البرقيات الهاتفية فورًا إلى الوحدتين. وتحرك الليتوانيون والنقابون فورًا وبدون تأخير. وانتزعت الأختام الموضوعة على البناء، وأعيد صب القوالب، وعاد العمل في المطبعة إلى أقصى ذروة نشاطه. وظهرت الصحيفة التي منعت الحكومة صدورها متأخرة عن موعدها بضع ساعات تحت حماية قطعات اللجنة العسكرية، هذه اللجنة التي صدر أمر باعتقال أعضائها. كانت هذه هي الانتفاضة. وبهذا الشكل تطورت.

في غضون ذلك، كان المسئولون في سمولني يطرحون السؤال التالي حول الطراد اورور: هل يجب أن يخرج إلى البحر أو يبقى في مياه النييفا؟ إن نفس البحارة الذين كانوا يحمون في أوغسطس (آب) قصر الشتاء ضد كورنيلوف يحترقون الآن رغبة لتسوية حساباتهم مع كرنسكي. وألغي الأمر الحكومي الصادر إلى الطراد من قبل اللجنة فورًا. وتلقى البحارة الأمر رقم 1218، كان هذا الأمر يتضمن ما يلي: “إذا هوجمت حامية بتروغراد من قبل القوى المضادة للثورة، فإن على الطراد أن يستولي على القاطرات والمراكب والزوارق البخارية”. وقام الطراد بحماسة مهمة كان ينتظرها.

وبقي هذان العملان اللذان اقترحهما العمال والبحارة لمقاومة الحكومة وتما بموافقة الحامية بلا قصاص من طرف الحكومة، وأصبحا حدثين سياسيين بالغي الأهمية. وسقطت آخر بقايا التمجيد للسلطة وتحولت إلى رماد. وقال أحد المشتركين: “أصبح واضحًا فجأة أن المسألة قد سويت تمامًا”. وإذا لم تكن قد سويت بعد، فقد ظهرت على كل حال أبسط بكثير مما بدت بالأمس.

وكانت محاولة الحكومة لمنع الصحف، وقرار إحالة اللجنة العسكرية الثورية إلى القضاء، والأمر بطرد المفوضين، وقطع الاتصالات الهاتفية مع سمولني، كانت كل وخزات الدبوس هذه كافية لاتهام الحكومة بإعداد انقلاب مضاد للثورة. ومع أن الانتفاضة لا تستطيع أن تنتصر إلا بشكل هجوم، فقد تطورت بنجاح كبير نظرًا لأنها كانت تأخذ مظهرًا أقرب للدفاع. لقد ختمت الحكومة باب الصحيفة العمالية بالشمع، وكان هذا الشمع القليل لا يمثل شيئًا كثيرًا كتدبير حربي. ولكنه كم كان إشارة رائعة لبدء المعركة! وصدر أمر إلى كل الدوائر وإلى قوات الحامية يعلمها بما حدث. “لقد قام أعداء الشعب بالهجوم خلال الليل… وتقود اللجنة العسكرية الثورية المقاومة ضد هجوم المتآمرين”. وكان المتآمرون هم أجهزة السلطة الرسمية. ولهذا التعريف طنين غير متوقع تحت قلم المتآمرين الثوريين. ولكنه يتجاوب تمامًا مع الظروف ومع الرأي العام للجماهير. وقامت الحكومة فورًا بعد أن طردت من كل مكامنها، واضطرت إلى السير في هجوم متأخر، بأعمال متفرقة لا تتسم بالتفكير، وغير منسقة، اتخذت في نظر الجماهير شكل مؤامرات غادرة. وقد أوصى الأمر الذي أصدرته اللجنة العسكرية الثورية بما يلي: “إعداد الفوج للقتال وانتظار التعليمات”. كان صوتًا يتميز بالسلطة. وتابع مفوضو اللجنة الذين يستحقون الطرد من قبل الحكومة في طرد كل العناصر غير المرغوب بها بمزيد من الثقة.

ولم يكن الطراد اورور الراسي في مياه النييفا وحدة قتال ممتازة في خدمة الانتفاضة فحسب، بل كان محطة إذاعة لاسلكية جاهزة. وكان وجوده يشكل ميزة لا تقدر بثمن. وقد قال البحار كوركوف في مذكراته ما يلي: “أعلمنا تروتسكي أن من الضروري أن نذيع لاسلكيًّا… بأن الثورة المضادة ابتدأت بالهجوم”. وكانت جماهير الدفاع هنا أيضًا تحدد نداء إلى الهجوم، موجهًا هذه المرة إلى كل البلاد. وتلقت الحاميات التي تدافع عن مشارف بتروغراد والمنافذ المؤدية إليها من إذاعة اورور أمرًا بإيقاف حركة القوات المضادة للثورة، وباستخدام القوة عندما لا يكفي تحذيرها وإنذارها. وفرض على كل التنظيمات الثورية بأن “تجتمع بصورة دائمة وأن تلتقط كل المعلومات عن خطة المتآمرين وأعمالهم”. وهكذا نرى أن اللجنة العسكرية الثورية لم تكن تفتقر إلى البيانات. ولكن القول عندها لا يختلف عن الفعل، فالفعل يفسر القول فقط.

لقراءة الفصل السابق يمكن مراجعة الرابط التالي:

تاريخ الثورة الروسية: فن الانتفاضة جـ 4