شيراك وآل الأسد: لا محاسن تُذكر للموتى

0
80

بقلم صبحي حديدي

هيئة تحرير «ميديابارت»، الموقع الصحافي الاستقصائي المستقل الأبرز في فرنسا، اختصرت إرث الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك (1932 – 2019) في هذه العنوان الصارخ: «هوس السلطة»؛ وهذه العبارة: «يترك خلفه 40 سنة من المعارك السياسية. لكنّ الإرث هزيل فعلاً ما دام ذلك المسار قد قام على طموح أوحد للفوز بالسلطة، ثمّ الحفاظ عليها. وهذا على حساب حروب الخنادق المتواصلة، والتحالفات والتحالفات المضادة، والخيانات والفضائح، من الكلّ والنقيض». موقع ناقد ودائب الانشقاق مثل «ميديابارت» لن يلتزم بمبدأ مماثل لما هو شائع في ثقافتنا، لجهة ذكر محاسن الموتى، ولهذا فقد بدا التوصيف قاسياً رغم اتكائه على مقدار كثير من الصواب؛ وهذا خيار لم يمنع التحرير من التوقف عند ثلاث محطات «استثنائية»، في زحمة المحطات الكثيرة الداكنة التي طبعت حياة شيراك.
الأولى خطابه في 16 تموز (يوليو) 1995، بعد أيام قليلة على انتخابه، حين أقرّ بمسؤولية فرنسا عن ترحيل اليهود خلال فترة الاحتلال النازي؛ وكان ذلك الإقرار نقلة أولى كبرى عن رفض فرنسي مديد، حكومي وشعبي كما يتوجب القول، لفتح ملفات الماضي ونشر الغسيل القذر. المحطة الثانية كانت زيارة شيراك إلى القدس المحتلة، في تشرين الأول (أكتوبر) 1995، حين ضاق ذرعاً بالطوق الذي فرضه عليه رجال الأمن الإسرائيليون، فهتف عبارته الشهيرة، وبالإنكليزية: «ماذا تريدون؟ أن أرجع إلى طائرتي وأعود إلى فرنسا؟»؛ ممّا استدعى اعتذاراً رسمياً من رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، الذي لم يكن غافلاً بالطبع عن قناعة شيراك بحلّ الدولتين. وأمّا المحطة الثالثة فقد كانت رفض الرئيس الفرنسي الانخراط في تحالف جورج بوش الابن لغزو العراق، سنة 2003، على قاعدة ركن قديم في السياسة الديغولية تجاه الشرق الأوسط؛ ويومذاك شكّل خطاب دومنيك دو فيلبان وزير الخارجية الفرنسي، في مجلس الأمن الدولي، صفعة بليغة لخطاب الحرب الأمريكي.
من جانبي، كمواطن سوري، أسجّل للرئيس الفرنسي ثلاث محطات موازية في ما يخصّ سوريا والسوريين؛ تبدأ الأولى من إقدامه، وهو رئيس جمهورية لواحد من أبرز بلدان حقوق الإنسان في التاريخ البشري، على استقبال الفتى بشار الأسد، في تشرين الثاني (نوفمبر) 1999؛ رغم أنّ الأخير لم يكن يملك أية صفة رسمية، ما خلا أنه يترأس «الجمعية المعلوماتية السورية»! بالطبع، كانت صفة الأسد الابن الثانية، والفعلية، أنه نجل دكتاتور سوريا حافظ الأسد، والوريث المنتظَر الذي كانت ترتيبات إعداده للخلافة تجري على قدم وساق؛ بعد مقتل شقيقه البكر باسل الأسد في حادث سيارة، وكان الأخير هو المرشح الأوّل. وأمّا دافع شيراك لاستقبال هذا الفتى في قصر الإليزيه، فلم يكن ولعه بشخصية الأسد الأب (إذْ كان يعرف، حقّ المعرفة، جرائم الحرب والمذابح التي ارتكبها بحقّ السوريين)؛ بل تمّت الزيارة، للمفارقة التاريخية، بناء على إلحاح أحد مموّلي حملات شيراك السياسية، رئيس وزراء لبنان يومذاك رفيق الحريري؛ والذي سوف يتكفل نظام الأسد الوريث بتأمين لوجستيات اغتياله، في شباط (فبراير) 2005.

المحطة الثانية هي مشاركة شيراك في جنازة الأسد الأب، حزيران (يونيو) 2000، وكان بذلك الرئيس الوحيد الأوروبي، وممثل قوّة عظمى وديمقراطية عريقة؛ فصرّح يومها أنّ «الأسد طبع التاريخ على مدى ثلاثة عقود، وكان رجل دولة متمسكاً بعظمة بلاده». بعض تلك «العظمة» سبق أن كشف النقاب عنها صحافي فرنسي، وليس ابن أيّ بلد آخر، هو سورج شولاندون من صحيفة «ليبيراسيون»؛ الذي تسلل إلى مدينة حماة تحت اسم مستعار، وكشف بعض التفاصيل المروّعة عن مجزرة حماة، 1982. وكان شيراك قد استقبل الأسد الأب في باريس، تموز (يوليو) 1998، فكسر بذلك عزلة خانقة امتدت 20 سنة لم يطأ فيها الأخير أيّ بلد غربي. فوق هذا، أحاطه شيراك بمظاهر احتفال فائقة وتكريم ملحوظ؛ غير جاهل بأنّ هذا «القائد إلى الأبد» يواصل حكم سوريا منذ 1970، وقد تناوب على حكم فرنسا أربعة رؤساء: جورج بومبيدو، فاليري جيسكار ديستان، فرانسوا ميتران، وشيراك نفسه!
المحطة الثالثة هي استقبال الأسد الابن مجدداً، صيف 2001، بعد أقلّ من سنة على الكرنفال السياسي والدستوري والبرلماني الذي انتهى إلى تنصيبه وريثاً لأبيه في حكم سوريا. وفي اجتماعه مع أرباب العمل الفرنسيين انتبه الأسد الوريث إلى أنّ هؤلاء ليسوا البتة متحمسين للاستثمار في بلد تسري على شعبه واقتصاده أحكام عرفية مطلقة، وأنه ليس للإصلاح الاقتصادي أيّ معنى ولن يكون له أيّ أفق ملموس ما دامت قوانين «التحديث» خاضغة في آخر النهار للقانون الأعلى الذي لا يعلو عليه تشريع أو تدبير: قانون الطوارئ. في المقابل كان شيراك قد «كسب» من الأسد الوريث خطاباً جديداً، على نحو ما، بصدد السلام مع دولة الاحتلال: «من الطبيعي أن يكون هناك اعتراف، أي علاقات عادية، علاقات طبيعية كأي علاقات بين أي دولتين أو أي شعبين في المنطقة»، قال الأسد. وبالطبع، توجّب أن يسخر من «ربيع دمشق» على النحو الأشدّ ابتذالاً واستخفافاً: «كلمة ربيع لا تعنينا كمصطلح، فالربيع هو فصل مؤقت، والربيع فصل يعجب البعض والبعض الآخر يحب الشتاء»؛ قبل أن يدخل مستمعيه، خلال مؤتمر صحافي، في جدل تحليلي حول خصائص الفصول: «وإذا أردنا أن ندخل في التحليل نقول: إنّ الثمار تأتي في الصيف. ولكن لا يوجد ثمار من دون ربيع تتفتح فيه الأزهار. ولا يوجد ربيع دون أمطار تهطل في الشتاء»…!
هذه عيّنة من حصيلة تلك الزيارة «التاريخية»، التي ستشهد أيضاً تقليد الأسد أعلى وسام شرف فرنسي (واقعة فاضحة سوف تنتظر الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون للاستجابة إلى طلبات سحب الوسام من مجرم حرب)؛ وفي الإطار ذاته،، سوف يكون شيراك أوّل زعيم غربي يسبغ شرعية سياسية وأمنية على وجود قوّات النظام السوري في لبنان، خلال خطبة افتتاح القمّة الفرنكفونية في بيروت 2002. ولسوف يردّ الأسد الوريث أفضال شيراك عليه، بطريقتين: 1) الإضرار بمصالح فرنسا الاقتصادية العليا، وبمصداقية الرئاسة الفرنسية بالذات، حين كان شيراك قد تدخل شخصياً كي تحصل شركات فرنسية على عقد لاستثمار الغاز السوري بقيمة 759 مليون دولار، فتلقى من الأسد الابن وعداً صريحاً بذلك، لكنّ العقد ذهب إلى تجمع شركات أمريكية ـ بريطانية ـ كندية ذات مصالح مع بيت النظام؛ و2) اغتيال الحريري، ولسوف تتبدّل نبرة شيراك جذرياً في توصيف آل الأسد، بين جنازة القرداحة 2000 وبيروت 2005.
ويبقى أنّ 40 سنة من معارك شيراك السياسية شهدت، في الملفّ السوري، محطات خيبة وخذلان لأبسط آمال الشعب السوري في الحرية والكرامة والديمقراطية؛ الأمر الذي لا يعني بأيّ حال من الأحوال أنّ رؤساء فرنسا السابقين، في الجمهورية الخامسة، لم يقتفوا نهجاً مماثلاً، رغم وجود استثناءات محدودة عبّرت عنها مواقف الرئيس الفرنسي السابق فرنسوا هولاند من الانتفاضة الشعبية في سوريا. ولعلّ التلميذ النجيب الأوّل لنهج شيراك بصدد المسألة السورية كان خَلَفه وابن حزبه نيكولا ساركوزي، الذي لم يتورّع عن دعوة الأسد الوريث إلى الاحتفال بذكرى الثورة الفرنسية، في قلب جادة الشانزيليزيه.
وفي أية حال، وعلى مستوى سياسي واجتماعي فرنسي أوسع نطاقاً، كان صعود شيراك بمثابة «فشة خلق» مارسها الشارع الشعبي الفرنسي ضد الرئيس الأسبق فرانسوا ميتيران وحزبه الأشتراكي، الذي انقلب في تلك الحقبة إلى تذكرة صريحة بغيضة بأسوأ مآلات الاشتراكية الإصلاحية. وليس غريباً، والحال هذه، أنّ «يمين» شيراك، أسوة بنظيره «يسار» ميتيران، يقفّ كلّ منهما اليوم على حافة اندثار صريح.

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

ننوّه إلى أن الآراء الواردة في المواد المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن آراء ومواقف “الرابطة الأممية للعمال – الأممية الرابعة”