تاريخ الثورة الروسية: الاستيلاء على العاصمة ج 2

0
113

بُدِء بتحصين سمولني جديًّا رغم أن هذا العمل جاء متأخرًا. وعندما ترك جون ريد المعهد في الساعة الثالثة صباحًا في ليلة 23/ 24 لفتت انتباهه الرشاشات الرابضة في المداخل، والدوريات القوية التي كانت تحرس الباب الكبير منذ الأمس معززة بسرية من الفوج الليتواني، وبسرية رماة، مع 24 رشاشًا. فقد كان الحرس في تزايد مستمر طيلة اليوم. وقد كتب شليابنيكوف ما يلي: “لاحظت في مقر قيادة سمولني مشاهد كنت أعرفها، ذكرتني بالأيام الأولى من ثورة فبراير (شباط) حول قصر توريد”. نفس الجموع من الجنود والعمال والأسلحة المختلفة الأنواع. وعدد لا يحصى من أكداس أخشاب التدفئة، في الباحة. ويمكن استخدام هذه الأكداس كمساتر عند التراشق بالنيران. وتجلب سيارات النقل المؤن والذخائر. وقد روى راسكولنيكوف ما يلي: “تحول كل معهد سمولني إلى معسكر حربي. وفي الخارج صوبت المدافع أمام الأعمدة. وتمركزت بالقرب منها الرشاشات… وعلى كل سطح وفي كل الممرات تقريبًا تجد نفس رشاشات “مكسيم” الشبيهة بالمدافع الصغيرة… وكان البحارة والمحرضون والجنود والعمال يتحركون بسرعة، وضوضاء، وفرح”. ولقد اتهم سوخانوف منظمي الانتفاضة بالافتقار إلى روح التنظيم العسكري دون أن يخلو اتهامه من بعض الصدق فقال: “بدأت المفارز المسلحة للحرس الأحمر والجنود تتجمع حول سمولني في يوم ومساء 24 فقط، للدفاع عن هيئة أركان الانتفاضة… وفي مساء 24، كان حرس سمولني في أوج نشاطه”.

ولا تخلو هذه المسألة من الأهمية. فقد تجمعت الآن في سمولني التي انتقلت اللجنة التنفيذية التوفيقية منها سرًا إلى مبنى هيئة الأركان الحكومية رءوس كل التنظيمات الثورية التي يقودها البلاشفة. وهنا انعقدت أيضًا في هذا اليوم جلسة اللجنة المركزية للحزب لكي تتخذ آخر القرارات قبل أن تضرب الضربة الكبرى. وكان أحد عشر عضوًا منها حاضرين. وكان لينين لم يخرج بعد من مخبئه السري في حي فيبورغ. وكان زينوفييف متغيبًا. “وكان يختفي ولا يشترك في عمل الحزب”، حسب التعبير الصارخ لدزيرجنسكي، وبالمقابل كان كامنييف الذي يشارك زينوفييف أفكاره نشيطًا جدًا في هيئة أركان الانتفاضة. وكان ستالين متغيبًا: وكان لا يظهر في سمولني في الأعم والأغلب، ويقضي وقته في تحرير الصحيفة الرسمية. وتمت الجلسة كالعادة برئاسة سفردلوف. وكان محضر الجلسة الرسمية مختصرًا ولكنه سجل كل الأمور الجوهرية. وكان سفردلوف لا يضاهى في تقييمه لزعماء الانتفاضة ولتوزيعه للمهام فيما بينهم.

وكان هدف الانتفاضة الاستيلاء على بتروغراد نهائيًّا خلال أربع وعشرين ساعة. وهذا يعني الاستيلاء على المؤسسات السياسية والتقنية الباقية بين يدي الحكومة. وينبغي على مؤتمر السوفييتات أن ينعقد تحت لواء السلطة السوفييتية. وكانت التدابير العملية للانقضاض الليلي قد وضعت من قبل أو وضعتها اللجنة العسكرية الثورية والتنظيم العسكري للبلاشفة. وكان على اللجنة المركزية أن تضع اللمسة الأخيرة عليها.

وتبنى الجميع قبل كل شيء اقتراح كامنييف التالي: “لا يسمح اليوم لأي عضو في اللجنة المركزية، بالخروج من سمولني إلا بقرار خاص”. وتقرر بالإضافة إلى هذا تعزيز خدمة المناوبة في سمولني لأعضاء لجنة الحزب في بتروغراد. ويقول محضر الجلسة فيما بعد ما يلي: “وقد اقترح تروتسكي وضع عضوين من اللجنة المركزية تحت تصرف اللجنة العسكرية الثورية لإقامة الاتصال مع مصالح البرق والبريد، وعمال السكك الحديدية، ووضع عضو ثالث لمراقبة الحكومة المؤقتة”. وكان القرار المتخذ ردًا على الاقتراح: إيفاد دزيرجنسكي إلى مصالح البرق والبريد، وبوبنوف إلى السكك الحديدية. وكان الرأي الغالب في بادئ الأمر، وربما كان ذلك بمبادرة من سفردلوف، تكليف بودفويسكي بمراقبة الحكومة المؤقتة. وقد سجل محضر الجلسة ما يلي: “اعتراض على إرسال بودفويسكي. ويكلف سفردلوف بهذه المهمة”. وكلف ميليوتين، الذي يعتبر رجل اقتصاد بالتموين. وأوكلت مهمة المباحثات مع الاشتراكيين – الثوريين اليساريين إلى كامنييف الذي يتمتع بسمعة برلماني ماهر، مع أنه ميال إلى المسايرة والمصالحة أكثر مما يجب: توفيقي، هذا ما تفهمه البلشفية عن موقفه. “واقترح تروتسكي تنظيم هيئة أركان احتياطية في قلعة بطرس وبولص، وتعيين عضو من اللجنة المركزية لهذا الهدف”. وكان القرار: “تكليف لاشوفيتش وبلاغونرافوف بالمراقبة العامة. وأوكلت مهمة الحفاظ على اتصال دائم بقلعة بطرس وبولص إلى سفردلوف”. وبالإضافة إلى هذا: “يزود كل أعضاء اللجنة المركزية بتصاريح للمرور إلى القلعة”.

وهكذا جمعت كل الخيوط بين أيدي سفردلوف، ضمن خط الحزب. فقد كان سفردلوف يعرف الكوادر البلشفية معرفة لا ينازعه فيها أحد. وربط سفردلوف سمولني بجهاز الحزب، ووفر المناضلين الضروريين للجنة العسكرية الثورية، وكان مدعوًا إليها للمفاوضة والحديث في كل الأوقات الحرجة. ونظرًا لأن تأليف اللجنة كان واسعًا جدًا، ومتحركًا بصورة خاصة، فقد طبقت قمة التنظيم العسكري للبلاشفة أكثر التدابير سرية، أو طبقها سفردلوف شخصيًّا، الذي كان بالفعل، لا من الناحية الرسمية “السكرتير العام” لانتفاضة أكتوبر (تشرين الأول).

وكان المندوبون البلاشفة الذين يصلون إلى مؤتمر السوفييتات يقابلون سفردلوف قبل أي إنسان آخر، ولا يبقون ساعة دون عمل معه. وفي 24 كان هناك في بتروغراد حوالي مائتين أو ثلاثمائة من رجال المناطق، وقد دخلت أكثريتهم بشكل أو بآخر في آلية الانتفاضة. وفي الساعة الثانية بعد الظهر، اجتمعوا في سمولني، في جلسة لمجموعة الحزب، لسماع المقرر في اللجنة المركزية للحزب. وكان بينهم بعض المترددين الذين كانوا يفضلون على غرار زينوفييف وكامنييف إتباع سياسة التفرج، وكان هناك أيضًا حزبيون لا يمكن الاعتماد عليهم. ولم يكن من الممكن عرض خطة الانتفاضة أمام المجموعة كلها؛ فما يقال في مجلس يضم عددًا كبيرًا من الأشخاص، حتى ولو كان هذا المجلس سريَّا، ينتشر دومًا إلى الخارج. ولا يمكن أيضًا تمزيق غلاف الدفاع الذي غطي به الهجوم، دون المغامرة بإحداث اضطراب في ضمير الوحدات المختلفة للحامية. ولكن من الضروري في الوقت ذاته أن يعطي المقرر ما يفهم منه بأن المعركة الحاسمة قد بدأت، وأن على المؤتمر أن ينهيها فقط.

وبرهن تروتسكي، وهو يذكر الحاضرين بآخر مقالات لينين بأن “التآمر لا يتعارض أبدًا مع المبادئ الماركسية”؛ إذا كانت العلاقة الموضوعية تحتم الانتفاضة وتجعلها ممكنة “وينبغي التغلب على العائق المادي الذي يقف في طريق السلطة بضربة عنيفة…”. ومع هذا لم يتجاوز سياسة اللجنة العسكرية الثورية حتى ذلك الوقت إطار الدفاع. ومن الواجب بالطبع فهم هذا الدفاع بصورة واسعة نوعًا ما. فإذا كانت الصحافة البلشفية واثقة من طبعها وظهورها في الأسواق بمساعدة القوات المسلحة، أو كان الطراد اورور قادرًا على البقاء في النييفا، “هل هذا دفاع، أيها الرفاق؟ إنه دفاع!” وإذا قررت الحكومة اعتقالنا في هذه المرة، فإن الرشاشات منصوبة على سطح سمولني. “إنه دفاع أيضًا، أيها الرفاق!”. وتلقى تروتسكي في إحدى الأوراق المرسلة إليه السؤال التالي: ماذا نعمل بالحكومة المؤقتة؟ فرد عليه قائلاً: إذا حاول كرنسكي عدم الخضوع لمؤتمر السوفييتات فستخلق مقاومة الحكومة “مسألة بوليسية لا مسألة سياسية”. وكان الوضع في جوهره بهذا الشكل.

وفي هذا الوقت دعي تروتسكي للحديث مع وفد من مجلس دوما البلدية الذي جاء مؤخرًا. وكان كل شيء في العاصمة والحق يقال هادئًا في ذلك الوقت، ولكن الإشاعات المنذرة بالخطر منتشرة. وطرح عمدة المدينة أسئلة عديدة. هل يتهيأ السوفييت لتنظيم انتفاضة؟ وكيف تتم المحافظة على النظام في المدينة؟ وماذا سيحدث للدوما إذا لم يعترف بالانتفاضة؟ وكانت هذه الشخصيات المحترمة تريد معرفة كثير من الأشياء عن الانتفاضة. وقال تروتسكي ردًا على هذه الأسئلة: ترتبط مسألة السلطة بقرار مؤتمر السوفييتات. وهل سينتهي الأمر إلى معركة مسلحة “لا يتعلق نشوب هذه المعركة بالسوفييتات، بل بالذين يحتفظون بسلطة الدولة بين أيديهم، رغم الإرادة الموحدة للشعب”.

فإذا رفض المؤتمر السلطة يخضع سوفييت بتروغراد. ولكن الحكومة ذاتها فتشت بالطبع عن النزاع. وأعطي الأمر باعتقال اللجنة العسكرية الثورية. ولم يكن العمال والجنود يستطيعون الرد على هذا إلا بمقاومة عنيدة. عمليات نهب وعنف العصابات الإجرامية؟ ويقول أمر للجنة طبع في هذا اليوم ما يلي: “سيقضي على المجرمين لدى أول محاولة تقوم بها الحثالة لإحداث الاضطرابات في شوارع بتروغراد، أو القيام بالنهب، والقتال بالسكين أو بطلقات الرصاص”. وبوسعنا في حالة النزاع تطبيق الطريقة الدستورية إزاء دوما البلدية: حل المجلس وإجراء انتخابات جديدة. وذهب وفد مجلس الدوما البلدي غير راض عن الإجابات. ولكن على ماذا كان يعتمد؟

كانت الزيارة الرسمية للنظار لمعسكر المترددين تظاهرة مكشوفة جدًا تدل على عجز الحكام. وقد قال تروتسكي الذي عاد بعد المقابلة إلى مجموعة البلاشفة “أيها الرفاق! لا تنسوا أننا حصلنا منذ عدة أسابيع على الأكثرية، ولم نكن إلا أقلية صغيرة لا نملك مطبعة، ولا صندوقًا، ولا فروع، والآن ها هو وفد منتدب من مجلس دوما البلدية يجيء إلى اللجنة العسكرية الثورية، الصادر بحقها مرسوم اعتقال، ليسألها عن مصير المدينة والدولة”.

وتعززت اليوم قلعة بطرس وبولص التي احتلت في اليوم السابق فقط من الناحية السياسية. واتخذت جماعة رماة الرشاشات التي تعتبر أكثر القوى ثورية نظام المعركة. وبدأت بتنظيف الرشاشات بنشاط، وكانت تملك 80 رشاشًا. وربضت الرشاشات على أسوار القلعة لمراقبة الأرصفة وجسر ترويتسكي (جسر الثالوث الأقدس). وعززت الحراسة على الباب الكبير. وأرسلت الدوريات إلى الأحياء المجاورة. ولكن اكتشف وسط حمى ساعات الصباح أنه لا يمكن اعتبار الوضع موثوقًا جدًا في داخل القلعة ذاتها. وكان مصدر الشك ناجمًا عن كتيبة راكبي الدراجات النارية. ويشكل سائقو الدراجات النارية، كالفرسان الذين ينتمون إلى عائلات الفلاحين الميسورين والأغنياء، أكثر العناصر محافظة في الجيش. وهذا موضوع يهم علماء النفس المثاليين؛ فيكفي لرجل، خلافًا لآخرين أن يحس بأنه راكب على عجلتين مع محور لنقل حركتهما، في بلد فقير كروسيا على الأقل لكي يبدأ إعجابه بنفسه بالتضخم كعجلتيه. وفي أمريكا لكي يحصل المرء على مثل هذا الأثر، ينبغي أن يركب سيارة.

وقد استولت كتيبة راكبي الدراجات التي استدعيت لسحق حركة يوليو (تموز) على قصر كشيسينسكايا بحماس في وقت ما. ثم أمرت القيادة بتمركزها، بصفتها وحدة موثوقة بشكل خاص، في القلعة. ولم يشترك راكبو الدراجات كما علمنا فيما بعد، في الاجتماع الذي تم في اليوم السابق والذي حسم مصير القلعة، فقد كان الانضباط سائدًا في صفوفهم لدرجة أن الضباط نجحوا في منع الجنود من الظهور في باحة القلعة. وكانت قيادة القلعة المعتمدة على راكبي الدراجات النارية رافعة رأسها، وهي تتصل مرارًا بالهاتف مع هيئة أركان كرنسكي وتتهيأ كما يبدو، حتى لاعتقال المفوض البلشفي. فلا يمكن التساهل في الوضع المتردد دقيقة واحدة أكثر! وبناء على أمر صادر عن سمولني قطع بلاغونرافوف الطريق على الخصم؛ اعتقل قائد القلعة في منزله، وأمر بقطع الاتصالات الهاتفية الموجودة في كل منازل الضباط. واستفسرت هيئة الأركان الحكومية بلهجة تنطوي على القلق والخطر عن سبب عدم رد القائد وما يجري في القلعة بصورة عامة. ورد بلاغونرافوف بالهاتف باحترام أن القلعة لن تنفذ بعد الآن إلا أوامر اللجنة العسكرية الثورية، التي اتصلت الحكومة بها فيما بعد.

وقبلت كل قوات حامية القلعة اعتقال القائد برضى تام. ولكن سائقي الدراجات اتخذوا موقفًا متهربًا. فماذا يختفي وراء صمتهم الفج: عداء مستور أو تردد أخير؟ وكتب بلاغونرافوف ما يلي: “قررنا تنظيم مؤتمر خاص لسائقي الدراجات، وأن ندعو إليه أفضل محرضينا، وعلى رأسهم تروتسكي، الذي يتمتع بسلطة واسعة ونفوذ كبير في أوساط الجنود”. وحوالي الساعة الرابعة بعد الظهر تجمعت كل الكتيبة في المبنى المجاور لميدان الألعاب الحديث. وتكلم الجنرال باروديلوف كمدافع عن جانب الحكومة. وكان يعتبر في عداد الاشتراكيين – الثوريين. وكانت اعتراضاته مشبوهة لدرجة بدت مريبة وغامضة. وكان هجوم مندوبي اللجنة ثقيلاً أكثر. وانتهت المعركة الخطابية من أجل كسب قلعة بطرس وبولص كما كان ينبغي توقعها، وافقت الكتيبة بالإجماع فيما عدا ثلاثين صوتًا على قرار تروتسكي. وهكذا حل نزاع من النزاعات المسلحة التي كان من المحتمل وقوعها، وهكذا حل نزاع من النزاعات المسلحة التي كان من المحتمل وقوعها، حل قبل المعركة دون إراقة للدماء. هذه هي انتفاضة أكتوبر (تشرين الأول). وهذا هو أسلوبها. ومن الممكن بعد الآن الاعتماد على القلعة في منتهى الهدوء. وسلمت بعض الأسلحة من الترسانة دون صعوبة. واصطف مندوبو المؤسسات بالرتل الأحادي في سمولني، في غرفة لجان المصانع والمعامل للحصول على أوامر باستلام السلاح. لقد رأت العاصمة، خلال سنوات الحرب كثيرًا من الناس يقفون في أرتال طويلة، والآن يصطف الناس لأول مرة للحصول على البنادق. وكانت سيارات النقل تأتي إلى الترسانة من كل النواحي. وقد كتب العامل سكورانكو ما يلي: “لا يمكن التعرف على قلعة بطرس وبولص. ويخرق سكونها دوي السيارات، صرير الآليات، والأصوات. ويتدافع الناس بصورة خاصة… وأمامنا هنا، أحضر الجنود الثائرون أول الأسرى: ضباط ويونكرز“. وفي هذا اليوم تسلح الفوج 180 مشاة بالبنادق، وكان سلاحه قد نزع لأنه اشترك بصورة فعالة في انتفاضة يوليو (تموز).

وظهرت نتائج ميدان الألعاب الحديث في أمكنة أخرى أيضًا؛ فقد تخلى سائقو الدراجات الذين كانوا يقومون بالحراسة منذ شهر يوليو (تموز) على قصر الشتاء، تخلوا عن الخدمة طواعية، وصرحوا بأنهم لن يوافقوا أبدًا على حماية الحكومة. كانت ضربة جدية. وكان من الواجب تبديل سائقي الدراجات البخارية باليونكرز، وازداد ضعف الدعم العسكري للحكومة في مدارس الضباط، ولم يتقلص هذا الدعم إلى آخر درجة فحسب، بل كشف نهائيًّا تركيبه الاجتماعي.

وعرض عمال الأرصفة في بوتيلوف، وعرض غيرهم من العمال أيضًا القيام بأسرع ما يمكن بنزع سلاح اليونكرز. ولو أن هذا التدابير الذي أعد بصورة ملائمة، بالاتفاق مع الزمر غير المقاتلة في المدارس، طبق في ليلة 24/ 25، لَما تعرض الاستيلاء على قصر الشتاء لأية مقاومة، ولَما حدثت محاولة الانتفاضة – المضادة بتاريخ 29 نوفمبر (تشرين الثاني). وكان الزعماء يظهرون أيضًا في عدد من النقاط “مروءة وشهامة”، وكانت هذه الشهامة في الحقيقة إفراطًا في الثقة المتفائلة، ولم يعيروا انتباههم إلى الصوت العاقل للقاعدة، وكان لغياب لينين تأثير حساس أيضًا في هذه النقطة. واضطرت الجماهير إلى تصحيح نتائج وآثار الإهمال المتعمد، وسقط عدد من الضحايا بدون فائدة من كلا الجانبين. وليس في المعارك الجدية شراسة أسوأ من “شهامة” في غير محلها.

وأعطى كرنسكي في جلسة يوم اللجنة التحضيرية للمجلس النيابي آخر أمر أتيح له إعطاؤه. وقد تولى الذعر سكان روسيا وسكان العاصمة بشكل خاص منذ بعض الوقت؛ “تنشر نداءات للانتفاضة يوميًّا في صحف البلاشفة”. واستشهد كرنسكي بمقالات مجرم تبحث عنه سلطات الدولة هو فلاديمير أوليانوف – لينين. وكانت الاستشهادات رائعة وتبرهن بلا جدال على أن الشخصية المشار إليها تدعو إلى الانتفاضة. ولكن متى؟ إنه يدعو إلى العصيان في حين كانت الحكومة تناقش مسألة نقل الأراضي إلى لجان الفلاحين واتخاذ التدابير لإنهاء الحرب. ولم تتعجل السلطات، حتى هذا اليوم، ضرب المتآمرين لإعطائهم إمكانية إصلاح موقفهم. وصاح بعض أفراد الشلة التي يديرها ميليوكوف: “هذا أمر سيء”. ولكن كرنسكي لم يندهش أبدًا: “إني أفضل بصورة عامة أن تعمل السلطة ببطء أكبر، ولكن بصورة واثقة بالمقابل، وفي اللحظة الملائمة، بتصميم أكبر”. ولمثل هذه الأقوال رنة غريبة في فمه! وعلى كل حال “تجاوزوا كل المهل في الوقت الحاضر”، ولكن البلاشفة لم يندموا فحسب، بل إنهم استدعوا سريتين من الجنود وقاموا بتوزيع السلاح والذخيرة بصورة عفوية. وتنوي الحكومة في هذه المرة وضع حد لفوضى الرعاع. “أتكلم بصورة واعية جدًا: أقول الرعاع”. واستقبل اليمين هذه الإهانة بعاصفة من التصفيق، مع أنها إهانة موجهة للشعب. أما كرنسكي فقد أعطى الأوامر للقيام بالاعتقالات الضرورية. “من الضروري بصورة خاصة ملاحظة الخطب التي يلقيها برونشتاين تروتسكي رئيس سوفييت بتروغراد”، نعم فلنعرف ذلك: إن الحكومة تملك من القوات أكثر مما تحتاج إليه. وتطالب الجبهة دومًا باتخاذ تدابير حاسمة ضد البلاشفة.

في هذه اللحظة، نقل كونوفالوف إلى الخطيب أمرًا صادرًا عن اللجنة العسكرية الثورية موجهًا إلى قوات الحامية: “إعداد الفوج للقتال وانتظار التعليمات”. وأنهى كرنسكي كلامه بأبهة: “في لغة القانون والسلطة القانونية، يسمى هذا تمردًا”. ويشهد ميليوكوف على ذلك قائلاً: “نطق كرنسكي هذه الأقوال بلهجة المحامي الراضي الذي نجح أخيرًا في مفاجأة خصمه”. وأن المجموعات والأحزاب التي تجرأت فاحتجت ضد الدولة “معرضة للتصفية الفورية والحاسمة والنهائية”. وصفقت كل القاعة، فيما عدا اليسار الذي امتنع عن التصفيق بصورة واضحة. وانتهى الخطاب بمطلب؛ فلنقل اليوم، في هذه الجلسة ذاتها ما إذا كانت الحكومة تستطيع أن تقوم بواجبها مع ثقتها بدعم مجلسكم العالي”.

وعاد كرنسكي إلى هيئة الأركان دون أن ينتظر نتائج التصويت، وهو واثق كما أكد هو بذاته من أنه سيتلقى قبل انقضاء ساعة واحدة القرار الذي طالب به، ولا ندري لماذا كان واثقًا هكذا. ومع ذلك كان الأمر خلافًا لما توقع. وتمت من الساعة 2 إلى الساعة 6 مشاورات بين المجموعات، وفي داخل المجموعات لوضع صيغ انتقالية، وكان أنصار هذه الفكرة يبدون غير فاهمين أن موضوع الانتقال بالنسبة إليهم، يعني الانتقال إلى العدم. ولم تقرر أية مجموعة من التوفيقيين التشبه بالحكومة. وقال دان: “نحن المناشفة مستعدون للدفاع عن الحكومة المؤقتة حتى آخر قطرة من دمنا. ولكن فلتعط هذه الحكومة للديمقراطية إمكانية التجمع حولها”. وفي المساء، وبعد أن تعبت المجموعات اليسارية في البحث عن مخرج، اتفقت كلها معًا حول صيغة استعارها دان من مارتوف، إنها لا تحمِّل البلاشفة وحدهم مسئولية الانتفاضة، بل تحمل هذه المسئولية للحكومة أيضًا، وتطالب بتسليم الأراضي فورًا إلى اللجان الزراعية، كما تطالب ببذل الجهود لدى الحلفاء لتأييد محادثات السلم …إلخ، وهكذا كان دعاة التوسط يبذلون جهدهم حتى الدقيقة الأخيرة؛ للتلاؤم مع شعارات كانوا حتى اليوم السابق يهاجمونها ويتهمونها بالديماغوجية المغامرة. ووعدت الحكومة بدعم لا تَحَفظ فيه من قبل المتعاونين، وبدعم من الكاديت والقوزاق بالإضافة إلى الدعم السابق. وكانت المجموعتان المدعمتان تتأهبان لقلب كرنسكي عندما تسنح أول إمكانية لذلك. ولكنهما ما زالتا أقلية. فلم يكن بوسع دعم اللجنة التحضيرية للمجلس النيابي أن يضيف شيئًا إلى مزايا الحكومة. ولكن ميليوكوف كان على حق؛ فقد انتزع رفض الدعم للحكومة منها آخر بقايا السلطة؛ لأن الحكومة هي التي كانت قد حددت تشكيل اللجنة التحضيرية للمجلس النيابي قبل عدة أسابيع.

وفي حين كان المؤتمرون في قصر ماري يبحثون عن صيغة للخلاص كان سوفييت بتروغراد يتجمع في سمولني للاستعلام عن الأحداث. ويرى كاتب هذه السطور أن من واجبه التذكير هنا أيضًا بأن اللجنة العسكرية الثورية تشكلت “كجهاز للانتفاضة، ولكن كجهاز على أرضية الدفاع عن الثورة”. ولم تسمح اللجنة لكرنسكي بأن يسحب القطعات الثورية من بتروغراد ودافعت عن الصحافة العمالية. “هل يشكل هذا انتفاضة؟” فالطراد اورور موجود اليوم حيث كان موجودًا في الليلة الأخيرة. “فهل هذا يعتبر انتفاضة”، “إننا نملك نصف سلطة لا يؤمن الشعب بها ولا تؤمن بنفسها لأنها ميتة من الداخل. وينتظر نصف السلطة هذا ضربة تكنيس تاريخية لإعداد مكان السلطة الحقيقية للشعب الثوري”. وغدًا سيبدأ مؤتمر السوفييتات أعماله. ومن واجب الحامية والعمال أن يضعوا تحت تصرف المؤتمر كل قواهم. “ومع ذلك إذا حاولت الحكومة الإفادة من الأربع والعشرين أو الثمانية والأربعين ساعة التي تملكها اليوم لتطعن بالخنجر ظهر الثورة، فإننا نعلنها مرة أخرى أيضًا: سترد طليعة الثورة ضربة بضربة، وسترد على الحديد بالفولاذ”. وكان هذا التهديد المعلن تمويهًا سياسيًا في الوقت ذاته للضربة التي ستوجه في الليل. وختم تروتسكي كلمته قائلاً بأن مجموعة الاشتراكيين – الثوريين اليساريين في اللجنة التحضيرية للمجلس النيابي، بعد الخطاب الذي ألقاه كرنسكي اليوم والمجموعات التوفيقية التي سادت البلبلة أوساطها قد أرسلت إلى سمولني وفدًا وأعلنت عن استعدادها للدخول في اللجنة العسكرية الثورية بصرة رسمية. وحتى السوفييت بفرح، تحول الاشتراكيين – الثوريين اليساريين ورأى فيه انعكاس تطورات أعمق بكثير: الاتساع المتزايد للحرب الفلاحية وتقدم انتفاضة بتروغراد.

ولقد كتب ميليوكوف يفسر تقارير رئيس سوفييت بتروغراد قائلاً: “كانت خطة تروتسكي الأولية احتمالاً على الشكل التالي: بعد أن استعد السوفييت للمعركة فإنه سيضع الحكومة أمام “إرادة الشعب الموحدة” التي عبَّر عنها في مؤتمر السوفييتات، وسيعطي السلطة الجديدة بهذا الشكل صفة الشرعية. ولكن كانت الحكومة أضعف مما توقعه المجلس. وقد سقطت السلطة بين يديه قبل أن يتاح للمؤتمر الوقت للاجتماع والإدلاء برأيه”. وفي هذه التعابير تجاوز ضعف الحكومة حقًا كل التوقعات. ولكن تضمنت الخطة منذ البدء الاستيلاء على السلطة قبل افتتاح المؤتمر. وقد اعترف ميليوكوف على كل حال بهذا في موضوع آخر، عندما كتب قائلاً: “كانت النوايا الفعلية لزعماء الانتفاضة أبعد بكثير من هذه التصريحات الرسمية لتروتسكي..؛ إذ ينبغي وضع مؤتمر السوفييتات أمام الأمر الواقع”.

وكانت الخطة تتضمن بصورة أولية من وجهة النظر العسكرية الصرفة تأمين ارتباط بحارة البلطيق بالعمال المسلحين لفيبورغ، وكان على البحارة أن يصلوا بالسكة الحديدية وأن ينزلوا في محطة فنلندا، كانت هذه المحطة قريبة من حي فيبورغ. ومن هذا الموقع كان على الانتفاضة بعد أن تضم إليها مفارز الحرس الأحمر وقوات الحامية أن تمتد إلى أقسام أخرى، وأن تدخل المركز بعد أن تستولي على الجسور لتوجه الضربة النهائية. وتستند هذه الخطة الناجمة بالطبع عن الظروف التي صاغها انطونوف على وجه التأكيد إلى النظرية القائلة بأن بوسع الخصم مواجهة الانتفاضة بمقاومة هائلة. بَيْد أن هذه النقطة بالذات كانت موضع رفض فيما بعد؛ فلم يكن هناك ثمة حاجة للاستناد إلى موقع عسكري معين. وكانت مواقع الحكومة مكشوفة للهجوم حيثما وجد الثوار أنه من الضروري توجيه الضربة. وخضعت الخطة الإستراتيجية لتعديلات أيضًا من ناحية التوقيت، وفي اتجاهين مختلفين؛ بدأت الانتفاضة بتاريخ مبكر وانتهت بعد التوقيت المحدد لها. وقد أثارت المؤامرات الحكومية التي وقعت في الصباح مقاومة فورية من جانب اللجنة العسكرية الثورية. ولكن عجز السلطات الذي ظهر جليًّا في هذه الحالة، دفع سمولني، في بحر اليوم، للقيام بأعمال هجومية أخذت مع ذلك طابعًا متذبذبًا، تحضيريًّا، نصف مموه. وكانت الضربة الرئيسية معدة في الليل كالسابق، ومن هذه الزاوية بقيت الخطة سارية المفعول. ومع ذلك خالفتها اللجنة عند التنفيذ، ولكن في اتجاه معاكس تمامًا. وكانوا يفكرون باحتلال كل المواقع المشرفة خلال الليل، ولا سيما قصر الشتاء؛ حيث تتحصن السلطة المركزية. ولكن حساب الوقت في انتفاضة من الانتفاضات أصعب بكثير من حسابه في حرب نظامية. وقد تأخر زعماء الانتفاضة عدة ساعات في حشد قواتهم وفي عملياتهم ضد قصر الشتاء، هذه العمليات التي لم ينجحوا في البدء بها أثناء الليل. وتشكل هذه العمليات فصلاً خاصًا من الانتفاضة لم ينته إلا في ليلة 26، أي بتأخير 24 ساعة. إن بعض الانتصارات الرائعة لا تتحقق بدون التعرض لبعض الكبوات الجدية!

لقراءة الفصل السابق يمكن مراجعة الرابط التالي:

تاريخ الثورة الروسية: الاستيلاء على العاصمة ج 1