تاريخ الثورة الروسية: الاستيلاء على العاصمة ج 3

0
249

حاولت السلطات توسيع هجومها بعد تصريحات كرنسكي في اجتماع اللجنة التحضيرية للمجلس النيابي. واحتلت مفارز من اليونكرز المحطات. ووضعت في نواصي الشوارع الرئيسية مفارز حراسة كان من واجبها مصادرة السيارات الخاصة التي لم تسلم إلى هيئة الأركان العامة. وفي الساعة الثالثة بعد الظهر، قطعت الجسور المتحركة، باستثناء جسر القصر الذي بقي مفتوحًا للسير تحت حراسة مشددة من اليونكرز. وقد أملى هذا الإجراء الذي طبقته الملكية في الماضي في كل الأوقات التي ينتشر فيها عدم الأمن، وخلال أيام فبراير (شباط) للمرة الأخيرة، أملى هذا الإجراء الخوف من الأحياء العمالية. وكان رفع أرضيات الجسور في نظر الشعب تأكيدًا رسميًّا بأن الانتفاضة قد بدأت. وردت هيئات أركان الثورة على العملية الحربية للحكومة بالطريقة الملائمة؛ إذ أرسلت إلى الجسور مفارز مسلحة. ولم يكن أمام سمولني إلا أن تطور هذه المبادرة. فقد كان للمعركة من أجل الاستيلاء على الجسور طابع اختبار للقوى من كلا الجانبين. وضغطت مفارز العمال المسلحين والجنود على اليونكرز والقوزاق، مستخدمة الإقناع أحيانًا، والتهديد أحيانًا أخرى. وانتهى الأمر بحراسة الحكومة إلى الاقتناع، فلم يكونوا ليجرءوا على المغامرة بأنفسهم في نزاع مباشر. حتى أن بعض الجسور قطعت ثم أعيدت في عدة مناسبات.

وتلقى الطراد اورور أمرًا مباشرًا من اللجنة العسكرية الثورية يقول: “أعيدوا السير بكل الوسائل التي تملكونها على جسر نيقولا”. وحاول قائد الطراد تمييع هذا الأمر، ولكنه قاد الطراد بوداعة بعد اعتقاله رمزيًّا هو وكل ضباطه. وسارت على ضفتي النهر أرتال البحارة. وروى كوربوف أنه لم يبق أي أثر لليونكرز عندما كان الطراد اورور يحاول الرسو أمام الجسر، ولم يكن قد أتيح له الوقت الكافي لذلك. وأعاد البحارة المرور على الجسر ووطدوا حراستهم. وكان جسر القصر هو الوحيد الذي بقي عدة ساعات أيضًا بين يدي جند الحرس الحكومي.

وبرغم الفشل الواضح للمحاولات الأولى، حاولت بعض عناصر السلطة فيما بعد توجيه ضربات أخرى أيضًا. فقد جاءت مفرزة من المليشيا في المساء إلى مطبعة خاصة كبرى لمنع طبع صحيفة سوفييت بتروغراد: العامل والجندي. وقبل اثنتي عشرة ساعة من وقوع هذا الحادث هرع عمال المطبعة البلشفية، في حالة مماثلة، إلى سمولني يطلبون منه النجدة. أما الآن، فكل هذا لم يعد ضروريًّا. فقد أنقذ عمال الطباعة مع اثنين من البحارة كانا موجودين هناك السيارة فورًا وهي مليئة بالصحف، وانضم إليهم فورًا عدد من رجال المليشيا الحكومية. وفر مفتش المليشيا. وسلمت الصحيفة المستعادة دون صعوبة إلى سمولني. وأرسلت اللجنة العسكرية الثورية مجموعتين من فوج بريوبراجينسكي لحماية الطبعات التالية. ونقلت الإدارة المذعورة إدارة المطبعة فورًا إلى سوفييت نقابات العمال.

ولم تفكر السلطات القضائية أبدًا بالدخول إلى سمولني للقيام بالاعتقالات فيه؛ فقد كان من الواضح أن دخوله سيعطي إشارة الحرب الأهلية وهزيمة مؤكدة مسبقة للحكومة. وبالمقابل، ووسط تشنج إداري وقعت محاولة لاعتقال لينين في حي فيبورغ، هذا الحي الذي كانت السلطات تتحاشى حتى إلقاء نظرة عليه في أفضل أيامها. فقد دخل عقيد ومعه عشرة من اليونكرز في ساعة متأخرة من الليل إلى النادي العمالي خطأ، بدلاً من الذهاب إلى هيئة التحرير البلشفية الموجودة في المبنى ذاته، وكان هؤلاء المحاربون، يفترضون، ولا ندري لِمَ هذا الافتراض، أن لينين ينتظرهم في مبنى هيئة التحرير. ومن النادي أنذرت هيئة أركان الحرس الأحمر فورًا. وبينما كان العقيد يتيه في الطوابق المختلفة، ووصل إلى المباني التي يحتلها المناشفة أيضًا، وصل الحرس الأحمر في الوقت الملائم لاعتقاله مع اليونكرز، وسلموه إلى هيئة أركان ناحية فيبورغ، ومن هناك، أرسل إلى قلعة بطرس وبولص. وهكذا كان الهجوم الصاخب الذي يستهدف البلاشفة يلاقي صعوبات لا يمكن التغلب عليها في كل خطوة، ويتحول إلى هجمات مفككة وغير مرتبة، وإلى اشتباكات صغيرة مضحكة، ويتبخر الهواء ويسير إلى العدم.

كانت اللجنة العسكرية الثورية تعمل في غضون ذلك على الدوام، وكان المفوضون يناوبون على مقربة من القوات. ويعلم سكان العاصمة بإنذارات خاصة كانت تعين لهم الأمكنة التي ينبغي أن يتوجهوا إليها عند وقوع المؤامرات المضادة للثورة، “وعمليات التصفية ضد اليهود”؛ “حتى تهرع النجدة فورًا”. وكانت زيارة مفوض فوج كيكهولمسكي إلى المقسم الهاتفي كافية لإعادة الاتصالات الهاتفية مع سمولني. فالاتصال الهاتفي، هو أسرع الاتصالات، ويعطي للعمليات الجارية ضمانًا وانتظامًا مطردًا.

ووسعت اللجنة العسكرية الثورية وعززت مواقع الانطلاق للهجوم المقبل، وهي مستمرة في إدخال المفوضين في المؤسسات التي لم تسقط بعد تحت رقابتها. وسلم دزيرجنسكي خلال النهار لبستكوفسكي، وهو ثوري قديم، مِزَقًا من ورقة تتضمن تعيينه مفوضًا لمقسم البرقيات. وأخذ المفوض الجديد يتساءل في دهشة “كيف يحتل التلغراف؟ فالمقسم محروس من قبل فوج كيكهولمسكي، وهو من أفواجنا!” ولم يكن بستكوفسكي يحتاج إلى تفسيرات طويلة. يكفي جنديان من الفوج، يحملان بندقيتهما بيديهما، بالقرب من البدالة للحصول على تسوية مؤقتة مع الموظفين المعادين في التلغراف، الذين لا يوجد بينهم بلشفي واحد.

وفي الساعة التاسعة مساء احتل ستارك -مفوض آخر من اللجنة العسكرية الثورية- بمفرزة صغيرة من البحارة بقيادة المهاجر القديم سافين -وهو بحار أيضًا- الوكالة البرقية الحكومية، وحدد بهذا الشكل مصير هذه المؤسسة ومصيره الخاص إلى حد ما؛ إذ أصبح ستارك أول مدير سوفييتي للوكالة قبل أن يصبح وزيرًا للسوفييتات في أفغانستان.

فهل كانت هاتان العمليتان المتواضعتان هجمات تمردية أو أنهما كانتا واقعتين من وقائع ازدواجية السلطة، هذه الازدواجية التي انحرفت بالفعل عن جادة التوفيقيين لتنتقل إلى جادة البلشفية؟ لقد بدت المسألة، وكأنها مسألة تبريرية ولكنها احتفظت مع ذلك بكل أهميتها لتمويه الانتفاضة. وكان لواقعة مهاجمة مبنى الوكالة ذاته أيضًا من قبل البحارة المسلحين طابع متردد؛ فمن الناحية الرسمية لم يكن الهدف هو الاستيلاء على المؤسسة، بل وضع رقابة على البرقيات. وهكذا نجد أن حبل سرة “الشرعية” لم يقطع نهائيًّا حتى ليلة 24، بل استمرت الحركة خفية تحت بقايا تقاليد ازدواجية السلطات.

وكانت القيادة في سمولني تعلق آمالاً ضخمة عند وضع خطط الانتفاضة على بحارة البلطيق كمفرزة قتال تجمع بين التصميم البروليتاري، وتدريب عسكري قوي. وقد أعد مجيء البحارة إلى بتروغراد مع افتتاح مؤتمر السوفييتات. ولو أن بحارة البلطيق استدعوا قبل موعد المؤتمر، لكان معنى هذا العمل السير في طريق الانتفاضة بصورة مكشوفة. من هنا نجم عائق أدَّى إلى تأخير الانتفاضة.

وفي يوم 24 وصل إلى سمولني مندوبو سوفييت كرونشتادت إلى المؤتمر وهم: البلشفي فليروفسكي، والفوضوي يارتشوك اللذين كانا يسبقان البلاشفة. واجتمعا بتشود نوفسكي الذي كان قادمًا من الجبهة، في إحدى قاعات سمولني، وكان تشود نوفسكي يعارض الانتفاضة في مرحلة قريبة جدًا متعللاً بالمناخ الفكري للجنود. وقد روى فليروفسكي ما يلي: “دخل تروتسكي إلى القاعة إبان احتدام النقاش… ودعاني بعد أن انفرد بي في أحد أركان القاعة إلى العودة فورًا إلى كرونشتادت، وقال لي: “إن الأحداث تنضج بسرعة كبيرة جدًا ومن الواجب أن يكون كل واحد منا في موقعه…”. وقد أحسست من هذا التوجيه المختصر بقوة انضباط الانتفاضة القادمة. وتوقف النقاش”. وكتم تشود نوفسكي -النشيط والذي لا ينفعل ولا يتأثر- شكوكه ليشارك في وضع الخطط الحربية. وزود فليروفسكي ويارتشوك بأمر ينص على ما يلي: “على القوات المسلحة لكرونشتادت أن تزحف عند الفجر للدفاع عن مؤتمر السوفييتات”.

وأرسلت اللجنة العسكرية الثورية ليلاً، بواسطة سفردلوف برقية إلى سميلغا رئيس اللجنة الإقليمية للسوفييتات في هلسنغفورز: “أرسل التماثيل”. وكان هذا يعني: “أرسل فورًا 1500 بحار من نخبة بحارة البلطيق، والمدججين بالسلاح”. ومع أن بحارة البلطيق لا يستطيعون الوصول إلا في بحر اليوم التالي، فلم يكن هناك أي سبب لتأجيل الاشتباكات؛ فالقوى الداخلية كافية، وليس هناك من إمكانية للتأجيل؛ فقد بدأت العمليات. وإذا وصلت النجدات من الجبهة لدعم الحكومة، فإن البحارة سيظهرون في وقت مبكر لضربهم، من الجانب أو من المؤخرة.

وكانت الخطة التكتيكية ومخطط الاستيلاء على العاصمة من صنع التنظيم العسكري البلشفي أساسًا. وقد اكتشف ضباط هيئة أركان القيادة العامة للقوات المسلحة الروسية في الخطة التي وضعها هؤلاء المدنسون للمقدسات كثيرًا من اللمحات الفذة. ولا يشارك ضباط أكاديميات الحرب العليا عادة في إعداد انتفاضة بروليتارية. ومع هذا فقد أعد في الخطة كل ما هو ضروري. وقسمت المدينة إلى قطاعات قتالية، تابعة لأقرب هيئات الأركان. وحشدت سرايا الحرس الأحمر في أهم النقاط، وربطت بوحدات عسكرية مسلحة مجاورة؛ حيث تسهر سرايا مناوبة على قدم الاستعداد. وحددت مسبقًا أهداف كل عملية خاصة، والقوات المكلفة بها. وكان كل المشتركين بالانتفاضة، من المستوى الأعلى إلى الأدنى مشبعين -وهنا تكمن قوة الملاحظة، كما يكمن ضعفها أيضًا في بعض اللحظات- بالثقة بأن النصر سيتحقق بدون ضحايا.

وبدأت العمليات الرئيسية في الساعة الثانية صباحًا. واحتلت المحطات ومركز توليد الكهرباء، وترسانات الأسلحة، ومستودعات التموين، ومصلحة المياه، وجسر القصر، ومقاسم الهاتف، ومصرف الدولة، والمطابع الكبرى، وتم الاحتلال بمجموعات عسكرية صغيرة، معها عادة نواة من العمال المسلحين أو البحارة، بقيادة المفوضين. وقد احتلت كل هذه الأماكن بآن واحد أو بالتتابع، وتم تأمين اللاسلكي والبريد. وكان الثوار يضعون في كل مكان حرسًا موثوقًا.

وجاءت التقارير المتعلقة بوقائع الليل هزيلة ولا لون لها، وكانت هذه التقارير تشبه محاضر للشرطة. واستولى على جميع المشتركين حمى عصبية. ولم يكن لدى أي شخص الوقت للملاحظة والتسجيل. ولم تكن المعلومات التي تصل إلى هيئات الأركان لتسجل على الورق، وإنما كانت تكتب بخفة، كما كانت هذه الأوراق والمذكرات تتعرض للضياع. وتتسم الذكريات التي نشرت فيما بعد بأنها جافة وغير صحيحة دومًا؛ لأنها جاءت، في معظمها، من شهود عاصروا الأحداث بصورة عارضة. وسار العمال والبحارة والجنود الذين كانوا يشكلون القوى الملهمة والقائدة للعمليات، ساروا على رأس مفارز الجيش الأحمر الأولي، وسقط معظمهم في ساحات معارك الحرب الأهلية. ويصطدم المؤرخ بتشويش كبير تزيد من حدته التقارير الصحفية إذا ما أراد تحديد طابع وترتيب الوقائع المختلفة. ويبدو أحيانًا احتلال بتروغراد في خريف 1917 أسهل من تكرار وصف العملية نفسها بعد خمس عشرة سنة.

وكلفت السرية الأولى، وهي أقوى سرايا كتيبة النقابيين وأكثرها ثورية بالاستيلاء على محطة نيقولا المجاورة. وبعد ربع ساعة احتلت مواقع المحطة دون إطلاق رصاصة واحدة من قبل مفارز قوية، واختفت القوات الحكومية وسط الظلمات. وكانت تلك الليلة القارسة البرد حافلة بالإشاعات المثيرة للشكوك، وبالحركات الغامضة. وكان الجنود الذين تغلبوا على القلق العميق يوقفون المارة بصورة وجدانية كما يوقفون الأفراد المارين بالسيارات، ويتحققون بدقة من أوراقهم. ولم يكونوا دومًا يعرفون كيف يتصرفون، كانوا يترددون، ويخلون سبيل الأفراد في غالب الأحيان. ولكنهم تمتعوا بمزيد من الثقة من ساعة إلى أخرى. وفي الساعة السادسة صباحًا أوقف النقابون سيارتي نقل محملتين باليونكرز، تحملان حوالي 60 شخصًا، فنزعوا سلاحهم وأرسلوهم إلى سمولني.

وتلقت الكتيبة ذاتها الأمر بإرسال خمسين جنديًّا لحراسة مستودعات التموين، وإرسال 21 جنديًا لحراسة مركز توليد الكهرباء. وجاءت المفارز الواحدة بعد الأخرى من سمولني، ومن الناحية. ولم يكن أي فرد يعارض أو يتذمر. وكانت الأوامر طبقًا لتقرير أحد المفوضين تنفذ “فورًا وبدقة”. واتخذت تنقلات الجنود وضوحًا لم تتسم به منذ زمن طويل. وبرغم تفتت الحامية وتفككها، هذه الحامية التي لم تكن تصلح في السابق إلا للنبذ والطرد، فقد استيقظ الانضباط العسكري فيها في تلك الليلة، وشدَّد من عضلاتها في هذه المرة الأخيرة لخدمة العهد الجديد.

وتلقى المفوض أورالوف تفويضين: أولهما لاحتلال مطبعة الصحفية الرجعية روسكايافوليا، التي أسسها بروتوبوبوف قبيل تعيينه وزيرًا لداخلية نيقولا الثاني. والتفويض الثاني للحصول على قوة من جنود فوج حرس سيمينوفسكي الذي استمرت الحكومة استنادًا إلى ذكريات قديمة في اعتباره واحدًا من أفواجها. وكان جنود فوج سيمينوفسكي ضروريين لاحتلال المطبعة، وكنا نحتاج إلى المطبعة لطبع الصحيفة البلشفية على نطاق واسع وبأعداد ضخمة. وكان الجنود يقومون بتحضيراتهم للنوم. وعرض عليهم المفوض بصورة موجزة هدف مهمتهم، وصرح قائلاً فيما بعد: “لم يتح لي الوقت لأنهي كلامي حتى دوت هتافات “هورا” من كل ناحية. وانتصب الجنود وأحاطوا بي وضيَّقوا حولي”. ووصلت سيارة نقل محملة بالجنود من فوج سيمينوفسكي إلى المطبعة. واجتمعت فورًا في قاعة المطبعة الوردية الليلية. وعرض المفوض سبب مجيئه. “وهنا أيضًا، كما في الثكنة، رد العمال بهتافات التأييد وهتاف: “عاشت السوفييتات!” ونفذت المهمة. وبهذا الشكل تقريبًا تمت المصادرات في المؤسسات الأخرى. ولم تكن هناك حاجة إلى استخدام العنف لأنه لم تكن هناك مقاومة. كانت الجماهير الثائرة تتدافع بمناكبها وتطرد أسياد الأمس إلى الخارج.

ونقل قائد المنطقة العسكرية إلى مقر هيئة الأركان العليا وإلى أركان الجبهة الشمالية بواسطة الخطوط الهاتفية الخاصة ما يلي: “إن الوضع رهيب في بتروغراد. ليس هناك مظاهرات ولا فوضى في الشوارع. ولكن هناك احتلال مطرد للمؤسسات، والمحطات، كما أن هناك اعتقالات… ويتخلى اليونكرز عن مواقعهم دون مقاومة… وليس هناك ما يضمن عدم وجود محاولة للسيطرة على الحكومة المؤقتة”. ولقد كان بولكوفينكوف على حق؛ إذ لم يكن هناك بالفعل أية ضمانة.

وتدَّعى الدوائر العسكرية بأن عملاء اللجنة العسكرية الثورية قد سرقوا من قيادة بتروغراد، ومن على طاولتها “كلمات السر”، وكلمات التعارف الخاصة بخفر الحامية. ولم يحدث شيء لا يمكن تصوره كهذا؛ فللانتفاضة عدد كاف من الأصدقاء وسط الموظفين الصغار في المؤسسات. بَيْد أن الرواية المتعلقة بسرعة “كلمات السر” اختلقت بالتأكيد لتفسير السلبية المغيظة التي استولت معها مخافر الحرس البلشفية على المدينة.

ووزع سمولني في خلال الليل أمرًا على قوات الحامية يقضي باعتقال الضباط الذين لا يعترفون بسلطة اللجنة العسكرية الثورية. فقد نجح في هذه الأيام عدد وافر من القادة في إخفاء عدد من الأفواج، وهم ينتظرون في مكان أمين نهاية هذه الأيام المثيرة للقلق. وفي قوات أخرى، طرد الضباط أو اعتقلوا. وتشكلت في كل مكان اللجان الثورية أو هيئات الأركان التي كانت تعمل باتفاق كامل مع المفوضين. وكان جليًّا واضحًا أن القيادة المرتجلة لم تكن على مستوى مهمتها أبدًا. ولكنها كانت بالمقابل، قيادة موثوقة. وكانت المسألة ستتقرر قبل كل شيء على المستوى السياسي.

ومع كل هذا، أظهرت هيئات أركان مختلف القوات مبادرة هائلة برغم عدم تجربتها. وأرسلت لجنة فوج بافلوفسكي كشافين إلى هيئة أركان المنطقة كي تعرف ما يجري فيها. وكانت “الكتيبة الكيميائية” الاحتياطية تراقب جيرانها المشاغبين بانتباه: يونكرز مدرستي بافلوفسكي وفلاديميروفسكي وطلاب فيلق الكاديت. وغالبًا ما كان الكيميائيون ينزعون سلاح اليونكرز في الشوارع، وهكذا كانوا يفرضون عليهم إلقاء سلاحهم. وحرصت هيئة أركان كتيبة الكيميائيين بعد أن ارتبطت بقوات جنود مدرسة بافلوفسكي على أن تُبقي مفاتيح التسليح بين أيدي هذه القوة.

ومن الصعب تحديد كمية القوات التي اشتركت مباشرة بالاستيلاء على العاصمة ليلاً؛ لا لأن أحدًا لم يعدها ولم يسجلها، بل بسبب طابع العمليات ذاتها. فقد اختلطت وحدات احتياط الخط الثاني والثالث بوحدات الحامية تقريبًا. ولكن ليس من الممكن اللجوء إلى الوحدات الاحتياطية إلا بصورة طارئة. وكانت قوات الخط الأول والثاني التي احتل الثوار العاصمة بواسطتها مؤلفة من عدة ألوف من الحرس الأحمر ومن 2000 إلى 3000 بحار -وقد تضاعف عددهم ثلاث مرات تقريبًا في اليوم التالي بوصول جنود كرونشتادت- وحوالي عشرين سرية ومفرزة مشاة.

وفي الساعة 3.20 صباحًا نقل المنشفي شير مدير الإدارة السياسية في وزارة الحربية إلى القفقاس ما يلي: “هناك جلسة للجنة التنفيذية للسوفييتات يتمتع فيها البلاشفة بأكثرية ساحقة. وقد استقبل تروتسكي بالترحاب والتصفيق. وصرح بأنه يأمل بمخرج لا دموي للانتفاضة، نظرًا لأنهم يملكون القوة بين أيديهم. وقد بدأ البلاشفة بالعمل المباشر؛ إذ استولوا على جسر نيقولا، ووضعوا عليه سيارات مصفحة. ووضع فوج بافلوفسكي، في شارع ميليونايا قرب قصر الشتاء دوريات من الحرس، وقطع المرور، وبدأ بالاعتقالات وأرسل المعتقلين إلى سمولني. وقد اعتقل الوزير كاراتاشيف وهالبيرين الأمين العام للحكومة المؤقتة. وسقطت محطة البلطيق في أيدي البلاشفة أيضًا. وإذا لم تتدخل الجبهة، فلن يكون لدى الحكومة القوة للمقاومة بالقطعات التي تملكها”.

بدأت الجلسة الموحدة للجنتين التنفيذيتين التي يتحدث عنها بيان الملازم الأول شير في سمولني بعد منتصف الليل. وكان مندوبو المؤتمر يملأون القاعة كمدعوين. واحتلت الممرات والأروقة بمفارز معززة من الحرس. وكانت المعاطف الرمادية، والبنادق، والرشاشات تُرى في النوافذ. وغرق أعضاء اللجنة التنفيذية وسط جموع أبناء المناطق الريفية، ورءوس متعددة معادية. وبدا الجهاز الأعلى “للديمقراطية” وقد أصبح أسيرًا للانتفاضة. وعلى المنصة، لا يرى أحد الوجه العادي للرئيس تشخيدزه. وكان المقرر تسيريتلي غائبًا. وكان كل منهما قد سلم المركز الذي كان مسئولاً عنه بعد أن ذعرا من سير الأحداث، قبل نشوب المعركة بعدة أسابيع وعادا إلى جورجيا موطنهما الأصلي، بعد أن قاما بإشارة تدل على يأسهما من بتروغراد. ولم يبق من زعماء الكتلة التوفيقية سوى دان. وكان دان لا يملك السذاجة الخبيثة لتشخيدزه، ولا فصاحة تسيريتلي المحركة للمشاعر. وبالمقابل، كان دان يتجاوز كلا الاثنين بقصر نظره المكابر. وافتتح غوتز الجلسة. وتكلم دان وسط صمت كبير بدا لسوخانوف دليلاً على الخور، ولكنه بدا لجون ريد “مفعمًا بالتهديد”. وكانت حجة المقرر هي القرار الجديد الذي اتخذته اللجنة التحضيرية للمجلس النيابي، التي كانت تسعى لمواجهة الانتفاضة بصدى شعاراتها الضعيف. وقال دان: “سيكون الوقت متأخرًا جدًا إذا لم تأخذوا هذا القرار بعين الاعتبار”، وهو يلوح بالتهديد بالمجاعة المحتمة وهبوط معنويات الجماهير. “فلم تكن الثورة المضادة في أي وقت مضى بمثل قوتها في اللحظة الراهنة”، أي في ليلة 24/ 25 أكتوبر (تشرين الأول) 1917! فالبورجوازي الصغير الذي يتولاه الذعر إزاء الأحداث الكبرى لا يلاحظ سوى المخاطر والعقبات. ومورده الوحيد هو لغة الخوف المحركة للمشاعر. “إن صحافة المائة – السود تلاقي في المصانع والثكنات نجاحًا أكبر مما تلاقيه صحافة الاشتراكيين”. ويقود المجانين الثورة إلى الضياع، كما حدث في عام 1905. “وعندما يكون على رأس سوفييت بتروغراد واحد من أمثال تروتسكي” ولكن لا. إن اللجنة التنفيذية المركزية لن تسمح بالسير حتى العصيان: “أصبح هذا المجلس جثة!”. وقد أحس بصحة هذا التعجب كل المستمعين؛ إذ كانت تتشابك فوق جثة التوفيقيين حراب البرجوازية والبروليتاريا. وضاع صوت المقرر وسط ضجة معادية. فقد كان الضرب على الطاولات لا يؤثر، كما كانت المواعظ لا تؤثر على أحد، ولا ترهب التهديدات أبدًا. لقد كان كل هذا متأخرًا جدًا، متأخرًا جدًا.

ورد عليه تروتسكي باسم اللجنة العسكرية الثورية، وباسم الحزب البلشفي، وباسم عمال وجنود بتروغراد، وسفه آخر الصيغ التقليدية. قال تروتسكي: نعم، إنها الانتفاضة! نعم، إن الجماهير معنا وسنقودها إلى الانقضاض! ثم أضاف موجهًا كلامه إلى مندوبي المؤتمر من فوق رأس اللجنة التنفيذية المركزية: “إذا كنتم لا ترتعدون، فلن يكون هناك حرب أهلية، لأن الأعداء سيستسلمون فورًا، وستحتلون المكان الذي يحق لكم احتلاله بالحق وهو مكان أسياد الأرض الروسية”. ولم يجد أعضاء اللجنة التنفيذية المركزية القوة للاحتجاج بعد أن أذهلهم كلام تروتسكي. وكان الحديث المفخم الدفاعي في سمولني يغذي فيهم شعلة صغيرة متذبذبة من الأمل برغم كل الوقائع. ولكن هذه الشعلة الحماسية قد انطفأت الآن. فقد انتصب رأس الانتفاضة عاليًا جدًا في هذه الساعات من الليل البهيم.

وانتهت الجلسة الحافلة بالأحداث في الساعة الرابعة صباحًا. وكان الخطباء من البلاشفة يصعدون إلى المنصة ويتكلمون ثم يعودون فورًا إلى اللجنة العسكرية الثورية؛ حيث كانت تصل من كل أنحاء المدينة معلومات ملائمة تمامًا: إن مخافر الحرس في الشوارع يقظة وساهرة. واحتلت المؤسسات بعد أخرى، ولا يبدي الخصم أية مقاومة.

وكان من المفروض أن يكون المقسم محروسًا جيدًا، ولكن زمرة من فوج كيكهولمسلي احتلته في الساعة السابعة صباحًا دون إطلاق رصاصة واحدة. ولم يعد الثوار قلقين خوفًا من قطع الاتصال فيما بينهم، وتمكنوا بالإضافة إلى ذلك من مراقبة الاتصالات الهاتفية لخصومهم. وقد قطعت الخطوط الهاتفية بين قصر الشتاء وهيئة الأركان العليا للحكومة فورًا.

وفي الوقت ذاته تقريبًا استولت مفرزة من بحارة ركب الحرس، مؤلفة من 40 جنديًّا على أبنية مصرف الدولة وعلى قناة كاترين. وقد قال أحد مستخدمي البنك والتسيفيتش في مذكراته “إن مفرزة البحارة تصرفت بصورة خاطفة”. ووضعت الحراس فورًا في المراكز الهاتفية لمنع كل نجدة ممكنة من الخارج. وتم الاستيلاء على المؤسسة “دون أية مقاومة، رغم وجود مفرزة من فوج سيمينوفسكي”. وقد أعطوا للاستيلاء على المصرف معنى رمزيًّا. وكانت كوادر الحزب قد ربيت وعلمت على النقد الماركسي لكومونة باريس في عام 1871، هذه الكومونة التي لم يجرؤ زعماؤها -كما هو معروف- على رفع يدهم ضد مصرف فرنسا المركزي. وكان عدد من البلاشفة يقولون لأنفسهم قبل 25 أكتوبر (تشرين الأول) بمدة طويلة “كلا، لن نعود إلى مثل هذا الخطأ”. وانتشر خبر الاستيلاء على أقدس مؤسسات الدولة البرجوازية، ثم انتقل إلى النواحي بسرعة هائلة، وأثار هيجانًا حماسيًّا.

لقراءة الفصل السابق يمكن مراجعة الرابط التالي:

تاريخ الثورة الروسية: الاستيلاء على العاصمة ج 2