رسالة إلى سمير قصير

0
431

الياس خوري

من قلب انتفاضة تشرين أكتب لك يا أخي الصغير، أجلس إلى جانبك في حديقتك، وأرى صورتك في الماء وهي تحتضن شباب لبنان الذين عادوا إلى الوضوح في الشوارع.
ولد الشعب اللبناني من جديد، شعب واحد يصنع انتفاضة كبرى هي بداية الثورة التي حلمنا بها طويلاً.
من طرابلس الفيحاء إلى صور، ومن الذوق وجبيل إلى النبطية وبعلبك وعكار والبترون، ومن بيروت إلى بيروت.
انتفض الشعب على الطوائف وزعمائها، حطّم هالتي القداسة والعفة الكاذبتين، وصرخ ضد طبقة الأوليغارشيين والمافيوين، الذين نهبوه وأذلّوه وجوّعوه وبهدلوه.
تحطّمت صورة العنصري جبران باسيل ومعلّمه الأخرس، وانهارت الهالة حين أعلن أمين عام حزب الله حسن نصر الله أنه العهد وحامي حكومة اللصوص، وانفضح نبيه بري وهو يأمر زعرانه بإطلاق النار على المتظاهرين.
قُمْ يا سمير قصير إلى ساحة الشهداء، وتعال معي إلى رياض الصلح.
إنه مهرجان الحرية، تعال إلى الفرح والحب والجمال والكرامة.
في ساحة النور في طرابلس عزفت موسيقى الراب، وفي بعلبك صنع الناس من صرخة الحرية مهرجانهم، وفي صور الجميلة، وعلى شاطئها الذهبي اشتعلت نيران الفرح.
هذا هو لبناننا، متظاهرات ومتظاهرون يهتفون لفلسطين وسوريا، ويستعيدون أجمل لحظات ربيع العرب.
دمشقنا هنا، وفلسطيننا هنا.
انتظرنا هذه اللحظة طويلاً، وعندما أتت ذهبنا لملاقاتها بلا خوف. حُلمنا بأن تأتي الوحدة الشعبية وتكنس شعارات الوحدة الوطنية الطائفية الكاذبة، يتجسّد اليوم في الشوارع والساحات.
نظام الخوف واللصوصية والنهب والوصايات الخارجية سقط في الشارع.
نعم أيها الرفيق الشهيد، لقد سقط النظام.
الناس لا يدعون إلى إسقاط النظام، بل يقومون بإسقاطه بأيديهم.
ففي اللحظة التي محونا فيها العصبية الطائفية الحمقاء، واكتشفنا أن زبائنية زعماء الطوائف والمافيات أوصلتنا إلى الجوع والذلّ، سقط النظام تحت أقدام الصبايا والشباب الذين فاجأوا أنفسهم بثورتهم المدهشة.
لم نعد في حاجة إلى تخيّل مشهد لبنان العلماني اللاطائفي.
إنني أراه بعيني رأسي، أراه على جباه الصبايا والشبان الذين يرفعون رؤوسهم إلى الأعلى، ويقتحمون سماء الحرية.
أرى الحب يولد من ركام أرواحنا.
رفعتم رؤوسكم كي تعلنوا الحب والفرح.
هذه المعركة الطبقية الكبرى التي يخوضها الفقراء والمهمشون وأبناء الطبقات الوسطى المهدّدة بالإفقار، هي معركة الحق والكرامة الإنسانية.
أما هؤلاء السفهاء الذين ركبوا على ظهورنا منذ الاستقلال وكانوا دائماً عملاء للخارج، فقد أوصلوا لبنان إلى القعر.
وفي القعر انتفضنا.
لا يوجد من هو أكثر وقاحة وسفالة وحقارة من هذا النظام الطائفي المافيوي الذي يستخفّ بعقول الناس ويدوسها معتقداً أنه يستطيع أن يبقيهم في قطعان الطائفيات الكريهة.
في الصراع من أجل الخبز والحرية والعدالة الاجتماعية انتفض لبنان كي يولد جديداً شاباً جميلاً مشرقاً بالحب.
هذا هو الوعد الذي قتلوك من أجله يا أخي ورفيقي.
الوعد صار اليوم موعداً.
هذا العهد وحكومته يجب أن يذهبا إلى الجحيم.
عهد حكم المرشد يترنّح، ويكشف حقيقته، وعهد العنصري الأرعن يجب أن يمضي.
هل تذكرون أيتها الرفيقات والرفاق كيف ضحك منكم الجميع عندما رفعتم شعار إسقاط النظام الطائفي؟
هل تذكرون حين أرهبونا يوم صرخنا «كلن يعني كلن»؟
اليوم أعلنت الطبقة الأوليغارشية الطائفية حقيقتهم كلهم، وهي تحاول أن تتماسك أمام صرخة الشعب، وتبحث عن رشوة تسكت بها الجموع الهادرة.
فات الأوان.
المسألة ليست الضرائب فقط، الضرائب كشفت حقيقة مجمع اللصوص الذي يتحكّم في لبنان.
المسألة صار لها اسم آخر.
ومن يريد أن يعرف اسمها عليه أن يقرأ السطور التي كتبها سمير قصير وشهداء الحرية بدمائهم، هناك تجدون الحقيقة وهي تنتصر على الاغتيال والترهيب.
نحن في أول المعركة، والمافيات الحاكمة تهددنا بالفوضى وتستعد لإغراقنا بالدم، ونحن نعرف ذلك، ونرى مؤشراته.
لكننا لن نخاف.
مهما فعلوا فقد سقط النظام.
سقط نظام الحرب الأهلية، وأعلن الناس في كل المناطق اللبنانية أن الحرب الأهلية يجب أن تنتهي.
نظام الطائفية سقط، وسقطت أيديولوجيته وأقنعته كلها.
لذا، فإن المهمة العاجلة هي منع النظام وشبيحته من إراقة الدماء كما فعل أقرانه من المستبدين العرب.
وهي مهمة صعبة لكنها ليست مستحيلة.
إنجاز انتفاضة تشرين الأول/ أكتوبر اللبنانية، لا تراجع عنه.
ففي الشوارع ولد لنا وطن حرّ ومستقل وديمقراطي، هذا هو الوطن الذي نحيا من أجله ونموت دفاعاً عنه.

ننوّه إلى أن الآراء الواردة في المواد المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن آراء ومواقف “الرابطة الأممية للعمال – الأممية الرابعة”