تحديات ثورة أكتوبر اللبنانية

0
352

                  

في 17 من تشرين الأول/ اكتوبر 2019، هزّت لبنان انتفاضة جماهيرة عارمة، بعد أن أعلنت الحكومة اللبنانية عن رسوم بقيمة 0.20 دولار أمريكي يوميًا لاستخدام تطبيقات مثل Whatsapp وغيره لإجراء المكالمات. كان هذا هو سبب أكبر تعبئة جماهيرية منذ العام 2005 ، عندما اضطرت القوات المسلّحة السورية إلى مغادرة البلاد بعد 29 عامًا من الاحتلال.

بقلم حسن البرازيلي

لثورة “أكتوبر” -كما يسميها اللبنانيون- ما لا يقل عن ثلاث خصائص مميزة للغاية مقارنة بحشود العام 2005. في عام 2005، كان قادة الأحزاب الطائفية قادرين على الحفاظ على مواقعهم من خلال تقسيم الشعب إلى معسكرين سياسيين برجوازيين:
1) تحالف 8 آذار المؤيّد لاستمرار بقاء القوات السورية، وكان بقيادة “حزب الله” و”حركة أمل” و”الحزب السوري القومي الإجتماعي”.
2) تحالف 14 آذار، وكان بقيادة “تيار المستقبل” و”القوات اللبنانية” و”حزب الكتائب” و”الحزب التقدمي الإشتراكي”.
كانت ثورة أكتوبرعلى نقيض تلك التحالفات، إذ نهضت الجماهير ككل ضد جميع الزعماء الطائفيين.
الفرق المهم الآخر، هو المحتوى الأوسع للنضال الطبقي ضد النخب الحاكمة، وهو ما عبّرت عنه ثورة أكتوبر بشكل جلي.
أخيراً، فإن ثورة اكتوبر جاءت بعد الثورات العربية التي انطلقت شرارتها في العام 2011.
تشير العديد من شعارات “ثورة اكتوبر” إلى تقاطعها مع الثورات العربية الأخرى: “الشعب يريد إسقاط النظام” ، “واحد واحد واحد.. الشعب اللبناني واحد”.
شملت الإحتجاجات جميع أنحاء البلاد بما في ذلك القواعد الانتخابية لـ “تيار المستقبل” بمدينة طرابلس مثلاً، وكذلك قواعد “حزب الله” الانتخابية في مدينتي صور والنبطية.

المطلب المركزي هو استقالة الحكومة بأكملها، والدعوة إلى انتخابات حرّة جديدة خارج القيد الطائفي، على أساس لبنان دائرة انتخابية واحدة. إضافة إلى المطالبة بإنهاء النظام الطائفي الذي كُرّس في عهد الانتداب الفرنسي في العام 1926، والذي أكده “الميثاق الوطني” ودستور العام 1943 وتم الحفاظ عليه، مع التعديلات، بموجب اتفاقيات الطائف لعام 1990 في نهاية الحرب الأهلية اللبنانية.
ستكون الحكومة الجديدة المتأمّلة مسؤولة عن إنهاء الفساد، والبطالة، والتقشف، ومساعدة الفقراء، وخفض أسعار الخبز والوقود، وضمان تأمين الكهرباء ومياه الشرب على مدار 24 ساعة في اليوم ، وجمع النفايات، أي باختصار: ضمان حياة كريمة لجميع السكان.
وهو ما يأمل المتظاهرون تحقيقه من خلال المشاركة الجماعية السلمية، متجنّبين أي مواجهة أو احتكاك مع الجيش أو الأجهزة الأمنية.

                          التحدي الأول: ضمان الحق في الاحتجاج

لقد كفلت قوة التعبئة الجماهيرية حتى الآن الحق في الاحتجاج على الرغم من المناوشات بين الحين والآخر مع الجيش الذي لديه أوامر بفتح الطرقات السريعة التي أغلقها الثوار، وبعض هجمات واعتداءات الميليشيات المرتبطة بالأحزاب الطائفية، فالثورة ليست في مصلحة الأحزاب الطائفية لأنها تستهدف سيطرتها بشكل مباشر. لذلك، ليس مستبعداً لجوء النظام وأحزابه في أي لحظة لإطلاق موجة من القمع لإنهاء ثورة أكتوبر. لهذا، يمكنهم استخدام قوات الدولة (الجيش والشرطة وأجهزة الأمن) وكذلك الميليشيات المرتبطة بالأحزاب الطائفية، والتجربة التاريخية توضح ذلك، فقد فضّلت البرجوازية اللبنانية اللجوء إلى خيار الحرب الأهلية في العام 1975 كي تمنع الطبقة العاملة والحركات التقدمية من الإطاحة بالنظام الطائفي.

حدث الشيء نفسه في سوريا المجاورة عندما لجأ النظام السوري إلى الإبادة الجماعية للشعب السوري وتدمير مدن بأكملها لمنع أي تغيير ديمقراطي.
اعتماد الخيار السلمي قد لا يضمن القدرة على البقاء في الشارع، بل على العكس، لأن الطريقة الوحيدة لضمان الحق في الاحتجاج، هي تنظيم الدفاع عن النفس واستقطاب الجنود والضباط ذوي الرتب المتدنية إلى جانب الثورة، وتمرّدهم على جنرالات الجيش الكبار المرتبطين بالنظام الطائفي.
ومن أجل تنظيم الدفاع عن النفس وعن الثورة، هناك حاجة إلى التنسيق على المستويين المحلي والوطني، وهو سيعني وجود سلطة بديلة للعمال والفقراء. في خضم هذا الصراع، من الضرورة بمكان وجود قيادة ثورية قادرة على القيام بهذه المهمة.


                                التحدي الثاني: الإطاحة بالنظام الطائفي


أثبت النظام الطائفي الذي أنشأه الاستعمار الفرنسي، أنه فعّال للغاية في الحفاظ على انقسام الطبقة العاملة والفلاحين والفقراء. وانقسمت الطبقة العاملة بسبب ولاء بعض فئاتها للعائلات البرجوازية القديمة التي تتنافس على السلطة السياسية في البلاد منذ الاستقلال.
إنهاء النظام الطائفي مسألة في غاية الخطورة بالنسبة للبرجوازية اللبنانية، وهي أكثر خطراً فيما لو قامت الجماهير بهذه المهمة.

سوف تفتح نهاية النظام الطائفي الطريق أمام المطالب القديمة للعمال والشعب، والتي تم قمعها لعقود طويلة، لتعود وتظهر من جديد. هذه المطالب التي تتعارض بشكل قطعي مع مصالح الإمبريالية والطبقات البرجوازية.

الطريقة الوحيدة لإسقاط النظام الطائفي هي تعميق الثورة الاجتماعية المستمرة.


                             التحدي الثالث: إنهاء سياسات التقشف

 

يعاني الاقتصاد اللبناني من أزمة مستفحلة على الأقل منذ الستينيات عندما كشفت أزمة بنك “انترا” وضعاً جديداً للبلاد في ظل التقسيم العالمي للعمل: سمسرة مالية بين الدول المنتجة للنفط والإمبريالية الأمريكية والأوروبية (ما كان يصطلح عليه “سويسرا الشرق”) ، أصبح لبنان مصدّراً للقوى العاملة ومستورداً للمنتجات الزراعية والصناعية التي تساهم في تكوين ثروة البرجوازية الوطنية.
يصبح وضع الاقتصاد اللبناني، كاقتصاد ثانوي في النظام الاقتصادي الدولي أكثر دراماتيكية إذا تذكرنا أن العالم يتجه نحو ركود شامل، مما يجعل أي إمكانية لـ “مساعدات” دولية مسألة مستبعدة.
تتمثل الإمكانية الوحيدة للتغلب على سياسات التقشّف في تبني سياسات اشتراكية: إن تأميم البنوك والشركات الكبرى، شرط أساسي لتجميع الموارد لإنهاء البطالة والفقر، ولتأمين الغذاء والوقود الرخيصين، وتطوير البنية التحتية للكهرباء ومياه الشرب، وإنهاء أزمة النفايات، والاستثمار في الرعاية الصحية والتعليم العام.


                                  كل شيء وهمي ما عدا السلطة


كتب فلاديمير لينين، زعيم ثورة اكتوبرية أخرى عام 1917، أن “كل شيء وهمي ، باستثناء السلطة”.
لقد كان يعني، أن أي مكاسب يمكن انتزاعها من البرجوازية تكون في خطر طالما أن البرجوازية في السلطة.
من الضروري إسقاط السلطة البرجوازية، وإحلال سلطة العمال والفقراء. هذه هي الثورة الاشتراكية. في الصراع على السلطة، من المهم التمييز بين الحلفاء والأعداء.
واحدة من المؤسسات الرئيسية هي الجيش الوطني. يسعى جنرالات الجيش لإظهار الجيش وكأنه المؤسسة الأكثر تميزاً وحيادية في النظام الطائفي، لكنه في الواقع لا يحمي النظام الطائفي ودستوره فحسب، بل يضمن أيضاً استمرار هيمنة البرجوازية اللبنانية والإمبريالية.
الحلفاء المحتملون لثورة أكتوبر من داخل الجيش هم الجنود والضباط ذوي الرتب المتدنية، وعلى هؤلاء التمرّد على التسلسل الهرمي للمؤسسة العسكرية والانتقال إلى صفوف الثورة.
حليف آخر محتمل هو اللاجئين الفلسطينيين والسوريين. يأمل هؤلاء انتصار الثورة. وعلى ثورة أكتوبر تفهم معاناتهم ومخاوفهم والتمسك بمطالبهم ضد كراهية الأجانب والعنصرية للتغلب على أي حساسيات انعزالية تجاههم.
أخيراً، هناك صراعات وثورات مستمرة في العالم العربي وفي جميع أنحاء العالم. بدأت الإحتجاجات في العراق وكاتالونيا، والثورات في الجزائر والسودان، ومؤخراً في هونغ كونغ وتشيلي وهايتي وكشمير، على رأس جدول أعمال هذه الثورات، بناء الروابط بين النضالات والثورات في جميع أنحاء العالم. بطريقة أو بأخرى ، لدى هؤلاء جميعا العدو الاستراتيجي نفسه: الإمبريالية والبرجوازية الوطنية التابعة.
موجة جديدة من الثورات في العالم العربي، كالموجة الأولى لعام 2011 ، ستكون عاملاً حاسماً في انتصار الثورة في لبنان إلى جانب التضامن الأممي الجاري بناؤه.

ترجمة: فيكتوريوس بيان شمس