تاريخ الثورة الروسية: الاستيلاء على قصر الشتاء ج 1

0
622

استقبل كرنسكي وهو في أقصى درجات السخط ستانكيفيتش الذي وصل من الجبهة يحمل بعض التقارير، كان قادمًا لتوه من المجلس الجمهوري؛ حيث أدان انتفاضة البلاشفة بشكل قاطع، وعندما شرح كرنسكي الوضع تعجب ستانكيفيتش قائلاً: عصيان؟ فرد عليه كرنسكي قائلاً: ولكن كيف نجهل أن هناك عصيانًا مسلحًا؟ فضحك ستانكيفيتش قائلاً: هيا! إن الشوارع هادئة تمامًا، فهل يبدو العصيان المسلح الحقيقي بهذا الشكل؟ ولكن ينبغي على كل حال أن ننتهي من هذه الهزات المستمرة. وكان كرنسكي متفقًا مع ستانكيفيتش على ضرورة وضع حد لهذا؛ فهو ينتظر فقط قرار اللجنة التحضيرية للمجلس النيابي.

وفي الساعة التاسعة مساء اجتمعت الحكومة في قاعة الأعمدة في قصر الشتاء لإعداد وسائل “التصفية الحاسمة والنهائية” للبلاشفة. وأعلم ستانكيفيتش الذي أرسل إلى قصر ماري للإسراع بعملية القضاء على البلاشفة، أعلم وهو ساخط ناقم بأنه قد تم التصويت على صيغة ثقة واهية بالحكومة. وطبقًا لقرار اللجنة التحضيرية للمجلس النيابي ينبغي أن توكل مهمة مقاومة الانتفاضة إلى لجنة خاصة بالسلامة العامة لا إلى الحكومة. وكانت أول حركة قام بها كرنسكي عندما علم بذلك هي أن صرح قائلاً بأنه ضمن هذه الشروط “لن يبقى دقيقة واحدة على رأس الحكومة”. واستُدعي الزعماء التوفيقيون هاتفيًّا إلى القصر. وأذهلهم احتمال استقالة كرنسكي، الذي لم يقل ذهوله عن ذهولهم من القرار الذي اتخذوه. وحاول افكسانتييف تبرير الموقف بقوله: إنهم يعتبرون القرار على كل حال “نظريًّا صرفًا، وعارضًا، ولم يكونوا يفكرون بأنه سيؤدي إلى نتائج عملية”. نعم، هم أنفسهم يرون الآن أن القرار “ربما لم تتم صياغته بصورة جيدة”. ولم يضع هؤلاء الناس فرصة لم يُظهروا فيها قيمتهم الحقيقية. 

ويبدو الحديث الذي تم ليلاً بين الزعماء الديموقراطيين ورئيس الحكومة حديثًا لا يصدق عن جوهر الانتفاضة المتطورة. وطالب دان، أحد الذين وأدوا نظام فبراير (شباط) بأن تلصق الحكومة فورًا في الليل إعلانات في كل أنحاء المدينة تعلن بأنها اقترحت على الحلفاء البدء بمفاوضات السلم. ورد كرنسكي بأن الحكومة لا تحتاج إلى مثل هذه النصائح. وبوسعنا أن نعتقد بأن الحكومة كانت تفضل قرارًا جيدًا وحازمًا. ولكن دان لم يكن قادرًا على تقديم مثل هذا القرار. وحاول كرنسكي بالطبع إلقاء مسئولية العصيان على محدثيه. وأجابه دان بأن الحكومة هوَّلت الأحداث بتأثير “هيئة أركانها الرجعية”. وليس هناك أي داع لاستقالة الحكومة على كل حال؛ فقد كان القرار المرفوض ضروريًّا لتغيير مناخ الجماهير الفكري. وسيضطر البلاشفة “منذ الغد” إلى حل هيئة أركانهم إذا قبلت الحكومة اقتراحات دان. وفسر كرنسكي بسخرية في محلها “وفي اللحظة ذاتها تمامًا، احتل الحرس الأحمر المباني الحكومية مبنًى أثر آخر”.

وما كاد العتاب الحافل مع أصدقاء اليسار يصل إلى نهايته حتى استقبل كرنسكي وفدًا من سوفييت قطعات القوزاق يمثل أصدقاء اليمنيين. وتظاهر الضباط بأنهم مستعدون لتعديل سلوك أفواج القوزاق الثلاثة المعسكرة في بتروغراد. وقدموا لكرنسكي شروطًا مخالفة تمامًا لشروط دان: لا تنازل ولا امتيازات للسوفييتات. ينبغي أن يتم قمع البلاشفة في هذه المرة حتى النهاية، لا كما تم في يوليو (تموز)؛ حيث سقط عدد من القوزاق ضحية لهذا الموقف. ووعد كرنسكي، الذي كان يرغب في ذلك من صميم جوارحه، بكل ما طلب منه. واعتذر من محدثيه بأنه لم يعتقل تروتسكي حتى الآن لأسباب تتعلق بالحكمة، نظرًا لأنه رئيس سوفييت بتروغراد. وودعه المندوبون مؤكدين له بأن القوزاق سيقومون بواجبهم. وأرسل فورًا من هيئة الأركان أمر إلى أفواج القوزاق يقول: “باسم حرية وشرف ومجد الأرض الأم، ازحفوا لمساعدة اللجنة التنفيذية المركزية، ولمساعدة الحكومة المؤقتة في سبيل إنقاذ روسيا المعرضة للأخطار”. وهكذا نرى أن هذه الحكومة المغرورة التي حرصت كل الحرص على استقلالها عن اللجنة التنفيذية المركزية مضطرة في كل المناسبات إلى التواري بخجل وراء ظهر هذه اللجنة في ساعة الخطر. وأرسلت الأوامر المكملة أيضًا إلى مدارس اليونكرز في بتروغراد وفي الضواحي. وأرسلت التوصية التالية إلى مصلحة السكك الحديدية: “توجه أرتال القطعات القادمة من الجبهة إلى بتروغراد دون أي تأخير. وتوقف عند الحاجة حركة قطارات المسافرين”.

ثم تفرقت الحكومة بعد قيامها بكل ما كان بوسعها القيام به. وبين الساعة الواحدة والثانية صباحًا، لم يبق في القصر مع كرنسكي سوى مساعده كونوفالوف، وهو تاجر ليبرالي من موسكو. وجاء بولكوفنيكوف -قائد المنطقة- إليهما لكي يقترح تنظيم حملة للاستيلاء على قصر سمولني بمساعدة القطعات الموالية. وتبنى كرنسكي دون تردد هذه الخطة الرائعة. ولكن حديث قائد المنطقة، لا يسمح لنا بأن نعرف ماهية القوات التي كان ينوي الاعتماد عليها. وهنا فقط ظهر لكرنسكي، وباعترافه الشخصي، أن تقارير بولكوفنيكوف التي أكدت منذ عشرة أيام إلى أثنى عشر يومًا، استعداده للبدء بالمعركة ضد البلاشفة “لم تكن مستندة أبدًا إلى أساس”. وكأن كرنسكي لا يملك في الحقيقة مصادر أخرى لتقدير الوضع السياسي والعسكري سوى تقارير مكتب عقيد قليل الذكاء وضع على رأس المنطقة لسبب مجهول. وفي حين، كان رئيس الحكومة مستسلمًا لتأملات سوداوية كان روغوفسكي مفوض غرادونات – شالستوفو (مديرية شرطة المدينة) يجلب فيضًا متتابعًا من الأخبار: دخلت عدة سفن من أسطول البلطيق، معدة للقتال في مياه النييفا. وقد صعد بعضها النهر حتى جسر نيقولا وقام بقطعه. وتقدمت مفارز من العصاة إلى جسر القصر. ولفت روغوفسكي انتباه كرنسكي بصورة خاصة إلى “أن البلاشفة يحققون خطتهم بإحكام تام، ولا يصادفون مقاومة من جانب القطعات الحكومية في أي مكان”. فما هي القطعات التي يجدر أن نعتبرها “حكومية”؟ إن الحديث الذي تم بينهما لا يشير إلى ذلك بوضوح.

وخرج كرنسكي وكونوفالوف من القصر بسرعة للانتقال إلى هيئة الأركان العامة: “ليس أمامنا دقيقة واحدة نضيعها”. وكان المبنى الأحمر المهيب لهيئة الأركان يعج بالضباط. وقد جاءوا إلى المبنى لا ليحلوا مشاكل قطعاتهم، بل لكي يفروا منها. “وكان يتجول وسط هذا الجمع من العسكريين وفي كل الأنحاء مدنيون لا يعرفهم أحد”. وأقنع كرنسكي تقرير جديد قدمه بولكوفنيكوف باستحالة الاعتماد على قائد المنطقة وضباطه. وقرر رئيس الحكومة أن يجمع حوله شخصيًّا “كل المخلصين لواجبهم”. وطلب كرنسكي هاتفيًّا أن ترسل إليه سرايا قتال من الاشتراكيين – الثوريين بعد أن تذكر أنه حزبي -هكذا يتذكر البعض الكنيسة وسط أهوال الاحتضار- وقبل أن تتمكن هذه الدعوة غير المتوقعة للقوات المسلحة لحزب الاشتراكيين – الثوريين -إذا كانت تستطيع ذلك فعلاً- من أن تحقق نتائجها، كان من الواجب حسب تعابير ميليوكوف “إبعاد كل العناصر اليمينية المتطرفة عن كرنسكي، هذه العناصر التي تنظر إليه نظرة تنطوي على نية سيئة”. إن عزلة كرنسكي التي برزت بصورة واضحة خلال أيام انتفاضة كورنيلوف، اتخذت الآن طابعًا قاتلا أكثر. وقد قال كرنسكي مستعيدًا جملة نطق بها في أغسطس (آب) “امتدت الساعات الطويلة من هذا الليل بصورة مؤلمة”.

ولم تصل النجدات من أية ناحية من النواحي. وعقد القوزاق الجلسات، وقال ممثلو الأفواج بأنهم يستطيعون الزحف على كل حال -ولم لا؟- ولكنهم يحتاجون إلى رشاشات، وآليات مصفحة، ومشاة بصورة خاصة. ووعدهم كرنسكي دون تردد بالسيارات المصفحة التي كانت تستعد للتخلي عنه، كما وعدهم بالمشاة التي لا يملكها. وقيل له بأن الأفواج ستذهب لمناقشة كل هذه المسائل و”ستبدأ بإسراج الخيول”. ولم تعط قوات قتال الاشتراكيين – الثوريين أية دلالة على وجودها على قيد الحياة. فهل ما زالت هذه القوات موجودة؟ وأين يوجد الحد بين الحقيقة والوهم؟ واتخذ الضباط الذين اجتمعوا في هيئة الأركان من القائد الأعلى ورئيس الحكومة موقفًا متزايدًا في إثارته. وأكد كرنسكي أيضًا أن بعض أوساط الضباط تتحدث عن اعتقاله. وكان مبنى الأركان خاليًا من الحراسة كما كان في السابق، وتمت المحادثات الرسمية بوجود أطراف خارجية، وتخللتها مناقشات بيزنطية حادة ومملة. وكان الإحساس بالوهن والتفتت يتسلل قادمًا من هيئة الأركان إلى قصر الشتاء. وكان اليونكرز غاضبين كما كانت مفرزة السيارات المصفحة في حالة هياج. وليس هناك أي دعم من القاعدة، والعقول في الأعلى مختلفة. فهل يمكن في هذه الأحوال أن يفلت كرنسكي من الضياع؟

وفي الساعة الخامسة صباحًا استدعى كرنسكي مدير وزارة الحربية إلى مبنى الأركان العامة. وقد أوقفت دوريات الثوار الجنرال مانيكوفسكي بالقرب من جسر ترويتسكي، وأرسل إلى ثكنة فوج بافلوفسكي ثم أخلي سبيله بعد استجواب قصير، ويعتقد بأن الجنرال برهن لمن اعتقلوه بأن اعتقاله سيدمر كل الآلية الإدارية وسيؤدي إلى أضرار تحل بجنود الجبهة. وفي الوقت ذاته تقريبًا أوقفت سيارة ستانكيفيتش أمام قصر الشتاء، وينبغي أن نلاحظ أيضًا أن لجنة الفوج أفرجت عنه فورًا. وروى هذا المعتقل ما يلي: “كانوا عصاة يعملون مع كل هذا بثقة ضعيفة. وقد اتصلت هاتفيًّا من منزلي بقصر الشتاء وأعلمتهم بالحادث، ولكنني تلقيت من القصر ضمانة مؤكدة أنه كان هناك سوء تفاهم”. وفي الواقع فإن سوء التفاهم هو أن الثوار أفرجوا عن ستانكيفيتش، وقد حاول ستانكيفيتش بعد عدة ساعات -كما يعرف القارئ- انتزاع المركز الهاتفي من أيدي البلاشفة. 

وطالب كرنسكي هيئة الأركان العامة في موهيليف، وهيئة أركان الجبهة الشمالية المتمركزة في بسكوف بارسال الأفواج الموالية فورًا. وأكد دوخونين هاتفيًّا من هيئة الأركان العامة بأن التدابير قد اتخذت لتسيير القطعات وزحفها إلى بتروغراد وأن بعض القوات لا بُدَّ وأنها قد بدأت تصل، ولكن القوات لم تصل. وكان القوزاق حتى ذلك الحين “يسرجون خيولهم”. وتفاقم الوضع في المدينة ساعة بعد ساعة. وعندما عاد كرنسكي وكونوفالوف إلى القصر ليستريحا وليلتقطا أنفاسهما، وصل مراسل يحمل نبأ عاجلاً: لقد قُطعت الاتصالات الهاتفية مع القصر. واحتل حرس من البحارة جسر القصر الواقع تحت نوافذ غرفة كرنسكي. وبقي الميدان أمام قصر الشتاء مقفرًا. “وليس للقوزاق أي أثر فيه”. ولكن هنا أيضًا لم تكن الأخبار مطمئنة. فقد تلقى اليونكرز من البلاشفة إنذارًا بمغادرة القصر، وكانوا في منتهى الاضطراب. وليست الآليات المصفحة في وضع يسمح لها بالحركة، فقد اكتشف فيها وفي وقت غير ملائم “فقدان” بعض القطع الأساسية. ولم تكن هناك أية معلومات عن القطعات التي ينبغي أن تأتي من الجبهة. ولم تكن منافذ القصر وهيئة الأركان محروسة أبدًا، وإذا كان البلاشفة لم يظهروا حتى الآن، فذلك لأنهم لا يملكون معلومات وافية. وبدأ المبنى الذي كان يزدحم بالضباط مساء يخلو بسرعة؛ كان ذلك تطبيقًا للشعار القائل انجوا بأنفسكم. وظهر فجأة وفد من اليونكرز؛ إنهم مستعدون للقيام بواجبهم حتى النهاية “إذا كان هناك أمل بوصول النجدات”. ولكن كانت النجدات والتعزيزات هي ما تفتقر إليه الحكومة.

واستدعى كرنسكي الوزراء عاجلاً إلى مبنى الأركان. وكان معظمهم لا يملك السيارات؛ فكانت وسائل المواصلات الهامة هذه التي تعطي سرعة مطردة للانتفاضة الحديثة، قد صادرها البلاشفة أو وضعت بعيدًا عن متناول الوزراء بواسطة مخافر الثوار. وفي بادئ الأمر، لم يصل سوى كيشكين، ثم انضم إليه بعد فترة طويلة ماليانتوفيتش. فماذا يستطيع أن يعمل رئيس الحكومة؟ الذهاب فورًا لملاقاة أرتال القطعات لكي يجعلها تتغلب على كل الحواجز، أن أحدًا لا يستطيع أن يقترح شيئًا آخر. 

وأمر كرنسكي بأن تحضر إليه “سيارته الرائعة المكشوفة”. وقد تدخل هنا في سياق الوقائع عامل جديد، مقنع بمظهر التضامن الذي لا تنفصم عراه، هذا التضامن الذي يربط بين حكومات الحلفاء في الهزائم والنجاحات. وقد صرح كرنسكي قائلاً فيما بعد: “لا أعرف كيف عرفت سفارات الحلفاء خبر ذهابي”. وعبَّر ممثلا بريطانيا – العظمى والولايات المتحدة الأمريكية عن تمنياتهما فورًا بأن يرفع رئيس الحكومة الذي كان يتأهب للفرار من العاصمة “العلم الأمريكي على سيارته”. واعتبر كرنسكي ذاته هذا الاقتراح غير مجد ومزعجًا أيضًا، ولكنه قبله كتعبير عن تضامن الحلفاء معه.

وقدم دافيد فرانسيس -سفير الولايات المتحدة- رواية أخرى لهذه الحادثة أكثر واقعية؛ فقد واكبت سيارة ركب فيها ضابط روسي على ما يبدو السيارة الأمريكية حتى مبنى السفارة الأمريكية، وطلب هذا الضابط إعطاء كرنسكي السيارة الديبلوماسية للذهاب إلى الجبهة. وبعد أن تشاور موظفو السفارة توصلوا إلى الاستنتاج بأنه منذ اللحظة “التي تصادر فيها السيارة” -وكان هذا غير صحيح بالمرة- لا يبقى أمامهم سوى الخضوع للقوة. وقد رفض الضابط الروسي برغم الاحتجاجات المزعومة للسادة الدبلوماسيين نزع العلم الأمريكي. وأن هذا التصرف لا يدهش أبدًا؛ فالعلم يضمن حصانة السيارة. وقد وافق فرنسيس على سلوك موظفي السفارة ولكنه طلب إليهم “كتمان الأمر”.

وإذا ما قارنا الشهادتين اللتين تلتقيان على خط الحقيقة بتحريف بسيط، تصبح الصورة واضحة بعض الشيء؛ فلم يفرض الحلفاء السيارة على كرنسكي، ولكنه طلبها، بنفسه، ولكن اضطرار الدبلوماسيين إلى الادعاء بعدم التدخل في الشئون الداخلية، جعلهم يختلقون رواية “مصادرة” السيارة، و”احتجاج” السفارة على استغلال علم بلادها. وعندما سويت هذه المشكلة الدقيقة، ركب كرنسكي سيارته الخاصة. وسارت السيارة الأمريكية خلفها كاحتياط. وقد روى كرنسكي فيما بعد ما يلي “ولا فائدة من القول أن كل المارين في الشارع والجنود قد تعرفوا عليَّ فورًا. وكنت أحيي -كما كنت أفعل دائمًا- بنوع من اللامبالاة وأنا ابتسم ابتسامة خفيفة”، وكان نظام فبراير (شباط) يسير بهذا الشكل إلى مملكة الأفول. وكان هناك في كل مكان على أبواب المدينة مخافر حرس ودوريات من العمال المسلحين. وعندما رأى الحرس الأحمر سيارتين مندفعتين بأقصى سرعتهما، هرع إلى الطريق ولكنه لم يقرر إطلاق النار. وربما أحدث العلم الأمريكي أثره. وسارت السيارتان بدون صعوبات. 

وقد سأل ماليانتوفيتش الذي عاش حتى تلك الساعة تحت سيطرة الحقائق القانونية الأبدية، سأل بذهول: “إذن، ألا يوجد في بتروغراد قطعات جاهزة للدفاع عن الحكومة المؤقتة؟ فأجابه كونافالوف قائلاً: لا أعرف شيئًا عن ذلك، ورفع ذراعيه إلى السماء. وأضاف قائلاً: إن الوضع سيء. فرد عليه ماليانتوفيتش بخبث: وما هي القطعات التي ستأتي؟ فرد عليه كونوفالوف، يبدو لي أنها كتيبة الدراجات”. وتنهد الوزيران. وكان عدد الجنود في بتروغراد وضواحيها حوالي 200.000 جندي. وإذا كان رئيس الحكومة مضطرًا إلى الفرار بأقصى سرعة للقاء كتيبة الدراجات مع علم أمريكي يرفرف خلفه فهذا يعني أن أمور النظام تسير بصورة سيئة!

ولو أن الوزراء عرفوا بأن كتيبة الدراجات البخارية المرسلة من الجبهة توقفت من تلقاء ذاتها في محطة بيرودولسكايا وطلبت برقيًّا من سوفييت بتروغراد تحديد الهدف الذي استدعيت من أجله، لتنهدوا من أعماق قلوبهم. وقد بعثت اللجنة العسكرية الثورة بتحياتها الأخوية إلى الكتيبة ودعتها لكي ترسل ممثليها فورًا. وبحثت السلطات عن جنود هذه الكتيبة الذين وصل مندوبوهم في اليوم ذاته إلى سمولني فلم تجدهم.

لقراءة الفصل السابق يمكن مراجعة الرابط التالي:

تاريخ الثورة الروسية: الاستيلاء على العاصمة ج 4