رأس المال: ثالثا – النقد

0
616

 

 

إن السلعة التي تؤدي وظيفة مقياس للقيمة، وتؤدي بالتالي وظيفة وسيلة للتداول بشخصها هي أو عبر من يمثلها، هي النقد. وعليه فإن الذهب أو (الفضة) إنما هو نقد. إنه يقوم بوظيفته كنقد عندما يتعين عليه أن يكون حاضراً بجسده الذهبي (أو الفضي) الخاص. وعندئذ يصبح سلعة نقدية، لا بصورة مثالية فقط، كما هو شأنه حين يؤدي وظيفته كمقياس للقيمة، ولا قابل لأن ينوب عنه شيء، كما هو شأنه حين يؤدي وظيفته کواسطة للتداول، هذا من جهة. ومن جهة أخرى، يؤدي الذهب أيضا وظيفة نقد، حين تجعله هذه الوظيفة، سواء أدّاها بشخصه أو بمن ينوب عنه، يتسمر في المظهر الوحيد الذي يجسد القيمة، أي الشكل المناسب الوحيد للوجود العياني للقيمة التبادلية، إزاء سائر السلع الأخرى التي تظهر هنا كقیم استعمالية محض.

 

آ) الإكتناز

 

إن الحركة الدائرية المستمرة للاستحالتين المتضادتين اللتين تمر بهما السلع، أو الدوران المتصل لعمليات البيع والشراء، ينعكس في الجريان الدائب للنقد، أو ينعكس في الوظيفة التي يؤديها النقد كمحرك دائم (Perpetuumn mobile) للتداول. ولكن ما إن تنقطع سلسلة الاستحالات، ما إن تتوقف عمليات الشراء عن الاكتمال بعمليات بيع تالية، حتى يكفّ النقد عن الحركة، ويتحول كما يقول بواغلبير من “منقول” (meuble) إلى “غير منقول” (immeuble) (*)، من عملة إلى نقد.

وما إن تأخذ بدايات تداول السلع بالتطور، حتى تبرز ايضا الضرورة والرغبة المتقدة، في التمسك بناتج الاستحالة الأولى. وما هذا الناتج سوى سلعة تحول مظهرها إلى شرنقة ذهبية(1). وهكذا لا تعود السلع تباع لغرض شراء سلع أخرى، بل لغرض استبدال الشكل السلعي بالشكل النقدي، وعوضاً عن أن يكون هذا التبديل للشكل محض وسيلة لتحقيق التبادل المادي (الأيض)، يصبح غاية بذاته. وذلك يمنع هذا الشكل المنسلخ الذي تحولت إليه السلعة من أن يؤدي وظيفته كشكل قابل للانفصال بصورة مطلقة، كشكل نقدي عابر. فيتحجر النقد في هيئة كنز، ويتحول بائع السلع إلى مكتنز نقد.

وفي المراحل المبكرة من تداول السلع، يقتصر الأمر على تحويل الفائض من القيم الاستعمالية إلى نقد. وهكذا يصبح الذهب والفضة، بذاتهما، التعبير الاجتماعي عن الوفرة أو الثروة. ويتخلد هذا الشكل الساذج من اشكال الاكتناز عند الأقوام التي تمارس نمط إنتاج تقليدي يتطابق مع دائرة ضيقة وساكنة من الحاجات المحلية. هكذا الحال عند الآسيويين، وبوجه خاص عند الهنود. وفاندرلنت، الذي يتصور أن أسعار السلع في بلد معين تتحدّد بكمية الذهب والفضة المتوافرة فيه، يتساءل عن سبب رخص السلع الهندية إلى هذا الحد. فيجيب: لأن الهنود يدفنون النقد. ويلاحظ أنهم دفنوا، ابتداء من 1602 وحتى 1734، زهاء 150 مليون جنيه إسترليني من الفضة، التي جاءت بالأصل من أميركا إلى أوروبا(2). وقد صدّرت إنكلترا إلى الهند والصين، خلال الأعوام العشرة الواقعة بين 1856 و1866، ما مجموعه 120 مليون جنيه إسترليني من الفضة التي كانت قد استبدلت، من قبل، بالذهب الأسترالي. (إتخذ أغلب الفضة المصّدرة إلى الصين طريقه إلى الهند).

وبتطور إنتاج السلع خطوة أخرى، يضطر كل منتج للسلع إلى أن يؤمن لنفسه عصب الأشياء (nervus rerum)، أو “الضمانة الاجتماعية”(3). فحاجاته تتجدد من دون انقطاع، وتحتم عليه باستمرار شراء سلع الأغراب، في حين يقتضي إنتاج وبيع سلعه الخاصة ردحاً من الزمن، ويكونان رهنا بالصدف. ولكي يستطيع أن يشتري من دون أن يبيع، فلا بد أن يكون أولا قد باع من دون أن يشتري. وتبدو هذه العملية، التي تجري على نطاق واسع، وكأنها تناقض نفسها بنفسها. غير أن المعادن الثمينة تبادَل بصورة مباشرة، في منبع إنتاجها، لقاء سلع أخرى. وهنا تحدث عمليات بيع (من جهة مالكي السلع) من دون عمليات شراء (من جانب مالكي الذهب أو الفضة)(4). أما إذا جرت عمليات بيع لاحقة لا تعذبها عمليات شراء فلن يفضي ذلك إلى شيء غير توزيع المعادن الثمينة التي أنتجت حديثاً على جميع مالكي السلع، وعلى هذا المنوال، تتراكم كنوز الذهب والفضة، بأحجام متفاوتة، على طول مسار التبادل. إن إمكانية الاحتفاظ بالسلعة كقيمة تبادلية أو الاحتفاظ بالقيمة التبادلية كسلعة، تُذكي النهم إلى الذهب. وكلما اتسع نطاق التداول، تعاظمت سطوة النقد، هذا الشكل الاجتماعي المطلق من أشكال الثروة الجاهزة ابداً للاستعمال.

“الذهب شيء رائع! ومن يمتلکه يصبح سيد ما يشتهي، وبواسطة الذهب يمكن للمرء أن يفتح للأرواح حتى أبواب الفردوس”.

(كولومبوس، رسالة من جامایکا، 1503)

وبما أن الذهب لا يشي بما يُحوَّل إليه، فإن أي شيء، سواء كان سلعة أم لم یکن، قابل للتحويل إلى ذهب. فكل شيء قابل للشراء، وكل شيء قابل للبيع. ويصبح التداول قارورة كيمياء اجتماعية ضخمة يُلقى فيها كل شيء، فيخرج من جديد وقد أضحى بلّورة من نقد. وليس ثمة ما يقاوم هذه الخيمياء السحرية(5)، لا عظام القديسين، ولا حتى المرهف من الأشياء المقدسة التي تقع خارج نطاق التجارة بين البشر (res sacrosanctae extra commerciur homirunt). وكما أن كل فرق نوعي بين السلع يتلاشى في النقد، كذلك فإن النقد، وهو المسوّي الجذري، يمحو جميع الفروق(6). غير أن النقد هو ذاته سلعة، شيء خارجي يمكن أن يحوزه أي إنسان كملكية خاصة، وبذا تصبح السطوة الاجتماعية سطوة خاصة يحوزها أفراد. ولذلك لعن القدماء النقد باعتباره عنصراً هدّاماً يخرب نظامهم الاقتصادي وضوابطهم الأخلاقية(7). أما المجتمع الحديث، الذي أخذ، بعد ميلاده بقليل، يشد الإله بلوتوس(*1) من شعر رأسه كي ينتزعه من أحشاء الأرض(8)، فيحيي في الذهب كأسه المقدسة، التجسيد البراق لمبدأ حياته بالذات.

إن السلعة، كقيمة استعمالية، تشبع حاجة خاصة، وتؤلف عنصراً خاصاً من عناصر الثروة المادية. بيد أن قيمة السلعة تقيس شدة جاذبيتها لسائر العناصر الأخرى المؤلفة للثروة المادية، وتقيس، على هذا، الثروة الاجتماعية لذلك الذي يملكها. ففي نظر مالك السلعة البسيط عند البرابرة، بل وحتى في نظر فلاح من أوروبا الغربية، لا تختلف القيمة بشيء عن شكل القيمة، وبالتالي فإن زيادة مكتنزاته من الذهب والفضة تبدو لعينيه زيادة للقيمة. حقا إن قيمة النقد تتغير، تارة من جراء تبدل قيمته الخاصة، وطوراً من جراء تغير قيم السلع. ولكن هذا لا يحول دون أن تظل 200 أونصة من الذهب حاوية على قيمة أكبر مما تحتويه 100 أونصة، و300 أونصة أكثر من 200 أونصة وهلمجرا، هذا من جهة. ولا يمنع، من جهة أخرى، أن الشكل المعدني الطبيعي لهذا الشيء، يظل شكل التعادل الشامل لسائر السلع الأخرى، ويظل التجسيد الاجتماعي المباشر لكل عمل بشري. إن النزوع إلى الاكتناز، بطبيعته ذاتها، نهم بلا حدود، فالنقد، من الناحية النوعية، أو منظوراً إليه من حيث الشكل، لا حدود لسلطانه ، فهو الممثل الشامل للثروة المادية، لأنه قابل للاستبدال مباشرة بأية سلعة. أما من الناحية الكمية فإن كل مقدار فعلي من النقد محدود، ويتمتع، لذلك، بنفوذ محدود كوسيلة شراء. وهذا التناقض بين حدود النقد كمياً وقدرته اللامحدودة نوعياً يلهب ظهر المكتنز بسياط رغبة سيزيفية تدفعه للمضي في التراكم. فيكون شأنه في ذلك شأن الفاتح الذي لا يرى في كل فتح جدید غیر حدود جديدة.

وبغية الاحتفاظ بالذهب كنقد، كعنصر في الاكتناز، ينبغي أن يمنع من التداول ويمنع، كوسيلة شراء، من الانحلال إلى رسائل للمتعة. إن المكتنز، إذن، يضحي بلذات الجسد قربانا لهذا الصنم الذهبي، ويلتزم على محمل الجد بإنجيل الزهد. ومن جهة أخرى لا يستطيع أن يستخرج ذهباً من التداول أكثر مما يلقي فيه من سلع. فكلما أنتج أكثر، استطاع أن يبيع أكثر. فالكدّ، والادّخار، والبخل، هي فضائله الأساسية الثلاث، وبيع الكثير وشراء القليل، جُماع اقتصاده السياسي (9).

ولا يقتصر الكنز على شكل جسدي فظّ، فله إلى جانب ذلك شكل جمالي، يتمثل بحيازة مصوغات ذهبية وفضية. وينمو هذا بنمو ثروة المجتمع البورجوازية. “فلنكن أثرياء، أو فلنبدأ كأثرياء” (Soyons riches ou paraissons riches)(*2) (دیدرو). على هذا النحو ينبثق سوق، ما يني يتسع، للذهب والفضة ينفصلان فيها عن وظيفتهما كنقد، من جهة، وينشأ، من جهة أخرى، منبع کامن لتجهيز النقد، يُهرع إليه ايام احتدام الاضطراب الاجتماعي.

ويخدم الاكتناز وظائف شتّى في اقتصاد التداول المعدني، وتنشأ وظيفته الأولى من الشروط التي يخضع لها جريان العملات الذهبية والفضية. وقد رأينا كيف أن كتلة النقد الجاري في مد وجزر تبعا للتقلبات المستمرة في سعة وسرعة تداول السلع وفي تقلبات أسعارها. وينبغي، إذن، لكتلة النقد ان تكون قابلة على الدوام للاتساع والانكماش بالمثل. فتارة، ينبغي أن يُجتذب النقد ليؤدي وظيفة عملة، وتارة أخرى ينبغي للعملة المتداولة أن تطرد لكي تعود من جديد، كنقد راکد. ولكي تتطابق كتلة النقد، الجاري فعلياً، مع طاقة ميدان التداول على الاستيعاب باستمرار، يتعين أن تكون كمية الذهب والفضة في البلاد أكبر من الكمية اللازمة لأداء وظيفة العملة. وهذا الشرط يتحقق في النقد المجمد بشكل كنوز، فهذه الاحتياطيات المدخرة تعمل کأقنية لضخ النقد إلى التداول أو سحب النقد منه، بحيث لا تغرق ضفاف التداول أبداً(10).

 

_________________________

 

(*)- بواغيلبير، تجارة المفرق في فرنسا، من كتاب علماء الاقتصاد المالي في القرن الثامن عشر، إعداد جین دیر، مع الملاحظات التاريخية والحواشي والإيضاحات حول كل مؤلف، باریس 1843، ص 213.

 (1)- إن ثروة من النقد ليست غير … ثروة من منتوجات تحولت إلى نقد. (مرسييه دي لاريفيير، المرجع المذكور نفسه، ص 573)، “إنه قيمة من منتوجات لم تقم إلا بتغيير شكلها” (ص 486).

(2)- “وبسبب هذا العرف يبقون سائر سلعهم ومنتوجاتهم المصنوعة، بهذه المعدلات المدنية من

الأسعار”. (فاندرلنت، المرجع المذكور نفسه، ص 95-96).

(3)- النقد… ضمانة. (جون بيللرز، أبحاث عن الفقراء والمانيفاکتورات، والتجارة، والمزارع،

وانعدام الأخلاق، لندن، 1699، ص 13).

(4)- إن الشراء، بمعناه، “كمقولة” يفترض أن يكون الذهب والفضة الشكل المتحول لسلع سابقة، أي حصيلة للبيع.

(5)- سلب هنري الثالث، وهو اشد ملوك فرنسا مسيحية، الأديرة ذخائرها المقدسة، ليحولها إلى نقد. ونعرف أي دور لعبه نهب الفوسيين لمعبد دلفي، في تاريخ الإغريق . وكانت المعابد عند القدماء تخدم كمسكن لآلهة السلع. لقد كانت “مصارف مقدسة”. وكان النقد لدى الفينيقيين، وهم شعب تجاري ممتاز (par excellence)، المظهر المنسلخ لكل الأشياء، وعليه لم يكن غريبا على العُرف آن على العذارى اللائي كن في اعياد ربة الحب، يستسلمن للغرباء، أن يقدمن للآلهة قطع النقد التي تلقّينها لقاء البكارة المفضوضة.

(6)- “أيها الذهب! الثمين، الأصفر البرّاق.

قليل من هذا يجعل الأسود أبيض والقبيح جميلاً

والظالم عادلا والوضيع نبيلاً والعجوز فتياً

والجبان شجاعاً.

ما هذا أيتها الألهة؟ فهذا

ما بعد کهنتهم وخدمكم عن مذابحكم

ويقلع وسائد الرجال الشجعان من تحت رؤوسهم

هذا الرقيق الأصفر

يبني ويهدم الأديان، يبارك الملعونين

ويحمل على عبادة البُرص الأبيض، ويضع اللصوص

في مقاعد الشيوخ، ويسبغ عليهم الألقاب

ويحبطهم بالتوفير والخضوع

إنه يجعل الأرملة العجوز البالية عروساً:

… تعال أيها الصلصال الملعون

يا مومس الجنس البشري”

(شکسبير، تيمون الأثيني)

(7)- “ما من شيء شاع بين الناس أكثر شرا من المال؛

يهدم المدن

ويطرد الناس من بيوتها.

يغوي ويفسد أجمل النفوس

نحو كل ما هو عار،

ويعلم الناس إتيان الفسق والفجور”.

(سوفوکلیس، أنتيغونا Antigone)، [الأبيات 295 إلى 301]، (ن. ع).

(*1) إله الجحيم عند الإغريق. إن. ع.

(8)- “كان البخل يأمل في أن يجر بلوتوس من شعر رأسه، ليخرجه من أحشاء الأرض”. (اثيناوس الإغريقي، فلاسفة الموائد أو سفسطائيو الموائد الجزء الرابع، الفصل 23، منشورات شفايغهویزر، 1802، الطبعة الثانية ص 397). (ن. برلين). (عملٌ لأثيناوس الإغريقي يصف فيه الفلاسفة وهم يتحاورون في أهم القضايا على موائد الطعام. ن. ع).

(9)- “أن یزید، قدر ما هو ممكن، عدد بائعي كل سلعة، وأن يقلّص قدر ما هو ممكن، عدد الشارين، ذلك هر محور كل تدابير الاقتصاد السياسي”. (فيري، المرجع المذكور نفسه، ص 52 و53).

(*2)- دیديرو، المؤلفات الكاملة، صالون 1767، Salon1767. (ن. ع).

(10)- يلزم لتسيير تجارة الأمّة مقدار محدد من نقد معيّن (معدني)، ينباين وفق ما تقتضيه الظروف، فيرتفع تارة، وينخفض تارة أخرى… وهذا المد والجزر للنقد يتكيفان من تلقاء ذاتهما من دون معونة السياسيين، فالدلاء تعمل بالتناوب، فحين يشخ النقد تمسك السبائك، وحين تشحّ السبائك يُصهر النقد”، (سير دیودلي نورث، المرجع المذكور نفسه، -حاشية-، ص 3)، ويؤكد جون ستيوارت ميل، الذي عمل موظفاً في شركة الهند الشرقية ردحا طويلا من الزمن، واقع أن الحلي الفضية في الهند ما تزال تؤدي، على نحو مباشر، وظيفة كنز مدّخر، فالحلي الفضية تُخرج وتُسكّ حين يرتفع معدل الفائدة، وتعود ثانية حين ينخفض هذا المعدل. شهادة ج. س. ميل في تقارير حول قوانين المصارف.

وكما جاء في وثيقة برلمانية تعود إلى عام 1864، حول واردات و صادرات الذهب والفضة في الهند، فإن استيراد الذهب والفضة في عام 1863 تجاوز تصديرها بمقدار 19,367,764 جنيهاً إسترلينياً. وخلال السنوات الثماني التي سبقت عام 1864، مباشرة، كانت واردات المعادن الثمينة تفوق صادرتها بما قيمته 109,652,917 جنياً إسترلينياً. وخلال هذا القرن سُكّ في الهند أكثر من 200 مليون جنيه إسترليني بكثير.

لمراجعة الفصل السابق يرجى الدخول من الرابط أدناه:

رأس المال: (ج) العملة. رمز القيمة