أسئلة حول تنظيم الحزب الثوري (4)

0
221

بقلم نهويل مورينو

 

 

مقدمة

في 16 تموز 1984 تحدث الرفيق نهويل مورينو -بدعوة من قبل الشبيبة الإشتراكية_ حول تنظيم (بناء) الحزب الثوري. هذا المقال هو النسخة المكتوبة لمحاضرته منقحة من قبل المحاضر نفسه. وقد تم نشرها أولا في بوينس آيرس ضمن مذكرات التضامن. (قارئ التثقيف السياسي رقم 1- 1984).

الحزب البلشفي

 

على نقيض تنبؤات ماركس، فإن الثورة الإشتراكية الأولى لم تنتصر في البلدان الإمبريالية الأكثر تقدما، بل في أقلها تطورا، في روسيا القيصرية. كانت روسيا تفيض بالسكان الفلاحين الذين لم تسبق لهم تجربة الديمقراطية البرجوازية، ولكن كان لديها أيضا البروليتاريا الأكثر كثافة في العالم. الحاجة إلى بناء حزب من أجل الثورة تحت هذه الظروف الموضوعية التي تتطلب السرية التامة، حيث لم تكن هنالك اتحادات شرعية ولا انتخابات دورية، تفسر ظهور نمط حزبي جديد: الحزب البلشفي. سوف يمثل تنظيما ثوريا مبتكرا سماته الجوهرية هي:

أولا: بناء دعاه لينين ب “التآمري”، وهو مركزي ومنضبط، قادر على العمل في كل حالة للصراع الطبقي، يقفز من الشرعية إلى عدمها وبالعكس، ومناسب لمركزة كافة قوى الحراك الجماهيري عضويا للاستيلاء على السلطة بوسائل تمردية.

ثانيا: حافة الفصل الواضحة ما بين الثوريين والإصلاحيين، الذين لم يكونوا مقبولين بصرف النظر عن المزاعم الإشتراكية. الحزب كان مبنيا من الثوريين، وعلى الإصلاحيين بناء أحزابهم الخاصة.

ثالثا: نشاطه الجوهري لم يكن الانتخابات البرلمانية بل الصراع الطبقي. إنه حزب من أجل التدخل في النضالات اليومية للطبقة العاملة والجماهير المستغلة. الحزب بني داخل الطبقة العاملة ونضالاتها. إنه يتبع نضالات العمال التي يسعى إليها بهدف تنظيمها. وهو حاضر في كل الصراعات سواء أكانت كبيرة أم صغيرة. إنه يعمل على قيادتها وتنظيمها، أو على الأقل للتدخل في النزاعات العفوية للطبقة العاملة.

كما يمكننا أن نرى إنه بناء تنظيمي مناقض تماما للبناء الإشتراكي الديمقراطي.

 

نهاية الحزب الواحد للطبقة العاملة

 

البناء التنظيمي الذي أيده ماركس وانجلز -الحزب الواحد للطبقة العاملة- قد تم تجاوزه بتجربة الثورة الروسية والحزب البلشفي. الصيرورة التاريخية للقرن العشرين أثبتت أن الانقسام بين الإشتراكيين الثوريين والإصلاحيين، وهو في روسيا بين البلاشفة والمناشفة، إلى حزبين لم يكونا مختلفين فحسب، بل أعداء، كان صحيحا تماما. بعد 1917 حدث الانشقاق في كافة البلدان. الإشتراكيون الديمقراطيون والأحزاب الشيوعية تحدوا بعضهم البعض، ونسبوا أنفسهم إلى أمميات مختلفة، الأولى والثانية. الواقع أظهر أنه يفوق تصور ماركس للحزب الأصيل.

ولكن من الحاسم اكتشاف الخطأ الجسيم الكامن في الالتصاق بتصور ثابت حول أي حقل. الثائرة الألمانية العظيمة روزا ليكسمبورغ لم تتقبل انقسام الأحزاب الإشتراكية ولا تصور امتلاك الثوريين لتنظيمهم الخاص. الأمر كلفها الكثير، حيث كان عليها وعلى تيارها مواجهة حالة ثورية دون حزب مناسب، ما قاد إلى إبادتهم عبر قمع البرجوازية الممثلة بحكومة الإشتراكيين الإصلاحيين. الهزيمة كان لها تأثير كبير على الطبقة العاملة الأممية. هزيمة الثورة الألمانية نتيجة عدم وجود حزب ثوري أدت إلى تأخير تطور وانتصار الثورة الأممية لعقود شابتها حروب بملايين القتلى وأوضاع رهيبة من الفاقة والاستغلال.

إستنادا إلى التجربة البلشفية، تمكن الماركسيون الثوريون من تطوير نظرية تفسر لماذا لم يكن ممكنا، في تلك المرحلة، وجود حزب واحد للطبقة العاملة. كل طبقة كان لديها عدة أحزاب. كان للبرجوازية أحزابها تقليديا، ممثلة لقطاعات مختلفة: الصناعية، والزراعية، والمالية، وغير الاحتكارية، والاحتكارية.. الخ. وحاليا بما أن الاحتكارات الإمبريالية تتحكم في بنية الاقتصاد العالمي برمتها، هنالك ميل للوحدة، والذي عبر عنه التعاون الحزبي. فقط حزبان رئيسيان اتجها لاحتلال المشهد السياسي في النظام الإمبريالي- الرأسمالي: النوع الإشتراكي الديمقراطي، لجر أصوات العمال، ويمين الوسط، لفعل الشيء ذاته بالنسبة لأصوات الطبقة الوسطى. في أوروبا وفي بلدان قليلة من العالم شبه المستعمر، كتشيلي، تحصل الأحزاب الإصلاحية على أصوات العمال. وفي كثير من البلدان الأخرى، تحصل الأحزاب البرجوازية مباشرة على أصوات العمال، كالبيرونية في الأرجنتين، والعمل الديمقراطي في فنزويلا، أو الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة.

الطبقة العاملة أكثر تجانسا من البرجوازية، بل إنها أكثر الطبقات تجانسا. بيد أنه لايوجد تجانس سياسي كاف من أجل امتلاك حزب واحد. كأية طبقة، لديها قطاعات مختلفة، فهناك العمال الأرستقراطيين، والوسط، والمستغلين للغاية على حافة التهميش. هناك عمال عارضون وآخرون دائمون، وأولئك الذين يعملون في الصناعات الثقيلة، والخفيفة، والخدمات، وكذلك البروليتاريا الزراعية. هذا هو سبب ظهور أحزاب سياسية مختلفة.

ما يعكس هذا اللاتجانس البنيوي، رغم أنه ليس ميكانيكيا، وجود درجات مختلفة لتطور الوعي العمالي. كما قال تروتسكي في أحد تحليلاته العبقرية: بعض قطاعات الطبقة العاملة تنظر إلى الخلف وأخرى تنظر قدما. (علينا أن نضيف أن آخرين لا ينظرون لأي اتجاه).

من الواضح أن العمال الذين لديهم توقعات برجوازية صغيرة، أولئك الذين يعتقدون أن التقدم يمكن إنجازه فرديا ضمن حدود النظام الرأسمالي، سيبحثون عن أي حزب برجوازي أو شيء من قبيل الأحزاب الإصلاحية. ولكن العمال الذين ينشدون الإشتراكية، ولكنهم غير مدركين لأنه من أجل تحقيق هذا لا بد من القيام بثورة، سيؤولون إلى شيء من النمط الحزبي الإشتراكي الديمقراطي. أما العمال الذين هم أصلا ثوار فسيلتحقون بالحزب الماركسي الثوري.

مهما قلبت الأمر، لا يوجد سبب علمي لتفسير أو تبرير أنه ينبغي وجود حزب واحد أوحد فقط للطبقة العاملة.

 

الستالينية

 

نتيجة للحرب الأهلية -التي قضى فيها الآلاف موتا وجوعا، والتي سببت العودة إلى الريف- فإن الطبقة العاملة الروسية القديمة، التي بنت السوفييتات ووقفت تحت قيادة الحزب البلشفي للقيام بالثورة، قد اختفت. هذا التلاشي الحسي لنحو 90% من هذه الطبقة هو سبب انتصار الستالينية في روسيا. ستالين حكم طبقة عاملة جديدة، جاءت حديثا من الريف دون تجربة أو تقاليد.

البلاشفة بحثوا طرقا مختلفة لتنظيم هذه الطبقة العاملة حديثة التشكيل في نمط ثوري. مثلا دفعوا إلى المقدمة بالعمال القوقازيين غير الحزبيين، ولجان مناهضة الجوع.. الخ. ولكنهم، عموما، لم يحققوا نتائج جيدة. تداعيات هذا الضعف التنظيمي -والذي كان ضعفا إجتماعيا إثر تلاشي الطبقة العاملة من الصيرورة التاريخية الروسية- كانت الستالينية.

التداعيات أسفرت في روسيا عن ظهور نوع جديد من التنظيم والاتصال مع الحركة العمالية. كان اتصال غير عضوي وشديد البيروقراطية. وكان هدفه الأساسي مناقض تماما لتنظيم السوفييتات الثورية والحزب البلشفي القديم.

السوفييتات الثورية والبلاشفة القدامى نهضوا من أجل تطوير، وتمديد، وتعميم، وتركيز نضالات العمال العفوية في ثورة عظمى. ولكن “السوفييتات” الستالينية و”الحزب البلشفي” الستاليني عمدوا إلى إنهاء كافة النضالات، وتدمير عفوية الجماهير، وتجنب كل تنظيم للطبقة العاملة.

ولكن، خارج روسيا، حافظت الستالينية على عنصر واحد من الإرث اللينيني: التواجد حيث يتواجد العمال، وامتلاكهم لخلاياهم ومناضليهم في مواقع العمل، وتنظيم الطبقة العاملة، والعمل على مشاكلها اليومية، وليس على الانتخابات البرجوازية، وقيادة نضالاتها الصغيرة.

ولكن هؤلاء الأوغاد البيروقراطيين استغلوا كل هذه القدرة التنظيمية في سبيل سياسات تعاون طبقي غادرة ومضادة للثورة. قادوا نضالات صغيرة من أجل الحيلولة دون نضالات كبرى، أعني الثورات. تحسبا لاندلاعها، عملوا على قيادتها إلى الهزيمة. وفي حال انتصارها، عمدوا إلى تحويل دول العمال الحديثة إلى أداة ثورة مضادة.

وهكذا قامت الستالينية بستر خاصرة الإشتراكية الديمقراطية المكشوفة. لذا فإنه في البلدان التي أدت فيها الإشتراكية الديمقراطية دورها على نحو استثنائي، كما في إنجلترا وألمانيا، كانت الستالينية ضعيفة للغاية. ولكن حيث توجد إشتراكية ديمقراطية إنتخابية “كلاسيكية” متينة، كما في فرنسا، وأسبانيا، والبرتغال، تكون الستالينية قوية في الحركة العمالية. الإشتراكيون الديمقراطيون خانوا العمال في السياسات الإنتخابية في حين فعلت الستالينية الشيء ذاته على أرضية النضالات اليومية. إنه انقسام حقيقي للعمال. وهناك حزب شيوعي- ستاليني واحد، الحزب الإيطالي، قد أدى الوظيفتين في الوقت ذاته.

هذه المهارات التنظيمية هي السبب الحاسم لنجاة الستالينية رغم أزمتها العالمية الهائلة. هذا أحد الأسباب التي حالت دون انهيارها التام. في مناسبات عديدة شهد الحزب الشيوعي خيانات غير اعتيادية. ولكن الطبقة العاملة لم تتخل عنه. العمال الاسبان، على سبيل المثال، شهدوا الشيوعيين يقاتلون إلى جانبهم ويبنون أداة عمالية وطنية: مفوضيات العمال. في ذات الوقت دعا الشيوعيون العمال إلى تأييد بقاء الموناركية، ودعم معاهدة مونكلوا. رغم كل التقاليد الجمهورية للعمال الاسبان، والتداعيات المدمرة لمعاييرهم المعيشية نتيجة تطبيق اتفاقية مونكلوا، بقي الحزب الشيوعي الاسباني، رغم انقسامه وتجزئته وإضعافه انتخابيا، يشكل قيادة المفوضيات العمالية. مفوضيات العمال مازالت قوية للغاية مقارنة بوهن الاتحاد العام للعمال الذي يقوده الإشتراكيون الديمقراطيون. طبعا الإشتراكية الديمقراطية أنجزت دور الثورة المضادة المنوط بها، لتسحب الطبقة العاملة انتخابيا.

ترجمة: تامر خورما
تحرير: فيكتوريوس بيان شمس

يمكن مراجعة الجزء السابق من خلال الرابط أدناه:

أسئلة حول تنظيم الحزب الثوري (3)