تضامناً مع ثورة الشعب العراقي

0
216

 

 

بقلم حسن البرازيلي

 

يقوم العمال العراقيين بانتفاضة جماهيرية غير عادية في بغداد وجنوب البلاد منذ الأول من تشرين الأول (أكتوبر) بعد توقف دام ثلاثة أسابيع.

كانت الحملة القمعية وحشية، إذ قُتل ما لا يقل عن 261 مواطناً، بالإضافة لأكثر من 5000 جريح، مع انقطاع متكرّر لخدمات الإنترنت لمنع التواصل بين المتظاهرين.

في بغداد ، يحتشد الآلاف بشكل دائم في ميدان التحرير حيث نقطة الانطلاق للتصادمات التي وقعت فوق جسر الشهداء وجسر الجمهورية الذي يربط الساحة بما يسمى “المنطقة الخضراء”، وهي المنطقة الأمنية التي توجد بداخلها المباني الفيدرالية، والسفارات الأجنبية والإدارة الأمريكية. قام الطلاب والنقابيون بتكثيف حراكهم، لتقوم قوات الأمن بإغلاق جميع الجسور التي تتصل بالمنطقة الخضراء.

في النجف حاول المحتجون احتلال القنصلية الإيرانية ، في نفس المدينة التي تتركز فيها ألوية بدر القوية الموالية لإيران.

وفي أقصى الجنوب، بالقرب من البصرة، أغلق المحتجون منذ الثاني من نوفمبر / تشرين الثاني ميناء أم قصر، المدخل الرئيسي للإستيراد في البلاد. وفقا للحكومة، بلغت الخسائر 6 مليارات دولار أمريكي. علاوة على ذلك، يعمل المتظاهرون لوقف استخراج النفط وتصديره. في السادس من نوفمبر، أغلقوا مصفاة نفط الناصرية، مما تسبب في نقص في محافظة ذي قار الجنوبية، حيث تعمل المصفاة بنصف طاقتها.

هذه ليست المرّة الأولى التي تحتشد فيها المقاومة العراقية. في الواقع، منذ غزو العراق من قبل الولايات المتحدة في العام 2003 ، كانت هناك تعبئة شعبية واسعة ضد كل من الاحتلال الأمريكي وما نتج عنه من فقر وتقشف وفساد. هذه التعبئة هي ما منع الإحتلال الأميركي من تحقيق أي انتصار حتى يومنا هذا. ولكن في العامين الماضيين كان هناك تغيير نوعي في المطالب التي أظهرت وعياً جديداً.

أولاً: يعتبر المتظاهرون، أن ليس فقط الإمبريالية الأمريكية عدوهم الرئيسي، ولكن أيضًا النظام الإيراني وحلفائه في العراق. هذه القفزة مهمة للغاية لأن القطاعات الرئيسية للبرجوازية الشيعية أيدت الاحتلال الأمريكي، وبنت معه علاقات، وهو ما خلق أوهام بين بعض السكان الشيعة بأن الاحتلال قد يكون مفيدا. سرعان ما تبددت هذه الأوهام ، لكن في العامين الماضيين فقط، بدأ النظام الإيراني في تحمل مسؤولية الأزمة مع الاحتلال الأمريكي.

ثانياً: يناضل المحتجون لإنهاء النظام الطائفي الذي أنشأه الاحتلال الأمريكي بدعم من أقسام رئيسية من البرجوازية الشيعية والكردية. يُنظّم هذا النظام الفاسد في الواقع تقسيم دخل النفط والوظائف العامة وغيرها من الشركات الحكومية بين البرجوازية الشيعية والسنية والكردية. في الوقت الحالي ، يُحمّل المتظاهرون النُخب الاقتصادية والسياسية والدينية بأكملها المسؤولية دون استثناء.

ثالثًا: يسعى المتظاهرون إلى تعطيل الأنشطة الاقتصادية الرئيسية واحتلال مناطق استراتيجية لفرض مطالبهم.

الاحتلال الأمريكي نهب النفط وفكّك الدولة وفرض النظام الطائفي، ولهذا فإن مطالب المحتجين تتعامل مباشرة مع السياسات التي فرضها الاحتلال الأمريكي منذ العام 2003، والتي تتمثل بالتالي:

أ) الاعتداء على الثروة النفطية الذي يتسبب بالبطالة وإفقار السكان 

ب) تفكيك وانعدام الخدمات العامة كالرعاية الصحية والتعليم والمساعدات الاجتماعية وتوفير الكهرباء ومياه الشرب، بالإضافة إلى تخفيض تدخل الدولة النيو ليبرالية.
ج) فرض دستور جديد ونظام طائفي على النموذج اللبناني القائم على تقسيم السكان إلى شيعة وسنة وأكراد.
وصلت البورجوازية العراقية إلى السلطة على متن الدبابات الأمريكية، فالغزو الأمريكي (يُطلق عليه قوات التحالف لأنه يضم قوات من المملكة المتحدة وإيطاليا وأستراليا ، فضلاً عن دعم مختلف البلدان) لم يجلب فقط عملاءهم المباشرين مثل أحمد الجلبي، ولكن أيضاً بعض القطاعات البرجوازية التي ترتبط ببرجوازية النظام الإيراني (حزب الدعوة، والمجلس الإسلامي الأعلى) والبرجوازية الكردية (حزب بارزاني KDP وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني).

أصبحت هذه الفئات البرجوازية هي الشريك العراقي في الهجوم الذي تقوده أمريكا للسيطرة على الثروة الوطنية، وقد كانت هناك بعض الفئات البرجوازية التي  تعارض الاحتلال الأمريكي، وهي بشكل رئيسي البرجوازية السنية المرتبطة بنظام صدام حسين، وبعض الفئات البرجوازية الشيعية كتلك التي يمثلها رجل الدين مقتدى الصدر، المتحالف مع النظام الإيراني.

عزّز مقتدى الصدر، وهو عضو في عائلة دينية برجوازية تقليدية، شعبيته بمعارضته الاحتلال الأمريكي، والتنديد بفساد النظام، بالإضافة إلى ذلك، يكتسب الصدر قوته من قاعدته الاجتماعية بين الأحياء الشعبية الشيعية في بغداد والمدن الجنوبية، ومن الميليشيات التي نظّمها: “جيش المهدي”(2003-2008) الذي تشكل بدعم إيراني، والذي أصبح الآن يحمل اسم “سرايا السلام”. وهو بهذا يسعى لبناء جمهورية إسلامية على النموذج الإيراني، تشمل السكان العرب، شيعة وسُنّة (فيما موقفه من الأكراد غير واضح).

في الانتخابات الأخيرة، انتصر تحالفه الانتخابي مع الحزب الشيوعي على مرشحي حزب الدعوة (المالكي، والعبادي الذي أعلن فوزه ضد “داعش”) وكذلك زعيم ميليشيات بدر القوية، هادي العامري الذي جاء في المركز الثاني.

ومع ذلك، وفي ظل المظاهرات المستمرة إلى اليوم، يدعو مقتدى الصدر إلى إنهاء النفوذ الإيراني على العراق، إلا أنه يحافظ على علاقات قوية مع النظام الإيراني وحزب الله اللبناني.

بالإضافة إلى ذلك، وعلى الرغم من كلامه لصالح الوحدة الشيعية – السنية ، فإن ميليشياته متهمة بالمشاركة في أعمال طائفية ضد السكان السنة بين أعوام 2004-2006 ومؤخراً في جرف النصر (2014) وتكريت ( 2015) مدعيا أنه في حالة حرب ضد “داعش”.


اليسار العراقي والاحتلال

في الواقع ، قدم الحزب الشيوعي العراقي (ICP)، القوة اليسارية الرئيسية، دعمًا حاسمًا للاحتلال الأمريكي وأثر على الاتحاد العراقي لنقابات العمال (IFTU) ليحذو حذوه. IFTU هو الإتحاد الوحيد المعترف به من قبل الحكومة وله حقوق حصرية في تعيين موظفين عموميين كأعضاء في النقابة.

من ناحية أخرى، عارض الحزب الشيوعي العمالي العراقي (IWCP) الاحتلال وهو أحد القوى الحاكمة الرئيسية وراء اتحاد المجالس والنقابات العمالية في العراق (FWCUI).

في عام 2000، تعرض الحزب الشيوعي العمالي في كردستان للمضايقات والقمع من قبل الحزب البرجوازي الكردي ، PUK.

يوجد أيضًا اتحاد لنقابات عمال القطاع النفطي في العراق (FOUI)، وهو يعارض الاحتلال وينظم عمال جميع شركات النفط الكبرى.

المقاومة العراقية يمكنها تحقيق النصر!

قوة الحشد والتعبئة تقطع  الشك باليقين، إذ من الممكن الإطاحة بالنظام، وطرد القوات العسكرية الأمريكية والإيرانية، وتأميم إنتاج النفط والأنشطة الاقتصادية الأخرى لتلبية احتياجات السكان: القضاء على البطالة وتأمين المياه النظيفة والكهرباء والرعاية الصحية والتعليم والمساعدات الاجتماعية.
هناك أربع مبادرات يمكن أن تقوي الثورة.

المبادرة الأولى هي استقطاب الطبقة العاملة المنظمة إلى انتفاضة الشعب. يتعين على اتحادات نقابات العمال (IFTU) و FWCUI و FOUI (اتحاد النقابات العالمي) و FOUI أن تدعو إلى الإضراب العام مع إيلاء اهتمام خاص لعمال القطاع النفطي الذين لديهم القدرة على السيطرة على إنتاج النفط وتصديره. من المهم التذكير هنا، أن الإضراب العام للعمال كان حاسماً في الإطاحة بنظام الشاه رضا بهلوي في الثورة الإيرانية عام 1979.

والثاني هو توجيه دعوة للطبقة العاملة السنية والكردية للانضمام إلى الثورة. لقد أظهرت انتفاضة الفلوجة لعام 2014 مع مجالسها المستقلة بالفعل إمكاناتها الثورية. تعميم الثورة سيزيد من فرص النصر.

والثالث هو التضامن الدولي. هناك ثورة جارية في لبنان وفي أجزاء أخرى من العالم. من الضروري ربط هذه الصراعات بالإضافة إلى دعوة الطبقة العاملة الإيرانية المناضلة إلى الوقوف ضد نظامها دفاعاً عن مطالبها وتضامناً مع الثورة في العراق.
الرابع، تشكيل المجالس التي توحد قوى الثورة كالنقابات، والحركات الطلابية، والقطاعات الأخرى القادمة، خاصة الطبقات العاملة السنية والكردية. إن تشكيل هذه المجالس أمر حاسم في الصراع على السلطة ضد الأحزاب البرجوازية التي تدير اليوم الحكومة العراقية بناء على توافق ايراني – أميركي. وحدها القوة الجديدة التي انبثقت من ثورة الشعب والطبقة العاملة هي القادرة على تلبية مطالب الشعب.