تاريخ الثورة الروسية: الاستيلاء على قصر الشتاء ج 3

0
127

 

إن الحرب الأهلية في مراحلها الأولى، وإلى أن يتم تشكيل الجيوش النظامية وإلى أن تتمرس هذه الجيوش وتتضرس على القتال حرب معنويات ومضاء وعزيمة. وعندما ظهر تقدم طفيف في نشاط اليونكرز الذين كسحوا الميدان عندما فتحوا النار من وراء متاريسهم، بالغ معسكر المهاجمين بتقدير قوة الدفاع عن قصر الشتاء وكثرة وسائله إلى حد كبير. وقرر الزعماء، رغم استياء الحرس الأحمر والجنود، تأجيل الانقضاض إلى أن يتم حشد القوات الاحتياطية. وكان الزعماء ينتظرون خاصة وصول بحارة كرونشتادت.

وأتاح تأخر الهجوم عدة ساعات للمحاصرين وصول عدة نجدت صغيرة لهم. فعندما وعد كرنسكي وفدًا من القوزاق بدعم قطعاتهم بالمشاة. اجتمع مجلس سوفييت قطعات القوزاق وعقد جلسة للجان الأفواج، وجلسة للمجالس العامة للأفواج. وكان القرار المتخذ هو أن يذهب إلى قصر الشتاء لسحق البلاشفة سريتان من القوزاق، ومفرزة رشاشات من فوج الأورال، الذي وصل من الجبهة في يوليو (تموز)، على أن لا تزحف بقية أفواج القوزاق قبل تحقيق الوعود المعطاة بصورة فعلية، أي بعد وصول نجدت المشاة. ولكن الأمور لم تسر على ما يرام؛ إذ وقعت الاحتكاكات والاصطدامات حتى من أجل قرار إرسال السريتين. وكان القوزاق الشبان يعارضون دعم الحكومة. وحبس “القدامى” من جنود القوزاق الجنود الشبان في الأسطبل لكيلا يمنعهم هؤلاء الشبان من ارتداء بزة الميدان. ووصل أبناء الأورال الملتحون إلى القصر عند الغسق عندما انقطع أمل الجميع بوصولهم. واستقبلوا كمنقذين. ولكنهم كانوا يبدون ضجرين مستوحشين. فلم يكونوا معتادين على القتال في القصور، كما أنهم لا يعرفون بوضوح حقيقة الوضع.

وبعد مرور بعض الوقت وصل أربعون فارسًا من فرسان القديس جورج بصورة غير متوقعة بقيادة قائد سرية مشوه ذي ساق خشبية. وكان هذا القائد يمثل المشوهين الوطنيين كآخر احتياط للديمقراطية… ولكن كان هؤلاء الفرسان على كل حال يستشعرون تجدد عزيمتهم. ثم انضمت إليهم أيضًا سرية الصدام التابعة للكتيبة النسائية. وما كان مشجعًا بصورة خاصة هو أن النجدات مرت دون أن تضطر للقتال. فقد كانت خطوط المحاصرين لا تستطيع أو لا تتجرأ على سد طريق قصر الشتاء عليهم. وهكذا أصبحت المسألة واضحة بعد مرور النجدات؛ فقد أخذ الضباط يقولون لبعضهم لكي يتشجعوا ويشجعوا اليونكرز: الخصم ضعيف “وشكرًا لله، لقد بدأ الأمر بالتحسن” وعُين القادمون الجدد في مراكز قتال لتبديل القوات المتعبة. ومع ذلك، كان جنود الأورال ينظرون شذرًا للنساء المزودات بالبنادق ويتساءلون: ولكن أين قطعات المشاة الحقيقية؟ 

كانت قوات الحصار تضيع الوقت بالطبع. فقد تأخر رجال كرونشتادت حقًا، إن التأخر لم يكن خطأ منهم وإنما وقع الخطأ لأنه لم يتم استدعاؤهم في الوقت الملائم. وبعد اجتماعات ليلة حامية، ركبوا سفنهم عند الفجر، وسارت سفينة زرع الألغام آمور وسفينة النقل ياستريب (البازر) إلى بتروغراد مباشرة. وكان من واجب البارجة القديمة زاريا سفوبودي (فجر الحرية) التي قامت بإنزال قرب أورانينبوم، لتنزع سلاح اليونكرز، كان من واجبها أن تكمن عند مدخل قناة مورسكويا لكي تسد بنيرانها عند الحاجة سكة حديد البلطيق. وانطلق 5000 بحار وجندي من جزيرة كوتلين لكي يلقوا مراسيهم على مقربة من الثورة الاجتماعية. وكان الصمت الكئيب يخيم على مربع الضباط: إنهم يقودون هؤلاء الناس للقتال من أجل قضية يحتقرونها. وصرح لهم البلشفي فليروفسكي مفوض المفرزة قائلاً: “نحن لا نعتمد على تعاطفكم، ولكننا نطالبكم بأن تبقوا في مراكزكم… وسنوفر عليكم المرور باختبارات لا فائدة منها”. وكان الرد كلمة مختصرة قالها بحار: “مفهوم!” واتخذ كل منهم موقعه، وصعد القبطان إلى سطح المركب.

وفي مصب النييفا، تعالت هتافات الفرح؛ إذ كان البحارة يستقبلون رفاقهم. وعلى الطراد أورور الذي يتحرك وسط النهر سمع صوت الجوقة. كان أنطونوف يلقي كلمة ترحيب بالذين وصلوا: “ها هو قصر الشتاء… ينبغي الاستيلاء عليه”. وتطوع أكثر الرجال تصميمًا وشجاعة من تلقاء ذاتهم للعمل في مفرزة كرونشتادت. وسيزحف هؤلاء البحارة ذوي الأردية السوداء ببنادقهم وجعب خراطيشهم، دون أن ينتابهم الوهن. وانتهى النزول بسرعة إلى الشارع المسمى “حرس الفرسان”. ولم يبق على المركب إلا مفرزة احتياطية للقتال. 

إن اللجنة العسكرية الثورية تملك الآن قوات أكثر من حد الكفاية. فهناك في شارع نييفسكي حلقات متينة من الجند. وعلى جسر قناة إيكاتيرينينسكي وجسر المويكا سيارات مصفحة ومدافع مضادة الطائرات مصوبة إلى قصر الشتاء. ومن العدوة الأخرى للمويكا أربض العمال الرشاشات خلف المتاريس. وسهرت سيارة مصفحة على المورسكايا. واحتل المهاجمون نهر النييفا وكل معابره. وتلقى تشودنوفسكي والملازم داشكيفيتش الأمر بإرسال أفواج الحرس، وحلقات من الجند إلى ساحة مارس. وكانت مهمة بلاغونرافوف تنص على التحرك من القلعة عبر الجسر للاتصال بحلقة فوج بافلوفسكي. وعلى رجال كرونشتادت أن يتصلوا بالقلعة وبأول ركب للأسطول. وبعد رمي المدفعية، يبدأ الانقضاض على القصر.

وفي غضون ذلك وصل من أسطول البلطيق المقاتل خمس سفن حربية: طراد، وقاذفا طوربيد، وسفينتان صغيرتان. وكتب فليروفسكي يقول: “أصبحنا واثقين جدًا من الانتصار بقوانا الخاصة، فقد أعطت نجدة الأسطول المقاتل للجميع حمية عظيمة للجند” وكان بوسع الأميرال فرديرفسكي أن ينظر بعين الاعتبار من أعلى نوافذ قاعة الأعمدة إلى الأسطول الصغير المهيب للمشاغبين الذي لا يسيطر على القصر وجواره فحسب، بل يسيطر عل كل مشارف بتروغراد.

وحوالي الساعة الرابعة بعد الظهر استدعى كورنوفالوف هاتفيًّا إلى القصر الرجال السياسيين المقربين من الحكومة؛ فقد كان الوزراء المحاصرون بحاجة على الأقل لدعم معنوي. ولم يأت من بين كل الشخصيات المدعوة سوى نابوكوف. وفضل الآخرون التعبير عن تعاطفهم وتأييدهم هاتفيًّا. وكان الوزير تربتياكوف يشكو من كرنسكي ومن المصير الذي ينتظرهم جميعًا قائلاً: لقد فر رئيس الحكومة، وترك زملاءه بدون أي دفاع. ولكن ربما سنَتلقى النجدات؟ ربما. ومع ذلك لماذا لم تصل النجدات حتى الآن؟ وعبر نابوكوف عن عزائه، واختلس نظرة إلى ساعته وسارع إلى توديع زملائه. وقد خرج في اللحظة الملائمة. وبعد الساعة السادسة كان القصر قد طوق بإحكام بقطعات اللجنة العسكرية الثورية: ولم يعد هناك أي مسلك للنجدات وللمارة أيضًا.

وكان سوار الحصار الأهليلجي يتجمع ويضيق من جهة الشارع المسمى “حرس الفرسان”، ورصيف الأميرالية وشارع مورسكايا، وشارع نييفسكي، وساحة مارس، وشارع ميليونايا، ورصيف القصر. وكانت خطوط مهيبة تستطيل بدءًا من السياج الحديدي لحديقة قصر الشتاء، التي سقطت بين أيدي قوات الحصار، لتشمل قوس النصر، بين ميدان القصر وشارع مورسكايا، والقنوات الصغيرة المجاورة، وقصر الأيرميتاج، وزوايا مبنى الأميرالية، وشارع نييفسكي المجاورة للقصر. ومن الناحية الأخرى للنهر كانت قلعة بطرس وبولص تهدد قوات الحكومة بشكلها المتجهم. وفي النييفا كان الطراد أورور يسدد مدافعه من عيار ستة إنشات على قصر الشتاء. وكانت زوارق الطوربيد تقوم بالدورية، وهي تسير مع مجرى النهر أو تعاكسه. وظهرت الانتفاضة في تلك الأيام كمناورة عسكرية على نطاق واسع.

وظهرت في ميدان القصر الذي أخلاه اليونكرز قبل ثلاث ساعات الآليات المصفحة التي احتلت مداخل القصر ومخارجه. وكانت الأسماء الوطنية المسجلة على السيارات سابقًا ما زالت مقروءة على الدروع الخارجية، مع أن تسميات جديدة أخرى كتبت بالأحمر فوقها على عجل. واستشعر المهاجمون مزيدًا من الثقة بالنفس في الميدان تحت حماية هذه الوحوش المعدنية. واقتربت إحدى السيارات المصفحة من باب القصر الرئيسي، وابتعدت عنه دون أي عائق بعد أن نزعت سلاح اليونكرز.

ومع أن الحصار التام تم أخيرًا بصورة كاملة، فإن قوات الدفاع عن القصر بقيت متصلة بالعالم الخارجي بواسطة الخطوط الهاتفية. حقًا، إن قوة من فوج كيكهولمسكي احتلت أبنية وزارة الحربية التي تصل قصر الشتاء بمقر هيئة الأركان العامة منذ الساعة الخامسة. ولكن حتى بعد هذا بقي ضابط على ما يبدو عدة ساعات أمام جهاز هاتفي من نوع هيوغز في علية في أعلى طابق في مبنى الوزارة لم يخطر ببال المنتصرين أن يلقوا نظرة عليها. ومع هذا لم يعط الاتصال كما في السابق أية نتيجة. وأصبحت ردود الجبهة الشمالية تتسم بالمراوغة. ولم تصل النجدات. ولم تكشف كتيبة الدراجات الغامضة عن وجودها. وبدا أن كرنسكي ذاته قد اختفى. واكتفى أصدقاؤه في المدينة بتعبيرات ودية مختصرة جدًا.

كان الوزراء يقتلون وقتهم بالانتظار. ولم يكن لديهم شيء يقولونه لبعضهم، كما لا يحدوهم أي أمل؛ كانوا ينفرون من بعضهم وكان كل واحد منهم يصطرع مع نفسه. وبقي البعض جالسًا في ذهول، في حين كان الآخرون يجيئون ويروحون بخطوات آلية. وألقى الميالون إلى التعميم نظرة إلى الوراء، إلى الماضي، يبحثون عن المسؤولين. ولم يكن من الصعب إيجادهم: الديمقراطية! إنها هي التي أرسلتهم إلى الحكومة، وفرضت عليهم العبء الضخم وتركتهم بدون دعم عندما لاح الخطر. وفي هذه المرة، كان الكاديت متضامنين مع الاشتراكيين، نعم، كانت الديمقراطية هي المسئولة. حقًا، إن المجموعتين قد أدارتا ظهرهما عند تشكيل الائتلاف للمؤتمر الديموقراطي الذي كان قريبًا جدًا منهما. لأن الاستقلال أخيرًا إزاء الديمقراطية يشكل الفكرة الرئيسية للائتلاف. ولكن ما أهمية ذلك؟ ما جدوى وجود الديمقراطية، إذا لم يكن هذا الوجود بغرض إنقاذ حكومة برجوازية وقعت في ضيق؟! وكتب ماسلوف وزير الزراعة، وهو اشتراكي – ثوري يميني، مذكرة أوصى بأن لا تفتح إلا بعد موته، آخذًا على نفسه عهدًا بألا يموت إلا بعد أن ينزل أقسى اللعنات بالديمقراطية. وقد نقل زملاؤه هاتفيًّا هذه الوصية الجنائزية إلى مجلس الدوما فورًا. حقًا، إن موته بقي في حيز المشروع الذي لم ينفذ، ولكن اللعنات حلت على الديمقراطية.

وكان هناك في الطابق العلوي لقصر الشتاء، على مقربة من غرفة الضباط مطعم قام خدم القصر بإعداد “عشاء فاخر وخمور” فيه لهؤلاء السادة. وهكذا كان من الممكن نسيان خيبة الأمل في لحظة من اللحظات. وكان الضباط في هذا الوقت يقومون بحسابات الأقدمية، ويهتمون بالمقارنات الغيورة، ويشتمون السلطة الجديدة بسبب بطء ترفيعهم. وكانوا يهاجمون كرنسكي بصورة خاصة؛ فقد أقسم كرنسكي بالأمس في اللجنة التحضيرية للمجلس النيابي بأن يموت في موقعه، ولكنه تنكر اليوم بلباس ممرضة ولاذ بالفرار. وحاول بعض الضباط البرهان لأعضاء الحكومة على سخف المقاومة في المستقبل؛ فاتهمهم بالتشينسكي العنيف بأنهم بلاشفة، حتى أنه حاول اعتقالهم.

وكان اليونكرز راغبين بمعرفة ما سيحدث، ويطالبون الحكومة بردود كانت هذه الحكومة عاجزة عن إعطائها. وخلال مؤتمر جديد تم بين اليونكرز والوزراء وصل كيشكين من هيئة الأركان الرئيسية يحمل إنذارًا استلمه من قلعة بطرس وبولص. وكانت الحامية الثورية للقلعة قد أرسلته بواسطة إحدى السيارات وسلمته إلى الجنرال بوراديلوف ناظر الموقع. ويقول الإنذار الذي وقعه أنطونوف ما يلي: “استسلموا وانزعوا سلاح حامية قصر الشتاء. فإذا رفضتم فإن القلعة والسفن الحربية ستفتح النار. لديكم مهلة عشرين دقيقة للتفكير واتخاذ القرار”. وبدت هذه المهلة قصيرة جدًا. وطلب بوراديلوف مهلة عشرة دقائق أخرى. وكان العسكريان العضوان في الحكومة مانيكوفسكي وفرديرفسكي يأخذان المسألة على أنها في منتهى البساطة؛ نظرًا لأنه ليست هناك أية إمكانية للقتال، فمن الواجب أن نفكر بالاستسلام، أي بقبول الإنذار. ولكن الوزراء المدنيين لم يتزعزعوا. وأخيرًا تقرر عدم الرد على الإنذار، بل اللجوء إلى مجلس الدوما البلدي، بصفته جهاز الحكم الشرعي الوحيد في العاصمة. وكان النداء الموجه إلى الدوما آخر محاولة لإيقاظ ضمير الديمقراطية النائم.

وقدم بوراديلوف الذي قدر ضرورة الامتناع عن أية مقاومة تقريرًا طالب فيه بإحالته على البطالة في الخدمة: “لأنه لا يثق بسلامة الطريق الذي اختارته الحكومة المؤقتة”. وقد وجد لشكوك الجنرال حل قبل أن تقبل الحكومة استقالته. فقد تقدمت مفرزة من الحرس الأحمر، والبحارة، والجنود بقيادة ملازم من فوج بافلوفسكي واحتلت بعد نصف ساعة من تقديمه الاستقالة هيئة الأركان الرئيسية دون أن تصادف أية مقاومة، واعتقلت الجنرال قائد الموقع الذي كانت معنوياته منهارة إلى حد بعيد. وكان من الممكن تنفيذ الاستيلاء على هيئة الأركان منذ مدة طويلة. فلم يكن هناك دفاع داخلي عن مبناها، ولكن المهاجمين كانوا يخشون أن يخرج اليونكرز من القصر ويقطعوا عليهم الطريق وكل طرق الاتصال، إلى أن ظهرت الآليات المصفحة فبددت مخاوفهم. 

واستشعر المدافعون عن قصر الشتاء بعد سقوط مبنى الأركان أنه أصبح متروكًا للقدر، وقد تخلَّى الجميع عنه. وانتقل الوزراء من قاعة الأعمدة التي تطل نوافذها على نهر النييفا والتي كان منظرها يشكل هدفًا ممتازًا للطراد أورور، انتقل الوزراء إلى غرفة من الغرف العديدة في القصر تطل نوافذها على الباحة. وأطفئت الأنوار. ولم يكن على الطاولة إلا مصباح كهربائي واحد ما زال مضاءً، ومحميًّا أيضًا من جهة النوافذ بصحيفة قديمة.

وسأل الوزراء زميلهم في البحرية. ماذا يهدد القصر إذا فتح الطراد أورور النار عليه؟

فرد الأميرال بحيوية لا تخلو من الشعور بالاعتزاز بمدفعية البحرية قائلاً: سيتحول إلى أنقاض. وكان فرديرفسكي يفضل الاستسلام، وكان مستعدًا لإرهاب الوزراء المدنيين الذين كانوا يتبجحون بدون أي مبرر، ولكن الطراد أورور لم يطلق النار، وسكتت القلعة أيضًا، ربما لم يصمم البلاشفة على تنفيذ تهديدهم؟ 

ووجد الجنرال باجراتوني -الذي عين بدلاً عن بولكوفنيكوف الذي لم يكن حازمًا بصورة كافية- أن الفرصة قد أصبحت ملائمة ليقدم استقالته ويتخلى عن التزامات قيادة المنطقة العسكرية. وعزل الجنرال فورًا بأمر من كيشكين، وطلب إليه مغادرة القصر فورًا. وما أن خرج القائد السابق من القصر حتى اعتقله البحارة وأرسلوه مخفورًا إلى ثكنات ركب أسطول البلطيق. وكان من الممكن أن تدور الدائرة عليه لولا أن بودفويسكي الذي كان يفتش القطاعات قبل الهجوم الأخير أخذ هذا الجنرال التعيس تحت حمايته. 

ولاحظ الكثيرون في الشوارع المجاورة والأرصفة أن القصر، الذي كان مضاءً منذ فترة قصيرة بمئات من المصابيح الكهربائية قد غرق فجأة وسط الظلام الكثيف. وكان هناك بين المراقبين أيضًا أصدقاء للحكومة مثل: ريدميستر أحد رفاق كرنسكي في الكفاح. وقد لاحظ ريدميستر ما يلي: “يشكل الظلام الذي غرق فيه قصر الشتاء تهديدًا يكتنفه الغموض”. ولم يبادر الأصدقاء بعمل أي شيء لمعرفة سر هذا الغموض. وينبغي أن نعترف أيضًا بأن إمكاناتهم لهذا الغرض لم تكن كبيرة. 

وكان اليونكرز الذين احتموا وراء أكوام من جذعات الحطب يراقبون بانتباه حاد التشكيلات التي تتحرك في الميدان، ويستقبلون كل حركة يقوم بها العدو بطلقات من البنادق والرشاشات. وكان الثوار يردون عليهم رصاصة برصاصة. وحمي وطيس التراشق بالنيران في الليل. ووقع أول القتلى والجرحى. ومع ذلك كان عدد الضحايا بالآحاد. وتكيف المهاجمون مع الأمكنة في الميدان، وعلى الرصيف، وفي شارع ميليونايا، واختفوا وراء نتوءات الأبنية، واحتموا في الفجوات، أو التصقوا بالجدران. وكان الجنود وأفراد الحرس الأحمر التابعين للقوات الاحتياطية يتدفأون حول أكوام من الحطب ارتفع الدخان منها عند هبوط الليل، وهم يهاجمون بعنف بطء الزعماء في الاستيلاء على القصر.

وكان اليونكرز يحتلون في القصر مراكز في الأروقة، وعلى السلالم، وأمام المداخل، وفي الباحة. وكانت المراكز الخارجية ملتصقة بالسور وبالجدران. وكان بوسع المبنى أن يستوعب الألوف من الجنود، بَيْد أنه لم يكن يحتوي إلا على بضع مئات. وبدت الأبنية الواقعة إلى ما وراء منطقة الدفاع ميتة. واختفى معظم خدم القصر أو فروا. والتجأ عدد وافر من الضباط إلى المقصف حيث أجبروا الخدم الذين لم يتح لهم الوقت للاختفاء كي يحملوا لهم مجموعة جديدة من زجاجات المشروبات الروحية. ولم يبق إدمان الضباط للخمور في القصر المحتضر سرًا على اليونكرز، والقوزاق، والعجزة من مشوهي الحرب، وتساء كتيبة الصدام؛ فقد كانت نهاية قصر الشتاء تعد لا من الخارج فقط بل من الداخل أيضًا.

لقراءة الفصل السابق يمكن مراجعة الرابط التالي:

تاريخ الثورة الروسية: الاستيلاء على قصر الشتاء ج 2