تاريخ الثورة الروسية: الاستيلاء على قصر الشتاء ج 4

0
117

جاء أحد الضباط لينتقل فجأة إلى قيادة الدفاع عن القصر بأن المدافع قد أعدت للرحيل وأن اليونكرز سيعودون من حيث أتوا، تنفيذًا لأمر تلقوه من مدير مدرسة كونستانتين. كانت طعنة خيانة في الظهر! وحاول القائد الرد قائلاً: “ليس هناك أي شخص، سواي أنا، يستطيع أن يعطي الأوامر”. وقد فهم اليونكرز ذلك جيدًا، بَيْد أنهم كانوا يفضلون إطاعة قائد المدرسة، هذا القائد الذي كان يعمل من ناحيته تحت ضغط مفوض اللجنة العسكرية الثورية. وغادر معظم المدفعيين مع أربعة مدافع من أصل ستة مدافع القصر. وعندما أوقفتهم دوريات الجنود في شارع نييفسكي حاولوا المقاومة، ولكن مجموعة حراسة من فوج بافلوفسكي هرعت إلى هناك ومعها سيارة مصفحة، فنزعت سلاحهم وأرسلتهم مع مدفعين إلى ثكناتهم. وربض مدفعا الميدان الآخران في شارع نييفسكي وعلى جسر المويكا، وفوهتاهما مصوبتان إلى قصر الشتاء. 

وانتظر الـ200 أورالي وصول جماعتهم عبثًا. فحاول سافنيكوف المرتبط ارتباطًا وثيقًا بمجلس سوفييت قطعات القوزاق، وكان هذا المجلس قد أدخله في اللجنة التحضيرية للمجلس النيابي، حاول بمساعدة الجنرال الكسييف تحريك القوزاق، ولكن كان تأثير الزعماء الكبار للسوفييت ضعيفًا جدًا، حسب ملاحظة صحيحة لميليوكوف. فقد لاحظ ميليوكوف قائلاً: “لئن كان تأثير زعماء القوزاق على قطعاتهم يشوبه الضعف، إلا أن هيئة الأركان كانت لا تتمتع أبدًا بحرية التصرف بقطعات الحامية”. وصرحت أفواج القوزاق أخيرًا بعد أن ناقشت المسألة من كل جوانبها بأنها لن تزحف بدون مشاة، وعرضت اللجنة العسكرية الثورية خدماتها لحماية الممتلكات العامة. وفي الوقت ذاته، قرر فوج الأورال إرسال مندوبين إلى قصر الشتاء لاستدعاء السريتين الموجودتين هناك وإعادتهما إلى الثكنة. وكان هذا الإجراء يتجاوب بصورة أفضل مع الاستعدادات الفكرية التي تكونت بصورة نهائية لدى “قدامى” جنود الأورال. وكانت العناصر الأجنبية عنهم تحدق بهم من كل جانب: اليونكرز الذين يوجد بينهم عدد من اليهود، والضباط المشوهون، ونساء كتيبة الصدام. فجمع القوزاق حقائبهم، وهم متجهمون مقطبو الحواجب. ولم يكن للتأنيب والنصح أي أثر فيهم. فمن بقي للدفاع عن كرنسكي؟ “اليهود والنساء… ولكن الشعب الروسي بالذات بقي مع لينين”. وتبين أن القوزاق كانوا يجرون مفاوضات سرية مع قوات الحصار، وقد فتحت لهم هذه القوات ممرًا حرًا من منفذ كان الدفاع يجهله حتى تلك اللحظة. وفي الساعة التاسعة مساء غادر الأوراليون قصر الشتاء. ووافقوا فقط على التخلي عن رشاشاتهم للمدافعين عن قضية خاسرة. 

وكان البلاشفة قد وجدوا من الطريق ذاته ومن جهة الميليونايا معبرًا إلى القصر لكي ينقلوا عدوى الثورة ضد الحكومة إلى خصومهم. وأخذ يزداد ظهور شخصية غريبة في الممرات، جنبًا إلى جنب مع اليونكرز. وكانت الأحاديث بينهم تنصب على عدم جدوى المقاومة، وعلى أن الثوار قد استولوا على المدينة وعلى مخافر الحراسة، وأنه لا جدوى من وصول أية نجدة إلى القصر في المستقبل، وأن “العطالة هي التي تدفع عجلة الدفاع بصورة مصطنعة”. فأخذ الطلاب الضباط يسألون وما العمل إذن؟ ورفضت الحكومة إعطاء أوامر حاسمة، وأصر الوزراء على قرارهم السابق. أما الآخرون فليتدبروا أمرهم. وكان هذا يعني أن كل فرد حر بالخروج من القصر إذا رغب بذلك. ولم يبق في سلوك الحكومة فكر ولا إرادة. وانتظر الوزراء مصيرهم بصورة سلبية. وقد روى ماليانتوفيتش فيما بعد قائلاً: “كان يطوف في المصيدة الكبرى رجال، ويتجمعون أحيانًا معًا أو بمجموعات، وتتم بينهم الأحاديث القصيرة، رجال محكوم عليهم، ومعزولون، وقد تخلى الجميع عنهم… وكان الفراغ يحيط بنا، وكان الفراغ في داخلنا. وصدر من هذا الفراغ قرار أرعن يقضي بالاكتفاء بعدم الاكتراث. 

وقد اتفق أنطونوف – اوفسينكوف مع بلاغونرافوف على ما يلي: عندما يتم تطويق القصر، يرفع مصباح أحمر على سارية القلعة. وعندما تصدر هذه الإشارة يطلق الطراد أورور طلقة مدفع خلبية للتخويف. وإذا ثابر المحاصرون على عنادهم، تبدأ القلعة بالرمي على القصر بقذف المدافع الخفيفة. وإذا لم يستسلم قصر الشتاء رغم هذا، يفتح الطراد أورور نارًا حقيقية من مدافع عيار ستة إنشات. وقد وضع هذا التصعيد بهدف تقليل الضحايا والأضرار إذا لم يكن من الممكن تجنبها. ولكن الحل المعقد لمسألة بسيطة هدد بإعطاء نتائج عكسية. ولا بُدَّ من أن تظهر صعوبات  التنفيذ حتمًا. وقد بدأت هذه الصعوبات بالظهور منذ أن بدئ بوضع المصباح الأحمر؛ فلم يكن تحت يد الثوار مصباح واحد. وبحثوا، وبددوا الوقت، وأخيرًا وجدوا مصباحًا، بَيْد أنه لم يكن من السهل تثبيته على السارية لكي يكون مرئيًّا من كل الجهات وتعددت المحاولات التي كانت نتائجها مشكوكًا فيها، وضاع وقت ثمين. 

بًيْد أن الصعوبات الهائلة ظهرت مع ذلك عندما بدأت المدفعية بالرمي. وكان من الممكن البدء برمي المدفعية اعتبارًا من الظهر حسب تقرير بلاغونرافوف عند إعطاء أول إشارة. ولكن ما حدث كان مغايرًا. ونظرًا لعدم وجود مدفعية دائمة في القلعة، باستثناء مدفع كان يلقم من فوهته بواسطة حشوة من البارود وكان يعلن ساعة الظهر، فإنه كان من الضروري وضع مدافع الميدان على الأسوار. وقد تم هذا الجزء من البرنامج عند الظهر، ولكن لم يتم هذا من قبل رجال المدفعية. فمن المعروف مسبقًا أن سرية المدفعية التي لم تكن موالية للبلاشفة في يوليو (تموز) كانت لا تضم عناصر جد موثوقة. وقد قامت هذه السرية بالأمس في منتهى الطاعة بحراسة جسر بأمر من هيئة الأركان. وكنا لا نتوقع منها طعنة في الظهر، ولكنها لا تتأهب للدخول في أتون المعركة من أجل السوفييتات. وعندما حانت ساعة العمل قدم أحد الملازمين التقرير التالي: إن المدافع فاسدة، وتفتقر أجهزة ارتدادها إلى الزيت، ومن المستحيل إطلاق النار منها. ومن المحتمل جدًا أن تكون المدافع في حالة سيئة جدًا، ولكن جوهر المسألة لا يكمن هنا، بل في أن المدفعيين يتهربون من المسئولية فقط. ويخدعون بمنتهى السهولة المفوض الذي لا يتمتع بأية تجربة. وهرع أنطونوف بسرعة في زورق سريع، وكان ثائرًا فسأل: من الذي يعمل على إحباط الخطة؟ فروى له بلاغونرافوف قصة المصباح والزيت الناقص وقصة تقرير الملازم. وذهب الاثنان للتفتيش على المدافع. كان الليل حالك الظلام، وكانت باحة القصر بعد الأمطار الغزيرة الأخيرة قد تحولت إلى برك ومستنقعات. وكان يدوي من الناحية الأخرى للنهر تبادل إطلاق نيران عنيف وصوت الرشاشات. وضل بلاغونرافوف الطريق في الليل. وسار الاثنان في المستنقعات المليئة بالوحل، وهم يحترقون من طول الانتظار، وتعثروا وغطسا بالوحل، وضل أنطونوف طريقه، وهو يلحق بالمفوض في الباحة التي يخيم عليها ظلام الليل. وروى بلاغونرافوف ما يلي: “وأمام مصباح كان يتلألأ بصورة ضعيفة توقف أنطونوف فجأة وألقى عليّ من فوق نظارتيه، نظرة فاحصة مباشرة، وقد قرأت في عينيه قلقًا حاول إخفاءه”. ففي لحظة من اللحظات شك أنطونوف بوجود خيانة مع أنه لم يكن هناك سوى الطيش.

ووجدا أخيرًا موقع المدافع. وعاند المدفعيون: الصدأ… أجهزة الارتداد التي تعمل بالزيت… فأمر أنطونوف بإحضار رجال مدفعية البحرية، وإعطاء الإشارة بالمدفع القديم الذي يعلن عادة ساعة الظهر. ولكن المدفعيين داروا مدة طويلة وبصورة مشبوهة حول المدفع الذي يعلن ساعة الظهر، وقد أحسوا بالطبع أن القيادة عندما لا تكون بعيدة، وعلى مقربة من الهاتف بل قريبة منهم لا تقرر بحزم استخدام المدفعية الثقيلة. وتفترض خطة القصف الفكرة الواحدة ذاتها: ربما نستطيع الاستغناء عن المدفعية؟ 

واندفع واحد وسط ظلمات القصر، واقترب وهو يخوض في برك الوحل ثم تعثر، وسقط وأطلق إحدى الشتائم ولكن بدون احتداد، وصاح بفرح وبصوت يختنق: “استسلم القصر، ورجالنا بداخله!” وبدأ العناق الحماسي بين الجنود. كم كان رائعًا أن يحدث هذا الارتباك! “إننا… كنا نفكر تفكيرًا سليمًا…” ونسي الجنود الزيت الناقص فورًا. ولكن لماذا لا يتوقف إطلاق النيران من الناحية الأخرى من النهر؟ ربما ما زالت هناك مجموعات من اليونكرز تعاند بعد الاستسلام؟ وربما كان هناك خلاف؟ كان سوء التفاهم هذا خبرًا سارًا، لم يكن قصر الشتاء هو الذي تم احتلاله وإنما مبنى الأركان الرئيسي. واستمر حصار القصر.

ودخل تشودنوفسكي الجبار القصر للقيام بمفاوضات بعد اتفاق سري تم مع مجموعة من طلاب – ضباط مدرسة أورانينبوم: إن خصم الانتفاضة هذا لا يبدد أبدًا أية فرصة لإلقاء نفسه في النار. وأمر بالتشينسكي باعتقال هذا الوقح الجريء، ولكنه اضطر إلى إطلاق سراحه تحت ضغط مدرسة أورانينبوم، كما اضطر إلى إطلاق سراح جزء من اليونكرز. وجر اليونكرز معهم عددًا من فرسان القديس جورج، وزرع ظهور اليونكرز غير المتوقع في الميدان الاضطراب في خطوط قوات الحصار. وبالمقابل لم تتوقف صيحات الفرح عندما علم أفراد هذه القوات بأن أمامهم رجالاً قد استسلموا. ومع كل هذا كان المستسلمون لا يشكون سوى أقلية صغيرة. واستمر الآخرون في المقاومة خلف متاريسهم. وأصبح إطلاق النيران من قبل المهاجمين أغزر وأقوى. وأتاح ضوء كهربائي كبير كان في الباحة سهولة التصويب بالنيران على اليونكرز. ووجد هؤلاء صعوبات كبيرة في إطفاء هذا المصباح. فقد كانت هناك يد خفية تعيد إضاءته. وأطلق اليونكرز النار على المصباح، واكتشفوا فيما بعد يد العامل الكهربائي وأجبروه على قطع التيار. 

وأعلنت كتيبة الصدام النسائية فجأة نيتها بالخروج من القصر. فطبقًا للمعلومات التي تلقتها مقالات هذه الكتيبة انحاز العاملون في مبنى الأركان الرئيسي إلى لينين واعتقلوا الجنرال الكسييف الرجل الوحيد الذي يستطيع إنقاذ روسيا بعد أن جردوا عددًا من الضباط من سلاحهم وقالت تلك المجندات: ينبغي تخليصه مهما كان الثمن. ولم يكن القائد يملك القوة لمنعهن وهن في هذا الاندفاع الهيستيري. وفي اللحظة التي أردن الخروج فيها، أضيء النور فجأة في الشمعدانات الكبيرة الكهربائية الموجودة في زاويتي الباب. وانقض أحد الضباط فورًا على الخدم لكي يكتشف العامل الكهربائي المختص؛ فقد اعتبر خدم القيصر القدامى عملاء للثورة. وهو يثق ثقة أقل بكهربائي القصر وقال له: “لو لم نكن بحاجة إليك، لأرسلتك إلى العالم الآخر”. ومع أن العامل المختص لم يجد أية وسيلة لإصلاح الكهرباء تحت التهديد بالمسدس، فقد قطعت لوحة قاطع التيار، واحتل البحارة المقسم الكهربائي وسيطروا على النور. ولم تصمد المقاتلات للنيران واستسلم معظمهن. وأرسل قائد الدفاع ملازمًا أول إلى الحكومة ليعلمها بأن خروج النساء المجندات في كتيبة الصدام من القصر “قادهن إلى حتفهن”، وأن القصر يعج بالمحرضين. وأعطى عدم نجاح خروج النساء المجندات المحاربات فترة استراحة امتدت تقريبًا من عشر ساعات إلى إحدى عشرة ساعة. واهتمت قوات الحصار في هذه الفترة بتحضير رمي المدفعية. 

وأيقظت هذه الفترة بعض الأمل لدى قوات الدفاع عن القصر، وحاول الوزراء أيضًا تشجيع أنصارهم في المدينة وفي البلاد: “إن الحكومة بكاملها في موقعها، فيما عدا بروكوبوفيتش. إن الوضع ملائم… إنهم يرمون على القصر بالبنادق فقط دون أن يحصلوا على أية نتيجة. ومن الواضح أن الخصم ضعيف”. وفي الحقيقة كان الخصم قويًّا جدًا، ولكنه لم يقرر بعد استخدام قوته بصورة لا مناص منها. ووزعت الحكومة بيانًا في كل أنحاء البلاد حول موضوع الإنذار، وحول موضوع الطراد أورور، وقالت في هذا البيان أنها كحكومة لا تستطيع تسليم السلطة إلا للمجلس التأسيسي، كما ذكرت أيضًا بأن أول هجوم على قصر الشتاء قد دحر. “وليرد الجيش والشعب على كل هذا!” ولكن الوزراء لم يشيروا إلى كيفية الرد.

وكان لاشوفيتش قد أرسل في غضون ذلك إلى القلعة اثنين من رجال مدفعية البحرية، لم يكونوا في الحقيقة مجربين كثيرًا. ولكنهما كانا بلشفيان مستعدين للرمي بمدافع علاها الصدأ، دون زيت في أجهزة الارتداد. وكان هذا ما طلب إليهما فقط؛ فدوي المدفعية هو في الوقت الراهن أهم من دقة رمي الطلقات. وأمر أنطونوف بفتح النار. وروعي التصعيد المعد في السابق، ونفذ بدقة. وروى فليروفسكي: “زمجر أورور بعد رمي الطلقة المتفق عليها. إن رعد الرمي الخلبي وحزمة لهيب رمية أكثر هيبة من رمي القتال. وجرى الفضوليون بعيدًا عن سترة الرصيف المؤلف من الغرانيت، وتعثروا، وزحفوا…”. وسارع تشودنوفسكي إلى طرح المسألة التالية: ألا نقترح الاستسلام على المحاصرين؟ واتفق معه أنطونوف فورًا. وهكذا حلت هدنة جديدة. واستسلمت مجموعة من مجندات كتيبة الصدمة ومجموعة من اليونكرز. وأراد تشودنوفسكي أن يترك لهم سلاحهم ولكن أنطونوف عارض عن حق هذه الشهامة. وبعد أن وضع المستسلمون بنادقهم على الرصيف ذهبوا تحت الحراسة من شارع ميليونايا. 

كان قصر الشتاء صامدًا دومًا. كيف ينبغي أن ننتهي منه؟ وأعطي الأمر؛ ففتحت النار، ولكن دون غزارة، وبصورة أقل فعالية. ومن أصل 35 طلقة نارية أطلقت في خلال ساعة ونصف أو ساعتين أصابت طلقتان هدفهما فقط، ولم تتأثر منهما سوى قشرة المبنى. ومرت القذائف الأخرى عالية جدًا، ولم تحدث في المدينة لحسن الحظ أي ضرر. فهل كان سبب ذلك هو الافتقار إلى المهارة في الرمي حقًا؟ لقد كانوا يرمون عبر النييفا مباشرة على هدف بحجم كتلة القصر، وإصابة مثل هذا الهدف لا يتطلب كثيرًا من المهارة. ألم يكن من الأصح أن نفترض أن مدفعيي لاشوفيتش أطالوا مدى الرمي متعمدين بأمل أن تنتهي المسألة دون أضرار أو ضحايا؟ إن من الصعب جدًا في الوقت الحاضر تحديد الدوافع التي قادت هذين البحارين المجهولين، وهما لم يعطيا أية إشارة على بقائهما على قيد الحياة، فهل ضاعا في خضم الحملة الروسية الكبيرة، أم سقطا قتيلين في الحرب الأهلية كما سقط عدد من مقاتلي أكتوبر (تشرين الأول) في الشهور والسنوات التالية؟ 

وبعد طلقات المدفع الأولى، أحضر بالتشينسكي للوزراء شظية قنبلة، وكشف الأميرال فرديرفسكي أن معدن الشظية يدل على أن القنابل من بحريته، من الطراد أورور. ولكن الطراد رمى رميًا خلبيًا. فقد اتفق على الرمي الخلبي، وهذه هي شهادة فليروفسكي، وإفادة أحد البحارة فيما بعد في مؤتمر السوفييتات. فهل انخدع الأميرال؟ فمن يلقي الأضواء إذن على مسألة طلقة من مدفع، وسط الليل البهيم، صدرت عن سفينة بحرية متمردة على قصر القيصر؛ حيث اندثرت آخر حكومة للمتسلطين؟ 

وقد انخفض تعداد حامية القصر إلى حد كبير. وإذا كان هذا التعداد قد وصل إلى 1500 مقاتل وربما إلى ألفين عندما وصل الأوراليون ومشوهو الحرب ومجندات كتيبة الموت إلى القصر، إلا أنه قد انخفض الآن إلى 1000 وربما أقل من هذا الرقم بكثير. ولا يمكن أن تتم عملية الإنقاذ إلا بمعجزة. وفجأة، وفي غمرة اليأس الذي ساد القصر، لم تظهر المعجزة في الحقيقة، وإنما بدت أمائرها. ونقل بالتشينسكي ما يلي: لقد تلقينا هاتفيًّا من مجلس الدوما البلدي بأن بعض المواطنين يتأهبون للانطلاق منه لتخليص الحكومة. وقد أمر بالتشينسكي سينيغوب: “بلغ الجميع بمجيء الشعب إلينا”. فأشاع الضابط على السلالم وفي الممرات الخبر المفرح. واصطدم في الطريق بضباط سكارى يتبارزون بالسيف دون إهراق الدماء. ورفع الطلاب – الضباط رءوسهم. وتضخمت الإشاعة وهي تنتقل من فم إلى فم، وأصبحت أكثر أهمية. وزحف الرجال السياسيون، والباعة، والشعب، ورجال الدين على رأسهم لرفع الحصار عن القصر. الشعب مع رجال الدين: “إنه لجمال آسر!”. وأعطت بقايا القوة بريقها الأخير. “هورا، عاشت روسيا!”. وغير يونكرز مدرسة أورانينبوم الذين استعدوا للفرار من القصر رأيهم وبقوا.

لكن الشعب ومعه رجال الأكليروس يقترب ببطء. وازداد عدد المحرضين في القصر. وكان المدافعون يتهامسون في الممرات، وانتقلت همساتهم من فم إلى فم تقول: سيفتح الطراد أورور النار فورًا. وفجأة دوَّى انفجاران. ودخل البحارة إلى القصر وقذفوا أو ألقوا بقنبلتين من أحد الدهاليز، فجرحوا اثنين من اليونكرز جروحًا خفيفة. واعتقل البحارة، وضمد كيشكين الجرحى بصفته طبيبًا. 

كان عناد العمال والبحارة كبيرًا جدًا في أعماقهم، ولكنه لم يتحول بعد إلى استماتة. ولم يتجرأ المحاصرون نظرًا لأنهم الجزء الأضعف من اتخاذ تدابير قاسية إزاء عملاء أعدائهم الذين تسللوا إلى القصر خوفًا من إثارة شراستهم. وبدأ المتسللون في الظهور لا فرادى ولكن جماعات، وعندما كان اليونكرز ينقضون على المهاجمين كان المهاجمون يستسلمون لنزع سلاحهم. وكان بالتشينسكي يقول بلهجة الازدراء: “يا لهم من جيف! يا لهم من فاقدي المروءة والشهامة!” كلا إن هؤلاء الرجال ليسوا بأنذال. فللتسلل إلى القصر الذي يعج بالضباط واليونكرز، يحتاج المرء إلى شجاعة كبرى. وفي تيه مبنى مجهول، وممرات قاتمة، وأمام أبواب لا تعد ولا تحصى تؤدي إلى المجهول وتهدد بأي شيء، لا يملك الصناديد إلا أن يستسلموا. وازداد عدد الأسرى. وتسللت مجموعات جديدة. وليس من السهل دومًا أن نفهم من الذين استسلموا ومن الذين جردوا من سلاحهم. فالمدفع يدوي بلا توقف. 

ولم تتوقف الحياة في الشارع حتى ساعة متأخرة من الليل، باستثناء الدائرة الملاصقة لقصر الشتاء. كانت المسارح ودور السينما مفتوحة. وكانت الأوساط الغنية والمتعلمة في العاصمة قليلة الاكتراث على ما يبدو بتعرض الحكومة لقصف المدافع. ولاحظ ريد ميستر على مقربة من جسر ترويتسكي المارة يتوقفون بهدوء لأن البحارة لم يتركوهم يذهبون إلى مسافة أبعد. “ولم يكن هناك أي شيء غير طبيعي”. والتقى ريد ميستر ببعض معارفه من الأصدقاء بجانب بيت الشعب، فقصوا عليه وسط ضجيج المدفع، أن الممثل شاليابين كان رائعًا لا مثيل له في مسرحيته دون كارلوس. وكان الوزراء مستمرين في هياجهم داخل المصيدة.

“أصبح من الواضح الآن أن المهاجمين ضعفاء”. وربما إذا صمدنا ساعة أخرى تصل النجدات؟ واتصل كيشكين هاتفيًّا، وفي الليل بوزير المالية خروتشيتشيف من أعضاء حزب الكاديت ورجاه أن ينقل إلى زعماء الحزب أن الحكومة بحاجة على الأقل إلى مساعدة صغيرة للصمود حتى الصبيحة، وحتى الساعات التي سيصل فيها كرنسكي أخيرًا مع القطعات. وصاح كيشكين ساخطًا: “ما هذا الحزب الذي لا يستطيع إرسال 300 رجل مسلحين!”، والحقيقة: ما هو هذا الحزب؟ إن الكاديت الذين جمعوا في بتروغراد في الانتخابات عشرات الألوف من الأصوات، لا يستطيعون في لحظة الخطر التي تهدد النظام البورجوازي أن يقدموا 300 مقاتل. ولو أن الوزراء قد خطرت لهم فكرة البحث في مكتبة القصر عن كتاب المادي هويس لقرءوا في حواره عن الحرب الأهلية أنه لا ينبغي أن ننتظر أو نطالب بشجاعة الباعة الأغنياء… هؤلاء الباعة الذين يفقدون صوابهم تمامًا لمجرد فكرة أن من الممكن سلب مالهم”. ولكن هناك شكًا كبيرًا في أن يتمكنوا من العثور على كتاب هويس في مكتبة القيصر. وكان الوزراء بعيدين عن الاهتمام بفلسفة التاريخ. وكان الاتصال الهاتفي لكيشكين آخر اتصال قام به قصر الشتاء.

لقراءة الفصل السابق يمكن مراجعة الرابط التالي:

تاريخ الثورة الروسية: الاستيلاء على قصر الشتاء ج 3