تاريخ الثورة الروسية: الاستيلاء على قصر الشتاء ج 5

0
731

كان معهد سمولني يطالب بإنهاء الهجوم فورًا. فلا يمكن مد الحصار حتى الصباح، وإبقاء المدينة في هذا التوتر، وإثارة مؤتمر المجلس، ووضع كل النجاحات تحت إشارة استفهام. وأرسل لينين مذكرات غاضبة. وانطلقت النداءات الهاتفية من اللجنة العسكرية الثورية نداء بعد آخر. ووبخ بودفويسكي وزمجر. فمن الممكن إرسال حشود للهجوم، لأن أعداد المتطوعين وافرة. ولكن كم يسقط من الضحايا؟ ماذا سيحدث للوزراء واليونكرز؟ ومع ذلك كانت ضرورة دفع المسألة حتى النهاية رئيسية وهامة جدًا. ولم يبق إلا حديث مدافع البحرية. وأحضر أحد البحارة من قلعة بطرس وبولص أمرًا على الطراد أورور: افتحوا النار فورًا على القصر. وقد اتضح كل شيء على ما يبدو! وليس مدفعيو الأورور هم الذين سيوقفون عملية القصف. ولكن الزعماء لا يملكون بعد تصميمًا كافيًا. وجرت محاولة جديدة لتجنب الحسم بالقوة. فقد كتب فليروفسكي: “قررنا أن ننتظر أيضًا ربع ساعة أخرى، بعد أن أحسسنا غريزيًّا باحتمال تبدل الوضع”. وينبغي أن نفهم أنه كان هناك أمل غريزي بانتهاء المشكلة بوسائل تظاهرية. وفي هذه المرة لم تخدع “الغريزة” أبدًا؛ ففي خلال ربع ساعة وصل مبعوث جديد من قصر الشتاء مباشرة: لقد تم احتلال القصر.

إن القصر لم يستسلم ولكنه احتُل هجومًا، في لحظة كانت فيها قوة المقاومة قد استمرت وقتًا طويلاً فاستنفدت نهائيًّا. ودخل من أحد الممرات، لا من مدخل سري، بل من الباحة المملوءة بالحواجز والمتاريس عدد من الثوار يبلغ المائة رجلاً ظنه حرس القصر الذي انهارت معنوياته أنه وفد من مجلس الدوما. بَيد أن قوات الدفاع تمكنت من نزع سلاحهم. وغادرت المبنى وسط فوضى كبيرة، مجموعة من اليونكرز. وتابع الآخرون، أو جزء منهم على الأقل، الحراسة. ولكن كان حاجز الحراب والرمي بين المحاصرين والمحاصرين قد تحطم بصورة نهائية.

وعج جزء من القصر الملاصق للدير بالأعداء. وحاول أفراد اليونكرز تطويق هذا الجزء من المؤخرة. ووقعت في الممرات لقاءات ونزاعات غريبة. كانت كل الأطراف مسلحة، ولكن كانوا يتضاربون بقبضات المسدسات، وبأحزمة القنابل. ولكن لم يكن أحد يطلق النار، ولم يفجر أحد قنابله لأنهم جميعًا يحدثون جلبة وصخبًا لا يستطيعون معه تمييز بعضهم من بعض. فليكن! إن مصير القصر قد سوي منذ زمن.

وكان العمال والبحارة والجنود يندفعون من الخارج، بخطوط، وبمجموعات، ويدحروا اليونكرز ويصدوهم عن المتاريس، ويدخلون إلى الباحة، ويصطدمون على السلالم باليونكرز، ويدحرونهم، ويقلبونهم، ويطاردونهم أمامهم. وانبعث من المؤخرة مد ضاغط جديد. فأغرق الميدان الباحة، كما أغرقت الباحة القصر، وانصب هذا المد على السلالم والممرات. وعلى الأرضيات الممرغة والمتسخة والمغطاة بالفرش وفضلات الخبز، كان بعض الرجال ممددين، ويحتفظون إلى جانبهم بالقنابل والبنادق. وعلم المنتصرون بأن كرنسكي ليس هنا، فامتزجت المرارة وخيبة الأمل بفرحتهم الطاغية. وكان أنطونوف وتشودنوفسكي في القصر. أين الحكومة؟ ها هو الباب الذي صمد أمامه اليونكرز في آخر موقف من مواقف الحكومة. وهرع رئيس مخفر الحرس إلى الوزراء ليسألهم عما إذا كانوا يأمرون بمتابعة القتال حتى النهاية. كلا، كلا! إن الوزراء لا يأمرون بهذا. ولكن القصر قد احتل على كل حال. لا تريقوا دماءكم. ينبغي الإذعان للقوة. إن الوزراء يريدون استسلامًا لائقًا، وقد جلسوا أمام طاولة لكي يتخذ وضعهم هيئة جلسة من الجلسات. وقد وجد قائد الدفاع الوقت لتسليم القصر وهو يطلب في شروطه حماية حياة اليونكرز الذين لم يكن أحد يريد التآمر على حياتهم، ورفض أنطونوف أية مفاوضات حول مصير الحكومة.

ونزع سلاح اليونكرز أمام آخر الأبواب المحروسة. وهاجم المنتصرون قاعة الوزراء. “وكان يسير على رأس الجمع الزاحف، ويحاول كبح جماح الصفوف المتدافعة رجل ذو مظهر بائس. كانت ثيابه مفككة الأزرار وكان يغطي رأسه بقبعة عريضة من اللبد منكسة إلى الجانب. وكان يضع نظارة على عينيه. وكانت عيناه تلمعان من الانتصار وتقدحان حقدًا على المغلوبين”. بهذه العبارات المحزنة وصف المغلوبون أنطونوف. وليس من الصعب أن نعتقد أن ملابسه وقبعته كانتا في حالة مزرية، ويكفي أن نتذكر كيف سار ليلاً في برك ومستنقعات قلعة بطرس وبولص. ومما لا شك فيه أن النصر ينبغي أن يقرأ في نظراته. ولكن مما لا شك فيه أن نظراته كانت تعبر عن الحقد على المغلوبين. “باسم اللجنة العسكرية الثورية أعلن لكم بصفتكم أعضاء في الحكومة المؤقتة بأنكم موقوفون”. وكانت الساعة قد أعلنت الثانية وعشر دقائق ليلة 25/ 26 أكتوبر (تشرين الأول). ورد عليه كونوفالوف قائلاً: “إن وزراء الحكومة المؤقتة يستسلمون أمام القوة ولتجنب إهراق الدماء”. وقد روعيت هذه الطقوس بدقة متناهية.

واستدعى أنطونوف 25 رجلاً مسلحًا، انتخبتهم المفارز الأولى التي اقتحمت القصر وكلفهم بحراسة الوزراء. واقتيد الموقوفون بعد إجراء محاضر التحقيق إلى الخارج، إلى الميدان. وانفجرت وسط الجموع التي سقط منها كثير من الجرحى أو القتلى ثورة غضب حقيقية على المغلوبين. وانطلقت أصوات من وسط هذه الجموع تقول: “اقتلوهم، الموت لهم!” وحاول بعض الجنود ضرب الوزراء، ولكن الحرس الأحمر ردع هؤلاء الثائرين، وصاح صوت يقول: لا تلطخوا بالدم الانتصار البروليتاري أبدًا! وأحاط العمال المسلحون بالأسرى وحرسهم إحاطة دقيقة. “إلى الأمام سر!” ولم يكن أمامهم مسافة كبرى يقطعونها. فقد كان عليهم أن يمروا من شارع ميليونايا وجسر ترويتسكي فقط. ولكن هياج الجماهير جعل هذا الملك القصير طويلاً جدًا ومحفوفًا بالمخاطر. وكتب الوزير نيكيتين فيما بعد، وكان على حق بأنه لولا التدخل الحازم لأنطونوف، لكانت النتائج “فادحة جدًا”. وزاد الطين بلة أن قافلة الوزراء المعتقلين تعرضت أيضًا على الجسر لرشقة عارضة من النار: واضطر المعتقلون وحرسهم إلى الانبطاح على أرضية الطريق. ولكن هنا أيضًا لم تقع أية ضحايا؛ كان الرمي في الهواء بقصد الإرهاب.

وتجمع في القلعة، في المبنى الضيق لنادي الحامية -الذي ينيره مصباح زيت ينبعث منه دخان ورائحة كريهة؛ فقد انقطعت الكهرباء في ذلك اليوم- تجمع عشرات من الرجال. وقام أنطونوف بحضور مفوض القلعة بتفقد الوزراء. وكان عددهم ثمانية عشر وزيرًا، بما فيهم نواب الوزراء. وتمت آخر الإجراءات الشكلية معهم، واقتيد الوزراء الأسرى إلى زنزانات قلعة تروبتسكي التاريخية. ولم يعتقل من عناصر الدفاع أي إنسان، وأخلي سبيل الضباط اليونكرز بعد أن تعهدوا شفويًّا بعدم العمل ضد السلطة السوفييتية. وكان عدد من كانوا أمناء لهذا التعهد ضئيلاً جدًا.

وبعد الاستيلاء على قصر الشتاء انتشرت الشائعات في الدوائر البرجوازية عن إعدام أفراد اليونكرز، واغتصاب النساء المجندات المقاتلات في كتيبة الصدام، وعن نهب محتويات القصر الثمينة. وقد كذبت هذه الروايات منذ فترة طويلة بعد أن كتب ميليوكوف في تاريخه ما يلي: “وتعرضت مقاتلات كتيبة الصدام -اللواتي لم يقتلن بالرصاص وأسرهن البلاشفة في ذلك المساء وفي الليل- لشتائم مرعبة من الجنود، وتعرضن للاغتصاب والإعدامات”. والحقيقة لم يقع أي إعدام ولا يمكن أن يحدث شيء من هذا في تلك الفترة استنادًا إلى وضع الطرفين. كما لا يمكن تصور حدوث عمليات الاغتصاب في القصر بصورة خاصة أيضًا، نظرًا لأن العمال الثوريين المسلحين دخلوا إلى القصر بالمئات إلى جانب بعض العناصر التي جاءت من الشارع بصورة طارئة.

أما عمليات النهب والسلب فقد حدثت بالفعل، لكنها كانت تعبر عن طبيعة انضباط المنتصرين. وقد روى جون ريد -الذي لم تفلت منه أية واقعة مأساوية من وقائع الثورة والذي دخل إلى قصر الشتاء متتبعًا الآثار الحارة جدًا لتشكيلات الانقضاض الأولى- روى جون ريد كيف انقضت مجموعة من الجنود في أحد الأقبية على الصناديق الكبيرة وانهالت عليها بأعقاب بنادقها تهشم أغطيتها، وأخرجت منها السجاد والستائر والألبسة، والأطباق الصينية والأوعية الزجاجية. ومن المحتمل أن يكون بعض اللصوص الحقيقيين قد ناوروا متنكرين بثياب الجنود، لأنهم كانوا يتنكرون في السنة الأخيرة من الحرب بالمعطف الرمادي للجندي، وقبعة اللبد، وكان نهب محتويات الصناديق قد بدأ عندما صاح صوت قائلاً: “أيها الرفاق، لا تلمسوا شيئًا! لا تأخذوا شيئًا! هذا ملك الشعب”. ووقف اثنان من الحرس الأحمر ضابط وجندي يحملان المسدسات بينما جلس أحد الجنود خلفهما إلى إحدى الطاولات وبيده ريشة وورق. وخضع كل من خرج إلى التفتيش. وأعيد كل غرض مسروق وسجل. وهكذا صودرت مجموعة من الأشياء المتنوعة: تماثيل صغيرة، وزجاجات حبر، وشمعدانات، وخناجر، وألواح صابون، وريش من ريش النعام. وقد تم التفتيش الدقيق أيضًا على أفراد اليونكرز التي كانت جيوبهم منتفخة بالمسروقات من الأشياء الصغيرة. وكانت تدوي من ناحية الجنود صيحات الشتائم والتهديدات للوينكرز، ولكنها اقتصرت على ذلك الحد. وفي غضون ذلك تشكل حرس القصر برئاسة البحار بريخودكو. وتمركز الحراس في كل مكان، وطرد الدخلاء من القصر. وبعد عدة ساعات عين تشودنوفسكي قائدًا للقصر.

ولكن أين إذن ذهب الشعب الذي كان رجال الدين في طليعته، والذي زحف لتحرير القصر؟ من الضروري أن نتحدث عن هذه المحاولة البطولية التي حركت نبأها في لحظة من اللحظات مشاعر اليونكرز. كان مركز القوى المضادة للبلاشفة في مجلس دوما البلدية. وكان مبنى البلدية القائم على النييفسكي في حالة غليان. وكانت الأحزاب والشراذم، وفروعها والتجمعات، والعناصر المستقلة، وبعض الشخصيات ذات النفوذ تناقش هناك المؤامرة المجرمة للبلاشفة. وكانوا ينتقلون من آن إلى آخر إلى الوزراء الذين كانوا يطيلون الانتظار في قصر الشتاء أن على العصيان أن يخنق حتمًا، وأن الجميع يستنكرون هذا العصيان استنكارًا ساحقًا. وفي غضون ذلك حسمت المدفعية الموقف. وشكى الوزير بروكوبوفيتش الذي اعتقل في صبيحة ذلك اليوم ثم أخلي سبيله، شكى بلهجة باكية أنه فقد إمكانية مشاركة رفاقه مصيرهم. فعبر له أعضاء المجلس وعدد من الشخصيات عن مشاعر التعاطف الحارة، ولكن التعبير عن هذه المشاعر يحتاج إلى وقت طويل.

ومن تراكم الأفكار ومن الخطب التي ألقيت انبعثت إلى حيز الوجود، وسط عاصفة من التصفيق شملت كل القاعة الخطة العملية التالية: ينبغي على مجلس الدوما أن ينتقل بكامل هيئته إلى قصر الشتاء ليموت فيه إذا اقتضى الأمر مع أعضاء الحكومة المؤقتة. وأبدى الاشتراكيون – الثوريون والمناشفة والمتعاونون استعدادهم أيضًا إما لإنقاذ الوزراء أو للموت معهم. ونوى الكاديت، الذين لا يميلون عمومًا إلى المشروعات الخطيرة، في هذه المرة، أن يضحوا بأنفسهم مع الآخرين. وطلب بعض أبناء المناطق الذين وجدوا بالصدفة في القاعة، وبعض الصحفيين من مجلس الدوما، وبضع شخصيات عامة، طلب كل هؤلاء بأقوال بليغة إلى حد ما السماح لهم بمشاركة الدوما مصيره. وقد أذن لهم بذلك.

وحاولت مجموعة البلاشفة تقديم نصيحة شائعة؛ فبدلاً من التيه في ظلمات الشوارع بحثًا عن الموت، من الأفضل إقناع الوزراء هاتفيًّا بالاستسلام دون الوصول إلى مرحلة سفك الدماء. ولكن الديموقراطيين ثاروا وسخطوا؛ إن أتباع الانتفاضة لا يريدون أن ينتزعوا منهم السلطة فحسب، بل أن ينتزعوا منهم أيضًا حقهم بالموت بشجاعة! وقرر مستشاروا البلدية في الوقت نفسه، لمصلحة التاريخ، القيام بالتصويت بالأسماء. ففي نهاية المطاف لم يكن الأمر متأخرًا جدًا للموت، حتى ولو كان موتًا تكلله الأمجاد. وأكد هذا 62 مستشارًا من الدوما، نعم، إنهم سيذهبون بالفعل للموت تحت أنقاض قصر الشتاء، وقد سجلوا أسماءهم لهذه الغاية. ورد البلاشفة الأربعة عشر الموجودون في المجلس أن من الأفضل الانتصار مع سمولني من الهلاك مع قصر الشتاء، واتجهوا فورًا إلى جلسة مؤتمر السوفييتات. ولم يكن هناك سوى ثلاثة من المناشفة الأمميين الذين قرروا البقاء داخل جدران الدوما؛ فهم لا يعرفون إلى أين يذهبون ولا يفهمون لِم يموتون.

وكان مستشارو الدوما على وشك التحرك للاختبار الأخير عندما رن الهاتف معلنًا بأن اللجنة التنفيذية لمندوبي الفلاحين ستنضم إليهم بكاملها. وحدثت عاصفة من التصفيق لا نهاية لها. وقد أصبحت الصورة الآن تامة وواضحة؛ فسيذهب ممثلو الطبقة الفلاحية التي تضم 100 مليون فلاح مع ممثلي كل طبقات سكان المدن ليموتوا تحت ضربات قبضة تافهة من دعاة العنف. وكانت الخطب كثيرة كالتصفيق.

وعندما وصل مندوبو الفلاحين، تحرك الركب إلى شارع نييفسكي. وتقدم في الطليعة: شرايدر عمدة المدينة، والوزير بروكوبوفيتش. ولاحظ جون ريد في الموكب الاشتراكي – الثوري أفكسانتييف، رئيس اللجنة المركزية الفلاحية، والزعيمين المنشفيين خينتشوك وأبراموفيتش، وكان أحدهما من اليمين، والآخر من اليسار. وكان كل من بروكوبوفيتش وشرايدر يحمل مصباحًا كهربائيًا؛ فقد اتفق على هذه العلامة مع الوزراء لكي يتعرف اليونكرز على الأصدقاء ولكيلا يشكوا بأنهم خصوم. وكان بروكوبوفيتش يحمل بالإضافة إلى المصباح مظلة كغيره من الكثيرين. وكان رجال الكنيسة غائبين. وقد تخيل البعض رجال الكنيسة استنادًا إلى حقب غامضة من التاريخ الوطني اختلقها خيال اليونكرز الضيق. ولكن لم يكن هناك أحد من الشعب على الإطلاق. وقد حدد غياب الشعب طابع هذا المشروع: 300 أو 400 “مندوب” ليس معهم واحد ممن يمثلونهم. وقد روى الاشتراكي – الثوري زينزينوف في مذكراته ما يلي: “كانت ليلة مدلهمة، ولم تكن المصابيح في شارع نييفسكي مضاءة، وكنا نسير في موكب منظم، ولا نسمع سوى النشيد الوطني الفرنسي “المارسيليز”. وكانت تدوي من بعيد طلقات المدافع؛ كان البلاشفة يتابعون قصف قصر الشتاء”.

وانتشر خط من البحارة المسلحين أمام قناة كاترين، عبر شارع نييفسكي، وقطع الطريق على موكب الديموقراطيين. وقد صرح الذين أدانوا أنفسهم بأنفسهم: “سنتقدم! فماذا تستطيعون أن تفعلوا بنا؟” ورد البحارة دون لبس بأنهم سيستخدمون القوة: “عودا إلى منازلكم واتركونا بسلام!”. واقترح أحد أعضاء الموكب التضحية بالنفس هنا في المكان ذاته، ولكن هذه الخطة البديلة لم تكن معدة في القرار المتخذ بالتصويت العلني في مجلس الدوما. وتسلق الوزير بروكوبوفيتش على مرقاة وتوجه إلى المتظاهرين” “وهو يهز مظلته” -غالبًا ما تمطر السماء في بتروغراد في الخريف- وهو يدعوهم إلى عدم تحريض هؤلاء الرجال المخدوعين الجهلة الذين لا يتورعون بالفعل عن استخدام سلاحهم؛ “فلنعد إلى مجلس الدوما وسنبحث وسائل إنقاذ البلاد والثورة”.

كانت الدعوة تلك رصينة حقًا. وفي الحقيقة يبقى المشرع الأولي في هذه الحالة غير نافذ. ولكن ما العمل إزاء هؤلاء الهمج المسلحين الذين لا يسمحون حتى لزعماء الديمقراطية بالموت ببطولة؟ وقد كتب ستانكيفيتش هازئًا -وكان أحد أفراد الموكب- “بقينا في موقعنا، وتجمدنا من البرد، وقررنا العودة”. ولكن الركب على العكس عاد عن طريق شارع فيفسكي في صمت مطلق دون أن ينشد “المارسيليز” لمجلس دوما البلدية. فسيجد هناك أخيرًا “وسائل إنقاذ البلاد والثورة”.

وما أن استولت اللجنة العسكرية الثورية على قصر الشتاء حتى أصبحت سيدة العاصمة بلا منازع. وكما أن أظافر وشعر الميت تستمر في النمو، تبدت مظاهر الحياة عبر الصحافة الرسمية للحكومة المعزولة. وسكتت صحيفة الفشنيك فيريمينوفو برافيتيلستفا (الصحيفة الرسمية للحكومة المؤقتة” فجأة بتاريخ 25، مع أنها أعلنت بتاريخ 24 إحالة هيئة المستشارين السريين إلى التقاعد (المعاش) مع حقهم بارتداء البزة وتقاضي المعاش. وبالمقابل ظهرت من جديد بتاريخ 26، كأن شيئًا لم يحدث. وقد ظهر في صفحتها الأولى: “نظرًا لعطل أصاب التيار الكهربائي فإن عدد 25 لم يصدر”. وكانت حياة الدولة، فيما تبقى من الصفحات تسير بنشاطها المعتاد، باستثناء قطع التيار الكهربائي. وأعلنت صحيفة الحكومة الرسمية –هذه الحكومة التي كانت قد اعتقلت في حصن تروتسكي- تعيين عشرة شيوخ جدد. وفي زاوية الأنباء الإدارية، أوصت نشرة دورية صادرة عن نيكيتين -وزير الداخلية- مفوضي المناطق “بعدم التأثر بالأنباء المختلفة حول أحداث بتروغراد؛ حيث يسود الهدوء الشامل”. ولم يكن الوزير على ضلال كبير؛ فقد مرت أيام الانتفاضة في هدوء شامل، إذا أسقطنا من اعتبارنا قصفًا مدفعيًّا اقتصرت آثاره على مجال السمع. ومع ذلك لن يكون المؤرخ على ضلال أبدًا إذا ما قال إنه في خلال 25 أكتوبر (تشرين الأول) لم يقطع التيار الكهربائي في المطبعة الحكومية فحسب، بل إن صفحة عظيمة في تاريخ البشرية جمعاء قد فتحت.

لقراءة الفصل السابق يمكن مراجعة الرابط التالي:

تاريخ الثورة الروسية: الاستيلاء على قصر الشتاء ج 4