رأس المال:  الفصل الرابع

0
178

                            

                      تحول النقد إلى رأسمال

أولا – الصيغة العامة لرأس المال

يشكل تداول السلع نقطة انطلاق رأس المال. فإنتاج السلع، وتداولها، والشكل المتطور للتداول المعروف بالتجارة، هي المقدمات التاريخية التي ينبثق منها رأس المال. ويبدأ التاريخ الحديث لرأس المال مع انبثاق التجارة والسوق العالميتين في القرن السادس عشر.
ولو ضربنا صفحاً عن المحتوى المادي لتداول السلع، أي عن تبادل مختلف القيم الاستعمالية، واكتفينا بتأمل الأشكال الاقتصادية التي تتمخض عن عملية التداول، لوجدنا أن النقد هو نتاجها النهائي: إن هذا النتاج النهائي لتداول السلع هو الشكل الأول لتجلي رأس المال.
ولو أمعنّا النظر في رأس المال من الوجهة التاريخية، لرأينا أنه يواجه الملكية العقارية، بادىء ذي بدء، متخذاً شكل نقد، ويتجلى في إهاب ثروة نقدية، إما كرأسمال تاجر أو كرأسمال مرابي(1). ولا حاجة بنا للعودة إلى قصة نشوء رأس المال لكي ندرك أن النقد هو أول شکل لتجلي رأس المال. فهذا التاريخ نفسه يتكرر يوميا أمام أعيننا. فکل رأسمال جديد، حتى في أيامنا، يرتقي خشبة المسرح، أي السوق، سواء كان سوق السلع أو سوق العمل أو سوق النقد، في هيئة نقد؛ نقد ينبغي أن يتحول إلى رأسمال

خلال عملية معينة.
إن أول تمایز بين النقد بوصفه مجرد نقد، وبين النقد كرأسمال، لا يعدو عن الفارق في شكل تداولهما.
يتمثل الشكل المباشر لتداول السلع بالحركة: سلعة – نقد – سلعة (س – ن – س)، أي تحول السلعة إلى نقد، ثم تحول النقد من جديد إلى سلعة، أي البيع لأجل الشراء. بيد أننا نجد، إلى جانب هذا، شكلا آخر، خاصاً، متميزاً تماماً: نقد – سلعة – نقد (ن – س – ن)، أي تحول النقد إلى سلعة، ثم تحول السلعة من جديد إلى نقد، أي الشراء لأجل البيع. إن النقد الذي يرسم بحركته هذا الشكل الأخير من التداول يتحول

إلى رأسمال، يصبح رأسمالا، وهو بالأصل رأسمال من حيث المقصد فلنتفحّص عن كثب التداول: (ن – س – ن). إنه يتألف، شأن التداول السلعي البسيط، من طورین متضادين في الطور الأول (ن – س)، أي في الشراء، يتحول النقد إلى سلعة. وفي الطور الثاني (س – ن)، أي في البيع، تتحول السلعة من جديد إلى نقد. وتؤلف وحدة هذين الطورين الحركة الكاملة التي يُبادل فيها النقد لقاء سلعة، وتبادل السلعة ذاتها مجددا لقاء نقد، حيث تشترى السلعة لكي تباع؛ أو، إذا غفلنا الفوارق بين البيع والشراء من حيث الشكل، نقول إنه بالنقد تُشترى سلعة، وبالسلعة يُشتری نقد(2). والنتيجة التي تتلاشى فيها العملية، ما هي إلا مبادلة النقد بالنقد: (ن – ن). فأنا أشتري زنة ألفي باون من القطن بمبلغ 100 جنيه وأبيعها بـ 110 جنيهات، وفي النهاية أكون قد بادلت 100 جنيه ب 110 جنيهات، أي بادلت نقدأ بنقد.
وبديهي أن عملية التداول (ن – س – ن) ستكون عبثاً فارغاً لو كنا نزمع، بدورة ملتوية كهذه، تبادل القيمة ذاتها من النقد لقاء القيمة نفسها من النقد، أي تبادل 100 جنيه لقاء 100 جنيه. ولعل طريقة المكتنز الحريص أفضل وآمن بكثير، فهو يتمسك بجنيهاته المائة بدلا من تعريضها لأخطار التداول. ومع هذا، سواء باع التاجر القطن الذي اشتراه بمائة جنيه لقاء 110 جنيهات أو اضطر للقبول ب 100 جنيه او حتى 50 جنيها، فإن نقده برسم حركة خاصة وأصيلة تختلف تمام الاختلاف عن التداول السلعي

البسيط، عن الحركة التي يجتازها نقد المزارع الذي يبيع قمحاً، ليشتري، بما حصل عليه من نقد، ثياباً. فعلينا أولا فحص الفروق المميزة في الشكل بين الدورة (ن – س – ن) والدورة (س – ن – س)، ليظهر بذلك الفرق الواقعي في المحتوى الذي يكمن وراء الاختلاف المحض في الشكل.
فلننعم النظر بادىء الأمر في الخاصية المشتركة في هذين الشكلين .
يمكن للدورتين أن تنحلا إلى الطورين المتضادين نفسيهما، (س – ن) البيع، و(ن – س) الشراء. ويحتوي كل طور على العنصرين الشيئيين ذاتهما: السلعة والنقد، والشخصيتين الدراميتين في المسرحية الاقتصادية نفسها، البائع والشاري، بمواجهة بعضهما بعضا. وتتألف كل دورة من وحدة الطورين المتضادین نفسيهما، وتتحقق الوحدة بتدخل ثلاثة أطراف متعاقدة لا يقوم الأول إلا بالبيع، ولا يقوم الثاني إلا بالشراء، أما الثالث فيبيع ويشتري على التوالي.
غير أن أشد ما يميز الدورة (س – ن – س) عن الدورة (ن – س – ن)، منذ البداية، هو التسلسل المعكوس لتعاقب طوري التداول المتضادین. فالتداول السلعي البسيط يبدأ بالبيع وينتهي بالشراء، في حين أن تداول النقد كرأسمال، يبدأ بالشراء وينتهي بالبيع. فالسلعة هنا هي نقطة البداية والنهاية، وهناك النقد هو نقطة البداية والنهاية. في الشكل الأول النقد يؤدي دور الوسيط، وفي الثاني السلعة هي الوسيط، في مسار العملية كلها.
في التداول (س – ن – س)، يتحول النقد في النهاية إلى سلعة تقوم بوظيفة قيمة استعمالية، فهو إذن ينفق بلا رجعة. أما في الشكل المعكوس (ن – س – ن) فالشاري ينفق النقد لكي يستعيده، فيما بعد، بصفته بائعاً. فبشرائه السلعة يطرح النقد في التداول لا لشيء إلا ليسحبه ببيع السلعة ذاتها فيما بعد. فهو لا يدع النقد يفلت من يديه إلا بقصد ماكر في استعادته مجددا. إنه لا ينفق النقد إذن، بل يجعله سلفة لا غير(3). في الشكل (س – ن – س)، تُغيّر قطعة النقد الواحدة موضعها مرتين . فالبائع يقبضها من الشاري، ليدفعها إلى بائع جديد. هنا تبدأ مجمل العملية باستلام النقد لقاء سلعة، وتنتهي بدفع النقد لقاء سلعة، ويحدث العكس تماما في الشكل (ن – س – ن). فالسلعة، وليس قطعة النقد، هي التي تغير موضعها مرتين. فالشاري يتلقاها من يد البائع، ليضعها في يد شار آخر. ومثلما أن تغيير موضع القطعة نفسها من النقد مرتين يفضي، في التداول السلعي البسيط، إلى انتقالها من يد إلى يد أخرى بلا رجعة، كذلك فإن تغییر موضع السلعة نفسها مرتين، هنا، يفضي إلى رجوع النقد إلى نقطة انطلاقه الأصلية.
ولا يتوقف رجوع النقد على بيع السلعة بمبلغ أكبر مما دُفع لقاءها. فهذا الظرف لا يؤثر إلا في مقدار النقد الذي يقوم برحلة العودة. فظاهرة رجوع النقد تقع منذ أن يصار ثانية إلى بيع السلعة المشتراة، أو بتعبير آخر منذ أن تكتمل حركة الدائرة (ن – س – ن).
يوجد هنا إذن، فرق حسّي ملموس بین تداول النقد كرأسمال، وتداوله كنقد محض. إن الدورة (س – ن – س) تصل إلى نهايتها الكاملة حالما يسحب النقد، الذي جاء عند بيع سلعة معينة، ليذهب ثانية عند شراء سلعة أخرى. ولو تصادف، مع ذلك، عودة النقد إلى نقطة انطلاقه الأولى، فلن يحدث ذلك إلا بتجديد أو تکرار مسار العملية برمتها. فإذا بعث کوارتراً من القمح ب 3 جنيهات، واشتريت بالمبلغ نفسه ثياباً، فإن الجنيهات الثلاثة بالنسبة لي قد أنفقت بلا رجعة. فلم يعد لي شأن بها. لقد أصبحت ملكاً لتاجر الثياب. ولو بعث کوارتراً جديداً من القمح فإن النقد سيتدفق ثانية عليّ حقاً، ولكنه لا يأتي نتيجة للصفقة الأولى، بل نتيجة تكرارها. ثم يغادرني النقد مرة أخرى حالما أردف الصفقة الثانية بعملية شراء جديدة. وعليه، فإن إنفاق النقد في التداول (س – ن – س) لا علاقة له بعودة هذا النقد. في حين أن عودة النقد في (ن – س – ن) مشروطة منذ الابتداء بنمط الإنفاق ذاته. فبدون عودة النقد تكون العملية فاشلة وتظل العملية ناقصة أو مبتورة، من جراء غياب البيع، الطور الثاني، المكمل والنهائي للشراء. تبدأ الدورة (س – ن – س) بسلعة معينة في هذا القطب وتنتهي في القطب الآخر بسلعة أخرى مغايرة، تسقط من التداول إلى الاستهلاك. فالإستهلاك، نعني إشباع الحاجات هو الغاية، أو بتعبير آخر، تكون القيمة الاستعمالية هي الغاية النهائية. أما الدورة (ن – س – ن)، فعلى العكس، تبدأ بالنقد في هذا القطب وتنتهي به في القطب

الآخر. إن دافعها المحرك، والغاية التي تتوخاها هي القيمة التبادلية ذاتها.
في التداول السلعي البسيط (س – ن – س)، يمتلك القطبان كلاهما الشكل الاقتصادي نفسه. فكلاهما سلعة، وهما سلعتان متساويتان في القيمة. إلا أنهما، في الوقت ذاته، قيمتان استعمالیتان مختلفتان نوعياً، فهما مثلا قمح وثياب. إن محتوی الحركة هنا يتمثل في تبادل منتوجات، تبادل مواد مختلفة، يتبلور فيها العمل الاجتماعي. والحال على عكس ذلك في التداول (ن – س – ن)، الذي يبدو للوهلة الأولى، فارغاً

من أي محتوى، لأنه تکرار بلا معنى. ذلك أن للقطبين الشكل الاقتصادي نفسه: فكلاهما نقد، ولا يختلفان عن بعضهما نوعياً من حيث هما قيمة استعمالية، ذلك أن النقد ليس إلا المظهر المتحول للسلع، الشكل الذي تتلاشى فيه قیمها الاستعمالية الخاصة. ومبادلة مائة جنيه بقطن، ثم مبادلة القطن ذاته لقاء 100 جنيه من جديد، ليست غير طريقة ملتوية لمبادلة النقد بالنقد، مبادلة الشيء بالشيء نفسه، وهي عملية تبدو جهداً عابثاً لا هدف له . إذ لا يتميز مبلغ من النقد عن مبلغ آخر إلا بالمقدار. وعلى هذا فإن محتوى عملية (ن – س – ن)، يستمد علّته، لا من الاختلاف النوعي بين قطبيها، فكلاهما نقد، بل من الاختلاف الكمي بين هذين القطبين تحديدا. ففي النهاية يُستخرج نقد من التداول أكثر مما ألقي فيه في البداية. والقطن الذي تم شراؤه بـ 100 جنيه قد يباع مثلا بـ 100 جنيه + 10 جنيهات، أي 110 جنيهات. وعليه فإن الشكل التام الدقيق للعملية هو: (ن – س – نَ)، حيث (نَ = ن +\/ ن)، أي المبلغ المدفوع بالأصل زائداً إضافة. إن هذه الإضافة، هذه العلاوة التي تزيد على القيمة الأصلية، هي ما أسميه “فائض القيمة” (Surplus value)(*). إن القيمة المدفوعة في الأصل لا تظل سليمة في التداول فحسب، بل تضيف إلى نفسها فائض قيمة؛ إنها تنمي نفسها. وإن هذه الحركة تحول القيمة إلى رأسمال.
وفي (س – ن – س) من الجائز أن يكون هناك اختلاف كمي بين مقداري قيمة القطبين (س – س)، القمح والثياب مثلا. فلعل المزارع يبيع القمح بأكثر من قيمته، أو يشتري الثوب بأقل من قيمته. من ناحية ثانية يمكن لتاجر الثياب أن “يخدعه”. إلا أن هذا التباين في مقدار القيمة أمر عرضي محض في هذا الشكل من التداول. ولا يفقد هذا الشكل من التداول معناه، كما هو الحال في (ن – س – ن)، عندما يكون القطبان متعادلين، لأن هذا التعادل هو، بالأحرى، الشرط الضروري لسير العملية بشكل طبيعي.

إن تكرار أو تجديد عملية البيع من أجل الشراء، شأن هذه العملية نفسها، يجدان المقياس والمقصد في هدف نهائي يقع خارج العملية: الاستهلاك، أو إشباع حاجات معينة. أما في عملية الشراء من أجل البيع، فعلى العكس، تتشابه البداية والنهاية، وهما النقد، أي القيمة التبادلية، وهذا يجعل حركتها لانهائية سلفاً. ولا ريب في أن (ن) تصبح (ن + \/ ن)، أن 100 جنيه تصبح 110 جنيهات، ولكن هذين المقدارین متماثلان من حيث النوع، فكلاهما نقد، أما من الزاوية الكمية فهما أيضا مجرد كمية معينة ، مقدار

محدود من القيمة. وإذا أنفق مبلغ المائة وعشرة جنيهات كنقد، كف عن أداء دوره. ولن يعود رأسمالاً. وإذا سُحب من التداول تجمد على شكل كنز، ولن يزيد قرشا واحداً حتى لو مكث هناك إلى يوم القيامة. وعليه فإن كانت الغاية هي إنماء القيمة، فإن الحاجة نفسها تنشأ لإنماء القيمة في المائة جنيه كما في ال 110 جنيهات، فكل واحد من المبلغين ليس أكثر من تعبير محدود عن القيمة التبادلية، لذا فإن لدى الاثنين التوق ذاته للتوسع كمياً، والاندفاع لبلوغ تخوم الثروة المطلقة. صحيح أن القيمة المُسلّفة في

الأصل، أي المائة جنيه، تتميز، لبرهة، عن فائض القيمة، 10 جنيهات، الذي يضاف لها في حركة التداول، لكن هذا التمايز سرعان ما يتلاشی. ففي نهاية عملية التداول لا تتلقى القيمة الأصلية، أي المائة جنيه باليد اليمنى، والجنيهات العشرة من فائض القيمة باليد اليسرى. فنحن نتلقى ببساطة قيمة تبلغ 110 جنيهات، وهي تتمتع بالشكل الموائم نفسه لمعاودة عملية إنماء القيمة شأن المائة جنيه الأصلية. فالنقد لا ينهي الحركة إلا ليبدأها من جديد(5). وعليه فإن نهاية أي دورة منفردة يتم فيها الشراء لأجل البيع، إنما

تشكل بحد ذاتها بداية دورة جديدة. إن التداول السلعي البسيط -البيع من أجل الشراء- هو وسيلة لتحقيق غاية تقع خارج التداول، ونعني تحديد الاستيلاء على القيم الاستعمالية، وإشباع الحاجات. أما تداول النقد كرأسمال، فهو على العكس من ذلك، غاية في ذاته، لأن توسيع القيمة لا يتحقق إلا في نطاق التكرار الدائم للحركة. وعلى هذا يتحرك رأس المال بلا حدود(6).
إن مالك النقد، كحامل واع لهذه الحركة، يصبح رأسمالياً. فشخصه، بالأحرى جيبه، هو نقطة انطلاق النقد ونقطة عودته. إن إنماء القيمة، الذي يؤلف الأساس والمحتوى الموضوعي لهذا التداول، يصبح غايته الذاتية. وبقدر ما يُضحي الاستيلاء على المزيد من الثروة المجردة الحافز الوحيد لعملياته، فإنه يؤدي وظيفته کرأسمالي، أو كرأسمال بهيئة شخص حُبّي بالوعي والإرادة. وعليه، لا يجوز، البتة، اعتبار القيم الاستعمالية الغاية المباشرة التي يسعى إليها الرأسمالي(7)، ولا يجوز أيضا اعتبار غايته الربح المستمد من صفقة منفردة، فالحركة الدائبة الأبدية لجني الربح هي ما يتوخاه(8). إن النهم المطلق لحيازة الثروات، والجري المسعور وراء القيمة(9)، هو ما يجمع بين الرأسمالي والمكتنز؛ ولكن على حين أن المكتنز رأسمالي مصاب بلوثة جنون، فإن الرأسمالي مكتنز عقلاني. إن المكتنز البخيل ينمي بلا انقطاع القيمة التبادلية بإنقاذ(10) نقوده من أخطار التداول، أما الرأسمالي الأكثر براعة، فينميها بإلقاء نقوده المرة تلو المرة في التداول (10a).
إن الأشكال المستقلة، نعني الأشكال النقدية، التي تتخذها قيمة السلع في مجری التداول البسيط، لا تخدم إلا غرضاً واحداً: إنها تتوسط تبادل المنتوجات، ثم تتلاشی في النتيجة النهائية للحركة. أما في حركة التداول (ن – س – ن)، فلا يمثل النقد والسلعة غير نمطين من وجود القيمة ذاتها، النقد بصفته النمط العام لوجود القيمة، والسلعة بصفتها النمط الخاص لوجود القيمة، أو نمط وجودها المقنّع إن جاز

التعبير (11). إن القيمة تنتقل باستمرار من شكل إلى شكل آخر من دون أن تضيع في هذه الحركة، فتكتسب بذلك طابع ذات فاعلة آلياً. ولو ثبّتنا كل واحد من هذين الشكلين لتجلّي القيمة النامية ذاتياً، على التوالي، في مجرى حياتها، لتوصلنا إلى التعريفين التاليين: رأس المال هو نقد، وراس المال هو سلعة (12). والواقع أن القيمة تغدو، هنا، ذات فاعلة في صيرورة، فتتلبس بالتتابع شکل نقد ثم شكل سلع، وتغير مقدارها في الوقت نفسه، منجبة من أحشائها فائض قيمة، متميزة كقيمة أم عن القيمة الوليدة؛ بتعبير آخر أن القيمة الأصلية تنمي ذاتها بذاتها. ذلك لأن الحركة التي تضيف فيها القيمة إلى نفسها فائض قيمة إنما هي حركتها الخاصة، ونموها كقيمة يتحقق إذن بقوتها الذاتية. ولكونها قيمة، فقد اكتسبت خاصية خفية، خاصية توليد قيمة إضافية، خاصية إنجاب أطفال أحياء، أو في الأقل وضع بيوض ذهبية.
ولما كانت القيمة، هنا، ذاتاً مهيمنة في هذه العملية، حيث تتلبس خلالها شكل نقد مرة وشكل سلعة مرة أخرى، وتقوم خلال هذه التغيرات جميعها بصيانة وتوسيع نفسها، فإنه يلزمها شكل مستقل، شکل خاص تُثبت بواسطته هويتها المتماثلة مع ذاتها. ولا تحوز على هذا الشكل إلا في مظهر نقد. وفي هذا الشكل النقدي بالذات تبدأ القيمة عملية التوليد الذاتي وتنهيها. فقد بدأت القيمة في شكل 100 جنيه، وأضحت الآن 110 جنيهات، وهلمجرا. ولكن النقد ذاته ليس هنا إلا شكلا واحداً للقيمة، لأن للقيمة شكلين. وما لم يتخذ النقد شكل سلعة لن يصبح رأسمالاً. فلا يقف النقد هنا، في تناحر مع السلع كما هو الحال في الاكتناز. ويدرك الرأسمالي أن سائر السلع، مهما بدت هزيلة في المظهر ونتنة في الرائحة، إنما هي نقد إيمانا وحقيقة، وإنها في قرارة نفسها يهودي مختون، بل إنها علاوة على كل ذلك وسيلة تؤتي المعجزات فتصنع من النقد المزيد من النقد.
لقد رأينا أن قيمة السلع، في التداول البسيط، تكتسب في أحسن الأحوال شكلا مستقلا عن قيمها الاستعمالية، هو الشكل النقدي، غير أن هذه القيمة نفسها تظهر الآن بغتة، كجوهر مستقل يتمتع بقدرة ذاتية على الحركة، ويمر بصيرورة حياة خاصة ليست السلعة والنقد فيها إلا محض شکلين يتلبسهما وينزعهما بالتتابع. مهلا. ثمة من مزید:

فبدلا من أن تمثل هذه القيمة علاقات بين السلع، فإنها تقيم علاقة خاصة مع ذاتها، إن جاز التعبير. فهي تميز نفسها كقيمة أصلية عن ذاتها كفائض قيمة كما يميز الرب في شخصه بين الأب والابن، رغم أنهما في الواقع ذات واحدة وعمرهما واحد، لأن المائة جنيه المدفوعة في الأصل لا تصبح رأسمالا إلا بفعل فائض القيمة البالغ 10 جنيهات؛ ومنذ أن يقع ذلك، منذ أن يولد الابن، وبالابن يولد الأب، حتى يمحي الفارق، ويصبحا من جديد شيئا واحداً، هو 110 جنيهات.
إذن فالقيمة تصبح الآن قيمة في صيرورة ذاتية، نقدا في صيرورة ذاتية، وبهذا تكون رأسمالا. فهي تخرج من التداول، ثم تدخله ثانية، فتصون هناك نفسها وتضاعفها، ثم تعود للخروج من جديد وقد تعاظمت، لتعاود الدورة بلا انقطاع (13). (ن – نَ)، أي أن النقد ينجب النقد (money which begets money)، هذا هو تعريف رأس المال من فَم مفسريه الأوائل، المركنتليين.
الشراء من أجل البيع، أو إن توخينا الدقة، الشراء من أجل البيع بسعر أكبر، (ن – س – نَ)، يبدو بالفعل شكلا خاصة بنوع واحد من رأس المال، هو رأس المال التجاري. ولكن رأس المال الصناعي هو أيضا نقد يتم تحويله إلى سلع، وببيع هذه الأخيرة يعاد تحويله إلى نقد أكثر. والأنشطة التي تقع في الفترة الفاصلة بين لحظة البيع والشراء، خارج نطاق التداول، لا تغير شكل الحركة هذا. وأخيراً تبدو العملية (ن – س – ن) مختصرة بالنسبة للرأسمال الربوي، إذ إنها تجري بدون أي توسطات بشكل (ن – نَ)، أي في شكل نقد يساوي نقداً أكثر، في قيمة تحقق قيمة أكبر من نفسها.
لذا فإن (ن – س – نَ) هي، في الواقع، الصيغة العامة لرأس المال كما يظهر بصورة مباشرة في نطاق التداول.

 



__________

1)- إن التضاد بين السلطة التي تمنحها الملكية العقارية والتي تقوم على علاقات سيادة وتبعية شخصية، والسلطة اللاشخصية التي يمنحها النقد، يجد خير تعبير له في المثلين الشعبيين الفرنسيين “لا أرض بلا سيد” (Nulle terre sans seigneur) و”لا سيد للنقد” (L’argent n’a pas de maître).
(2- بالنقد نشتري السلع، وبالسلع نشتري النقد». (مرسييه دو لاريفيير، النظام الطبيعي والأساسي

للمجتمعات السياسية، ص 543).

(Mercier de la Rivière, L’ordre naturel et essentiel des sociétés politiques, p. 543).   

3)- حين يُشترى شيء بهدف بيعه من جديد فإن المبلغ المستعمل في الشراء يسمى نقداً مُسلّفاً، وحين

لا يشترى الشيء بغية البيع يقال إن النقد قد أنفق. (جيمس ستیوارت، المؤلفات، إلخ، أعدها للنشر ولده الجنرال سیر جيمس ستیوارت، لندن 1805، المجلد الأول، ص 274). 

(James Steuart, Works, etc., Edited by General Sir James Steuart, his son, London 1805, V. I, p. 274).

4)- يقول مرسييه دو لاريفيير للمركنتليين:

“إن النقد لا يُبادل لقاء نقد” (المرجع المذكور نفسه، ص 486). ويرد في مؤلف يعالج “التجارة” و”المضاربة” بخبرة المختص (ex professo) ما يلي: “كل تجارة إنما تقوم على تبادل أشياء من أنواع مختلفة، والمنفعة (التي يحصل عليها التاجر؟) تنبع من هذا الاختلاف. فمبادلة زنة باون الخبز بزنة باون من الخبز … لن تقترن بأية منفعة … وهذا يفسر أفضلية التجارة على المقامرة من زاوية المنفعة، حيث إن المقامرة تنطوي على محض مبادلة نقد بنقد. (ت . کوربیت، بحث في أسباب وأنماط ثروة الأفراد، أو تفسير مباديء التجارة والمضاربة، لندن 1841، ص 5).
(Th. Corbet, An Inquiry into the Causes and Modes of the Wealth of Individuals, or the Principles of Trade and Speculation Explained, London, 1841, p. 5).
وعلى الرغم من أن كوريين لا يدرك أن (ن – ن)، أي مبادلة النقد بالنقد، هو الشكل الذي لا يميز تداول رأس المال التجاري فحسب بل تداول كل رأسمال، فإنه يقر مع ذلك بأن هذا الشكل يميز كلا من المقامرة وأحد أنواع التجارة هو المضاربة، ثم يأتي ماکلوخ بعد ذلك ليعلن أن الشراء من أجل البيع هو مضاربة، وبذلك يتلاشى الاختلاف بین المضاربة والتجارة: “إن كل صفقة يشتري فيها الفرد منتوجاً لكي يبيعه ثانية هي في واقع الأمر مضاربة، (ماکلوخ، قاموس عملي، ونحوه، في التجارة، لندن، 1847، ص 1009).
ولا ريب في أن بنتو (Pinto)، مدّاح(*)” بورصة أمستردام، أشد سذاجة، فهو يعلن: “التجارة مقامرة (قول مستعار من لوك) ولا يمكن الربح من معوزين، ولو ربح المرء في كل شيء ومن الجميع لفترة طويلة لتوجب أن يعيد طواعية الجزء الأكبر مما ربحه كي يستمر في اللعب”، (بنتو، أطروحة في التداول والإتمان، أمستردام، 1771، ص 231).

(Pinto, Traité de la Circulation et du Crédit, Amsterdam, 1771, P. 231).

[(*) حرفيا: بندار بورصة أمستردام، وبندار شاعر إغريقي اشتهر بإزجاء المديح]. [ن .ع].

(*)- وردت بالإنكليزية بين قوسين إلى جانب التعبير الألماني: (Mehrwert) ويمكن ترجمتها بالقيمة

الفائضة، أو القيمة الزائدة أيضا. [ن. ع].

5)- ينقسم رأس المال إلى قسمين… رأس المال الأصلي والربح، هذه الزيادة التي طرأت على رأس المال… رغم أن الربح يدمج من الناحية العملية برأس المال على الفور، ويأخذ بالتداول معه”، (ف. إنجلز، خطوط أولية في نقد الاقتصاد القومي، نشر في الحوليات الألمانية – الفرنسية ، التي يحررها أرنولد روج و کارل مارکس، باريس، 1844، ص 99).

6)- يضع أرسطو فن الاقتصاد (okonomik) في معارضة فن جني النقود (Chrematistik). وهو يتخذ من الأول نقطة انطلاق. وفن الاقتصاد من حيث هو فن الاقتناء، مقصور على تأمين تلك الخبرات الضرورية للعيش، والنافعة إما للأسرة أو للدولة “تتألف الثروة الحقيقية من قیم استعمالية من هذا النوع، لأن كمية هذه الممتلكات التي تجعل الحياة سعيدة، ليست من غير حدود. وهناك على أية حال نمط آخر من فن الاقتناء، يمكن لنا أن نسميه بصواب، وعلى سبيل المفاضلة، فن جني النقود، ويبدو بالنسبة لهذا النمط أن ليس ثمة من حد للثروة والاستملاك. إن التجارة، (حرفياً تجارة المفرق، وياخذ ارسطو هذا النوع لأن القيم الاستعمالية تسود فيه) لا تنتمي بطبيعتها إلى فن جني النقود، لأن التبادل هنا يقتصر على الأشياء الضرورية لهم (للباعة والشارين). ويمضي أرسطو بعد ذلك ليبين أن تجارة المقايضة كانت الشكل الأولي للتجارة السلعية، وباتساع المقايضة برزت النقود بالضرورة، وعند ابتکار النقود تطورت تجارة المقايضة بحكم الضرورة إلى التجارة السلعية، وتطورت هذه التجارة بدورها، على الضد من نزوعها الأصلي، إلى فن جني النقود. ويميّز أرسطو بين فن جني النقود وفن الاقتصاد على هذا النحو: “لشكل التداول بالنسبة لفن جني النفود منبع الثروات. ويبدو أنه يدور حول النقد، لأن النقد هو

بداية ونهاية هذا النوع من التبادل. لذلك فإن الثروات التي يسعى فن جني النقود إليها، بلا حدود. ومثلما أن الفن الذي لا يؤلف وسيلة لبلوغ غاية بل هو غاية في ذاته، لا حدود لنزوعه، لأنه يسعى دائما لأن يقترب من تلك الغاية أكثر فأكثر، بخلاف الفنون التي تؤلف وسيلة لبلوغ غاية ولا تكون بالتالي من غير حدود، طالما أن الهدف الذي تتوخاه يفرض عليها حدوداً، كذلك الحال مع جني النقود، فهر لامتناهٍ بطبيعته، لأنه يسعى إلى بلوغ الثروة المطلقة. إن فن الاقتصاد محدود؛ أما جني النفود فلا … فالأول يتوخى شيئاً غير النقود، أما الثاني فيسعى لزيادتها … وبالخلط بين هذين الشكلين المتداخلين، توهم بعض الناس أن الحفاظ على النقود وزيادتها إلى ما لا نهاية هو غاية وهدف فن الاقتصاد”. (أرسطو، الجمهورية، تحرير إيمانوئيل بيكر، المجلد الأول، الفصلان الثامن والتاسع ومواضع أخرى).

(Aristoteles, De Rep. Edit. Bekker, lib, 1, c. 8, 9. Passim).

7)- إن السلع (هنا بمعنی قیم استعمالية) ليست الغاية النهائية للتاجر الرأسمالي، فالنقد هو غايته النهائية، (ت. تشالمرز، في الاقتصاد السياسي، إلخ، الطبعة الثانية، غلاسکو، 1832، ص 165-166).

(Th. Chalmers, On Political Economy etc., 2nd Ed, Glasgow, 1832, p. 165-166).

8)- “لا يستهين التاجر بربحه الحالي لكن عينه دائما على الربح المقبل”. (أ. جینوفیزي، دروس في

الاقتصاد المدني، 1765. طبعة کو ستودي للاقتصاديين الإيطاليين، القسم الحدیث، الجزء الثامن، ص 139) [بالإيطالية في الأصل. ن.ع].

9)- “إن الظمأ الذي لا يرتوي إلى الربح، التوق المقدس للذهب (auri sacra fames)، يقود الرأسماليين دوماً. (ماکلوخ، مبادىء الاقتصاد السياسي، لندن، 1830، ص 179).

(MacCulloch, The Principles of Polit. Econ, London, 1830, p. 179).

غير أن هذه النظرة لا تمنع هذا السيد ماکلوخ نفسه وأضرابه، عندما يواجهون صعوبات نظرية، كما هو الحال مثلا بالنسبة لقضية فيض الإنتاج، من تحويل الرأسمالي إلى مواطن أخلاقي لا يهتم إلا بالقيم الاستعمالية، بل ويعاني جوعاً ذئبياً للأحذية والقبعات والبيض والقطن، وطائفة أخرى من القيم الاستعمالية العادية تماما.

10)- الإنقاذ= أحد التعابير الإغريقية المميزة لوصف الاكتناز. كما أن للكلمة الإنكليزية (to save) المعنيين نفسيهما: إنقاذ وتوفير.

10a)- “هذا اللامتناهي الذي لا تبلغه الأشياء بالسير قدما، تبلغه بالدوران” (غالياني، [المرجع نفسه، ص 156]).

11)- “ليست المادة بل قيمة هذه المادة هي التي تصنع رأس المال”. (ج .ب. ساي، اطروحة في الاقتصاد السياسي، الطبعة الثالثة، باريس، 1817، الجزء الثاني، ص 429).

12)- “وسائل التداول [النقود] (!) المستخدمة في إنتاج الأشياء… هي رأسمال”. (ماكليود، نظرية

المصارف وتطبيقها، لندن، 1855، المجلد الأول، الفصل الأول، ص 55).

13)- “رأس المال: جزء يخصب ثروة تتراكم… إنه قيمة دائمة، تتضاعف”. (سیسموندي، المبادىء الجديدة للاقتصاد السياسي، الجزء الأول، ص 88-89).

(Sismondi, Nouveaux Principes d’économie Politique, T. I, p. 88-89).

لمراجعة الفصل السابق يرجى الدخول من الرابط أدناه:

رأس المال:  (ج) النقد العالمي